صفحة منابر ثقافية على التويتر صفحة منابر ثقافية على الفيسبوك


العودة   منتديات منابر ثقافية > عُلُومِ اللُّغَةِ العَـرَبِيِّةِ والدراسات النقدية والأدبية > منبر الدراسات الأدبية والنقدية والبلاغية .

أهلا بآل منابر ثقافية

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قصيدة في لغة الضاد لحافظ إبراهيم (آخر رد :مها عبدالله)       :: قصيدة shall I compare لشكسبير (آخر رد :مها عبدالله)       :: قصة مثل ! (آخر رد :مها عبدالله)       :: رجال في الشمس ؟! (آخر رد :مها عبدالله)       :: .•°`لوحة فنية تضم 100 أهم شخصية في التاريخ`°•. (آخر رد :مها عبدالله)       :: عندما تشرق الشمس (آخر رد :مها عبدالله)       :: أسوأ 10 اخطاء في التاريخ (آخر رد :مها عبدالله)       :: اشتقت إليكم آل منابر (آخر رد :مها عبدالله)       :: صبــآح| | مســــاء بنكهة القهوة (آخر رد :مها عبدالله)       :: جميل _____و ______ أجمل (آخر رد :مها عبدالله)      

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 06-24-2019, 11:20 PM   #1

كاتيا فالي

وتني براون

 
الصورة الرمزية كاتيا فالي

 
تاريخ التسجيل: Jun 2019
الدولة: كالينينغراد
المشاركات: 22
معدل تقييم المستوى: 0
كاتيا فالي is on a distinguished road
افتراضي العرب قبل الإسلام : العقائد.. والتعدد .. والأسلاف

العرب قبل الإسلام
العقائد.. والتعدد .. والأسلاف
========

معلوم أن عجز الإنسان وضعفه أمام ظواهر الطبيعة المتقلبة وقواها، مع قصور تجربته ومعرفته، كان هو الدافع لتصور قوى مفارقة ميتافيزيقية، هي التي تقف وراء متغيرات الطبيعة وثوراتها وغضبها وسكونها، لأن تلك الظواهر لم تكن مفهومة، فقد جاءت تلك القوى أيضا غيبية و لذلك ارتبطت عقائد الناس في أربابها بوسطها البيئي ، حيث عبرت عن ذلك الوسط وأظهر مظاهره وأكثرها تكرارا وديمومة، ومن هنا قدس العربي أجرام السماء التي تظهر بكل وضح في ليله الصحراوي المنبسط، دون حواجز حتى الأفق بدائرته الكاملة، كما قدس الأحجار خاصة ذات السمات المتفردة منها، فبيئته رمال وصخور وأحجار، وقد غلب انتشار الصخور البركانية في جزيرة العرب لانتشار البراكين فيها، وأطلقوا عليها اسم الحرات من الحرارة والانصهار.

لكن اتساع رقعة الجزيرة على خطوط عرض واسعة، أدى إلى تبيان ظروف البيئة والمناخ، مما أدى إلى تعدد مماثل في الظواهر، وبالتالي تعددية مفرطة في العبادات، هذا ناهيك عن وعورة المسالك في الجزيرة ، والتي أدت إلى ما يشبه العزلة لمواطن دون مواطن، خاصة تلك التي في الباطن، مما أدى إلى احتفاظها بألوان من العقائد الموغلة في قدمها وبدائيتها، نتيجة عدم الاحتكاك بالثقافات الأخرى التي تساعد على تطور الراسب المعرفية من ثم العقائدي.

التعدد في العبادة

وهكذا يمكنك أن تجد إضافة لعبادة أجرام السماء وعبادة الأحجار والصخور، بقايا من ديانات بدائية كالفيتشية والطوطمية ، وعبادة الأوثان وعبادة الأسلاف .

والفيتشية أكثر ديانات الجزيرة انتشارا بين أهلها، وهي تقدس الأشياء المادية كالأحجار، للاعتقاد بوجود قوى سحرية خفية بداخلها، أو لأنها قادمة من عالم الآلهة في السماء أو من باطن الأرض حيث عالم الموتى، وقد ظلت تلك العقائد قائمة حتى ظهور الإسلام .

أما الطوطمية ، التي تعتقد بوجود صلة لأفراد القبيلة بحيوان ما مقدس ، فتظهر في سميات قبائل العرب ، مثل (أسد، فهد، يربوع ، ضبة ، كلب ، ظبيان ... الخ ). لذلك كانوا يحرمون لمس الطوطم أو حتى التلفظ باسمه ، لذلك كانوا يكنون عنه ، فالملدوغ يقولون عنه السليم ، والنعامة يكني عنها المحلى ، والأسد أبي حارث ، والثعلب ابن آوى، والضبع أم عامر، وهكذا. هذا إضافة إلى تقديس الأشجار، مثل ذات أنواط التي كانوا يعظمونها، ويأتونها كل سنة فيذبحون عندها ويعلقون عليها أسلحتهم وأرديتهم .

كذلك عبد العرب كائنات أسموها (الجن ) خوفا ورهبة ، ودفعا لأذاها، وظنوها تقطن الأماكن الموحشة والمواضع المقفرة والمقابر، وكان العربي إذا دخل إلى موطن قفر حيا سكانه من الجن بقوله : عموا أطلاها، ويقف قائد الجماعة ينادي : إنا عائذون بسيد هذا الوادي، وتصوروا الجن كحال العرب ، فهم قبائل وعشائر تربط بينهم صلات الرحم ، يتقاتلون ويفزر بعضهم بعضا، ولهم سادة وشيوخ وعصبيات ، ولهم من صفات أخر بان كثير منها، فهم يرعون حرمة الجوار ويحفظون الذمم ويعقدون الأحلاف .. وقد يتقاتلون فيثيرون العواصف ، ويصيبون البشر بالأوبئة والجنون . وقد نسبوا إلى الجن الهتف قبل الدعوة مباشرة ، حيث كثر الهواتف أي الأصوات التي تنادي بأمور وتنبىء بأخرى بصوت مسموع وجسم غير مرئي.. وقد اعتمد الكهان على تلك الاعتقادت فزعموا أنهم يتلقون وحيهم عن الجن ، وأن الجن بإمكانها الصعود إلى السماء والتنصت على مصائر البشر في حكايات الملأ الأعلى مع بعضهم عمن في الأرض , وأن الكاهن بإمكانه معرفة مصائر البشر عبر رفيق من الجان .

عبادة الأسلاف

أما أشد العبادات انتشارا وأقربها إلى الظرف المكاني والمجتمعي، فهي عبادة الأسلاف الراحلين ، ويبدو لنا أن تلك العبادة كانت غاية التطور في العبادة في العصر قبل الجاهلي الأخير، حيث كان ظرف القبيلة لا يسمح بأي تفكك نظرا لانتقالها الدائم وحركتها الواسعة وراء الكلأ ، وهو التنقل الذي كان يلزمه لزوجة جامعة لأفرادها، ثم تمثله في سلف القبيلة وسيدها الراحل الغابر، فأصبح هو الرب المعبود وهو الكافل لها الحماية والتماسك ، بوصفها وحدة عسكرية مقاتلة متحركة دوما، فاستبدلت بمفهوم الوطن مفهوم الحمى، والذي يشرف عليه سيدهم وأبوهم القديم وربهم المعبود، حيث تماهى جميع أفراد القبيلة فيه ، ومن هنا كان الرب هو سيد القبيلة الراحل القديم ، الذي تمثلوه بطلا مقاتلا أو حكيما لا يضارع ، ومن ثم تعددت الأرباب بتعدد القبائل ، ونزعت القبائل مع ذلك نحو التوحيد، وهى المعادلة التي تبدو غير مفهومة للوهلة الأولى ، لكن بساطة الأمر تكمن في أن البدوي في قبليته كان لا يعبد في العادة ويبجل سوى ربه الذي هو رمز عزته ورابط قبيلته ، ولا يعترف بأرباب القبائل الأخرى، وهو الأمر الذي نشهد له نموذجا واضحا في المدون الإسرائيلي المقدس ، حيث عاش بنو إسرائيل ظروفا قبلية شبيهة ، فيقول سفر الخروج : "من مثلك بين الآلهة يا رب "، أي أن القبلي كان يعرف أربابا أخرى لقبائل أخري، لكن ربه هو الأعظم من بينها. لذلك لكن البدوي في قبليته يأنف أن يحكمه أحد من خارج نسبه، لأن نسبه هو ربه، هو سلفه، هو ذاته، هو كرامته وعزته، لذلك كانت عبادة الأسلاف أحد أهم العوامل في تفرق العرب القبلي ، وعدم توحدهم في وحدة مركزية تجمعهم .

