قديم 03-17-2024, 12:59 AM
المشاركة 11
محمد جاد الزغبي
مستشار ثقافي

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: كيف نفهم قضية فلسطين (القصة الكاملة)

*حركة التغريب تبدأ نشاطها.

هناك ملحوظة هامة دوما ما نلفت نظر القارئ الكريم لها خلال صفحات هذا الكتاب.
حيث أن هدف الكتاب في المجمل، التركيز على نقطة الضعف الكبرى التي كسب بها الغرب سائر معاركه معنا حتى اليوم.
فسيلاحظ القارئ خلال صفحات الكتاب أننا نتحدث عن بداية التخطيط الغربي لاختراق الشرق بأكمله من خلال الحركة الصهيونية.
وأن هذا التخطيط بدأ باستراتيجية عميقة الجذور وبالغة القدم، بدأت منذ بدايات القرن التاسع عشر.
ورغم هذا...
سيلاحظ القارئ أن معظم عناصر الخطة الغربية الموضوعة في ذلك الزمن البعيد، لا زالت تتكرر بنفس السيناريو تقريبا
بمعنى أن الغرب وضع استراتيجية للتعامل مع العرب منذ أكثر من مائتي عام، ورغم هذا لا زالت الخطة صالحة للاستخدام وبنفس الثوابت وبنفس الطريقة دون أدنى تغيير.
وهذا هو العار الحقيقي الذي لحق بنا جميعا.
فنجاح أي خطة خداع مرتين لعدو واحد تدل على الغباء، فما بالك بأن الخصم يستخدم نفس أدبيات المراوغة لأكثر من مائتي عام ولا زالت تؤدي نفس النتائج!
وأسباب هذا الأمر المخجل يعود إلى أن البريطانيين استخدموا عنصرين فقط، لا ثالث لهما للنجاح، وهو نشر التجهيل المتعمد بأدبيات وتاريخ الشعب
والسبب الثاني أنه انتقى العناصر الصالحة للتجنيد والذين عملوا كوكلاء فكريين للغرب – على حد تعبير د. عبد الله النفيسي – وهؤلاء هم الذين قادوا حركة التغريب والعلمنة في مصر والشرق منذ بدايات القرن العشرين ولا زالت أعشاشهم تفرخ جيلا بعد جيل حتى اليوم.
المصيبة أنهم يعملون بنفس الأسلوب، ونفس القضايا ونفس الطريقة ورغم هذا يصادفهم بعض النجاح.
أي نعم أن نجاحهم ليس جماهيريا، بل محدود بطبقة معينة، إلا أن وجودهم في حد ذاته والسماح بظهورهم هو نجاح لهم في الأساس.
فهل تتخيل عزيزي القارئ أن نفس الكلام الذي يُقَال عن المقاومة الفلسطينية واتهامها بالإرهاب اليوم، هو نفس الكلام الذي قيل من قبل عن (عرابي) وأنصاره عندما تصدوا للاحتلال الإنجليزي، ونفس الكلام الذي قيل على من قاوم الحملة الفرنسية!
وهو نفس الكلام الذي قيل عن المقاومة الفلسطينية الشعبية التي قادها رموز المقاومة الأوائل في الثلاثينيات من القرن الماضي.
وهل تتخيل عزيزي القارئ أن الكلام عن تخلف العرب وحضارتهم وعن ضرورة هجر القرآن والسنة والتحول العلماني إلى مبادئ الانفلات الغربي باعتباره مشعل التنوير للأمة.
هذا الكلام الذي نسمعه في الإعلام بتكرار ممجوج، هو نفس الكلام الذي قالته حركته التغريب منذ عشرينيات القرن الماضي.


وإذا سألت نفسك عزيزي القارئ عن سبب توالد هذه الفئة عبر هذا الزمن ووجود فئة ضائعة العقل تستمع لهم، وعن سبب نجاح الغرب المتكرر في سياسته ضدنا.
فالسبب الحقيقي أنهم راهنوا على تشتيت الوعي القومي بين الناس، وتقزيم كل معاني العلم والثقافة والاطلاع والبحث عن الدليل
فصارت الثقافة الضرورية نخبوية، ينادي بها علماء ومفكرون أخلصوا لقضيتهم ولأوطانهم لكنهم عاشوا تحت قيد الإهمال المتعمد، والحرب الصامتة على إنتاجهم الفكري، بالذات بعد أن انتهى عصر القراءة والاطلاع، وأصبحت أجيال اليوم تعيش ثقافة الزمن الأمريكي الذي أصبح كل شيء فيه يخضع لثقافة (التيك أواي)
فصارت المراجع البحثية مهجورة بعد أن ماتت القدرة على قراءتها، لا سيما وأن الأحوال الاقتصادية المتردية جعلت العقول تلهث بشكل دائم بحثا عن لقمة العيش حتى صارت القراءة والبحث عن الحقيقة من الرفاهية التي تجلب السخرية إذا نادى بها عالم أو مفكر، وكل هذا كان متعمدا وليس من قبيل الصدفة

أما كيف نفذها البريطانيون في مصر أولا.
فالمفاجأة أن خطة التغريب التي نجح فيها البريطانيون، كانت أيضا إنتاجا فرنسيا لم يكتمل وينتظر الحاضنة المناسبة لينمو ويعلو.
فأعاد البريطانيون رعايته بشكل تنظيمي وسياسة مستمرة عند دخولهم إلى مصر.
أي أن بريطانيا لم تنجح فقط في تنفيذ مشروع الصهيونية الفرنسي الأصل وحده، بل نفذت مشروع التغريب الذي بدأ من فرنسا في الأصل.
لكن الفارق الوحيد بين النموذجين أن خطة نابليون الفرنسية لتوطين اليهود كانت مُخَططا مسبقا له أهدافه التي فشل فيها فطبقته بريطانيا.
أما التغريب فقد بدأ من فرنسا لكنه بغير تخطيط مسبق منها بل بسبب المبادرة المصرية نفسها التي بدأت عصر التحديث والتطوير التكنولوجي والتعليمي في زمن (محمد علي).
فقد بدأ محمد علي مشروعه بإرسال البعثات المصرية لأوربا – لا سيما فرنسا وإيطاليا-بغرض جَلْب وتوطين الصناعة والتكنولوجيا في مصر بعد أن اهتم محمد علي بالتعليم وأسس في مصر المدارس الحديثة في سائر المجالات.
والغريب أن (محمد علي) كان قد احتاط من كارثة التغريب الاجتماعي والديني التي قد تلحق بالبعثات، لأن أي سياسي عاقل وصاحب مشروع قومي مثل (محمد علي) كان يدرك تماما أن البعثات العلمية إذا انحرفت عن أهدافها في نقل التكنولوجيا وتوجهت لدراسة الاجتماع والأديان وطبائع الأوربيين فهذا معناه انسلاخ هؤلاء الشباب عن ثوابتهم الحضارية وطباعهم الموروثة وأعرافهم الاجتماعية، بالذات في ظل الفلسفة الجديدة في أوربا التي أفرزت خلافات هائلة بين مختلف الشعوب، وانفجرت الفوضى العارمة في استخدام شعار الحرية بشكل متطرف.

