« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: سأكتب على ذرات الرمال... (آخر رد :مازن الفيصل)       :: نداء الحبيب (آخر رد :محمود العالم)       :: عـــزف الــــــــروح (آخر رد :راما فهد)       :: عروس الموت (آخر رد :نجلاء فتحي)       :: يا من أهواك كلما تنفس ليلي (آخر رد :أمينة موسى)       :: اختـــــــــــــيار... (آخر رد :نجلاء فتحي)       :: الســـــــــــــــــــودان و شبـــاب الفيس .. (آخر رد :طارق أحمد)       :: أجمل صباح (آخر رد :رشيد الميموني)       :: عانيت من خيلائه ودلاله (آخر رد :علي الحزيزي)       :: عشق يليق بشاعر (آخر رد :محمد حمدي غانم)      


العودة   منتديات منابر ثقافية > المنابر الأدبية > منبر القصص والروايات والمسرح .

أهلا بآل منابر ثقافية

منبر القصص والروايات والمسرح . كل مايتعلق بأدب القصة ،والأقصوصة ،والرواية ،والمسرحيات الأدبية .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 04-09-2019, 10:21 PM
الصورة الرمزية صبا حبوش
صبا حبوش صبا حبوش غير متواجد حالياً
من آل منابر ثقافية
 





 

 

معدل تقييم المستوى: 9

صبا حبوش is on a distinguished road
Wink أبو حبْل..




أمام بيتنا القديم وعلى الرصيف المحاذي للطريق العام, كان يركن منضدته الخشبية الصغيرة، يعرض فوقها عدداً من علب السجائر الرخيصة، وبعض أعواد الثقاب، متكئاً كعادته على كرسي أرهقته خيطان بلاستيكية مهترئة، يجوب بعينيه الشوارع متفحصاً كل امرأة تمرّ بابتسامته المعهودة، سُمعته بين أهل الحي كانت كافية لجعلي مرتبكاً من المرور أمامه، وغالباً ما كنت أتحاشى النظر إليه حين يكون طريقي مجبراً على قطع المسافة باتجاهه.
رجلٌ حفرته التجاعيد ،وأوغرت وجهه أشعة الشمس بتعابير قاسية، وألبسته ألسنة الناس حفرة أخرى وسط حاجبيه، إلا لسان أبي الذي يراه رجلاً طيباً ،ولا يتكلم عنه إلا بالخير، حين تسرد أمي ما تقوله النسوة عنه في جلسات النميمة، كان يكتفي دائماً بالابتسام مع كلمته المعتادة " إنه درويش " دون أن يبرّر سبباً واحداً لتحمسه، وعند كل غداء كانت أمي تجهز طبقاً، يقوم أبي بإيصاله له.
منضدته كانت مجمع " المتشردين " في الحي، ممّن يشربون في الليل ويتسكعون في النهار خلف النساء، لم تكن صورة " أبي حبل" تتغير كثيراً بشكلها اليومي، يقضي يومه على الرصيف ذاته، ويأكل مما يأتيه من بعض أهل الحي، وحين يحلّ المساء يختفي في بيته الصغير.
علمتُ من أمي أنّ الناس حمّلوه هذا اللقب؛ لأنه يعقد حبلاً حول منضدته ، ويجذبه بجذع شجرة صغيرة خوفاً من سرقتها، لذا كان يثير سخريتهم واستهزاءهم.
ذات صباح كنت متجهاً إلى كليتي، فحمّلتني أمي طعام الفطور له، ورغم عدم رضاي وتذمري إلّا أنّي رضخت لصراخها أخيراً، كان منثنياً على قدميه، يربط المنضدة بجذع الشجرة، وحين انتبه لوقوفي مسح كفيه بثوبه الرمادي المغبر، لم أتمالك نفسي من الضحك وكأنّ أهل الحي اجتمعوا فوق لساني جميعاً.
_ لمَ تتعب نفسك بربطها يومياً، أيُّ مجنون سيسرق بقايا المنضدة هذه؟ سمعتُ أنهم يفكرون جدياً في شراء منضدة جديدة لك.
_ وأيُّ مجنون يرمي ذاكرته، ويستبدلها بجديدة خالية من رائحة الماضي الذي لن يُصنع غيره أبداً؟.
ابتلعت ضحكتي هذه المرّة، وأكملتُ طريقي، " لعله شرب كثيراُ الليلة الماضية " كنت أهذي لنفسي في الطريق المزدحم أمامي.
في المساء كانت حكايات منازل أهل الحي تُنشر على سطح منزلنا، بين كؤوس الشاي وبقايا السجائر تدور رحى الألسنة، بين واقع وخيالي وما هو مشكوك في صحته.
-هل علمتم أن أبا حبل حوّل بيته لحانوت يرتاده أولئك الأشقياء الذين يلتفون حوله في النهار!