ولم يأت الاعتراف بآلهة أخرى لقبائل أخرى إلا فيما بعد، بعد دخول المصالح التجارية للمنطقة، واستعمال النقد، وظهور مصالح لأفراد في قبيلة ترتبط بمصالح لأفراد في قبيلة أخرى، مما أدى لاعتراف متبادل بالأرباب ، وهو الأمر الذي بدأ يظهر خاصة في المدن الكبرى بالجزيرة على خط التجارة ، في العصر الجاهلي الأخير، كما حدث في مكة والطائف ويثرب وغيرها.

المستوى المعرفي

دأب بعض مفكرينا في شؤون الدين - عافاهم الله - على الحط من شأن عرب الجزيرة قبل الإسلام، وتصويرهم في صورة منكرة ، وسار على دربهم أصحاب الفنون الحديثة في القصة والسيناريو والأعمال الفنية السينمائية ، بحيث قدموا ذلك العربي عاريا من أية ثقافة أو حتى فهم أو حتى إنسانية ، حتى باتت صورته في ذهن شبيبتنا، إن لم تكن في أذهان بعض المثقفين بل والكتاب أيضا، أقرب إلى الحيوانية منها إلى البشرية . وقد بدا لهؤلاء أن القدح في شأن عرب قبل الإسلام ، وإبرازهم بتلك الصورة المزرية ، هو فرش أرضية الصورة بالسواد، لإبراز نور الدعوة الإسلامية بعد ذلك ، وكلما زادوا في تبشيع عرب الجاهلية ، كلما كان الإسلام أكثر استضاءة وثقافة وعلما وخلقا وتطورا على كل المستويات . وأن الأمر بهذا الشكل يبعث أولا على الشعور بالفجاجة والسخف ، ثم هو يجافي أبسط القواعد المنطقية للإيمان ، فالأيمان يستدعي بداية قيمته من دعوته ، ومن نصه القدسي، وسيرة نبيه ، فقيمته في ذاته ، قيمة داخلية ، وليست من مقارنته بآخر، أما الأنكى في الأمر، فهو أن تتم مقارنة الإلهي بالإنساني، لإبراز قيمة الإلهي إزاء نقص الإنساني، في تلك الحال ستكون ظالمة لكليهما: الإلهي والإنساني، فالإلهي لا يقارن بغيره ، كما أن مقارنة الإنساني به فداحة في التجني على الإنساني بما لا يقارن مع الإلهي.

وقد فطن (الدكتور طه حسين ) إلى ذلك الأمر وعمد إلى إيضاحه في كتابه الأدب الجاهلي مبينا مدى تهافت الفكرة الشائعة حول جاهلية العرب قبل الإسلام ، وكيف أن تلك الفكرة أرادت تصوير العرب كالحيوانات المتوحشة ، لإبراز دور الإسلام في نقله الإعجازي هؤلاء الأقوام المتوحشين ، فجأة ودون مقدمات موضوعية ، إلى مشارف الحضارة ، فجمعهم في أمة واحدة ، فتحوا الدنيا وكونوا إمبراطورية كبرى. هذا بينما القراءة النزيهة لتاريخ عرب الجزيرة في المرحلة قبل الإسلامية تشير بوضوح ، إلى أن العرب لم يكونوا كذلك وفي تطورها الإنساني، أما الركون إلى عقائدهم لتسفيههم ، فهو الأمر الأشد فجاجة في الرؤية ، فيكفينا أن نلقى نظرة حولنا، على الإنسان وهو في مشارف قرنه الحادي والعشرين ، لنجده لم يزل بعد يعتقد في أمور هي من أشد الأمور سخفا.

معارف العصر

والمطالع لأخبار ذلك العصر المنعوت بالجاهلي ، في كتب الأخبار الإسلامية ذاتها، سيجد في الأخلاق مستوى رفيعا هو النبالة ذاتها، وسيجد المستوى المعرفي يتساوق تماما مع المستوى المعرفي للأهم من حولهم، وأن معارفهم كانت تجمع إلى معارف تلك الأمم معارفهم الخاصة، فقط كان تشتتهم القبلي وعدم توحدهم في دولة مركزية ، عائقا حقيقيا دون الوصول الى المستوى الحضاري لما جاورهم من حضارات مركزية مستقرة . وهو الأمر الذي أخذ في التطور المتسارع في العصر الجاهلي الأخير نحو التوحد في أحلاف . كبرى، تهيئة للأمر العظيم الآتي في توحد مركزي ودولة واحدة كبرى.

فعلى مستوى المعارف الكونية ، كان لدى العرب تصورات واضحة ، تضاهي التصورات في الحضارات حولهم : فالأرض كرة مدحاة ، والسماء سقف محفوظ ، تزينه مصابيح هي تلك النجوم، وفيه كواكب سيارة ، أطلقوا عليها (الخنس الجواري الكنس )، فهذا (زيد بن عمرو بن نفيل) يحدثنا عن التصور الكوني المعروف في بلاد الحضارات ، في قوله :

دحاها فلما رآها استوت

على الماء أرسى عليها الجبالا

بينما نجد (أمية بن عبد الله الثقفي)، يصور لنا ما درج عليه العالم القديم من تصور لسماء سقف بلا عمد، وأنها طبقات سبع ، وأن الشهب فيها حماية ورصدا ومنعا للجن من استراق السمع على الملأ الأعلى ، وذلك في قوله :

بناها وابتنى سبعا شدادا

بلا عمد يرين ولا حبال

سواها وزينها بنور

من الشمس المضيئة والهلال

ومن شهب تلألأت في دجاها

مراميها أشد من النضال

المعارف الدينية

أما على مستوى المعارف الدينية ، وكانت سمة عصرها، وهى المنحولة عن عقائد الرافدين القديمة ومصر القديمة وبلاد الشام وفلسطين ، وجاء تفصيلها مجملا في مدونات التوراة ، فهو الأمر الذي كانت تعرفه جزيرة العرب ، فهذا (الأفوه الاودي) يأبي إلا أن يسجل أسماء أبناء نوح في قوله :

ولما يعصمها سام وحام

ويافت حيثما حلت ولام

أما طول العمر النوحى فكان مضرب المثل ، وهو ما يؤخذ من مديح الأعشى لأياس

جزى الله إياسا خير نعمة

كما جزى المرء نوحا بعدما شابا

في فلكه إذا تبدأها ليصفها

وظل يجمع ألواحا وأبوابا

وهو ما جاء أيضا في ضرب الواجز، رافضا عمرا كعمر نوح

فعلت لو عمرت سن الحل

او عمر نحو زمن الفطحل

والصخر مبتل كطين الوحل

صرت رهينة هرم أو قتل

وكان انتشار قصص التوراة في معارف الامم يجد صوابه في معارف ذلك العصر، فها هو (أمية بن أبي الصلت) يقدم حوارا شعريا بين موسى وهارون وبين فرعون ، يقول فيه :

وأنت الذي من فضل ورحمة

بعثت إلى موسى رسولا مناديا

فقلت له : اذهب وهارون فادعوا

إلى الله فرعون الذي كان طاغيا

وقولا له : أذنت سويت هذه

بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا

وقولا له : أذنت رفعت هذه

بلا عمد، ارفق ، إذا بك بانيا

بل وعرف العرب قصة مريم وولدها، وسارت فيهم كقصة معلومة ، وهو ما صاغه (أمية) شعرا بدوره ، إضافة لما جاءت به المسيحية عن يوم بعث ونشور، مضافا إليه ما سبق اليه المصريون من القول بحساب للموتى أمام موازين العدل في قاعة الحساب السماوية ، فهذا شعر بقى عن (قس بن ساعدة) يقول:

يا ناعي الموت والأصوات في جدث

عليهم من بقايا برعم خرق

دعهم فان لهم يوما يصاح بهم

فهم إذا انتبهوا من نومهم فرقوا

حتى يعودوا لحال غير حالهم

خلقا جديدا كما من قبله خلقوا

فيهم عراة ومنهم في ثيابهم

منها الجديد ومنها المبهج الخلق

وهو الأمر الذي يوضحه شعر (زيد بن فضيل) وهو يصور أحوال الحساب ونتائجه في قوله:

ترى الأبرار دارهم جنان

وللكفار حامية السعير

وخزى في الحياة وأن يموتوا

يلاقوا ما تضيق به الصدور

وهو ذات الامر الذي فصل أمره (أمية الثقفي) في قوله :

باتت همومي تسرى طوارقها

اكف عيني والدمع سابقها

مما أتني من اليقين ولم

أوت برأة يقصى ناطقها

ام من تلظى عليه راقدة النار

محيط بهم سرادقها

أم أسكن الجنة التي وعد

ألابرار مصفوفة نمارقها

لا يستوي المنزلان ولا

الاعمال تستوي طرائقها

وفرقة منها أدخلت

النار فساءت مرافقها

أما (علاف بن شهاب التميمي) فيؤكد:

وعلم ان الله يجازي عبده

يوم الحساب بأحسن الأعمال

كذلك جاء تقرير (زهير بن أبى سلمى واضحا) في قوله :

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم

ليخفي، ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيوضح في كتاب فيدخر

ليوم الحساب، أو يعجل فينتقم



المعالم الأدبية

ليس جديدا التأكيد على شعرية العربي، حتى قيل إن كل عربي شاعر، وحتى أصبح الشعر ديوان العرب ، رواية حالهم وظروفهم وعقائدهم ، وسجل لمعارفهم ومستواهم الثقافي الأخلاقي، وسجل لحياتهم العملية وطرق عيشهم بل ورؤاهم الفنية والفلسفية .

وإلى جانب الشعر كان معلم الخطابة بما حواه من ذات المحتويات الشعرية ، بنثره المنظوم المسجوع ، إضافة إلى سجع الكهان ، المرسل منه والمزدوج .

وكان للعرب أسواقهم ، التي عادة ما كانت تفتتح افتتاحا ثقافيا، بإلقاء الخطب النثرية ، والقصائد الشعرية ، وإجراء المسابقات حول أفضل القصائد، وهو ما برز في (المعلقات السبع)، مما يشير إلى ديدن أمة اهتمت بتنمية الثقافة وتشجعيها، رغم تشتتها شيعا في قبائل لا تجمعها وحدة مركزية .

النثر المسجوع

وكان العربي حريصا على تقديم معارفه وثقافته شعرا، وإن نثرها حرصا على الجرس الموسيقى فيها، مما يشير إلى رهافة في الحس وارتقاء في الذوق ، ونماذج من ذلك النثر، ما جاء قسما بالمظاهر الكونية عند (الزبراء) وهى تقول : "واللوح الخافق ، والليل الفاسق ، والصباح الشارق ، والنجم الطارق ، والمزن الوادق ، إن شجر الوادي ليأود ختلا، ويرق أنيابا عملا، وإن صخر الطوا لينذر ثقلا، لا تجدون عنه معلا".

ومن ألوان هذا السجع سجع ديني، جاء في وصف " ربيعة بن ربيعة " ليوم البعث والنشور، بقوله : "يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون"، وهو ذات الرجل الذي يقسم بصدق قوله : "والشفق والغسق " والفتل اذا اتسق، ان ما أنباتك به لحق" أما (شق بن صعب ) فيصف ذات اليوم بقوله "يوم تجزي فيه الولايات، يدعى فيه من السماء بدعوات ، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات ".

ويقسم (ابن صعب ) لسائله بأنه يقول الحق : "ورب السماء والارض ، وما بينهما من رفع وخفض ، أن ما أنبتك به لحق ، ما فيه أمض ". أما الكاهن الخزاعي الذي احتكم إليه هاشم وأمية في نزاعهما، أصدر قراره سجعا يقول : "والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من ستجد وغائر، قد سبق هاشم أمية الى المفاخر".

أما "قس بن ساعدة الأيادي" فيرسل سجعه مصورا معارف العصر الكونية في نثره قائلا: " ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وأرض مدحاة ، وأنها مجردة ، أن في السماء لخبرا، وأن في الأرض لعبرا ".

المعلم الشعري

والشعر الجاهلي وثيقة هامة في يد الباحث العلمي، تأخذ سمت المعلم التاريخي، رغم ما أثير حول الشعر الجاهلي من تشكيك في صحة انتسابه لعصره فعلا، وكان أبرز ما قيل بشأنه قضية النحل التي أثارها (الدكتور طه حسين ) في كتابه الشعر الجاهلي ، والمحاكمة المشهورة التي جرت آنذاك بشأن ذلك الكتاب وصاحبه .

لكن ما يدعو إلى الاطمئنان في الغالبية مما وصلنا من ذلك الشعر، مدونا بأقلام المسلمين ، هو أن القافية والوزن كانا يضمنان منع حدوث تغيير كبير على ذلك الشعر، كما أن المحتوى البسيط لذلك الشعر، وماجاء، به من أخبار التخاصم على الإبل والمراعي يضمن عدم التصنع ، وعلى رأي (د. حسني مروة ) أننا لو حكمنا على شعر الأخطل وجرير ...... بشكله ، لتعذر علينا نسبته إلى ما بعد الاسلام .

وكان (ابن سلام ) أول من بحث قضية الانتحال ، وعزا أسبابها إلى العصبية القبلية ، والرواة الوضاعين ، مثل حماد الراوية ، وخلف الأحمر، وسبق

الجميع الى مسألة الانتحال (المفضل الضبي) الذي نقد خلف الأحمر،أما ( طه حسين ) فقد ردد ما سبقه إليه المستشرق (مرجليوث ) بشكل مختلف بعض الشيء. وإن كان أهم حيثيات محاكمته هي إنكاره هبوط إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام جزيرة العرب .

وقد قامت جمهرة السلفيين تؤكد قبولها صحة نسب الشعر الجاهلي دون تحفظ أو تشكك ، وقد ظهر ذلك واضحا في المؤلفات التي وضعت للرد على (طه حسين )، ونموذجا لذلك ما جاء في كتاب (نقض كتاب في الشعر الجاهلي ) لمحمد أحمد الغمراوي، و(مصادر الشعر الجاهلي) لناصر الدين الأسد، وغيرهم . ونسبة الشعر الجاهلي لعصره ، قد اتفق أمرها بين المسلمين السلفيين ، وبين كثير من المستشرقين ، وهو ما يمثله نموذجا قول المستشرق (ليال): "والواقع أن هذا الشعر الجاهلي، قد أفاد المؤرخ الباحث في تأريخ الجاهلية، فائدة لا تقدر بثمن، وربما زادت فائدة هذا الشعر من الوجهة التاريخية، على فائدته من الوجهة الأدبية، لأنه حوى أمورا مهمة عن أحداث العرب الجاهليين ، لم يكن في وسعنا الحصول عليها لولا هذا الشعر".

الخطابة

والخطابة كانت من أبرز الأنشطة الفكرية والثقافية للعرب ، وكانوا يلجؤون فيها إلى كل الوسائل الإبداعية والجمالية والبلاغية لإقناع المستمع بوجاهة محتوى الخطبة ، وعند التعامل مع ملوك الدول كان العرب يختارون أكثرهم تفوها، وقد ذكر (ابن عبد ربه لم في عقده الفريد، أن كسرى تنقص من أمر العرب في حضور (النعمان بن المنذر) لديه ، مما استفز (النعمان) لعروبته ، فأرسل في طلب خطباء العرب وأوفدهم إلى كسرى ليعرف مآثر العرب وقدرهم الثقافي .

وكان الخطباء يخطبون في وفادتهم على الأمراء، فيقف رئيس الوفد بين يدي صاحب السلطان ليتحدث بلسان قومه ، ومن هذه الخطب ما قيل بين يدي رسول الله عليه السلام عام الوفود وأوردته كتب السير والأخبار. ومن أشهر الخطباء، أولئك الذين وردت أسماؤهم في الرد على كسرى، وهم أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة التميمي، والحارث بن عباد، وقيس بن مسعود، وعمرو بن الشريد السلمى، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، ومن خطباء مكة (عتبة بن ربيعة) و(سهيل بن عمرو)، ومن الخطباء أيضا (هرم بن قطبة)، و(عامر بن الظرب العدواني) ، وهى نماذج تشير إلى خطباء كثر لقبائل العرب ، أوردتها كتب الأخبار والسير تفصيلا وحصرا.