وقد كانت هذه الفوضى ظاهرة طبيعية لأن الثورة الفرنسية جاءت بالحرية للشعب بعد كَبْتٍ طويل واستبداد أطول، فكان لزاما أن تأتي الحرية المفاجئة بالتطرف التقليدي الذي يُصَاحب الانفجار بعد كبت طويل
فضلا على الاختلاف الحضاري الفادح بيننا وبين أوربا.
فالجمود الديني والتسلط الكنسي في أوربا كان سبب تخلفها، لأن الكنيسة طَوّعت الدين لأهداف فئة الحكم وقصور النبلاء.
ولذلك بدأت أوربا عصر النهضة الصناعية في سائر العلوم عقب أن تخلصت من ميراث التخلف الذي ورثته لقرون طويلة وكان يُحَرّم حتى العلوم الدنيوية التي لا غنى عنها كالكيمياء والفيزياء والفلك وغيرها.
ولا أحد ينسى أن الكنيسة حاربت كل اكتشاف علمي يخالف معتقداتها المحرفة، مثل اعتبار أن الأرض هي مركز الكون وأن الكون نفسه عمره لا يزيد عن خمسة آلاف عام، وأن الشمس تدور حول الأرض وأن الأرض ثابتة لا تدور .... الخ تلك المعارك التي نشبت بين العلماء والكنيسة الغربية.

بل إن المجتمعات الأوربية في عصور الظلام عانت من تسلط الكنيسة على أمور الفطرة، مثل النظافة والاغتسال، واعترف مؤرخو الغرب بأن أوربا لم تعرف الاغتسال والحرص على النظافة الشخصية، وأنظمة الحجر الصحي ومكافحة العدوى للأمراض المعدية إلا من المسلمين.
فيحكي (مارك جراهام) في كتابه (كيف صنع الإسلام العصر الحديث) عن عبقري الطب العلامة (الرازي) الذي عالج أمراضا مستعصية كالإدمان وبعض الأمراض المعدية التي كانت وقتها تفتك بالأوربيين، وكيف أن المسلمين نجوا من هذه الأمراض بفضل حرصهم على النظافة والاغتسال واتخاذ التدابير الوقائية الصحيحة لمكافحة الأمراض ومنع انتشارها، تبعا لما تأمر به شريعتهم من الحض على النظافة.
ويضيف (مارك جراهام) قائلا بالحرف:
(بينما كان الاغتسال في أوربا محرما كنسيا، ولم يصبح معروفا حتى عصر النهضة الأوربية عندما اخترقت القيم الإسلامية المجتمعات بقوة)
وبالتالي فإن الثورة العلمانية في أوربا كانت لها أسبابها المنطقية والطبيعية.
بينما الحضارة الإسلامية هي الوجه المعاكس لكل ذلك.
فقد جاء الدين الإسلامي للعرب، وهم مجرد قبائل متناحرة يتسلط فيها القوي على الضعيف، وليس لهم عطاء حضاري في عالمهم، ويغمرهم تخلف الشرك والفُرْقة.
فجاء الدين والوحي الشريف وخلال أقل من ثلاثين عاما أصبحت الجزيرة العربية دولة كبرى ولم يمض عقد من الزمن عليها حتى صارت القوة الأعظم في عالمها واستمر تفوقها كما هو معلوم لعدة قرون.
ومع التفوق العسكري والسياسي انطلق التفوق العلمي كاسحا حتى بلغ في عهد العباسيين والأندلسيين شأوا عظيما وصارت جامعة بغداد وجامعة قرطبة أكبر منارات العلم التجريبي في العالم لعدة قرون" ".
وكانت المعادلة العظمى لهذا التفوق هي الحفاظ على التماسك المجتمعي للشعب، والحفاظ على ثوابت القرآن والسنة، ولم يبدأ الانهيار إلا بعد دخول دعاوى التطوير والتحديث في الخطاب الديني والتاريخي وإدخال الفلسفيات العقائدية واستبدال قوانين الشريعة بالقوانين الوضعية، وقضايا الجدل الفارغ التي كانت سببا في انهيار العثمانيين ومن قَبْلِهم الأندلسيين لأسباب م

الخلاصة.
أن التحكم الديني والموروث الفكري لأوربا كان سببا رئيسيا في تخلفها بعصور الظلام، بينما الموروث الديني والحضاري للعرب كان السبب في خلق حضارتهم أصلا وتطورها.
فجاءت دعاوى التحديث من حركة التغريب لتقيس هذا على ذاك وتزعم أن سبب تخلفنا هو ميراث القرآن والسنة والعلوم والآداب الإسلامية!
وهي محتويات حقيبة التجديد التي أتى بها حامل القبعة لحامل العمامة، بدليل أن تجديدهم هذا مستمر من قرن ونصف ولم يفرز لنا إلا مزيدا من التبعية للغرب ومزيدا من الانسحاق الحضاري والعلمي، ولم نر علمانيا واحدا أو تغريبيا واحدا أفاد أمته بمثقال ذرة ولا حتى بمجرد الاصطفاف الواحد مع باقي الشعب في القضايا الوطنية.
بل خرجوا جميعا للدفاع عن السياسة والثقافة الغربية في المجمل وبمنتهى التبجح خرج منهم من ينادي بضرورة إعادة احتلال الغرب لمصر، وخرج منهم من دعا للاحتفال بدخول الحملة الفرنسية لأنها حملة تنوير، وخرج منهم من دعا لتكريم الخونة الذين اصطفوا مع نابليون ورفعوا السلاح في وجه المصريين، وخرج منهم مؤخرا من اتهم المقاومة الفلسطينية في عملية (طوفان الأقصى) بأنها مارست الإرهاب ضد إسرائيل، وأن إسرائيل دولة صديقة تحارب المقاومة نيابة عن الدول العربية لذلك يتوجب مساعدتها!
وهذا ما أدركه (محمد علي) وهو يرسل بعثات التطوير العلمي، واتخذ احتياطه منه لأن الأخطر من الانتماء الاجتماعي لأوربا هو الانتماء السياسي الذي سيجعل من أهل التغريب عملاء وظيفيون للغرب ووكلاء عنه.

ونظرا لأن محمد علي كان يُعِد مشروعا قوميا بالأساس، فكان من الطبيعي أن يتخوف من ذلك لهذا أرسل مع كل بعثة طلابية شيخا أزهريا يقوم على متابعة الطلاب ويحرص على بقاء عاداتهم وثوابتهم بعيدة عن التأثر بالانحلال والطبيعة الغربية
ولم يكن ما فعله محمد علي غريبا، بل هو شأن أي أمة تحترم نفسها، إذ أن العلوم نوعان.
النوع المادي أو التكنولوجيا العلمية وهذه ميراث إنساني متبادل ومشترك بين مختلف الحضارات، نظرا لأن العلوم العملية عبارة عن بناء رأسي يتكامل بعضه فوق بعض، ومن الطبيعي أن تساهم كل حضارة بنوع من الاكتشافات والتطور.
والنوع الثاني من العلوم هي العلوم الاجتماعية، وأخطرها الثوابت الحضارية لكل أمة مستقلة ذات تاريخ وشأن.
وهذه عبارة عن بناء أفقي غير قابل للتطوير المادي أو العولمة، لأنه خصيصة من خصائص كل مجتمع، فمن الهزل أن نتصور قيام العالم أجمع على طبيعة اجتماعية واحدة، مع اختلاف الأديان والعقائد والتقاليد.
ولذلك عندما كانت (اليابان) -العريقة حضاريا-تعاني في نهايات القرن التاسع عشر من التخلف التكنولوجي والصناعة الفقيرة قامت أيضا بإرسال البعثات التعليمية إلى أوربا، وأيضا حرصت على حفظ انتماءات طلابها من الأفكار الاجتماعية الغربية، فكانت النتيجة أن عاد هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم إلى اليابان وأشرفوا على نهضتها الصناعية الكاسحة التي بدأت بصناعة محركات السيارات والتي تطورت لصناعة السيارات نفسها، فضلا على الصناعات البحرية.
ولم تدخل اليابان في معترك التقلبات الفلسفية التي كانت تغمر أوربا في هذه الفترة، وكان من نتيجة حفاظ اليابان على ثوابتها وتاريخها وأخلاقها وانتماء شعبها لأرضه وأعرافه، أن تمكنت في سنوات قليلة من منافسة أوربا في الصناعة.
بل إن هذا الانتماء الجذري العميق هو الذي وقف خلف تلك الروح القتالية العالية التي امتصت صدمة الضربة النووية في الحرب العالمية الثانية، فأعاد الشعب الياباني بناء بلاده ومصانعه وامتلك ناصية التكنولوجيا والتفوق الاقتصادي حتى ناطح التقدم الأمريكي نفسه.

