احصائيات

الردود
0

المشاهدات
275
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

أ محمد احمد is on a distinguished road

    موجود

المشاركات
2,849

+التقييم
0.67

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
09-28-2026, 06:42 AM
المشاركة 1
09-28-2026, 06:42 AM
المشاركة 1
افتراضي صلح الرملة (معاهدة يافا)
بسم الله الرحمن الرحيم










مقدمة
صلح الرملة، المعروف أيضًا بمعاهدة يافا، هو الاتفاق الذي أنهى الحملة الصليبية الثالثة وحالة الحرب بين السلطان صلاح الدين الأيوبي والملك ريتشارد الأول ملك إنجلترا الملقب بقلب الأسد. وُقّع في الثاني من سبتمبر عام 1192م الموافق العشرين من شعبان سنة 588هـ (بعض الروايات تذكر الثاني والعشرين). لم يكن هذا الصلح نتيجة انتصار حاسم لأي من الطرفين، بل جاء تتويجًا لسلسلة طويلة ومتشابكة من المعارك والحصارات والمفاوضات، في وقت أصبح فيه استمرار الحرب مكلفًا لكلا الجانبين.

الخلفية التاريخية
تعود جذور هذا الصراع إلى معركة حطين في الرابع من يوليو 1187م، حين ألحق صلاح الدين هزيمة ساحقة بالجيش الرئيسي لمملكة بيت المقدس، وأسر ملكها غي دي لوزينيان، وقتل رينالد أمير الكرك الذي كان قد أثار غضبه بغاراته المتكررة على القوافل وركب الحجاج. أعقب هذا النصر سقوط سلسلة من المدن والقلاع تباعًا في يد صلاح الدين، وصولًا إلى أهم إنجازاته السياسية والعسكرية، وهو استعادة القدس في أكتوبر من العام نفسه، بعد أن ظلت في أيدي الصليبيين منذ احتلالها سنة 1099م.

أحدث سقوط القدس صدمة كبرى في أوروبا اللاتينية، فدعا البابا غريغوريوس الثامن إلى حملة صليبية جديدة لاستعادتها، وهي الحملة الصليبية الثالثة التي شارك فيها ثلاثة من أبرز ملوك أوروبا: الإمبراطور فريدريك بربروسا، والملك فيليب الثاني أوغسطس ملك فرنسا، والملك ريتشارد الأول قلب الأسد ملك إنجلترا. غير أن حملة فريدريك انتهت مبكرًا بغرقه أثناء عبوره نهرًا في الأناضول سنة 1190م، مما حرم الحملة من أكبر جيوشها، تاركًا القيادة الفعلية بين يدي فيليب وريتشارد.

أحداث الحملة الصليبية الثالثة الرئيسية
بدأ حصار عكا سنة 1189م واستمر قرابة عامين. اشترك فيه الصليبيون القادمون من أوروبا إلى جانب القوات الموجودة أصلًا في المنطقة، بينما حاول جيش صلاح الدين مرارًا كسر الحصار وإنقاذ المدينة. وصل ريتشارد إلى الميدان سنة 1191م وشارك بقوة في العمليات، وسقطت عكا أخيرًا في يد الصليبيين في الثاني عشر من يوليو 1191م، لتصبح قاعدتهم الرئيسية على الساحل.

لم يُنهِ سقوط عكا الخلافات بين قادة الحملة. ظهرت توترات سياسية وعسكرية بين ريتشارد وفيليب، إذ كان فيليب راغبًا في العودة إلى فرنسا بينما أصر ريتشارد على مواصلة الحملة، إضافة إلى خلافات حول عرش مملكة بيت المقدس. شابت الحصار أيضًا توترات حادة بين ريتشارد وليوبولد الخامس دوق النمسا، حين أهانه ريتشارد بانتزاع رايته من فوق أسوار المدينة، وهي الإهانة التي سيكون لها تبعات خطيرة عليه لاحقًا. وعقب سقوط عكا ارتكب ريتشارد حادثة إعدام قرابة ثلاثة آلاف أسير مسلم خارج المدينة بعد تعثر مفاوضات الفدية وتبادل الأسرى مع صلاح الدين، مما زاد من حدة القتال. عاد فيليب أوغسطس إلى فرنسا بعد ذلك، تاركًا ريتشارد القوة الملكية الأوروبية الرئيسية في الميدان.