المستضعفون

لعب جدل الأحداث العالمية دورا أساسيا نشطا فيما جرى من تحولات داخل جزيرة العرب ، وكان تحول طرق التجارة العالمية إلى الشريان البرى المار بمكة قادما من اليمن متجها نحو الامبراطوريتين ، عاملا مؤسسا لتغير أنماط الانتاج الاقتصادي في الجزيرة ، التي أخذت تنحو نحو التجارة كعماد أساسي للاقتصاد، وما تبع ذلك من تغيرات في البنى الاجتماعية ، التي أخذت بدورها في التحول النوعي عن الشكل القبلي القائم على المساواة المطلقة بين أفراد القبيلة ، الى تفكك ذلك الشكل بتراكم الثروة في يد نفر من أفراد القبيلة دون نفر آخر، الشكل الطبقي الذي فجر الإطار القبلي ، لصالح تحالفات مصلحية بين أثرياء القبائل المختلفة ، وكان الناتج الطبيعي لتفاوت توزيع الثروة ، ظهور شكل مجتمعي جديد على جزيرة العرب ، لترصد لنا متب الأخبار الإسلامية أهم الشرائح المجتمعية الجديدة ، على خريطة النظام الطبقي الطالع، مقابل الطبقة المترفة من أثرياء تجار الغرب .

فقراء العرب

وإعمالا لجدل الأحداث أخذ الفارق الطبقي بالاتساع السريع والهائل ، ليصبح سواد العرب من الفقراء المستضعفين ، يعملون في رعى الأنعام والفلاحة وتجارات البيع البسيط ، يسكنون الخيام والعشش والأكواخ الحقيرة ، ويسمعون عن الخبز ولا يأكلونه ، حيث كان الخبز من علامات الوجاهة والثراء، ولا يعرفون عن اللحم سوى الصليب ، وهو ودك العظام تجمع وتهشم وتخلى على النار طويلا، ليحصلوا منها على الصليب ، وغالبا ما عاشوا على مطاردة ضباء الصحراء وأورالها ويرابيعها. ونقصد بهؤلاء الفقراء، عرب صرحاء، من أبناء قبائل متميزة ، دفعتهم إلى الأسفل آلة التغير الاقتصادي والمجتمعي.

ويلى تلك الطبقة في التدني، طبقة الموالي ، وهم من أبناء قبائل أخرى ترعوها ولجأوا لقبائل مخالفة ، أو كانوا أسرى فك أسيادهم أسرهم ، أو أعاجم أرقاء أعتقهم سادتهم بمقابل. وقد شكل هؤلاء طبقة بني أبناء القبيلة الخلص الصرحاء، وبين العبيد.

ثم طبقة أخرى ظهرت بدورها نتيجة التفاوت الطبقي الحاد، وتكونت من أفراد تلبستهم روح التمرد على أوضاع المجتمع الجديد، فتصرفوا بتلك الروح فأضروا بمصالح السادة ، فخلعتهم قبائلهم وتبرأت من فعالهم بإعلان مكتوب أو في الأسواق العامة ، وهى الطبقة التي عرفت باسم "الخلعاء".

الصعاليك

أما أبرز تلك الطوائف أو الطبقات التي أفرزها المتغير الاقتصادي المجتمعي، فهي "الصعاليك"، وهم فئة لا تملك شيئا من وسائل الإنتاج ، تمردت على الأوضاع الطبقية ، بل وشنت عليها الحرب ، بخروجهم أفرادا عن قبائلهم باختيارهم ، وتجمعهم على اختلاف أصولهم في عصابات مسلحة ، وأبرز الأسماء التي وصلتنا منهم : عروة بن الورد، وتأبط شرا، والسليك بن السلكة ، والشنفري، وقد أطلق عليهم العرب (الذؤبان)، و(العدائين) لسرعتهم.

وقد روى عن هؤلاء أنهم كانوا ذوى سمات متميزة ، من الشهامة والمروءة والنبالة ، وأخلاق الفروسية، فكانوا لا يهاجمون إلا البخلاء من الأغنياء، ويوزعون ما ينهبون على الفقراء والمعدمين، بعد أن شكلوا لأنفسهم مجتمعا فوضويا، شريعته القوة ، وأدواته الغزو والإغارة، وهدفه الأول السلب والنهب، وهدفه الأخير تعديل الموازين المجتمعية.

وتروى لنا كتب السير والأخبار وطبقات الشعراء، أشعارا للصعاليك ، ينعكس فيها الإحساس المرير بوقع الفقر عليهم وفي نفوسهم ، ويضج بشكوى صارخة من الظلم الاجتماعي،وهوان منزلتهم، فهذا (قيس بن الحدادية) يخبرنا أنه لم يكن يساوى عند قومه عنزا جرباء جذماء، أما الأخبار عن الشنفري فتروى كيف أسلمه قومه هو وأمه وأخوه ،هنا لقتيل عن قبيلة أخرى، ولم يغدوهم ، وكيف تصعلك الشنفري ورفع سيف ثورته بعد أن لطمته فتاة سلامية ، لأنه ناداها: يا أختي، مستنكرة أن يرتفع الى مقامها.

ومن مثل تلك الأخبار، نستطيع تكوين فكرة واضحة عن المدى الذي فعله المال داخل القبيلة، مما أدى بالصعاليك إلى فصم علاقتهم بقبائلهم ، وتكوين جماعتهم المسلحة ضد الأغنياء، لينزعوا منهم مقومات الحياة الإنسانية التي أهدرها الواقع ، وهو المبدأ الذي يتجلى واضحا في شعر (عروة بن الورد) وهو يقول :

إذا المرء لم يبعث سواما ولم يرح

عليه ولم تعطف عليه أقاربه

فللموت خير للفتي من حياته

فقيرا، ومن موْلًى تدب عقاربه

العبيد

وفي ضوء الحاجة لليد العاملة في خدمة آلة الاقتصاد الجديد، بدأت بلاد العرب تعرف النظام العبودي، وكان مصدره السبي والنخاسة وعبودية الدين، حتى جاء وقت أصبحت تجارة العبيد بمكة تجارة منتظمة ، تأتي بهم من سواحل أفريقيا الشرقية، وهم الطائفة السوداء، ومنهم من كان يشتري من بلاد فارس والروم وهم الطائفة البيضاء. لاستخدامهم في حراسة القوافل ، وأعمال الري الصناعي والزراعة والحرف وليس أدل على كثرة هؤلاء العبيد. من أن هندا بنت عتبة أعتقت في يوم واحد أربعين عبدا من عبيدها، كما أعتق أبو أحيحة سعيد بن العاص مائة عبد. اشتراهم وأعتقهم.

ومع النظام العبودي انتشرت عادة التسري بالإماء، فكان للرجل أن يهب أو يبيع أو ينكح أمته أو يجعلها مادة للكسب بتشغيلها في البغاء، ثم يأخذ ناتجهن المولود ليباع بدوره وعندما جاء الإسلام حرم البغاء، ولكنه أبقى على نظام ملك اليمين ضمن ما أبقى عليه من أنظمة الجاهلية وقواعدها المجتمعية ، لكنه رغب في العتق وحض عليه .

الأساطير

مع التطور الرتيب البطيء للقوى المنتجة ، نتيجة للتعددية والتشظي القبلي، تواضع العقل العربي على إلقاء تفاسير ميتافيزيقية ، لما يجابهه من ظواهر طبيعية ، يحاول بها تبرير ما يحدث حوله، وهو ما اصطلح بعد ذلك على تسميته بالأساطير بين العرب أنفسهم، خاصة بين الطبقة المثقفة من أثرياء تجارهم ، وهو ما يعلن عدم قناعة مستبطن بتلك التفاسير، التي أدرجت ضمن أخبار السالفين وأنبياء الأمم وقوادهم تحت عنوان واحد يجمعها هو (الأساطير).

أساطير الماء

ولما كان المطر أهم الظواهر وأخطرها لحياة البدوي، فقد وضعت بشأن انقطاعه أو تواتره سيولا، تفاسير أسطورية بدائية بسيطة بساطة حياة البداوة ، فإذا أمطرت لسماء نسبوا المطر إلى فعل النجم أو المجموعة النجمية التي توافقت من الظهور مع سقوط المطر، فيقولون : أمطرنا بنوء كذا. وكان لفيض المطر أحيانا ودوره المدمر تفاسير من لون آخر، فيبدو أن الذاكرة العربية احتفظت بأحوال عرب قدماء، دمرت بلادهم بسبب الأمطار العاصفة ، فحكوا عنها روايات تفسيرية، تكمن الأسباب فيها بيد الآلهة الغاضبة البطوش على من خالفوا أوامرها أو نواهيها، وهو ما روته العرب مثيلة عن هلاك عاد وثمود، ويمكن الرجوع بشأنه تفصيلا للفصول الأولى من كتب الأخبار الإسلامية ، وعلى سبيل المثال تاريخ الأمم والملوك للطبري.