وكانت البعثات في عهد محمد علي تقوم بنفس الأمر، إذ لم يرسل محمد علي البعثات إلا في التخصصات العلمية المعملية، وكان يتابع أحوال البعثات متابعة دقيقة وينهاهم بشدة عن الانشغال بأي شيء إلا تحصيل العلوم المطلوبة منهم مع التدريب العملي
لكن البعثات بعد عصر (محمد علي) انحرفت عن أهدافها وتوجهت للعلمانية والتغريب لا سيما عندما بدأ عهد إسماعيل الذي كان حريصا على التغريب في كافة مناحي الحياة.
وفي نفس الوقت الذي كانت فيه اليابان تنقل التكنولوجيا وتقوم بتوطين الصناعة، كانت مصر على موعد مع أول موجات التغريب التي بدأت من الشيخ الأزهري (رفاعة رافع الطهطاوي) والذي كان –للمفارقة العجيبة-ضمن مشايخ البعثات المكلفين بحفظ عقيدة الطلاب!
فإذا به ينبهر انبهارا رهيبا بالتفلت الأخلاقي الأوربي ويصدر كتابه (الإبريز في تلخيص باريز) مُبْديا إعجابه بالحفلات الأوربية، والاختلاط، وسمات العيش المنفتح بين الرجال والنساء!
ولا أحد ينكر تفوق وعقلية (رفاعة الطهطاوي) ودوره الكبير في تأسيس حركة الترجمة والمؤلفات التي قدمها، وإشرافه على العديد من المدارس التي تم فتحها للتعليم في عصر محمد علي وأولاده.
لكن الكارثة الكبرى أن عقليته المتفوقة هذي حرثت الأرض لموجة تغريب طافحة بعد ذلك، إذ أن مؤلفاته وقناعاته في المجال التربوي والاجتماعي انسلخت تماما حتى عن العرف والأخلاق العامة السائدة في ذلك العصر.
وقد تم انتقاد ومعالجة فكر الطهطاوي من العديد من المفكرين من معاصري زمنه وممن جاء بعدهم، ومنهم الدكتور (محمد حسين) والعلامة (أنور الجندي)، وغيرهم
فيقول الدكتور محمد حسين تعليقا على أقوال الطهطاوي وإعجابه بشعارات الحرية والمساواة التي رفعتها الثورة الفرنسية:
(إن الطهطاوي لم يستطع أن يدرك الأغوار البعيدة والجوانب المتعددة لكلمة الحرية، ولم يستطع أن يدرك أنَّ نَقْل هذه الآراء إلى المجتمع الإسلامي يمكن أن ينتهي إلى النتيجة نفسها: نَبْذِ الدِّين، وتَسْفِيه رجاله، والخروج على حدوده. لم يدرك ذلك ولم يلاحظ إلا الجانب البرَّاق الذي يأخذ نظر المحروم من الحرية، حين تُمَارس في مختلف صورها وألوانها، وفي أوسع حدودها، فكان كالجائع المحروم الذي بَهَرَتْه مائدةٌ حافِلةٌ بألوان الأطعمة، فيها ما يلائمه وما لا يلائمه، ولكنه لم ينظر إليها بعين حِرْمانِه، ولم يرَها إلا صورةً من النعيم الذي يتُوقُ إليه ويَشْتهِيه
ومما يُصَوِّر لنا التَّغَيُّر الفكري لَدَيْه، ما حدث له تحت تأثير إقامته في باريس، ومشاهدته لحال المرأة فيها، حيث أظهر إعجابه بما هي عليه، ونَفَى أنْ يكون الاختلاط والتبُّرج هناك داعياً إلى الفساد، أو دليلاً على التساهُل في العِرْض، وامْتَدح مُراقَصَة الرجال للنساء، ووَصَفَه بأنه فنٌّ مِن الفُنون ولا يُشَمُّ منه رائحةُ العُهْر أَبَداً، وكل إنسانٍ يعْزِم امرأةً يَرْقُصُ معها، فإذا فَرَغ الرَّقْص عَزَمَها آخَرُ للرَّقصةِ الثانية وهكذا
كما يُظْهِر إعجابه بالقوانين العقلية، والشرائع الوضعية في المجتمع الفرنسي
)

وهكذا نرى أن الطهطاوي القادم من قلب صعيد مصر في تلك الفترة من القرن التاسع عشر، أصابته صدمة نفسية عنيفة وهو يشاهد طبيعة علاقة النساء بالرجال في المجتمع الفرنسي ومدى التحلل والانحلال في تلك المجتمعات، فرآها شيئا ممدوحا عندما تذكر طبيعة المجتمع المحافظ الذي تربى فيه!
والشيء اللافت النظر أن الطهطاوي –وهو الشيخ الأزهري-لم ير في الملابس المكشوفة للنساء، ولا في مراقصة الرجال والنساء لبعضهم بعضا شيئا معيبا أو عهرا!
وإن كان لا يعتبر هذا من العهر.
فكيف لم ير العهر الصريح والمكشوف في المجتمع الفرنسي وهو أمر من أعرافهم هناك لدرجة أن (جوزفين) زوجة (نابليون) نفسه كانت تواعد عشاقها في فترات غياب نابليون في الحروب!
وليست هذه نقطة الحيرة والدهشة وحدها.
بل الحيرة الحقيقية تكمن في أننا لا ندري ما هو الرابط الوثيق بين العلمانيين وبين دعواتهم المستمرة منذ بداية التغريب للانحلال الأخلاقي!
ما هو الدافع الغريب الذي يجمعهم جميعا لكي يدعوهم إلى الدفاع عن الزنا والشذوذ والمجاهرة بكل أنواع الفواحش ويعتقدون أنها من ثوابت التحضر!
ما الذي يدفعهم إلى الدعوة المستمرة بإلحاح للملابس الفاضحة وهجر الثياب المحتشمة ومهاجمتها والدفاع عن كل رذيلة مهما كان تصادمها مع الأعراف قبل الشرائع!