تقدم ريتشارد جنوبًا على طول الساحل باتجاه يافا. في السابع من سبتمبر 1191م وقعت معركة أرسوف، حين حاول صلاح الدين إنهاك الجيش الصليبي أثناء تقدمه، لكن المعركة انتهت بانتصار ريتشارد واضطرار جيش صلاح الدين إلى الانسحاب. كان هذا انتصارًا تكتيكيًا مهمًا أعاد الثقة لقوات ريتشارد، لكنه لم يؤدِّ إلى انهيار جيش صلاح الدين ولا إلى سقوط القدس. وهنا برزت المشكلة الجوهرية التي واجهت ريتشارد: أن الانتصار في معركة ميدانية شيء، والسيطرة على القدس والاحتفاظ بها شيء آخر تمامًا.

حاول ريتشارد بعد أرسوف التقدم نحو القدس مرتين: مرة في شتاء 1191م وأخرى في ربيع 1192م، حتى أصبح الجيش الصليبي في المحاولة الثانية قريبًا جدًا من المدينة إلى درجة أن جنوده تمكنوا من رؤية أسوارها. غير أن ريتشارد وقادة جيشه، ومن بينهم قادة فرسان الهيكل والإسبتارية الذين نصحوا بالحذر، قرروا في الحالتين عدم شن الهجوم النهائي. لم تكن المشكلة في القدرة على اقتحام المدينة، بل فيما سيحدث بعد الاستيلاء عليها؛ فالقدس كانت بعيدة عن الساحل، وخطوط الإمداد الصليبية معرضة للخطر، وجيش صلاح الدين كان لا يزال قائمًا وقادرًا على مواصلة القتال. رأى ريتشارد أن الاستيلاء على المدينة دون القدرة على الدفاع عنها قد يتحول إلى كارثة عسكرية، فتراجع في المرتين وبقيت القدس تحت سيطرة صلاح الدين.

في صيف 1192م انتهز صلاح الدين فرصة توجه ريتشارد شمالًا وضعف حامية يافا، فهاجم المدينة واستولى عليها في أواخر يوليو. تحرك ريتشارد بسرعة ووصل إليها بحرًا في الأول من أغسطس 1192م، وشن هجومًا مفاجئًا نجح في استعادتها، ثم خاض معركة يافا الثانية دفاعًا عنها ضد هجوم مضاد لصلاح الدين، وانتهت بصمود القوات الصليبية. وصل الصراع بذلك إلى طريق مسدود شديد التعقيد: صلاح الدين لم يستطع إنهاء الوجود الصليبي على الساحل، وريتشارد لم يستطع استعادة القدس، وكان كل طرف قادرًا على إلحاق الضرر بالآخر دون أن يكون قادرًا على تحقيق نصر كامل.

المفاوضات والوصول إلى الصلح
كان ريتشارد يواجه أخبارًا مقلقة من إنجلترا عن تحركات أخيه جون الطموحة، وتطورات سياسية خطيرة في فرنسا تتعلق بمؤامرات فيليب أوغسطس، مما جعل بقاءه في الشرق إلى أجل غير مسمى أمرًا غير ممكن. وفي المقابل، لم يكن صلاح الدين في وضع يسمح له بمواصلة حرب طويلة بلا نهاية، فقد أنهكت سنوات القتال المتواصل جيوشه وقادته، ولم تكن التحالفات السياسية داخل العالم الإسلامي مستقرة دائمًا. تردد صلاح الدين في البداية في قبول الهدنة، إذ رأى فيها تنازلًا عن حلمه في تحرير كامل الشام ومصر من الوجود الصليبي، لكن أمراءه وكبار قادته ألحوا عليه مشيرين إلى إرهاق العسكر ونفاد الموارد وصعوبة البقاء في الميدان حتى حلول الشتاء، فاستجاب مضطرًا.

