قديم 08-03-2011, 12:51 AM
المشاركة 11
ماجد جابر
مشرف منابر علوم اللغة العربية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي
سحر الاسلام وجاذبيته.. غــــوتـــه الـــذي أســـــــــــــلـم
مرتضى حســـين
غوته اكبر شعراء ألمانيا كان شديد التأثر بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعاليم الإسلام:
وبخطوة قائد ثابتة
يجر معه مصادر أخوته
وتحت وطأة قدمه
تنبت في الوادي زهور
وتحيا من أنفاسه مروج
ولكن لا يصده واد ظليل
ولا زهور، إذ هي تطوق ركبته
وتتملق له بعيون حبيبة

بمثل هذه الأبيات من قصيدة طويلة مدح الشاعر الألماني الشهير فولفغانغ فون غوته (1749-1832) رسول الإسلام محمد (ص). أن غوته يرى في محمد قائداً روحياً منقذاً للإنسانية، وأنه كالنهر العظيم يجر معه الجداول والسواقي في طريقه إلى البحر الخضم. أنه أخو الإنسانية، ومعه يأخذ الأخوان إلى حياة أسمى.
وقد نظم الشاعر قصيدته الرائعة هذه في ربيع عام 1772 عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره وبعد أن درس ما وصلت إليه من أدبيات عن حياة محمد (ص) وتعاليمه الإسلامية. وكان هدفه من ذلك أن ينظم دراما عن حياة النبي وقد شرع بنظم هذه القصيدة بأسلوب مناجاة وحديث شعري يتبادله علي وفاطمة (ع) كما تحدث غوته موضحاً ذلك في ديوانه “خيال وواقع” ولكنه بعد ذلك جعلها قصيدة واحدة بعنوان “سنة محمد”.
وليست هذه القصيدة الرائعة هي الوحيدة التي تعبر عن إعجاب الشاعر العالمي غوته بمحمد (ص) ورسالته بل هناك قصائد أخرى ومقالات ضمتها مؤلفاته الغزيرة بمادتها الفكرية والشعرية وكلها توضح موقفه الإيجابي وتقديره القيم لرسالة محمد (ص) الفكرية والإنسانية. وما ديوان الشاعر غوته الذي نشره في 1819 بعنوان “الديوان الشرقي الغربي” إلا انعكاس لتعلق هذا الشاعر العظيم بشخصية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبحياة العالم العربي والإسلامي حتى قال غوته عن نفسه:
“أنه لا ينفي عنه، أنه نفسه مسلم”.
أن الديوان الشرقي الغربي طافح بصور مجسدة عن حياة المسلمين والاستشهاد بأقوال وأوصاف ونماذج من سور القرآن والشعر الإسلامي والأفكار التي حملتها التعاليم الدينية الإسلامية.
لقد كان غوته موسوعة علمية وأدبية واهتمامه بالديانات لا يقل عن اهتمامه بالشعر والعلوم الطبيعية ومن هذا المنطلق حفز مشاعره ما جاء في القرآن من أفكار في الحياة والوجود ووصف للظواهر الطبيعية وقد ساعده على ذلك انبثاق عصر النهضة والتسامح الفكري الذي ساد الحقبة الزمنية التي عاصر. فبعد قرون طويلة من الحروب بين المسيحيين الأوربيين والمسلمين ولا سيما منها الحرب الصليبية تفتح الغرب على معرفة نيرة متسامحة إزاء الشرق وما فيه من معالم حضارية وفكرية إنسانية. وكان الدين الإسلامي أقرب الديانات إلى الغرب بعد المسيحية. ولعل الغرب تأثر بما نقله العرب في الأندلس من تراث فكري عربي وإسلامي إلى غربي أوربا وبالاحتكاك بين الغرب والشرق عن طريق الحروب الصليبية التي نقل بها الغربيون إلى أوربا معارف واسعة عن حياة وتقاليد وأفكار العرب والمسلمين. وفي سنة 1698 صدرت طبعة للقرآن باللغة اللاتينية بترجمة القس الإيطالي لودفيكو ماراتشي.
دراسات ومؤلفات فكرية غربية كثيرة أنصفت الإسلام وأصبحت أسساً وخلفيات استند عليها الشاعر الألماني الكبير غوته في صياغة معلوماته ومداركه عن الإسلام والآراء التي حملها النبي محمد (ص) في رسالته. ثم هناك عامل هام آخر يجدر التنويه إليه. وهو عامل التجانس الفكري بين المبادئ الإسلامية واعتناق الشاعر غوته لمبادئ فلسفة مايسمى بـ”وحدة الوجود” (Pantheism) التي تتلخص بفكرة وحدة الكون والألوهية وقد كان غوته متأثراً بفلسفة سبينوزا في هذا التفكير. فعبارة القرآن “وسع كرسيه السماوات والأرض” ووصف الإمام علي عليه السلام لذات الإله بأنه لا يحد ولا يعد، والآية القرآنية “ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله” هي من الدلائل التي عززت رأي غوته بأن الفلسفة الإسلامية قائمة على وحدة الوجود حسب فهمه.