وهكذا نرى أن كتابات الطهطاوي المثيرة، كانت الضربة الأولى التي كان السكوت عنها سببا في نشر هذا الكلام من موظف كبير في الدولة، وبشكل علني، لتجد من يتلقفها ويروجها دون أن يخشى إنكار المجتمع تحت حماية السلطة كالعادة
وهذه لا زالت هي اللعبة المفضلة للعلمانيين وهي حرصهم الدائم على الاستعانة بكل قوة تبيح لهم إعلان أفكارهم ونشرها باستمرار حتى يمكن أن يقبلها المجتمع بالتدريج ويقبل وجودها بحكم الاعتياد!
الشيء المؤسف أن الغرب نفسه رغم ندائه بالحرية الكاملة وحقوق الإنسان، لا يُطَبّق هذه الحرية بمقدار خردلة إذا تعلق الأمر بثوابتهم الاجتماعية والدينية والسياسية.
فهنا يتناسون تماما حديث الحرية ويبرز سيف القانون مرفوعا على كل من يتفوه بحرف ضد ثابت من هذه الثوابت.
وقد تعرض المفكر الفرنسي الكبير (روجيه جارودي) للسجن والاعتقال والمنع لمجرد أنه أنكر أسطورة (الهولوكوست) وهاجم اليهود واتهمهم بابتزاز أوربا.
ووصل المنع والقهر أيضا حتى إلى مجال البحث العلمي المجرد، فمن المعلوم أن جامعات الغرب ترفض أي رسالة علمية تُبْطل نظرية (التطور) أو تثبت وجود صانع لهذا الكون
بل إن الغرب -أثناء أحداث طوفان الأقصى -الذي تفاعلت معه جماهير الغرب نفسه بالملايين، لم تستسلم حكومات أوربا وأمريكا لمظاهراتهم، وخرج المسئولون هناك يهددون بالسجن والمحاكمة لكل من يكتب مجرد تعليق عن وحشية المذابح الإسرائيلية في حرب غزة!
وتم تهديد رموز الغرب في الفن والاقتصاد والفكر عندما برز بعضهم ليهاجم الوحشية الإسرائيلية والدعم الأمريكي للدرجة التي منعت فيه الشركات الكبرى إعلاناتها على منصة (تويتر) المملوكة لأغنى رجل في العالم (إيلون ماسك) لمجرد أن سمح بالحرية الكاملة على موقعه لمن أراد دعم فلسطين.
ورغم مكانة (إيلون ماسك) الاقتصادية الهائلة عالميا إلا أنه خضع لابتزاز أقوى منه عالميا لزيارة إسرائيل في الأحداث ولقاء السفاح (بنيامين نتنياهو).
والنجم الأمريكي المعروف (أرنولد شوارزنيجر) أيقونة رياضة كمال الأجسام والفنان ذو التاريخ العريق في السينما الأمريكية، والسياسي الذي كان حاكما لولاية (فلوريدا)، تعرض لنفس الضغوط عندما سجل كلمة له لدعم فلسطين ومهاجمة إسرائيل على وحشيتها، ورغم أن الكلمة لم تتجاوز الدقائق إلا أنه بعدها بأيام تم إجباره على زيارة عائلة يهودية في أمريكا والاحتفال معهم بأحد أعيادهم التوراتية ثم تسجيل كلمة مطولة يعلن فيها دعمه الكامل لإسرائيل وحقها في الوجود!

وبعد كل هذه الديكتاتورية الإجرامية نجد من يخرج علينا من العلمانيين فيواصل الدفاع الهزلي عن الغرب ويواصل مهاجمة الشعب الفلسطيني الذي تم دك أرضه بحجم قنابل تجاوز مجموع قوتها الانفجارية قنبلة (هيروشيما)
وهذه النباتات السامة التي تنتشر في الإعلام والسياسة العربية، نتيجة طبيعية لأول بذرة وضعها الطهطاوي بدعوته إلى التقليد الأوربي في الشكل لا المضمون.
لا سيما وأن حركة الترجمة التي أشرف عليها ركزت على كتب الفلسفة الغربية بكل ما فيها من تناقضات هائلة، وعقائد منحرفة دينيا واجتماعيا، وقد تم تمجيد أسماء الفلاسفة الجدد في العالم العربي حتى صار بعض المثقفين يخشى انتقادهم لكيلا يتم اتهامه بالتخلف!" "
بينما معظم المدافعين عن تلك الفلسفة لم يطالعوا شيئا منها أصلا أما من طالعوا فلم يشرحوا أفكارها للناس بشكل واضح خشية استهجان الناس لتلك الأفكار العقيمة.

وبالطبع لم تكن بذرة الطهطاوي وحدها تكفي لو لم تجد الحاضنة المناسبة والدعم السخي والتخطيط طويل المدى.
وكالعادة كان الفضل في ذلك كله للاحتلال البريطاني
فعندما دخل الاحتلال الإنجليزي، وجد الأرض الخصبة التي يمكن أن يستثمرها لإنتاج أجيال تنتمي للثقافة البريطانية والأوربية في العموم وتقوم بأكثر مهمات الاحتلال خطورة وهي تغريب البلاد ودفعها دفعا للانتماء البريطاني مما يُحَوّل مصر إلى مستعمرة تدين بالولاء لمحتليها.
ولم يتحقق هذا الهدف لهم بالطبع، لكن تأثير حركة التغريب كان كاسحا في دعم وجود الاحتلال واستمراره لثمانين عاما، لأن التغريب تسبب في معارك هائلة بين الشعب وبين أفكار التغريبيين مما أدى لانشغال المجتمع بهذه المعارك الصاخبة وإهمال القضية الوطنية، وهو ما أدى لنوع من الاستقرار لقوة الاحتلال.
بينما لم يستطع الاحتلال الفرنسي الصمود أمام فوران الشعب المصري أكثر من ثلاث سنوات.
وهذه الملحوظة وحدها كفيلة ببيان مدى خطورة السياسة البريطانية في لجوئها للتغريب الديني والثقافي واصطناع الأتباع كرأس حربة بديل عن القوة العسكرية الغاشمة!
وهذه المقارنة وحدها تكشف لنا الأثر الفادح لسياسة بريطانيا التغريبية التي استخدمتها في كل مستعمراتها.
فقد نجحت بريطانيا –بفضل سياسة التغريب-في السيطرة على الحكم في مصر بثلاثة آلاف جندي، ولم تبادر لوضع أي رجل من رجالها في مناصب الحكم الظاهرة، بل تركت الحكم الرمزي للملك والحكومة التي كان رجالها من المصريين المتعاونين أو الأتراك المتمصرين، ووضعت خلف كل منصب قيادي منصب آخر تنفيذي يتولاه رجالها بشكل مباشر.
لهذا طال بقاء الاحتلال الإنجليزي بثلاثة آلاف جندي، وعجز الاحتلال الفرنسي رغم كون حملة نابليون كانت بأربعين ألف جندي في مواجهة مقاومة شعبية دون جيش نظامي مصري كما كان الحال في مواجهة الثورة العرابية للاحتلال الإنجليزي.
فالتخطيط البريطاني لمستعمراته يعتمد على استراتيجية دراسة أحوال البلاد المستهدفة دراسة وافية
فإذا كانت البلد المستهدفة عبارة عن خليط غير متجانس من عرقيات أو عصبيات أو مذاهب أو أديان مختلفة، فهذا غاية المطلوب، حيث تكتفي بريطانيا بإشعال الصراع المشتعل أصلا بين طوائف الشعب والاكتفاء بدعم كل التيارات المتصارعة دون استثناء ليبقى الصراع سرمديا بين أبناء البلد الواحد الغافلين عن قضية الاحتلال أصلا.
وهو ما فعلته في مستعمراتها بشرق آسيا وعلى رأسها الهند ذات الأديان والأعراق شديدة التعدد، مما منحها الفرصة لتكون الهند أكبر مستعمراتها وأكثرها أهمية

قديم 03-17-2024, 03:10 AM
المشاركة 12
محمد جاد الزغبي
مستشار ثقافي

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي رد: كيف نفهم قضية فلسطين (القصة الكاملة)

أما إن كان البلد المستهدف بلد متجانس لا يوجد فيه أمثال الصراعات العرقية حتى لو كانت به أديان مختلفة، فهنا تقوم باختراع الصراعات والفتن وخلق تيارات جديدة وغريبة على ثقافة الشعب وثوابته ثم دعمهم وحمايتهم لينفجر الصراع بينهم وبين رموز الشعب المحافظ
مثلما فعلت مع المجتمع المصري بدراسة توجهاته، وعقيدته، وأخلاقياته.
ومن خلال الدراسة ثبت لديهم أن الحس القومي والديني في قمة الاهتمام لدى الشعب، ولا يوجد أي ثغرات عقائدية أو حزبية أو طائفية يستطيع النفاذ منها، رغم وجود ديانتين في مصر وهما الإسلام والمسيحية، ورغم وجود أجناس مختلفة أيضا، إلا أن هذه الاختلافات ذائبة منذ عشرات القرون في نسيج واحد غير قَبَلِي.
كما وجدت بريطانيا أن (الأزهر)، هو قِبْلة المجتمع بأكمله في الرأي العام لا سيما وأن شيوخ الأزهر كانوا هم قادة المقاومة الرئيسيين في مواجهة الحملة الفرنسية.
فضلا على كونه كان بمثابة البرلمان الشعبي لمئات السنين حيث يلجأ الناس إليه في كل مظالمهم أو شئون حياتهم السياسية والاجتماعية
والمصدر الثاني للقوة يتمثل في الجيش الذي وضع بذرته (محمد علي) وخرج منه القادة الوطنيون في عهد إسماعيل وابنه توفيق