جرت مفاوضات طويلة بين الطرفين، لم تقتصر على الجانب العسكري بل تضمنت مقترحات سياسية ودبلوماسية غير عادية، أبرزها مشروع تزويج جوان أخت ريتشارد الأرملة من العادل سيف الدين أخي صلاح الدين، على أن يقيما معًا ترتيبًا مشتركًا في الأراضي المتنازع عليها، وهو مشروع لم يكتمل. لعب العادل دورًا محوريًا كوسيط رئيسي في هذه المفاوضات نيابة عن أخيه، كما شارك باليان إبلين وهنري دي شامبانيا (ابن أخت ريتشارد) في الجانب الصليبي.

أثناء المفاوضات مرض ريتشارد مرضًا شديدًا (حمى متكررة)، فأرسل إليه صلاح الدين بانتظام الكمثرى والخوخ والثلج الذي يُؤتى به من أعالي الجبال في بادرة احترام متبادل. وفي معركة يافا الأخيرة أعجب صلاح الدين بشجاعة ريتشارد الشخصية حتى أرسل له فرسين عربيين أصيلين عندما سقط عن جواده.

روى القاضي بهاء الدين ابن شداد، كاتب صلاح الدين وقاضيه، أن ريتشارد كان يتقلب بين التهديد والملاينة بمهارة عالية، حتى أعجب القاضي بأسلوبه قائلًا: «انظر إلى هذه الصناعة في استخلاص الفرص باللين تارة والخشونة أخرى». لم يلتقِ الرجلان وجهًا لوجه أبدًا؛ رفض صلاح الدين لقاءً مباشرًا قبل الاتفاق النهائي قائلًا إن «الملوك لا يجتمعون إلا عن قاعدة، ولا يحسن منهم الاجتماع وقت الحرب في مقابلة ودية قبل أن تُقرر القاعدة».

تم التوصل إلى الصلح في الثاني من سبتمبر 1192م. رفض ريتشارد أن يحلف شخصيًا قائلًا إن الملوك لا يحلفون، فأقسم نيابة عنه هنري دي شامبانيا وباليان إبلين ورؤساء فرسان الهيكل والإسبتارية. أما صلاح الدين فأقسم عنه أخوه العادل وأبناؤه الأفضل والظاهر وعدد من الأمراء الأيوبيين.

بنود صلح الرملة
- مدة الهدنة: ثلاث سنوات وثلاثة أشهر (بعض المصادر الإسلامية مثل ابن شداد تذكر ثلاث سنوات وثمانية أشهر حسب التقويم الهجري)، عامة في البر والبحر.
- تبقى القدس تحت السيادة الإسلامية، مع السماح للحجاج المسيحيين العُزّل بزيارتها والوصول إلى أماكنها المقدسة دون عوائق ودون دفع ضرائب ودون حمل سلاح.
- يحتفظ الصليبيون بالشريط الساحلي من صور إلى يافا، شاملًا عكا وقيسارية وحيفا وأرسوف.
- تُهدم تحصينات عسقلان وتُعاد للمسلمين نظرًا لموقعها الاستراتيجي الحساس بين مصر والشام، وكذلك غزة والداروم (دير البلح الحالية).
- تكون مدينتا الرملة واللد مناصفة بين الطرفين.
- إدخال بلاد الإسماعيلية الباطنية ضمن نطاق الهدنة (باشتراط صلاح الدين)، وإدخال إمارتي أنطاكية وطرابلس (باشتراط الصليبيين)، ووافق فرسان الإسبتارية والداوية على هذه الشروط.
- حرية مرور التجار والحجاج والمسافرين من الطرفين في أراضي بعضهما بشكل غير مسبوق نسبيًا في تلك الفترة.

بعد التوقيع أمر صلاح الدين المنادي أن ينادي في المعسكرات والأسواق: «إن الصلح قد انتظم في سائر بلادهم، فمن شاء من بلادهم أن يدخل في بلادنا فليفعل، ومن شاء من بلادنا أن يدخل إلى بلادهم فليفعل». وصف المعاصرون يوم الإعلان بأنه يوم مشهود غشي الناس من الطرفين فيه الفرح والسرور، وذهب المسلمون إلى يافا في طلب التجارة، وفتحت القدس أبوابها للحجاج الأجانب.