كذلك كان لندرة المطر أساطيرها الخاصة ، والتي دفعتهم إلى ابتداع ألوان من الطقوس ، قصدوا بها تحريض الطبيعة على العمل ، ويبدو أن ملاحظة سكان السواحل للضباب الصاعد من الماء ليكون سحابا ممطرا أثر، في تصور اصطناع حالة شبيهة ، فكانوا يوقدون نارا تخرج عادتها دخانا شبيها بالضباب الصاعد للفضاء، بقصد الاستمطار، ولأن البقر كان رمزا للخصب عند الشعوب القديمة، فقد عقدوا بين النار والبقر في طقس يجمعون فيه الأبقار، ويصعدون بها المرتفعات، ويربطون في ذيولها مواد قابلة للاشتعال يوقدون فيها النار، فتهرع الأبقار مذعورة تثير الغبار وهى تهبط من الجبل ، لتصطنع حالة شبيهة بالعواصف الممطرة، وأثناء ذلك يضجون بالدعاء والتضرع، ويرون ذلك سببا للسقيا بعد ذلك .

أساطير السماء

وفي العصر الجاهلي الأخير، ومع النزوع نحو توحد قومي وديني تحت ظل إله واحد، ارتفع العرب بذلك الإله عن المحسوسات ، ونظروا إلى الههم ساكنا السماء في قصر عظيم تحفا حاشية من الملائكة ، لذلك قدسوا السماء وأجرامها، والقسم بها، وبظواهرها، وحفوا بالقدسية كل ما تساقط من السماء بحسبانه قادما من ذلك المكان المقدس حيث العرش ، فكان تقديس الأحجار النيزكية أحد نتائج ذلك الاعتقاد.
وقد نسبوا إلى الأفلاك أثرا عظيما في حياة البشر والأمراض والأوبئة ، وكان تساقط الشهب يعني وقوع أحداث جلل، كالحروب، أو الكوارث الاقتصادية أو الطبيعية، أو ولادة رجل عظيم، أو موت لآخر.

ويبدو أن تلك القدسية امتدت عند بعض القبائل إلى تأليه نجوم السماء، بينما اتجه البعض الآخر إلى اعتبارها هي ذات الملائكة ، وقالوا أنهن بنات الله ، أولهن علاقة بالله على الجملة في أكثر من شأن ، ويعبر عن ذلك الرواية المشهورة بشأن كوكب الزهرة والملكين هاروت وماروت، وكيف أغوت الزهرة الغائبة الملكين الورعين فارتكبا الخطيئة وعصيا الله خالق السماوات والأرض ، وكيف تحولت تلك المرأة الفاتنة التي أغوت ملائكة السماء بدورها إلى كائن سماوي يتمثل في ذلك الكوكب الجميل المعروف بكوكب الزهرة .

أساطير البشر

كذلك لم يجد العرب في تميز بعض الأشخاص إلا سمات خارقة ، نسبرها إليهم أحيانا انبهارا وأحيانا تمجيدا، فهذا خالد بن سنان يطفىء النار التي خرجت بجزيرة العرب وكانت لها رؤوس تسيح فتهلك البلدان ويبدو أنها كانت ذكرى بركان مدمر، لكنهم جعلوا لنار البركان رؤوسا آكلة حاربها ابن سنان حتى أطفأها وردها إلى مقر الارض .

وهذا الصعلوك القوى النبيل ، يشتد الإعجاب به وبقوته حتى يقولوا أنه قتل الغول وأتى يحمل رأسه تحت إبطه ، فأسموه (تأبط شرا) وهذا عنترة بن شداد يشد على الأعادي فيكسر رماح الحديد وينزع النخيل من مواضعه ويحارب الغزاة ، حتى يتحول مع النزوع القومي في الجاهلية الأخيرة إلى بطل عربي قومي يحارب اعداء العرب بقواه الجبارة .

وذاك سيف بن ذي يزن يدخل الحلم القومي العروبي بعد تحرير بلاده من الأحباش ، فيتم التعتيم على استعانته بالفرس الذين يحتلون بلاده عوضا عن الأحباش ليتم تصويره بطلا شعبيا عظيما يقاتل الجيوش ويهزمها بقوته ومهارته .

وهو ما يشير إلى نزوع جديد نحو أساطير البطولة للجاهلية في عصرها الأخير، لتصنع رمزها القومي العربي، وهي تنحو نحو التوحد الآتي.

أنماط الزواج

في جزيرة العرب ، تعددت أنماط الزواج ، كناتج ضروري لشكل العلاقات المجتمعية ، والتوزع القبلي ،وتباعد المضارب عبر مساحة تكاد تكون قارة متباينة ، تشكل فيها كل قبيلة وحدة قائمة بذاتها، ومن هنا فرضت تلك الأوضاع أنماطا عدة للنكاح ، عددتها لنا كتب السير والأخبار الإسلامية .

النكاح لأجل

والنكاح لأجل كان يقع على طريقتين تمثلان نوعين من الزواج ، وهو لون من النكاح الصريح الذي لا يعني زواجا بالمعنى المفهوم، والنوع الأول منه هو ما عرف بنكاح (الذواق) الذي يتم دون أي شروط تعاقدية ، ويحل برغبة أي من الطرفين متى ما شعر بعدم الرغبة في الاستمرار، وقد اشتهر بهذا النكاح (أم خارجة) التي تناكحت وأربعين رجلا من عشرين قبيلة، فكان يأتيها الرجل متوددا يقول ؟ خطب ، فترد: نكح ، فيأتيها، حتى ضرب بها المثل فقيل : أسرع من نكاح أم خارجة ، وهو الخبر الذي أورده الزبيدي في تاج العروس والميداني في مجمع الأمثال .

أما النوع الثاني فهو نكاح المتعة ، وقد عرف بعد ذلك في عهد النبي (ص) كمشروع للمسلمين دون حرج ، وكان قبل ذلك واسع الانتشار بين عرب الجاهلية ، وكانت دوافعه لديهم التنقل والأسفار والحروب ، حيث كان الرجل يتزوج على صداق محدد لأجل محدد، وبقضاء المدة ينفسخ التعاقد، وقد كان لأثرياء مكة الدور الأساسي في إرساء هذا اللون من النكاح ، حيث كانوا أصحاب قوافل وسفر، وممكنات مادية تسمح لهم باقتناء الحريم على تلك الطريقة ، على محطات سفرهم بالقوافل ، ويبدو أنه لون من التقنين الأحدث للطريقة الأولى "الزواج بالذواق". أنكحة في عداد الزنى وعرفت الجاهلية ألوانا أخرى من النكاح وكرهته رغم عمل البعض به، فكان في عداد الزني، وتمثله عدة ألوان ، أولها نكاح الشقار، وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته دون أمهار، فكانت كالتبادل البضائعي، لاحق للمرأة فيه ولا مهر لها، وقد نهى الإسلام عن هذا اللون من النكاح (لا شنار في الإسلام)، ورغم ذلك لم يزل معمولا به خاصة بين فقراء المسلمين ، كحل غير مكلف لعدم وجود المهر فيه . وهناك لون آخر عرف باسم المضامدة ، تتخذ فيه المرأة خليلا أو أكثر على زوجها، وكانت تفعله نساء القبائل الفقيرة زمن القحط ، وكان يتم بعمل الرجل فتذهب إلى السوق وتعرض نفسها على ثري يكفلها ويمنحها المال ، ثم تعود بعد ذلك لزوجها بعد أن توسر بالمال الكافي لإعاشة أسرتها، وبدوره كان نكاحا بدفع العامل الاقتصادي أساسا.

ثم ألوان أخرى من النكاح البدل المعروف بتبادل الزوجات، وزواج المقت، وكان مكروها من العرب وأسموه المقت كرامة له، وكان يتزوج بموجبه الرجل زوجة أبيه كجزء من ميراث عند موت ذلك الأب ، وقد أبطل الإسلام هذا اللون من الزواج ، هذا ناهيك عن نكاح الاستبضاع الذي يطلب فيه الرجل بذرة سيد عظيم في رحم زوجته عساه يرزق بولد عظيم .