وبالتالي كان على سلطة الاحتلال العمل على خلق تناقضات بين تلك الطبقات جميعها، والعمل على تغيير نُظُم التعليم والثقافة بما يعمل على خلق طوائف فكرية مختلفة لها توجهات مخالفة للمعتاد كفيلة بتفجير حالة جدل فارغ وصراعات مذهبية تكسر الثوابت المعتادة للمجتمع وتعمل على تنحية القضية الوطنية ومواجهة الاحتلال من أولوياتها.
وفي شأن الجيش فقد عمل الاحتلال على تصفية قوته، وتوسيع دائرة الضباط –من غير المصريين-في صفوف القيادة وتخفيض إعداده وتسليحه.
وأسند الاحتلال مهمة تغيير نظم التعليم والتوظيف إلى أحد رجالهم (دوجلاس دانلوب)، الذي أتى به اللورد (كرومر) – المعتمد البريطاني في مصر – وقام بتعيينه مستشارا لوزارة المعارف المصرية (وزارة التعليم) فأصبح المتحكم الرئيسي في سياساتها التعليمية، فضلا على كونه المتحكم في توظيف الخريجين.
وبدأ دانلوب بتعظيم شأن التعليم المدني غير الأزهري، وتوسيع نطاقه وخلق فرص عمل هائلة لخريجيه وبمرتبات مجزية للغاية بمقاييس ذلك الزمان.
في نفس الوقت عمل على تضييق الفرص أمام خريجي الأزهر في التوظيف ومعاملتهم بكادر مالي شديد التدني حتى أن الراتب للوظيفة المدنية في شهر واحد ربما تجاوز راتب الأزهري في عام كامل.
وذلك طمعا في تكثيف الإقبال على التعليم المدني وتخفيض الأعداد الملتحقة بالأزهر إلى الحد الأدنى.
وبالفعل قام (دانلوب) بترك الأزهر على ما هو عليه من الحالة المتردية، ودعم المدارس المدنية وحدها وأسند الوظائف العليا والمناصب الرفيعة والمكانة الاجتماعية للمتخرجين من هذه المدارس، في الوقت الذي لا يجد فيه خريج المدارس والمعاهد الأزهرية -الذي انتظم في سلك الدراسة عشرين سنة أو أكثر -وظيفة مناسبة له، وحتى إن وُجِدَت فهي راتب زهيد كما قلنا.
وكانت هذه السياسة تهدف إلى قتل التعليم الأزهري بالبطء والإهمال، وإسقاط مكانته في المجتمع حيث يعاني خريجوه من شظف العيش بعد دراستهم الطويلة بينما أمثالهم في التعليم المدني يحصلون على وظائف النخبة في المجتمع.

ولم يكتف دانلوب بهذا بالطبع.
بل قام بتغيير سياسة التعليم المدني وتفريغه من مضمونه، فالهدف من التعليم المدني –تحت رعاية الاحتلال-ليس خلق جيل من متعلمي التكنولوجيا أو الصناعة، بل الهدف خلق جيل فاقد الهوية ومغاير للثوابت الوطنية
وذلك عن طريق تطبيق سياسة التغريب تطبيقا كاملا على المناهج.
ومن أبرز أعمال دانلوب في دفع عجلة التغريب بمصر أنه عمل على محاربة اللغة العربية والإسلام والأزهر، ومن ذلك اضطهاده لمعلمي اللغة العربية من الأزهريين العاملين في نطاق المدارس المدنية.
والعمل على نشر اللغة الإنجليزية إلى درجة تحويل تعليم سائر العلوم كالرياضيات والتاريخ والكيمياء والجغرافيا والرسم باللغة الإنجليزية، وَضَيّق على اللغة العربية تضييقًا كبيرًا.
وشرع في نزع اعتقاد الشباب المسلم في القرآن، وتدريس المواد الفلسفية الغربية القائمة على التشكيك في العقيدة الإسلامية أو في الأديان عموما.

كما استدعى دانلوب عددا كبيرا من المدرسين البريطانيين للعمل في المدارس المصرية، والسيطرة على مناهج اللغة والآداب والتاريخ من وجهة نظر الفلسفة الأوربية، واتهام تاريخ العرب والمسلمين وإثارة الشكوك حوله، واتهام الحضارة الإسلامية العربية بالاتهامات المختلفة، لخلق شعور عام بكراهية هذه الأمجاد والنفور منها والسخرية بها، والنظر للأمة العربية على أنها أمة مفتقدة للحضارة في ظل إصرارهم على الاعتزاز باللغة العربية وتاريخها وتاريخ الإسلام, وأن التحضر يبدأ بتلقي مقومات التعليم البريطاني لكي تلتحق مصر بالتقدم العلمي الأوربي!
كما أبطل دانلوب عددًا من الكتب المقررة مثل (كتاب الهجاء) لعلي مبارك، لأنّها تتحدث عن القيم العربية الإسلامية حيث كانت غير موافقة لهدفه من الوجهتين الدينية والسياسية وذلك بإيرادها قواعد الإسلام وأركانه، مصحوبة بالحكم والآيات والأحاديث التي تحث على حب الوطن والتعاون، والتوحد وعدم التفرق على القضايا العامة.
وفي سبيل شجب هذه الكتب أعلن دانلوب أنّ مثل هذه الكتب غير موافية لحاجات التعليم، وتم استبدالها بمناهج بريطانية أو أوربية تعالج هذه المقررات من وجهة النظر الفلسفية التي ينشرها الاحتلال، من أن قدوم الجيوش الأوربية للبلاد إنما هو استعمار –من التعمير-لا من الاحتلال" "
ثم كانت الخطوة الكبرى في تلك السياسة هي نشر المدارس الأجنبية في مصر، ودفع أبناء الطبقات العليا والمتوسطة لها لخلق جيل كامل من التلاميذ والطلاب يتلقى مبادئ التعليم منذ صغره على المناهج البريطانية الكاملة، وتجاهل المقررات الدراسية العربية من تاريخ ولغة ودين.

وكانت أقوى تلك المدارس هي (كلية فيكتوريا)، تلك المدرسة الداخلية التي أسسها اللورد (كرومر) في الإسكندرية، وتم افتتاح فرع لها في القاهرة أيضا بمنطقة (شبرا)
وقد تم إنشاء (كلية فيكتوريا) لهدفين
أولهما:
محو التعليم الفرنسي من مصر ونشر الإنجليزية في التعليم والتوجه نحو إلغاء مجانيته وجعله للنخبة فقط.
والثاني:
إلحاق أبناء العائلات السياسية والعائلات الثرية في مصر والعالم العربي بتلك المدرسة بهدف السيطرة على الجيل الذي سيخرج حتما لمناصب الحكم في بلاده وتولي المناصب السياسية، وهذا هو سر تسمية المدرسة بمدرسة (الملوك والأمراء)!
أي أن بريطانيا لم تكتف بتخليق دويلات مختلفة للمنطقة العربية الموحدة، بل مهدت وأسست الطبقة الحاكمة وتولتها بالرعاية منذ نعومة أظفارها
ووضع اللورد (كرومر) حجر أساس المدرسة الجديدة في يوم ذكرى ميلاد الملكة فيكتوريا، في حضور مئات من الضيوف المرموقين، من بريطانيا ومصر
واستغلت السلطات البريطانية «فيكتوريا كوليدج» لجذب العائلات المنخرطة في العمل السياسي في مصر والدول العربية والإفريقية ممن يمكن الاعتماد عليهم في بسط المزيد من هيمنة الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس
وكان ذلك يخدم سياستها وأيديولوجية (الإمبريالية الجديدة)، التي بدأت منذ عام 1870م،
وأُعدت السلطات البريطانية قوائم بأسماء أبناء كبار العائلات لكي يتم إلحاقهم بالكلية البريطانية. وبعد سنوات من وجود المدرسة أصبح فيها تقليد للعائلات الأرستقراطية، وهو أن ترسل أولادها البنين إلى «فيكتوريا كوليدج» والفتيات إلى الكلية الإنجليزية للفتيات (egc)
وباتت القصور الملكية العربية – التي تحكم ظاهريا-باسم الاحتلال البريطاني، تلجأ لمدير الكلية (رالف ريد) لاستشارته في كيفية تثقيف الأمراء العرب وإعدادهم كملوك في المستقبل!