كان ذلك الخبر بداية السهرة وختامها، فالجميع لديهم شعور داخلي أنّ بيته يحوي أنواعاً متنوعةً من الفجور، ومنهم من سمع أنه يسمح لبعض العابثين باصطحاب العاهرات إلى شقته مقابل بعض النقود, وبعضهم كانت له نظرة مسبقة عن هذا الرجل الذي جاء وحيداً من منطقة أخرى، وأقام بين أهل الحي دون أقارب أو أصدقاء، كل ما يعرفونه عنه تلك المنضدة والحبل ورائحة السجائر التي تفوح منه.
في صباح اليوم التالي حملت طعام الفطور له دون تذمرٍ، شيء ما في وجهه كان يكذّب كل حكاياتهم، الخيوط تحت عينيه منحته طيبةً جليةً، وشعرت لأول مرة أنّ ما يقوله أبي كان حقيقياً " إنه درويش".
وضع الطبق جانباً، ملتفتاً لترتيب علب السجائر، في حين كانت أفكاري منشغلةً بترتيب الحكايات التي سمعتها في الليلة الماضية حول هذا الرجل الغريب.
- الوحدة متعبة ، لمَ لا تتزوج وترتاح منها؟.
- من أخبرك أنّي وحيد؟ أجابني وعيناه ثابتتان على جذع الشجرة ، ثم أردف :
- أنا لم أشعر يوماً بالوحدة، أعيش مع أشخاص يملؤون حياتي حبّاً، وينتظرون عودتي حين يحلّ المساء، وفي الصباح أراهم بجانبي، أتناول معهم فطوري قبل أن أخرج لعملي.
-أتعني أولئك المتسكعين الذين يقصدون بيتك ليلاً للمجون ؟
- دعهم يقولون ما يشاؤون.
قال هذه العبارة المقتضبة وهو يبتسم، فشعرت برغبة كبيرة في الابتسام أيضاً، "ليقولوا ما يشاؤون".
توالت أصبحتي مع أبي حبل ، كنت أجد سعادةً داخليةً حين أمرّه مع طعام الفطور، وأستمتع بكلماته القليلة مع الكثير من الطيبة والبساطة, يوماً بعد آخر غدا هذا الرجل صديقي الروحي، لم أعد أراه بعيون أهل الحي و قصصهم، بل باتت روحي تميل إلى الجلوس معه والاستماع إلى أحاديثه التي تنمّ عن رجل ثقّفته الحياة.
أضاف هذا التواصل للناس حكاية جديدة ليملؤوا بها ساعاتهم الفارغة، ولم يخفِ صديقي علاء ما سمعه من بعضهم، ممن أكدوا أن أبا حبل استطاع أن يجذبني كباقي الصبية لأشتري السجائر وأدخنها، وربما لأكون زائراً لحانته المنزلية ليلة ما .. ربما .
ذلك المساء امتلأ بيتنا بالزائرين، وروائح المأكولات الشهية التي تحضّرها أمي، بعثت في نفسي الرغبة لأملأ أطباقاً لصديقي الجديد دون أن يطلب مني أحد هذه المرّة .
حين طرقت الباب ورآني لبسته الدهشة، وسرعان ما عادت إلى مخيلتي تلك الأفكار القديمة التي كنت أراه من خلالها، ظهرت لي صورة الحانوت المظلم بكؤوسٍ مرمية يميناً وشمالاً، و بعض الأشخاص المخمورين مع نساء يأتين بعد الليل ويرحلن قبل النهار.
-أظن أنك لم تتناول عشاءك بعد.
- ليس بعد .
بقينا صامتين دقيقةً، كنت أنتظر أن يدعوني للداخل، لأكذّب الصور القبيحة عنه داخلي، لكنه لم يقل شيئاً، هممت بالمغادرة قبل أن يأتيني صوته من الخلف:
-دعنا نأكل سوياً.
وطأت قدمي للداخل بريبةٍ، ظننت هنيهةً أني في مغامرة استكشاف؛ إثبات أو نفي قصص اعتملت في رأسي حول هذا الرجل.
كان بيتاً صغيراً مكوّناً من غرفتين متواضعتين مرتبتين، لا كؤوس متناثرة ، ولا نساء تنتظر الفجر، ولا رائحة للقبح فيهما، لم أخفِ ابتهاجي تلك اللحظة، راحة غريبة تلبّستني، مرّ أمام أذني صوت أبي " إنه درويش" ، وتلاشت هواجسي عند مشاعر الانتصار لإحساسي الصادق تجاهه.
لم يكن لديه سوى طاولة السجائر القديمة التي افترش بعض الصور عليها، وعند دخولي للغرفة راح يجمعها ويخفيها في الدرج الخلفي، لم ينطق عبارةً واحدةً، شرع يتناول عشاءه، في حين كنت أتفحّص أجزاء بيته الدافئ، لا شيء غريب هنا، وأجمل ما فيه أصيص زنبق أبيض متوضع على زاوية نافذة مغلقة.
-أعجبني بيتك جدًا، لمَ لا تبيع الزهور عوض السجائر ؟
أجابني ضاحكاً: السجائر عمرها طويل لا تحتاج إلى عناية، أرصفها وأعاود جمعها دون جهد، لو كنت ممن يجيدون الاعتناء, لما رأيتني غريباً هنا.