ومن أنكحة الزنى الصريح ، نكاح صاحبات الرايات الحمر، وهن بغايا مكة اللائي كن ينشطن في مواسم التجارة وموسم الحج ترغيبا للتجار وأهل السوق ، وقد شجع أثرياء مكة صاحبات الرايات الحمر، لمزيد من الانعاش الاقتصادي، لكنهم مع ذلك كانوا على مروءة إن حملت المرأة، حيث يلحق ولدها بما يرى أهل الفراسة والقيافة أو بضرب القداح ، فيصبح ابن من تقع عليه الحظوظ .

أنكحة بالعرف

وقد تواضع العرف القبلي في ظل ظروف التشتت القبلي ، والإغارة والاقتتال بين القبائل وبعضها، على لون بشع من ألوان النكاح ، هو لون صريح من الاغتصاب المهين ، ينزل بالقبيلة المهزومة ونسائها، حيث كان من حق المنتصر سبي النساء والاستمتاع بهن حيث تصبح ملكه بالسبي، ويصبح من حقه بيعها إن لم يجد من يفتديها منه . ومثله نكاح الإماء بالشراء والامتلاك ، وهذا اللون من النكاح كان لا يعرف عددا للنساء الحريم على سرير الرجل . وهو شبيه بالزواج غير المحدد لعدد الزوجات الذي كان معروفا بدوره بين الطبقات الثرية ، لكنه كان نادرا معدودا، حتى تجده في خبر أو اثنين ، كما جاء عن غيلان الثقفي الذي أسلم وتحته عشر نسوة .




مكانة المرأة

حول مكانة المرأة في جاهلية العرب الأخيرة ، اختلف الباحثون إزاء ما بأيديهم من معطيات تتضارب أشد التضارب ، وتتناقض إلى حد عدم الالتقاء أبدا. فذهب الباحثون إلى طريقين على ذات الدرجة من التضارب والتناقض ، منهم من رأى للمرأة في الجاهلية مكانة تتميز بها عن وضع بنى جنسها عند بقية الشعوب ، وأنها سمت الى وضع السمت في المجتمع ، بينما ذهب فريق آخر إلى النقيض وهبط بها إلى أسفل سافلين .

الشكل الأرقى

ومن ذهبوا بمكانة المرأة في ذلك العصر إلى مكان السمت المتميز، اعتمدوا على ما جاء بديوان العرب من أشعار، تبين كيف كانت المرأة هي الوتر الحساس في قلب كل عربي، ومبعث كل إلهام ، حيث التزمت القصائد جميعها تقريبا نهجا يهيم بالمرأة ويمجدها، وما يلاحظ على المعلقات التي لا تخلو من الإشادة بالمرأة والتغزل فيها بل والفخر بها.

ويعود الاتجاه نفسه إلى المأثور العربي وما روي من أخبار عرب الجاهلية في المصادر الإسلامية ، ليجد العربي حريصا على كرامة المرأة ويعتبرها موضع شرفه ، حتى شنت من أجلها حروب ، وأبرزها موقعة ذي قار التي انتصرت فيها ثلاث قبائل عربية متحالفة ، على الفرس ، بسبب رفض النعمان بن المنذر تزويج ابنته للملك الفارسي . كذلك حرب الفجاع الثانية التي قامت بين قريش وهوازن تلبية لاستنجاد امرأة بآل عامر للذود عن شرفها، ولا ننسى حرب البسوس التي دامت أربعين عاما بسبب انتهاك جوار امرأة ، وما قصة عمرو بن هند وعمرو بن كثلوم إلا أبرز مثل لأنفة العربي وحرصه على كرامة المرأة وعزتها.

وتروى كتب الاخبار وطبقات الشعراء كيف كانت المرأة تستشار في عظائم الأمور، كما في حادثة سعدى أم أوس الطائي، ناهيك عن مشاركتها للرجال في ساحة القتال ، تحثهم على المثابرة وشد أزرهم ، وتداوي الجرحى وتدعو للأخذ بالثأر، فيستبسل الرجال مخافة سبي نسائهم ، وقد كان لواء (الحارثية) في شعر حسان بن ثابت وراء نصر قريش في أحد على المسلمين ، فعندما سقط لواء المكيين هرعت إليه (الحارثية) وسط الرماح والسيوف وحملته ، فتجمعت حوله فلول المنهزمين ، وظلت تهتف بهم حتى عادوا وحملوا على المسلمين حملة شديدة . ودور (هند بنت عتبة ) في ذات المعركة من أهم الأدوار في تاريخ تلك الحروب، حيث أتت بنساء مكة وقيانها يشحذن الرجال وينشدن الأناشيد الحماسية لتأجيج الحمية القتالية. وكانت (هند) من شاعرات العرب اللائي يصفن المعارك ويحسن تصوير الأبطال ، واشتهرت أيضا كفيلة بنت النضري، وأروى بنت الحباب ، وبنت بدر بن هفان والهيفاء القضاعية ولا مراء أن الخنساء ذهبت من بينهن بعمود الشعر رثاء وفخرا وحماسة وحربا.

ولا يغيب على فطن انتساب قبائل العرب الى أمهاتها مثل بجيلة وخندق وطهية ومعاوية ونويرة ، ويبدو أن الحرص على مكانة ألام كان وراء حرص العربي على كرم النسب وطهارة الرحم ، وقد ذكر كتاب الأغاني في حديثه عن حرب الفجاع أن (مسعود الثقفي) ضرب على زوجته (سبيعة بنت عبد شمس ) خباء وقال لها: من دخله من قريش فهو آمن، فجعلت توصل في خبائها ليتسع .

وفي الأشعار تقدير عربي شديد للمرأة ، فيخاطبها إذا كانت زوجة بأفضل الألقاب ، فهو يقول لها:

يا ربة البيت قومي غير صاغرة

ضمي إليك رحال القوم والقربا

واللقب، وتعبير (غير صاغرة ) يشير إلى أي درجة من السمو كانت .

الشكل الآني

أما أصحاب الاتجاه الآخر، فيستندون إلى ذات المعطيات وذات المادة التاريخية ، ليعطونا صورة من أشد الصور بخسا بحق المرأة ، فكانت تورث مع المتاع إذا توفى عنها زوجها، ويرث الولد زوجة أبيه ويتصرف فيها حسب مشيئته ، فبإمكانه أن يتزوجها، أو يزوجها لغيره ويأخذ مهرها، أو يعضلها حتى تموت ، أي يمنعها من الزواج حتى تدفع فدية عن نفسها. فهي في منزلة بين الإنسان والأنعام، أو هي مثل متاع البيت متعة لصاحبه ، وسميت متاعا بالفعل، مهمتها الاستيلاد والخدمة، وشاع الكثير عن بغض العرب للبنات ، حتى سئل إعرابي: ما ولدك؟ قال : قليل خبيث ، قيل: وكيف ذلك ؟ قال : لا عدد أقل من الواحد، ولا أخبث من بنت.

وهذا (أبو حمزة العيني) يهجر زوجته الى بيت مجاور بعد أن ولدت بنتا، حتى أمست تقول شعرا:

ما لأبى حمزة لا يأتينا

يظل في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا

تالله ما ذلك في أيدينا

وإنما نأخذ ما أعطينا

ونحن كالأرض لزارعينا

ننبت ما قد زرعوه فينا

وغني عن التنبيه تلك الرؤية المتقدمة للرجل كسبب في جنس الوليد، وأن المرأة مجرد أرض تقبل الجنس المزروع وتنبته .

هذا ناهيك عن ظاهرة الوأد كأبشع الظواهر طرا، وقد ذهب بعضهم الى قصر الميراث على الولدان الذكور وقالوا، لا يرث إلا من يحمل السيف .

التحليل التاريخي

ومثل هذا التناقض في المعطيات ثم التناقض بالتبعية في تقارير الباحثين حول وضع المرأة في الجاهلية، لا يحله إلا رؤية تاريخية موضوعية ، قد عاش العرب في قبائل متعددة موجودة جنبا إلى جنب في زمن واحد، ولكن في مناطق مختلفة ، وهى تتداخل معا، ففي مكة جمع شكل المجتمع القبيلة إلى جوار الواقع الحضري، وطريقة العيش ووسائل الكسب ، من رعى وغزو إلى استقرار زراعي، إلى تجارة ، أثرها الذي يجب أخذه في الاعتبار عند مناقشة وضع المرأة في الجاهلية ، وهو موضوعنا التالي .