وتكمن المشكلة الحقيقية أن هذه الأمور وأهدافها كانت معلنة، وليست سرا أو مؤامرة مخفية، أو أهداف يجري التخطيط لها بعيدا عن أعين المتورطين بها!
ففما هو جدير بالذكر أنه عند افتتاح المدرسة قال اللورد (لويد) في كلمته موجها حديثه للحاضرين ومتحدثا عن التلاميذ:
(كل هؤلاء لن يمضي عليهم وقت طويل حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية بفضل العشرة الوثيقة بين المعلمين والتلاميذ)
ونظرا لأن نظام التعليم في تلك المدرسة كانت نظاما داخليا صارما بنظام التعايش الكامل، يقيم فيه الطلاب إقامة كاملة، فقد كان هذا معناه السيطرة على وعي الطلاب تماما في سن مبكرة.
خاصة وأن التعليم والتعامل طيلة الفترة الدراسية يتم بالإنجليزية، في ظل عقوبات صارمة لمن يستخدم اللغة العربية ولو لحوار عابر مع زملائه!
وعلى نفس المنهج.
سيطرت بريطانيا على التعليم الجامعي باليد الناعمة، فكانت الكليات تزخر بالأساتذة الأجانب المؤدلجين بأفكار الاستشراق، فضلا على تولية المناصب القيادية في الجامعات لخريجي البعثات الأجنبية من المصريين أو من التغريبيين الذين ينتمون فكريا للتغريب.
وفي ظل هذا وذاك تأسس في مصر في ظل رعاية حكومة القصر والمندوب السامي جيلا من المتفاعلين مع الوجود البريطاني يضم معظم أصحاب المناصب التنفيذية في البلاد بداية من منصب الوزير حتى المناصب من الطبقة الرابعة في المحافظات والمدن الرئيسية.

وخرجت النتائج سريعا، وظهرت أعمال التغريبيين بمختلف الصور.
فمنها ما ظهر بدعوى تجديد الخطاب الديني أو تحديث ثوابت الشريعة كأفكار وأطروحات الشيخ (محمد عبده) والذي أعاد نشر فكر المعتزلة وقام باستخدام منهج العقل المجرد في تفسيره للقرآن والزعم بأن المعجزات الموجودة في القرآن والسنة ليست بمعجزات بل هي أمور لم يكن يعرفها القدماء علميا ولذلك فسروها على أنها معجزات مثل تفسيره للطير الأبابيل بالجراثيم أو الميكروبات
ومنها ما يطرح قضايا الإلحاد بشكل صريح أو السخرية من ثوابت الشريعة مثل (محمود عزمي) الذي قد قدم بحوثا في الاقتصاد والاجتماع تعتمد تماما على إنكار تلك الثوابت واشتهر بقوله:
(إذا ذكرت الاقتصاد فلا تذكر الشريعة وإذا ذكرت الشريعة فلا تذكر الاقتصاد)
ومثل (منصور فهمي) الذي ناقش أطروحة للدكتوراه على أستاذه المستشرق (ليفي بريل) مهاجماً نظام الزواج في الإسلام وكان موضوع أطروحته حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها. وفي هذه الرسالة قال:
(محمد يشرع لجميع الناس ويستثني نفسه)
قاصدا مسألة تعدد الزوجات المقيدة بأربع في الإسلام، وَمُعَلّقا على اختصاص الله عز وجل للنبي عليه السلام بأمهات المؤمنين وهم تسع زوجات
لكنه انتقد بعد ذلك حركة التغريب في سنة 1915م وجاهر بآرائه في الأخطاء التي حملها (طه حسين) ومدرسته
ومن تلك الأفكار أيضا ما يدعو لتعميم اللهجة العامية واستخدامها كلغة كتابة ولغة تخاطب، ومنها ما ينادي بالتعامل مع الإسلام على أنه دين أتى لإنهاء الشرك الذي انتشر في الجزيرة العربية وهدم الأصنام، وأن الإسلام بهذا الفعل قد أدى دوره وانتهى!

أما أخطر نموذجين للتغريب في تلك الفترة فقد كان نموذج كل (علي عبد الرازق)، ونموذج (طه حسين)
أما الأول، فقد كان شيخا أزهريا حائزا على العالمية، وكتب كتابه في مجال التغريب بعنوان (الإسلام وأصول الحكم) انتقد فيه مشروعية أو وجوب الخلافة الجامعة في الإسلام مخالفا أبسط مبادئ السياسة الحكمية في الشريعة ومخالفا ما هو معلوم من التاريخ بالضرورة، ومن القرآن والسنة وكلاهما حافل بتقنين النظام السياسي لأي دولة مسلمة.
وقد حوكم (علي عبد الرازق) وانتزع قادة الأزهر منه شهادة العالمية، بعد أن ضج من أفكاره الأزهر والمجتمع نفسه.
وقد كان الهدف من كل تلك الأفكار هي نحت وتجهيز المسرح المصري لقضية (الصهيونية)، لأن إنكار ضرورة تكوين الحكم الإسلامي من بداية تكوين النبي عليه السلام للدولة في المدينة المنورة، ومرورا بالخلافة الراشدة وما تلاها.
هذه الفكرة تمهيد قوي للغاية لكي تؤدي لوازمها إلى إنكار ما يترتب عليها، ومنه قدسية المسجد الأقصى وفلسطين التي فتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب.
وإذا غابت قدسية الأقصى ومكانته الدينية في الشريعة ومكانته السياسية في أحكام الخلافة فهذا ينزع عن قضيته مشروعية الدفاع عنه أو الاهتمام بضرورة وجوده تحت حكم المسلمين!
ومن المثير للدهشة والضحك معا.
أنه في الوقت الذي كان فيه التغريبيون ينشرون هذه الأفكار في خدمة الرغبة البريطانية ومشروعها، كانت بريطانيا والصهيونية تخترع وطنا كاملا لليهود استنادا لمزاعم دينية محضة محرفة بالكامل!