قال غوته في الديوان الشرقي الغربي:
لله المشرق
لله المغرب
رحاب الشمال والجنوب
مستقرة بسلام في يديه
وفي محاورة بين النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومرضعته حليمة السعدية (رض)، كما ألفها غوته، يقول النبي عن الله تعالى:
ـ ألا ترينه؟ أنه يلتقي بي في كل منبع هادئ، وتحت كل شجرة زاهرة بدفء محبته.
وتسأله حليمة: “أين يقطن”. فيجيبها محمد (ص):
ـ “في كل مكان”.
كما كان يرى غوته وحدانية الله تعالى كما جاء بها الإسلام فهو يستشهد بالآيات القرآنية التي أكدت في مواقع لا حصر لها أن الله تعالى وحده لا شريك له وقد كتب غوته في مراسلاته مع بعض أقرانه من علماء عصره ما يعزز اعتقاده بوحدانية الله، من ذلك قوله أن الكافرين يسألون محمداً (ص): أليس لربك شركاء. فيجيبهم محمد (ص) لو كان له شركاء فكيف يكون إلهاً.
فشخصية محمد (ص) حظيت بإعجاب الشاعر الألماني الكبير بصفته حامل رسالة روحية وفكرية للإنسانية جمعاء وبصفته عبقرياً اتصف بقدرة روحية وعقلية كبرى وخلق عظيم أو بعبارة أخرى ما قاله غوته عن النبي محمد (ص) في كتاب “خيال وحقيقة” ينبغي شرح كل ما تملكت العبقرية من أخلاق وفكر عن الإنسانية. وقد رد غوته بمؤلفاته على من قال أن محمداً (ص) ليس نبياً. كثيراً ما استشهد بآية القرآن الكريم “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم”. أو الآية الواردة في سورة الرعد: “ويقول الذين كفروا لست مرسلاً. قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم”. والآية الواردة في سورة الإنعام وهي “وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين”.
وقد كتب في رسالة إلى أحد العلماء الشباب ضمنها قوله: “انه لحق ما قاله الله في القرآن: ما أرسلنا من نبي إلا بلسان قومه”. وكتب غوته في 1827 رسالة إلى العلامة الإنجليزي توماس كارلايل ضمنها قوله: “أن القرآن يقول أن الله يرسل لكل قوم نبياً بلغتهم”. وقد أورد غوته مثل هذه الكلمات في مقالة له كذلك في 1828.
أن الشاعر غوته يرى في محمد (ص) بذاته معجزة فقد جاء له البيتان التاليان:
يقول النبي: أنا لا أستطيع صنع معجزة فالمعجزة الكبرى هي أنا.
كما أن إعجاب غوته بشخصية محمد (ص) ناجم عن إدراكه حقيقة أن محمداً لم يقصر حياته على مجرد بث التعاليم الدينية والروحية وإنما استخدم في تأدية رسالته ونشر دعوته الالهيه وسائل كفاح دنيوية. ففي كتاب “خيال وحقيقة” أوضح غوته أن النبي محمداً كان قائد ميدان استخدم كثيراً من وسائل الحرب من أجل غايته وهدفه أسوة بكل قائد. لقد استخدم محمد (ص) الوسائل الدنيوية المقاتلة كالسيف في سبيل تحقيق أهداف ومثل الحق.
وقصيدة غوته التي نظمها بعنوان “سنة محمد” تمثل إبداعاً شعرياً رائعاً في وصف شخصية هذا النبي العربي العظيم متحدثة عن جسامة مسؤوليته الكبرى التي نهض بأعبائها لإنقاذ اخوته العرب واخوته الناس أجمعين على حد تعبير هذه القصيدة.
أما إعجاب غوته بالقرآن الكريم وما فيه من تعاليم فقد عبر عنه الشاعر في مواقف متعددة من خلال قصائده ومقالاته ورسائله. وأول اهتمام لغوته بالقرآن الكريم وتعاليم الإسلام كان في عام 1772 عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، فقد كتب في حزيران من ذلك العام رسالة إلى العلامة (هيردر) توضح اهتمام الشاعر بالبحث المتواصل عن فضيلة أصيلة. ومما جاء في هذه الرسالة استشهاده بآية من القرآن الكريم. إذ كتب يقول: “أريد أن أصلي كما صلى موسى في القرآن قائلا: ربي أشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي”.