العامل الموضوعي ووضع المرأة

سبق وأشرنا إلى اختلاف آراء الباحثين في وضع المرأة زمن الجاهلية ، كما ألمحنا إلى أن ذلك الاختلاف ناتج من تعدد القبائل والأشكال المجتمعية على التحاور في زمن واحد، في مناطق مختلفة ، كذلك تنوع الأقاليم وطرق الكسب ألتي تتباين ، وما تبع ذلك بالضرورة من اختلاف في وضع المرأة ، ولا ريب أن دخول الشكل الطبقي أدى إلى ثراء قبائل ضاربة على طرق التجارة ، مقارنة بقبائل ظلت على فقرها في باطن الجزيرة ، إضافة إلى التفاوت الطبقي داخل القبيلة الواحدة ، وما ارتبط به ذلك التطور الاقتصادي في تفجير الأطر القبلية في المناطق التي أصابها ذلك التطور، فتغيرت بناها المجتمعية وسعت نحو نزوع وحدوي على مستوى الأرض والسماء، مما أدى إلى نشوء وعي قومي وحدوي، استشعرت فيه قبائل العرب بوحدة جنسها، وكان لكل تلك التطورات دورها في اختلاف وضع المرأة ، مما أدى لاختلاف رؤية الباحثين بدورها.

ظاهرة الوأد

يقول القرآن الكريم معقبا على ما آل إليه حال المرأة في العصر الجاهلي ، آمرا، ناهيا ((لا تقتلوا أولادكم من إملاق ، نحن نرزقكم وإياهم ))، وينبه (الدكتور على عبدالواحد وافي) هنا إلى أن الوأد الناتج عن الفقر لم يكن فيه تمييز بين الذكر والأنثى، فكانوا يندون على الجملة ، وهو رأي فيه نظر، حيث لم يثبت وأد الذكور على الإطلاق ، حيث كانت البداوة ونمطها بحاجة دائمة إلى ذكور شغيلة محاربين ، لكنه يطرح من جانب آخر وجهة نظر بشأن وأد الإناث، فيقول أنهم اعتقدوا أن البنت من خلق الشيطان ، أو خلق إله غير إلههم ، فوجب التخلص منها.

وفي هذا التفسير الديني نجد تفسيرا أقرب للمقبول عند الدكتور (على زيعور) حيث يقول : أنه كان لونا من طقوس التقرب لإله القمر (ود) رمز الأنوثة في رأيه ، وإنه كان من بقايا القرابين البشرية ، التي درجت عليها الشعوب القديمة ، قبل استبدالها بذبح الحيوان فداء للإنسان .

لكن ما يعني الأمر هنا هو أن المطالع لكتبنا الإخبارية لن يجد ظاهرة الوأد أمرا متفشيا، كما هو شائع ، بل كان على العكس نادر الوقوع ، ذكرت حالات بعدد قليل لا يرقى بالحالة إلى ظاهرة منتشرة ، وقد عابه العرب وأنكروه . أشهر حالتين يتم ذكرهما حالة (قيس بن عاصم) وحالة (عمر بن الخطاب).

ولعل صدق الوحى والتنزيل هو الفيصل بشأن سبب الوأد، في بعض مواضع وبعض قبائل الجزيرة ، حيث أشار للوضع الاقتصادي وأثره في تلك العادة ، فالفقير بحاجة للولد المنتج ، وليس بحاجة لأنثى - فم يلتهم - في مجتمع ندرة على العموم، ثم كان حال القبائل المتحاربة يعرض الإناث للسبي والعار، وكان محتما أن تهزم القبيلة الفقيرة وتسبي بناتها، لقلة عتادها وخيلها.

والدليل على عدم تفشي الوأد، وأنه بالفعل كان ناتج الإملاق كما قال الوحي الصادق ، أن علية القوم ومن تيسر معاشهم فتهذبت نفوسهم ، استهجنوا ذلك بشدة ، فكانوا يفتدون البنات من الوأد، واشتهر من بين أجواد العرب (صعصعة بن ناجية ) جد (الفرزدق )، الذي أخذ على نفسه ألا يسمع بموءودة إلا فداها، فسمى محيي الموءودات ، وقال الفرزدق فيه :

وجدي الذي منع الوائدات

وأحيا الوئيد فلم يوأد

وتعبر حادثة (أم كحلة الانصارية ) عن كون السبب الاقتصادي وراء تعاسة المرأة كفم آكل غير منتج في وسط فقر وندرة ، حيث ذهبت إلى رسول (ص) تقول : يا رسول الله توفى زوجي وتركني وابنته فلم نورث ، فقال عم ابنتها قوله فيها صدق الحال ، قال : يا رسول الله هي لا تركب فرسا ولا تحمل كلا ولا تنكي عدوا، يكسب عليها ولا تكسب .

وهناك سبب آخر أدى إلى حالة واحدة أخرى من حالات الوأد النادرة ، ويتعلق بالظاهرة في قبيلة تميم ، حيث كانت تميم قد امتنعت عن أداء الإتاوة للنعمان ملك الحيرة ، فجرد عليهم حملة سبت نساءهم ، فكلموا النعمان في نسائهم ، فحكم بترك حرية النساء في الاختيار لقرار النساء أنفسهن ، فاختلفن في الاختيار ما بين البقاء في حوزة من سباهم وبين العودة لذويهم، وكانت فيهم بنت (قيس بن عاصم )، وهي الحالة النادرة المشار إليها، فاختارت سابيها على زوجها، فنذر (قيس ) أن يدس كل بنت تولد له في التراب ، وافتدى به بعض تميم نكاية في النساء.

الوضع الطبقي

كان نشوء الطبقة عاملا أساسيا في تحديد وضع المرأة ، فكان هناك الإماء، والحرائر، وكانت الحرائر تتمتع بمنزلة سامية ، يخترن أزواجهن ، ويتركهن إذا أساءوا معاملتهن ، ويحمين من يستجير بهن، وكن موضع فخر الأزواج والأبناء، بعكس أبناء الإماء الذين كانوا يستحيون من ذكر أمهاتهم.

وعلا شأن المرأة في الوسط الثري، خاصة إذ تمتعت هي بالثراء، فكانت تختار زوجها كما حدث من السيدة خديجة أم المؤمنين وكانت إحدى ثريات مكة المعدودات ، عندما خطبت لنفسها الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان آخرون يفخرون بنسب أنفسهم إلى أمهاتهم.

وكما سبق وأشرنا فقد ارتبط ذلك التطور الاجتماعي ونشوء الطبقة بنزوع قومي واضح، كانت المرأة طرفا في جدله التاريخي، حيث كانت امرأة سببا في حرب العرب والفرس في ذي قار، والفرح الاحتفالي الهائل في الجزيرة بالنصر العربي، أما النزوع القومي وشعور قبائل العرب أنهم جنس له فوقيته وخصوصيته ، فقد دفعهم إلى عدم تزويج بناتهم من أعاجم مهما بلغ الأعجمي من مراتب الشرف والسؤدد والمال.

الحب والزواج

يبدو أنه رغم ما نسمع عن قيود وأعراف عربية ، وضعها المجتمع على علاقة الشاب بالفتاة، فإننا نسمع أيضا مع نشوء الطبقة الثرية عن مجالس سمر تعقد في أفنية الدور، ويجتمع فيها الشباب والشابات حيث تضرب الدفوف ويرقص الحداؤون ويلقى الشعر، خاصة في آخر سنوات الجاهلية الأخيرة .

وكان الشاب منذ بلوغه يبدأ التشبيب بالنساء ويلاحقهن ، وكان ذلك إحدى علامات الرجولة والفخر، ولأن الشعر كان أغنية العربي وفصاحته ، فقد كان كل شاعر يبدأ شعره بالغزل ، إلا أن الشعر النسوي كان يخلو تقريبا من ذلك الغزل ، حيث كان بوح المرأة بمشاعرها لونا من خلق الحياء التقليدي بين العرب .

اختيار الزوج

وإذا تأخرت خطبة الفتاة ، التي عادة ما كانت تتزوج في سن مبكرة (حوالي الثانية عشرة)، فإنها كانت تلجأ إلى طلب الرجل ،فتنشر شعرها، تكحل واحدة من عينيها، وتسير تحجل في الشارع ليلا تنادي: يالكاح، أبض النكاح ، قبل الصباح .