أما الثاني فهو (طه حسين) والذي كان دوره كارثيا ومتنوعا.
ففي البداية تتلمذ على يد المستشرق (دوركايم) وكان من مؤيدي أطروحات المستشرق (مرجليوث) وعندما تولى عمادة كلية الآداب حرص على تكييف المناهج لتلك الأفكار بجوار الأفكار الفلسفية المادية بدعم كامل من حكومة الاحتلال.
وَتَنَوّع دوره في خدمة المشروع البريطاني في نشر أفكار الإلحاد مثل سماحه بعرض مسرحية إلحادية على مسرح كلية الآداب –في فترة عمادته لها-وهو العرض الذي قلب الدنيا عليه بسببه، وهاجت المظاهرات داخل الجامعة وخارجها، مما أدى بعد ذلك إلى استقالته من منصبه.
وقد قام بالرد عليه زمرة كبيرة من المفكرين المصريين أبرزهم (مصطفى صادق الرافعي) و(محمد فريد وجدي)، وعشرات من علماء الأزهر.
كما قام (سعد زغلول) زعيم الأمة ورئيس حزب الوفد بمهاجمة كليهما، رغم أنه الزعيم الليبرالي، وذلك لإدراكه خطورة ما دعوا إليه من أفكار.
فالغضب من أفكار طه حسين وعلي عبد الرازق لم يكن غضبا قاصرا على علماء الدين كما حاول التغريبيون إيهامنا بعد ذلك بل كان غضبة عارمة لمحاولة استنساخ أفكار المستشرقين وإلباسها رداء البحث العلمي ومحاولة تمصيرها.
وعلى إثر تلك الأحداث ثارت ثائرة التغريبيين في الإعلام وأطلقوا على طه حسين لقب (عميد الأدب العربي) كبديل لعمادة كلية الآداب التي تركها، وهذا هو سبب تسميته بهذا اللقب.
فهو اسم لا علاقة له بالمسمى، ولكن غباء التغريبين دوما ما يحملهم على الاستعانة بالهالة الإعلامية كبديل على المحتوى الحقيقي.
بينما الألقاب المستحقة تأتي من أهل الاختصاص، فلقب أمير الشعراء الذي حازه (أحمد شوقي) تم بمبايعة واحتفالية كبرى حضرها كافة رموز الشعر في عصره تقديرا له على تجديده للشعر وتأسيسه لمدرسة (الإحياء والبعث) مع (محمود سامي البارودي)
ولقب موسيقار الأجيال مثلا، استحقه (محمد عبد الوهاب) لأنه كان الموسيقار الذي نقل الموسيقى العربية من المحلية إلى العالمية.
ولقب كوكب الشرق الذي حازته (أم كلثوم) كان أيضا لنقلها الغناء العربي من المحلية للعالمية
وكذلك لقب العمادة لابد أن تتوفر مقوماته.
فلقب العمادة ليس لقبا بلا معنى، بل له معنى شديد العمق، وهو أن يكون صاحبه قد أتى بمجال جديد غير مسبوق، فيصبح عميدا له باعتباره أول من أبدع فيه، أو يكون صاحب اللقب أقدم وأقدر أصحاب الإبداع في مجال محدد وأكثرهم عطاء في زمنه.
لهذا فإن لقب (عميد الأدب العربي) يحتاج أن يكون صاحبه الأقدم أو الأكثر إبداعا، فهل كان طه حسين أول من كتب في فن الرواية العربية.
الجواب لا، لأن هذه العمادة تذهب إلى (محمد حسين هيكل)، و(محمود تيمور).
فهل حاز طه حسين اللقب لأنه أول من جدد الشعر، الجواب لا لأنه لم يكتب الشعر أصلا واللقب حازه أحمد شوقي بلا خلاف.
فهل حاز اللقب في مجال النقد الأدبي، وهو المجال الجامع الشامل لفنون الأدب، فالجواب أيضا لا لأنه لجأ إلى مدرسة (الشك) الفلسفية الغربية التي أنكر بها ثوابت الأدب العربي بنظريات لا تستند إلى سند صحيح، مثل إنكاره صحة نسبة الشعر الجاهلي لعصر الجاهلية، وادعائه أن العرب لم يكن لهم نثر فني مستقل وإنما أخذوه من الفُرس!
فهل كان طه حسين هو الأكثر خبرة بالأدب العربي وتاريخه، الجواب لا قطعا بل العكس هو الصحيح فقد أنكره معاصروه من رموز الجامعة والأدب والفكر.
ومنهم (زكي مبارك) الذي عارض توليه عمادة كلية الآداب بينما كان تخصصه في الدكتوراه هو القانون الروماني فقال عنه:
(إني أراه قليل البضاعة جدا في الأدب العربي وهو لم يقرا في الأدب إلا فصولا من كتاب الأغاني وفصولا من سيرة ابن هشام وستحاسب كلية الآداب أمام الله على توليته مقعد أستاذية الأدب العربي)
وروى عدة مواقف مبينا فيها أخطاءه الفادحة في تاريخ الأدب كقوله إن الجاحظ لم يورد اسم (عبد الحميد بن يحيي) وهو غير صحيح بالإضافة للأخطاء الخمسة التي أحصاها عليه في دراسته عن البحتري

وخدم (طه حسين) الاحتلال أيضا في كتاباته التي أنكرت تماما فضل الحضارة العربية في الجاهلية والإسلام في مجال الآداب، حيث اتهم العرب بعدم كتابتهم للنثر الفني وأن ما نقلوه لنا عبارة عن نقل من النثر الفارسي!
أيضا خدم المستشرقين عندما أصدر كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي)، والذي أنكر فيه مصداقية القرآن في حديثه عن تاريخ الأنبياء حيث قال في كتابه الشعر الجاهلي ص 26:
(للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي)!
ويقول بعد ذلك:
(وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح)
وحوكم أيضا أمام النيابة العامة بسبب هذا الكتاب الفاضح، وقد كانت مشكلة الكتاب الرئيسية ليس فيما حوى من أفكار فقط، بل كانت الكارثة أنه نقل أفكار المستشرق (مرجليوث) وانتحلها ووضعها في كتابه على أنها من أفكاره في سرقة علمية صريحة تم فضحها عند صدور الكتاب.
وقد سخر العلامة (محمود شاكر) من هذه الواقعة وقال بأن الكتاب يجب أن يكون عنوانه (حاشية طه حسين على متن مرجليوث)

ولم تكن سرقات (طه حسين) من المستشرقين خاصة به وحده بل لجأ لها معظم التغريبيين واعتبروها منهجا كاملا لهم، وقد اعترف بذلك (أحمد أمين) صاحب سلسلة (فجر الإسلام وضحاه) عندما قدم النصيحة لأحد هؤلاء الكتاب وقال له أن الطريقة الصحيحة لنقل أفكار الاستشراق تكون بنقل الأفكار في المعنى والمضمون لا نقلا حرفيا، بمعنى إلباس هذه الأفكار رداء إسلاميا لكيلا ينفر منها الناس.
وهي القصة التي رواها د. (مصطفى السباعي) عن صاحبها في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)
وقد تراجع (طه حسين) عن أفكار كتابه (في الشعر الجاهلي) وفق لما ذكره العلامة محمود شاكر والدكتور محمد عمارة.
فيقول محمود شاكر:
(قد بينت في بعض مقالاتي أن الدكتور طه قد رجع عن أقواله التي قالها في الشعر الجاهلي، بهذا الذي كتبه، وببعض ما صارحني به بعد ذلك، وصارح به آخرين، من رجوعه عن هذه الأقوال. ولكنه لم يكتب شيئا صريحًا يتبرأ به مما قال أو كتب.
وهكذا كانت عادة الأساتذة الكبار! يخطئون في العلن، ويتبرؤون من خطئهم في السر
!!)

