أبرهة الحبشي رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
أبرهة بن الصباح الحبشي، المعروف أيضًا بأبرهة بن الصباح الحميري أو أبرهة بن شرحبيل الصباح، هو صحابي جليل من الصحابة الذين أسلموا في الفترة المتأخرة من عصر النبوة، وكان من أبناء ملوك اليمن التبابعة (ملوك حمير). يُعد شخصية تاريخية بارزة في التاريخ الإسلامي المبكر، حيث جمع بين الملكية اليمنية والإيمان الإسلامي، وساهم في الفتوحات الإسلامية. سيرته مستمدة من مصادر تاريخية إسلامية مثل كتب السير والنسب، ويُفرق بينه وبين أبرهة الأشرم (صاحب الفيل) الذي هو جده أو جد أمه. معنى اسمه “أبرهة” يعود إلى السرياني أو الحميري، ويعني “إبراهيم” أو “طويل العمر” أو “أبو الزمن” (دعاء بطول البقاء).
نسبه وأصله
نسبه الكامل: أبرهة بن شرحبيل الصباح بن أبرهة بن الصباح بن شرحبيل بن لهيعة بن مرثد الخير بن ينكف ينوف بن شرحبيل شيبه الحمد بن معدي كرب بن مصبح بن عمرو بن الحارث ذي أصبح بن مالك بن زيد بن قيس بن صيفي بن حمير الأصغر بن سبأ الأصغر. ينتمي إلى قبيلة حمير (حمير العربية الثالثة أو السكاسك)، وكان ملكًا على تهامة ومخاليف رداع وصباح، وعاصمته مدينة “موكل” (تقع اليوم في مديرية صباح بمنطقة رداع في اليمن)، التي كانت مركزًا حضاريًا يقصده الوفود من أنحاء الجزيرة العربية. أصله حميري يمني، لكنه يُوصف بـ”الحبشي” بسبب روابط عائلية مع الحبشة، حيث كان جده الأول أبرهة بن الصباح من رجال أصحمة النجاشي (ملك الحبشة)، الذي لجأ إليه المسلمون في الهجرة الأولى إلى الحبشة. هناك خلاف في الأصول، فبعض الروايات تربطه بقبائل حبشية سيطرت على حمير، لكنه غير أبرهة الأشرم (ملك الحبشة الذي حكم اليمن من 535 إلى 570 م)، الذي هو جد أمه أو جد أسرته. حكم 73 سنة في الجاهلية، وكان عالمًا جوادًا، وولي بعد حسان بن عمرو.
علاقته بأبرهة الأشرم (صاحب الفيل)
أمه هي ابنة أبرهة الأشرم، الملك الحبشي الشهير الذي غزا مكة بجيش من الفيلة في عام الفيل (حوالي 570 م)، كما ورد في سورة الفيل في القرآن الكريم. هذا يجعله حفيد أبرهة الأشرم من جهة الأم. ومع ذلك، يجب التفريق بينهما، إذ لم يكن أبرهة الأشرم مسلمًا وتوفي قبل الإسلام، بينما أبرهة بن الصباح أسلم وأصبح صحابيًا. هناك شعر جاهلي يذكره، مثل قول لبيد: “عن سهام المنايا وغلبن أبرهة الذي ألفينه… قد كان يخلد فوق غرفة موكل”، مشيرًا إلى قصره في موكل.
إسلامه ومكانته عند النبي محمد ﷺ
أسلم أبرهة في اليمن أواخر السنة الثامنة للهجرة، بعد بعثة الرسول ﷺ جرير بن عبد الله البجلي إلى مناطق حمير لدعوتهم إلى الإسلام، فاستجاب وأعلن إسلامه. في السنة العاشرة للهجرة، انطلق مع وفد من أقيال حِمْيَر (فرسان حمير) إلى المدينة المنورة، حيث استقبله النبي ﷺ بحفاوة كبيرة. فرش له الرسول ﷺ رداءه الشريف في المسجد النبوي ليجلس عليه، وقال لأصحابه: “إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وهذا كريم قومه”. هذا التكريم يعكس مكانته كملك وكريم قومه، ولم يكن مدينًا بإسلامه لأحد غير الله، كما ذكر الفاكهي في كتابه عن مكة. سكن مكة قبل الإسلام، ثم انتقل إلى المدينة مع ابنيه أبو شمر وكريب، وبقي مع النبي ﷺ فترة قبل عودته إلى اليمن. روى عن النبي أحاديث، مثل: “إنما يبعث المقتتلون على النيات”. هناك خلاف إن كان ذو الكلاع (لقب له أو لابنه)، لكن الأرجح أنه التقى النبي وأسلم مباشرة.
مشاركته في الفتوحات الإسلامية
بعد وفاة النبي ﷺ، توجه أبرهة إلى أبي بكر الصديق مع عسكر من حمير، وشارك في التصدي للردة. في عهد عمر بن الخطاب:
• فتح الشام والعراق (13-16 هـ): انضم إلى الجيوش، شهد فتح دمشق والرملة في فلسطين مع أبي عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان.
• فتح مصر (19-20 هـ): شارك تحت قيادة عمرو بن العاص مع أبنائه كريب، أبو شمر، معدي كرب، وشرحبيل (يلقب بيكسوم). ساهم في تأسيس مدينة الجيزة، وكان عميدًا لعشائر أصبح وعشيرة الصباح من حمير، وفتح دمياط.
• فتح النوبة (السودان، 31 هـ): قاد ابنه أبو شمر (أو أبو شعر) الجيش. في الفتنة الكبرى:
• ابنه أبو شمر (أو أبو شعر) قاد مع علي بن أبي طالب في موقعة صفين (37 هـ) واستشهد هناك، بينما كان كريب مع جيش معاوية وداعمًا للتحكيم. في اجتماع الحكمين بدومة الجندل (38 هـ)، قال أبو موسى الأشعري: “لو كانت الخلافة تُستحقُ بالشرف لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصباح فإنه من أبناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا مشارق الأرض ومغاربها”. وصف علي ابنه: “وقوم هذا وهم بقية تبع”.
وفاته وإرثه
بلغ أبرهة سنًا متقدمًا بحلول السنة 35 هـ، فتولى ابنه أبو شمر القيادة. قضى أيامه الأخيرة في الشام، حيث توفي في نهاية العصر الأموي (حوالي 41 هـ)، ودفن بين أبنائه. له ذرية منتشرة في دمشق (بنو كريب)، الكوفة، فلسطين، والشام (معدي كرب سيد حمير هناك)، بالإضافة إلى أسر في مصر. يُذكر في كتب السير مثل “الإصابة في تمييز الصحابة” لابن حجر العسقلاني، حيث يُعد من بين أربعة صحابة يحملون اسم أبرهة، وهناك خلاف في بعض الروايات إن كان تولى حكم مكة في فتنة الأمويين (129 هـ)، لكن هذا قد يكون خلطًا مع شخص آخر. كما يحمل أحد شوارع المدينة المنورة اسمه (“شارع أبرهة الحبشي” في حي البستان)، تكريمًا لمكانته كصحابي جليل.
التعديل الأخير تم بواسطة ثريا نبوي ; اليوم الساعة 05:56 AM
سبب آخر: تصويب كلمة أقبال حِمير؛ حيث هي أقيال جمع قَيل بمعنى فارس أو أمير يمني