وهو أمر يشير إلى أن العرب وإن درجوا على عادة اختيار الفتى لفتاته، فإن العكس كان حادثا، وتشير الأحداث إلى أن المرأة كانت حرة في اختيار زوجها، خاصة إذا كانت من علية القوم، فهذه (هند بنت عتبة) تقول لأبيها: إني امرأة ملكت أمري، فلا تزوجني رجلا حتى تعرضه علي، فقال لها وذلك لك.

وتقول المصادر أن حق ابن العم في بنت عمه كان عرفا مقدما ومسنونا، إلا أن العرب بعد ذلك صارت تدرج على التزاوج من خارج القبيلة ، ويقول الباحثون أن ذلك كان ناتج ملاحظة أن زواج الأقارب يأتي بالضاوين (الضعفاء والمشوهين )، فصارت لهم في ذلك أمثال مضروبة، من قبيلها : لا تتزوجوا من القريبة فيأتي الولد ضاويا، والزواج من البعداء أنجب للولد وأبهي للخلقة وأحفظ لقوة النسل ، لا تتزوجوا في حيكم فإنه يؤدي إلى قبيح البغض، النزائع لا القرائب .

زواج الغريب

ويبدو لنا أن الزواج من قبائل أخرى، كان مرحلة متطورة تساوقت مع التطور اللاحق ، الذي دفع بأفراد القبائل للخروج عن الحالة القبلية الأولى ، ونظام التحالفات الذي كان إرهاصة بالقومية والتوحد، سعيا وراء توفير ممكنات إقامة أحلاف قبلية كبرى قوية . وأبرز الأمثلة على ذلك عندما بلغ الصراع ذروته بين كتلتي هاشم وأمية في مكة ، وبدأ كل من البطنين يعقد تحالفاته الكبرى ضد الآخر، وكيف وهى السياسة التي اختطها هاشم بنفسه، وتبعه فيها بنوه من بعده.

لكن ذلك لم يمنع استمرار الزواج من داخل القبيلة بالطبع وكان للطبقة والفقر والغني دوره في ذلك، فكانت الفتاة في الطبقات الأدني تفضل زواج الأقارب لأنهم أكثر معرفة بشئونها من الغرباء، وأحرص على ستر عيوبها وسلامتها، وفي حكاية (عشمة البجلية ) ما يشير إلى هذا المعنى، فقد نصحت شقيقتها (خود) عندما جاءها خطاب أغراب حسان ، بقولها: تزوجي في قومك ولا تغرك الأجسام ، فشر الغريبة يعلن ،وخيرها يدفن ، ترى الفتيان كالنخل ، وما يدريك ما الدخل ؟!

الطلاق

معلوم أن الطلاق كان بيد الرجل ، وكانوا يطلقون ثلاثا عل التفرقة فإذا تمت امتنعت العودة، لكن أيضا كان من حق المرأة الثرية ، ويشار إليها بالشريفة لمالها، حق الطلاق ، وقد أشار أبو الفرج الأصفهاني في أغانيه إلى ذلك في حديثه عن نساء الجاهلية يطلقن الرجال ، وبلغ الأمر حدا لا تجبر فيه المرأة على المصارحة بالطلاق ، بل كان يكفيها أن تحول باب خيمتها من الشرق إلى الغرب فيفهم الرجل أنه قد طلق من امرأته.



سيد محمود القمني: باحث انثربولوجي، وأستاذ جامعي من مصر
تصحيح ومراجعة الدراسة لمنتديات منابر ثقافية : كاتيا فالي

من مواضيعي
0 العرب قبل الإسلام : العقائد.. والتعدد .. والأسلاف
0 أسطورة “ليليث”
0 خيالات غريبة

التوقيع :
كاتيا فالي غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2019, 12:32 PM   #2

ممدوح الرفاعي

من آل منابر ثقافية

 
الصورة الرمزية ممدوح الرفاعي

 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 132
معدل تقييم المستوى: 9
ممدوح الرفاعي is on a distinguished road

اوسمتي

افتراضي رد: العرب قبل الإسلام : العقائد.. والتعدد .. والأسلاف

دراسة قيمة جدا جدا ياكاتيا
تشكرين عليها


من مواضيعي
0 علمني كيف اقرأ.... لك الأجر ولي الفائدة
0 جاء بي بساط الحروف

ممدوح الرفاعي غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2019, 01:15 PM   #3

حسام الدين بهي الدين ريشو

مشرف منبر بـــوح المشـاعـر

 
الصورة الرمزية حسام الدين بهي الدين ريشو

 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
المشاركات: 6,293
معدل تقييم المستوى: 16
حسام الدين بهي الدين ريشو will become famous soon enoughحسام الدين بهي الدين ريشو will become famous soon enough

اوسمتي

افتراضي رد: العرب قبل الإسلام : العقائد.. والتعدد .. والأسلاف

جهد طيب ومشكور
لك التحية والتقدير


من مواضيعي
0 لا تأسفي !
0 الفتى " أديب " وشيخه " برهان " .
0 محمد تاج الدين الإنسان والشاعر
0 همس الفراق
0 الغلو في شعر المتنبي

حسام الدين بهي الدين ريشو موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2019, 10:57 PM   #4

حاتم الحمَد

مدير شبكة ومنتديات منابر ثقافية

 
الصورة الرمزية حاتم الحمَد

 
تاريخ التسجيل: Jun 2004
المشاركات: 566
معدل تقييم المستوى: 10
حاتم الحمَد will become famous soon enoughحاتم الحمَد will become famous soon enough

اوسمتي

إرسال رسالة عبر MSN إلى حاتم الحمَد إرسال رسالة عبر Yahoo إلى حاتم الحمَد
افتراضي رد: العرب قبل الإسلام : العقائد.. والتعدد .. والأسلاف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أولاً: أشكرك أختي الكريمة كاتيا على هذه الدراسة الجدية والقوية والتي تسبر حياة العرب في شتى مجالاتها قبل الإسلام ، وفعلاً سلطت الضوء على بعض الإشكالات التي تمر بدارس هذه الحقبة كوصم العرب فيها بالفساد وانحطاط الأخلاق وهذا غير صحيح وضخمت بعض الأمور الأخلاقية لغرض ربما كان بحسن نية ولكنه ساذج في حقيقة الأمر.

ثانياً: أقدر لك تخصيص منابر ثقافية بمراجعتك وتصحيحك لهذه الدراسة المتميزة.


من مواضيعي
0 معايدة من شبكة منابر ثقافية
0 نبارك لكم بالشهر الفضيل
0 تهنئة بمناسبة العيد السعيد
0 تهنئة من شبكة منابر ثقافية
0 كتاب ( الإيضاح لتلخيص المفتاح ) للخطيب القزويني

التوقيع :
حاتم الحمَد غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-26-2019, 11:20 AM   #5

مالك عدي الشمري

فولتير

 
الصورة الرمزية مالك عدي الشمري

 
تاريخ التسجيل: Dec 2014
المشاركات: 95
معدل تقييم المستوى: 5
مالك عدي الشمري is on a distinguished road
افتراضي رد: العرب قبل الإسلام : العقائد.. والتعدد .. والأسلاف

جهد مشكور ومميز

تشكراتي سيدتي


من مواضيعي

التوقيع :
وردة لكِ
مالك عدي الشمري غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-30-2019, 12:19 AM   #6

كاتيا فالي

وتني براون

 
الصورة الرمزية كاتيا فالي

 
تاريخ التسجيل: Jun 2019
الدولة: كالينينغراد
المشاركات: 22
معدل تقييم المستوى: 0
كاتيا فالي is on a distinguished road
افتراضي رد: العرب قبل الإسلام : العقائد.. والتعدد .. والأسلاف

عزيزي ممدوح شاكرة وممتنة حضورك وتعليقك

من مواضيعي
0 العرب قبل الإسلام : العقائد.. والتعدد .. والأسلاف
0 أسطورة “ليليث”
0 خيالات غريبة

التوقيع :
كاتيا فالي غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

الساعة الآن 12:34 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

  الآراء المنشورة في شبكة منابر ثقافية لاتمثل بالضرورة وجهة نظر إدارة الموقع بل هي نتاج أفكار أصحابها