ثم قام (طه حسين) بدور صريح في خدمة الفكر الصهيوني عبر ترويجه لتاريخ اليهود بين العرب، وإطالة الإطناب في مدحهم والاحتكاك باليهود المصريين ورموزهم في تلك الفترة الحساسة من تاريخ مصر التي شهدت نشاطا ضخما للوكالة اليهودية ورعاة المشروع الصهيوني ونجحوا في الوصول إلى كثير من الكتاب والسياسيين وحفروا لأنفسهم مكانا في الصحافة ونوادي النخبة.
وكان من المتعاونين معهم طه حسين حيث أشرف على رسالة دكتوراه لباحث يهودي يدعى (إسرائيل ولفنسون) والتي قدمها في جامعة القاهرة تحت عنوان:
(تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام)
واحتفي بالرسالة قائلا:
(إن عالمنا الشاب وُفّق إلى الخير في هذا الكتاب الذي قدمه للجامعة المصرية، ونال به الدكتوراه وأنا أقدمه إلى القراء مغتبطا ذلك أنه وفق إلى تحقيق أشياء لم تكن حقت من قبل)
هذا فضلا على أن محاضراته في مدارس الطائفة اليهودية بالإسكندرية عام 1943م كانت تحت رعايتهم وفى صحبة الحاخام (إبراتو) والحاخام (فنتورا) واحتفت بها مجلة (الشمس) اليهودية
وقد أعلنت المدارس اليهودية عن جائرة باسم (طه حسين) تعطى للفائز الأول في اللغة العربية!
كما حرص (طه حسين) على تقديم ونشر البحوث التي تثبت الآتي:
* أن الشعر اليهودي امتاز بالحث على الفضائل وإنكار الذات
* امتاز اليهود بين إخوانهم العرب بالوفاء وطلب المثل العليا كشعر السموأل
* اخذ عنهم العرب اتخاذهم الحياة وسيلة لا غاية!
* كان اليهود الرأس المدبر لاقتصاد دولة الإسلام في مصر منذ عهدة عمرو بن العاص
* كان اليهود هم من نقلوا ثقافة وحضارة العرب إلى أوربا

ولا يمكن تَصَوّر هذه التزكية من طه حسين لليهود على أنها غير مقصودة أو عفو الخاطر
فالأمور في تلك الفترة كانت أعقد بكثير من هذا وكان المشروع الصهيوني قد قارب الاكتمال وصدر وعد بلفور عام 1917م وبعده تطور المشروع أكثر عندما قاربت الحرب العالمية الثانية – في هذا الوقت-على الانتهاء مما يعني أن الحرص على تزكية ورفع شأن اليهود كان مقصودا قطعا.
خاصة وأن عناوين تلك البحوث التي كتب فيها تحمل من الخرافات ما لا يصدقه حتى اليهود!
ومنها قوله إن اليهود هم من عَلّموا العرب أن الحياة وسيلة لا غاية!، وأنهم نقلوا حضارة العرب لأوربا، وأن شعر اليهود امتاز بالحث على الفضائل وإنكار الذات!
فهو هنا لا يخالف التاريخ والواقع والمنطق وحسب، بل خالف حتى صريح القرآن الذي وصف اليهود وَحَكَم عليهم بالذلة والمسكنة وعبادة الذهب والمال.
والأمر لم يقتصر عند طه حسين بتزكية اليهود والمساعدة في تزوير تاريخهم المخزي وتصوير عكسه، بل اتخذ الأمر جانب المساندة الصريحة للمشروع الصهيوني بعد انكشاف أمره للعامة والخاصة.
فقد نقلت الدكتورة (عواطف عبد الرحمن) في دراستها بالغة الأهمية (الصحافة الصهيونية في مصر) كيف أن فترة الأربعينيات انكشف أمر المشروع الصهيوني تماما بعد أن اتخذ طابع التنفيذ النهائي، وانفجرت الثورة الفلسطينية ضد اليهود
وهنا لم تلجأ المنظمات الصهيونية لإصدار صحف جديدة تنتمي لها صراحة مثل صحيفة (الشمس) وصحيفة (إسرائيل)، بل قامت بتغيير استراتيجيتها بالعمل على تمويل وإصدار صحف عامة من وراء الستار يقوم عليها ويديرها نخبة من المصريين والعرب المتعاملين منهم.
وضربت مثالا بمجلة (الكاتب المصري)، تلك المجلة الأدبية الشهيرة التي صدرت برياسة طه حسين نفسه وعدد من المتعاونين معهم، وكانت معالجة المجلة لتفاصيل الصراع المحتدم بين الفلسطينيين واليهود في تلك الفترة الحساسة ، مجرد معاملة هامشية وأفردت المجلة تحقيقاتها الكبرى للحديث عن تاريخ اليهود في بلاد العرب والترويج لعطائهم الثقافي في الحضارة العربية والإسلامية
وبالمجمل فحديث وكتابات طه حسين في التاريخ لا علاقة لها بالبحث العلمي وقواعده في مجال التاريخ الإسلامي، لأن تحقيق مرويات التاريخ الإسلامي له منهج مستقل تماما عن المناهج المعاصرة لأنه مجال باذخ في الدقة والتحري

لهذا عندما دخله طه حسين من بوابة المستشرقين كان هنا يعطي آخر هداياه لحركة التغريب وأشهرها كتابه (الفتنة الكبرى) والذي أصدره في جزئين، وهو الكتاب الذي سار فيه طه حسين بنفس منهج (أحمد أمين) وهو الاعتماد الكامل على كتابات المستشرقين وروايات الشيعة، واتخاذها مصدرا للتاريخ الإسلامي وإهمال المصادر الأصلية وأهمية الإسناد في الروايات، والتي انفرد بها المسلمون وتمكنوا بها من نقل القرآن والسنة والتاريخ نقلا صحيحا لا غبار فيه
وقد سارت حركة التغريب على نهج انتقاء الروايات الضعيفة والموضوعة في التاريخ والكتابة عنها بشكل مكثف، ثم كانت الكارثة الأكبر في أن تلك الكتابات تحولت إلى مصادر حصرية لأعمال الدراما في السينما والتيلفزيون وتورط فيها كثيرون –بعلم أو بغير علم-حتى صارت تلك الخرافات من قبيل الثوابت.
وتسربت تلك الكتابات أيضا للكتب الدراسية ولا زالت منتشرة حتى اليوم.
بخلاف استيراد حركة التغريب لقضية (النسوية) وأفكار تحرير المرأة من الغرب، والتي كانت ستارا لتغيير العقيدة الاجتماعية للمجتمع المصري بأفكار لا تناقض الثوابت الدينية وفقط، بل تناقض حتى الفطرة الإنسانية.
وبعد قرن كامل من تطبيق منهج (النسوية)، إذا بنساء العالم أنفسهن ينقلبن على المنهج النسوي فتعددت الصيحات والحركات الاحتجاجية التي قامت في أوربا والولايات المتحدة ضد الفلسفة المادية والنسوية التي جعلت من المرأة سلعة، وهدمت مفهوم الأسرة من جذوره.
الخلاصة أن دور التغريب بدأ في بدايات القرن العشرين وتزامن معه النشاط السياسي والاقتصادي الداعم للمشروع الصهيوني بلا رادع، حتى تعرض المشروع لحدث عالمي كاد أن يتسبب في فشله بالكامل.
وهو وقوع الحرب العالمية الأولى، ثم استيقاظ العرب على حقيقة المشروع الصهيوني وانكشاف أمره وَتَفَجّر المقاومة الفلسطينية، وما أتبعها من قيام الحرب العالمية الثانية.


مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: كيف نفهم قضية فلسطين (القصة الكاملة)
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كيف نفهم تفسير ايتين من سورة طه جمع فيهما اليم والبحر فجر الاعلون منبر الحوارات الثقافية العامة 0 08-22-2019 02:33 PM
ماذا يجري في تركيا ؟ وكيف نفهم الانقلاب الظاهر في السياسة الخارجية ؟ ايوب صابر منبر الحوارات الثقافية العامة 43 10-12-2016 03:03 PM
ملكة النقد وفهم الاعماق منار فتحي منبر القصص والروايات والمسرح . 8 04-15-2015 02:19 PM
دعوة لقراءة بعض نصوص جبران خليل وفهم مقاصده ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية والبلاغية . 13 08-21-2014 02:22 PM
كيف نفهم الإسلام ؟ عبدالسلام حمزة منبر الحوارات الثقافية العامة 6 04-12-2011 09:58 AM

الساعة الآن 12:49 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.