ما بعد الصلح
عاد صلاح الدين إلى القدس فأحكم أسوارها وشيد فيها مدرسة ورباطًا وبيمارستانًا ووقف عليها الأوقاف، وصام شهر رمضان بالمدينة المقدسة، قبل أن يغادرها متوجهًا إلى دمشق عبر الثغور الإسلامية في نابلس وطبرية وصفد وبيروت. كان دخوله دمشق يومًا مشهودًا استقبله فيه الناس بفرح عظيم بعد طول غيابه. توفي في دمشق في مارس 1193م بعد أشهر قليلة من الصلح، بعد أن أنهك جسده جراء سنوات الحرب المتواصلة.

أما ريتشارد فتوجه إلى عكا وسدد الديون التي كانت عليه هناك، ثم أبحر عائدًا إلى أوروبا في التاسع من أكتوبر 1192م بعد أن أمضى في الشرق نحو ستة عشر شهرًا من القتال المتواصل، دون أن يدخل القدس بنفسه. أرسل رسالة إلى صلاح الدين يعده بالعودة بعد انتهاء الهدنة لاستعادة القدس، فرد صلاح الدين بأنه لو كان لا بد أن يفقد الأرض فليكن لريتشارد أفضل من أي أمير آخر رآه. غير أن رحلة عودته لم تكن هادئة، إذ تحطمت سفينته قرب البندقية، فاضطر إلى السفر برًا متنكرًا عبر أراضي أوروبا الوسطى، وهناك وقع في قبضة ليوبولد دوق النمسا الذي لم ينس إهانته في عكا، فسلمه إلى الإمبراطور هنري السادس، وبقي ريتشارد أسيرًا أكثر من عام حتى دُفعت عنه فدية ضخمة أفرج بموجبها عنه.

النتائج والأهمية التاريخية
احترمت الهدنة إلى حد كبير طوال مدتها، مما سمح باستقرار نسبي وتبادل تجاري. بعد وفاة صلاح الدين دخلت الدولة الأيوبية في نزاعات داخلية بين أبنائه وإخوته على الحكم، مما أضعف الجبهة الإسلامية مؤقتًا.

لم تنتهِ الحملة الصليبية الثالثة بانتصار كامل لأي من الطرفين؛ فالهدف الأساسي من الحملة، وهو استعادة القدس، لم يتحقق، لكن الوجود الصليبي في المنطقة لم يُقضَ عليه أيضًا، بل أصبح له أساس ساحلي قوي يمكن الدفاع عنه بفضل استعادة عكا ويافا والاحتفاظ بالشريط الممتد إلى صور. واستمرت مملكة بيت المقدس اللاتينية بشكل محدود على الساحل بعده، ولم تنتهِ نهائيًا إلا بسقوط عكا سنة 1291م على يد المماليك، أي بعد الصلح بقرابة قرن كامل.

من المفارقات التاريخية اللافتة أن القدس عادت لاحقًا إلى سيطرة مسيحية لفترة، ليس عبر معركة كبرى بل عن طريق التفاوض والدبلوماسية، حين عقد الإمبراطور فريدريك الثاني اتفاقًا مع السلطان الكامل سنة 1229م ضمن أحداث الحملة الصليبية السادسة، في تكرار لافت لنمط التسوية السلمية الذي شهده صلح الرملة نفسه قبل ذلك بنحو أربعين عامًا.

كان صلح الرملة تسوية سياسية وعسكرية بين قائدين عسكريين متكافئين في القوة، احتفظ فيها صلاح الدين بالقدس، واحتفظ فيها ريتشارد للصليبيين بوجود ساحلي مهم، وحصل فيها المسيحيون على حق زيارة القدس والحج إليها، دون أن يحقق أي طرف هدفه الكامل أو نصرًا حاسمًا يمكّنه من فرض شروطه كاملة. وقد أظهر الصلح قدرة الطرفين على الانتقال من القتال المرير إلى الدبلوماسية العملية، وشكل نقطة تحول في تاريخ الحروب الصليبية من مرحلة المواجهة الشاملة إلى مرحلة التوازن الهش الذي استمر عقودًا بعد ذلك. كما يُعد من النماذج المبكرة للهدن التي ضمنت حماية متبادلة للحجاج والتجار وحرية المرور
.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: صلح الرملة (معاهدة يافا)
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
معاهدة سيفر أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 08-15-2026 05:30 AM
معاهدة فرساي أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 12-09-2015 06:28 PM

الساعة الآن 05:30 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.