-لم أفهم، ما قصدك؟ ألست من يعتني بهذا الأصيص كعنايتك بمنضدتك وخوفك عليها؟
- أعتني بهما لأكون مرتاحاً ما تبقى من عمري، وأموت برضا.
كلام الرجل كان أكبر من أن أفهم ما يعني، غموضه لا يمنحني مجالاً للتخمين، أو توقع ما يخفى خلف عباراته، لكني أحبّ ما يقول وأحب أن أفهمه؛ لذا كررت سؤالي له :
-ماذا تقصد؟ ، هل تقصيرك بحق منضدتك أو ورودك سيجعلك تعيساً؟
- هما ما تبقى لي من حياة انتهت برفقة من أحببت، حين كنت بعمرك أخذتني الحياة لطرقها المليئة بجميع أنواع القذارات، كانت سعادتي تلك الطرق، لم أصحُ منها إلا حين فقدت أمي وأبي اللذين ماتا وفي عيونهما حسرتي، لم أحقق لهما أية سعادة ، بل على العكس جلبت لهما السمعة السيئة والعار، كانا من أطيب الناس وأكثرهم التزاماً وحبّاً للفضيلة، كانا يسمعان عبارات التربية السيئة، وأنهما دلالاني لدرجة الإفراط بوصفي كنت وحيدهما، كنت تلك الشوكة التي خلفتها الورود، أنا قتلتهما ولم أكن أدري فعلتي إلا عندما ماتا وحيدين حين احترق منزلنا.
كنت آنذاك في رحلة صيد نساء مع أصدقاء يشبهونني في القذارة، عدت لأجدهما كما الحجر الذي لا يتحرك، بكيت عند قبرهما، أردت قتل نفسي مرات ومرات ، لكن الله لم ينه عمري ، فعشت وحيداً لأموت كل يوم مئة مرة، كنت أصرخ كل ليلة أمام بيتنا، وأتضرع إلى الله أن يعيدهما ليسامحاني ، لأقبّل قدميهما و أبكي، لأعود لهما طفلاً من جديد، وأعيد شبابي بعيونهما كما أرادا على الدوام، منذ ذلك الوقت كرهت مدينتي ونفسي ونظرات الناس إليّ، كنت أقرأ الازدراء والشفقة في عيونهم؛ فقررت أن أترك كل شيء خلفي وأهرب، وهربت لكن الندم لم يدعني، وبعد هذه السنوات لا زلت أجلد ذاكرتي بسوط الماضي، ولم أنسَ والداي.
كنت أزور المقبرة في كل عيد، وأبكي و أبكي حتى تتراءى لي عيون أمي، وأشعر بيدها على رأسي، وأسمعها تقول لي: "سامحتك يا بني " لكني لازلت أرى دموع أبي، أنا كسرته حياً وميتاً، حتى أنني لم أحاول أن أعيد له سمعته، فضّلت الهرب، حملت طاولة الحديقة التي كنا نتناول عليها طعامنا وهربت، هي أغلى ما أملك، علقت عليها رائحة أصابعهما، حين ألمسها تفوح رائحة أيام لم أشعر معناها إلا بعد الخسارة.
كانت أمي تعشق الزنبق الأبيض، حديقة بيتنا الصغيرة أشبه بالحلم الذي يمر أمامي، أقاصيص الزنبق من كل جانب، أريكة قديمة بنية اللون، وهذه الطاولة التي تراها ومقاعد خشبية قديمة، والكثير من الحنين ، أفتقدهما، أنا عاجز وضعيف أمام ذاكرتي الملطخة بالسواد، أنا غريبٌ هنا، ابتعدت وتبت إلى الله، لكن الناس لم تتركني، من يعلم حكايتي من أهل الحي، يساومني على الماضي من جديد، وأنا لا أتقن إلا الهرب..الهرب.
أبعد الطعام عن فمه، ودخل في نوبة بكاء كسرتني قبل أن تكسره، وأنا عاجز عن فعل شيء لهذا الطفل الصغير الذي بترته الملاجئ الضائعة.
عند مدخل بيته لمحت بائع القماش مختبئاً بين ثيابه، وخلفه امرأة تغطي وجهها، علمت حينئذٍ ثمن مساومة غريب على ماضيه، وتأكدتُ أنّ من يروّج للشائعات هو أول منفذيها.
مرّت تلك الساعة كالومضة من حياتي، لم أستفق من ضوئها إلا صباحاً على صراخ الناس خارجاً، أمام جثة متدلية من شجرة الرصيف الجانبي، وحبل ملفوف حول رقبة مجهدة، وطاولة خشبية تتمايل فوقها أقدام أبي حبل على وقع أصوات من حولي ؛" لقد قتل نفسه بحبله".
حملت لقبره البارحة أصيص الزنبق الأبيض، فخرجت أصابعه لعناقها، قطرت منها حبات ماء على تراب قربه، وكان بإمكاني رؤية ابتسامته الصغيرة أمام دمعتها:
" اشتقتُ إليك يا صديقي "...

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

الآراء المنشورة في شبكة منابر ثقافية لاتمثل بالضرورة وجهة نظر إدارة الموقع بل هي نتاج أفكار أصحابها