وفي تلك السنة اطلع غوته على طبعة للقرآن الكريم باللغة الألمانية بترجمة البروفيسور ميغيرلين (Megerlin) من مدينة فرانكفورت على نهر الماين. وكان هذا البروفيسور أول عالم ألماني ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية مباشرة من اللغة العربية ولكنه كان يشكك في الوحي والنبوة.
فما كان من الشاعر غوته إلا أن رد عليه بمقالة نقدية شديدة اللهجة مبيناً أن رأيه في القرآن الكريم أسمى من رأي البروفيسور ميغيرلين. كما دعا غوته في مقالته هذه إلى ترجمة القرآن الكريم تحت سماء شرقية يترجمه ألماني يقرأه في خيمته بكل إحساس نبوي وشاعري (حسب تعبير غوته). كما فضل غوته ترجمة جورج سيل للقرآن الكريم باللغة الإنجليزية على ترجمة ميغيرلين الألماني. وفي قصائد غوته في الديوان الشرقي الغربي عباراته “القرآن المقدس” و”الكتاب المقدس” و”الميثاق المبارك”. ومن أبياته عن القرآن الكريم:
فيما إذا كان القرآن أبديا
هذا ليس محل شك
أما أنه كتاب الكتب
فهذا ما اعتقده من خلال واجب المسلمين
وعبارته هذه توضح بصراحة اعتناقه للدين الإسلامي والتزامه بتقديس القرآن الكريم تقديساً واجباً على كل مسلم. وهذا ما تعززه عبارته التي أوردها بأن مؤلف “الديوان الشرقي الغربي” لا ينفي عن نفسه أنه مسلم. ومن أبياته في هذا الديوان:
من الحماقة أن كلا في وضعه
يطري رأيه الخاص
فإذ أن الإسلام يعني الاستسلام لله
فكلنا نحيا ونموت في الإسلام
القرآن في شتى المناسبات. لقد صاغ غوته بعض الصور والمعاني القرآنية في عديد من أبياته دليلاً على إعجابه بها وسعة إدراكه لمضامينها. فيقول القرآن في سورة البقرة: “أن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة” مما يثير اهتمام غوته حتى بصغائر الأمور التي تمثل رغم ضآلتها قوة في استدلاله على أن الله تعالى يتجلى في جميع الظواهر الطبيعية. فغوته يقول:
الا احتاج إلى مقارنة
وفق ما أهوى؟
ها هو الله يقدم مقارنة
للحياة ببعوضة
ونظم غوته مضموناً من سورة الفاتحة بالأبيات التالية:
يريد الضلال أن يضللني
ولكنك تعرف كيف تهديني
فأن سلكت وأن نظمت شعراً
فأهدني الصراط المستقيم
أما وصف الظواهر الطبيعية الذي أثار إعجاب غوته بالقرآن الكريم فألهمه نظم صور من هذه الظواهر بأبيات رقيقة سواء في الديوان الشرقي الغربي أو في مؤلفه “خيال وحقيقة” فقد نظم الآية الواردة في سورة الإنعام وهي “وهو الذي جعل لكم النجوم. لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر” بالأبيات التالية:
لقد ثبت لكم النجوم
هادية في البر والبحر
لتسترشدوا بها
ناظرين دائما إلى الأعلى
وقد جمع غوته بخط يده مختارات من عشر سور ما زالت محفوظة، تعكس توافقها مع تفكيره وقناعته بأن الله تعالى يتجلى في الطبيعة التي ابدع صنعها بجميع ظواهرها. من ذلك الآية التي نظمها شعراً وهي “ولله المشرق والمغرب. فأينما تولوا فثم وجه الله” وغيرها الكثير من الآيات القرآنية التي نظمها. ويضيف غوته القرآن فيقول:
شاهدت بدهشة وسرور
ريشة طاووس في القرآن
فمرحبا بك في هذا الموقع المقدس
يا أثمن كنز على الأرض
فيك وفي نجوم السماء
تدرك عظمة الله من الأمور الصغيرة
فهو ينظر إلى العوالم
وعينه متركزة هنا
كما قال غوته في القرآن: “أن هذا الكتاب سيبقى بتأثره الرفيع إلى مدى عصور أبدية فهو صــورة عملية جداً تلائم حاجات أمــة يستند مجدها على تقاليد عريقة وعـادات أصـيلة”.
الفيلسوف الاسباني ميجيل اونامونا:


مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: يوهان فولفغانغ غـوته Johann Wolfgang von Goethe
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
يوهان فيليب ريس أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 01-31-2024 04:55 AM
يوهان غوتنبرغ أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 05-23-2016 08:38 PM
العربية دراسَة في اللغة واللهجات والأساليب - يوهان فك د. عبد الفتاح أفكوح منبر رواق الكُتب. 0 06-17-2014 10:42 PM

الساعة الآن 12:54 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.