« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نفضـــتك„ (آخر رد :محمد الشيخ مرغني محمد)       :: كلمة طيبة (آخر رد :عبدالحكيم ياسين)       :: الليالي (آخر رد :حنان عرفه)       :: حلـــــم (آخر رد :محمد الشرادي)       :: سأكتب على ذرات الرمال... (آخر رد :مازن الفيصل)       :: مَنْ يساندُ....مَنْ؟؟ (آخر رد :مازن الفيصل)       :: تــعال ... اقْتَرِب ...اكْسِر قلمك ... هُنــــا ...!! (آخر رد :جليلة ماجد)       :: حُـضُـورٌ/ غِيابْ ! (آخر رد :جليلة ماجد)       :: أحبكِ ..... والحب قدَرُ !! (آخر رد :جليلة ماجد)       :: مسكين مجنون !! (آخر رد :جليلة ماجد)      


العودة   منتديات منابر ثقافيه > منابر النقد والدراسات النقدية والأدبية > منبر الدراسات الأدبية والنقدية .

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-28-2012, 05:01 AM   رقم المشاركة : [721]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

(9)
“خزانة الكلام” لجميل عطية ابراهيم:
آهة موجوع بآلام التطبيع والعولمة

فتحي ابو رفيعة
حينما اتصلت بالكاتب الكبير جميل عطية ابراهيم ذات يوم في عام 1997 مهنئا إياه على آخر أعماله آنذاك، وكان رواية “أوراق سكندرية” ومتمنيا له المزيد من الإبداع الجميل وإثراء الساحة الثقافية بأعماله ذات الطابع الخاص الذي يجمع بين تفرد القدرة الإبداعية وعمق الرؤية التاريخية لمثقف مناضل، فاجأني بقوله: ” أنا خلَّصت. لقد قلت كل ما عندي، وما أظنني سأكتب شيئا بعد الآن.” في ذلك الوقت كان جميل قد توج مشروعه الروائي باكتمال ثلاثية الثورة التي ضمت ثلاثة أجزاء هي: “1952″ و “أوراق 1954″ و “1981″، وهي الثلاثية التي تمثل ركنا ركينا في متن أدبنا العربي المعاصر. ثم أتبعها برواية “أوراق سكندرية” التي كانت بمثابة مشروع لفتح ملفات ثورة 1919 لكنها توقفت عند حد كونها مجرد “مشروع”. ومع ذلك، فقد كانت “أوراق سكندرية” امتدادا لمشروع جميل عطية ابراهيم اللصيق بقضايا الوطن والمدافع أبدا عن حق المثقف في التعبير: المثقف الذي نراه في أعماله دائما عرضة للاضطهاد بل وللاغتيال. ولذلك، فإنني أعترف بأنها كانت مفاجأة سارة لي أن تصدر أحدث روايات جميل “خزانة الكلام”، (روايات الهلال، مايو (أيار) 2000) التي جاءت فصلا جديدا في معركة جميل عطية ابراهيم دفاعا عن قضايا الوطن وفي قراءته المستنيرة للماضي وتوقعاته الكاشفة للمستقبل، وفي محاولاته لكشف المستور ونحن على أبواب ألفية جديدة، وفي مواجهة تيارات عالمية جارفة تستمد معظم قوتها من ضعف الآخرين وعدم قدرتهم على الفعل والاكتفاء بموقف المتفرج.
وفي “خزانة الكلام” يواصل جميل عطية ابراهيم تأصيله للقضايا التي تأسس عليها مشروعه الروائي في الثلاثية وما بعدها، وفي مقدمتها: تعزيز الوعي التاريخي وحفظ ذاكرة الأمة؛ وإبراز دور المثقف المستنير في مواجهة القوى المضادة والتي لا يقوى أحيانا على مواجهتها ويكون مصيره الاضطهاد بل والاغتيال؛ واستشراف منظور مستقبلي يراعي تراث الوطن التاريخي والاجتماعي وتراكماته القيمية على مر العصور.
يفرد المؤلف 36 فصلا لثماني شخصيات رئيسية لكي تتكلم وتتكلم وتعرض على القارئ، من وجهة نظر كل شخصية، أبعاد القضية الرئيسية في الرواية، والتي سنعرض لها في حينه. أما الشخصيات الرئيسية الثمان فهي، حسب ترتيب الظهور على المسرح، إذا اقتبسنا هذه العبارة الشهيرة، فهي: عابد عبد المتجلي زوغلى؛ الدكتور سامح الدهشوري؛ نقيب علاء العتر؛ نفوسة بنت النخيلي؛ إليزابيث؛ مارينا أبو المحاسن المصري؛ بوشناق الطهطاوي.
عابد عبد المتجلي زوغلي (74 سنة) هو عميد عائلة زوغلي باشا الكبير العريقة والذي يفاخر دائما بأن تقاليد الأسرة يعود تاريخها إلى ثلاثة قرون (ربما إشارة إلى وقت غير معلوم في تاريخ الامبراطورية العثمانية. وفي حديث له مع إليزابيث، المستشرقة المهتمة بتتبع مسار حركة التنوير في الشرق (وهي فتاة فاتنة عمرها 26 سنة، أي تصغره بنحو 40 عاما، لكنه لا يستطيع أن يخفي فرحته بلقائها، ويقرر في النهاية أن “حب الصبايا ليس من نصيبنا. نحن العواجيز، علينا الاكتفاء بالرؤية أو الرحيل”)، تسأله إليزابيث: أين تركيا في الأدب الحديث في مصر؟ يرد قائلا: قطعت العلاقات بحروب. ويكمل: “لا أحد يسعى إلى فتح ملفات قديمة. قلة تتحدث اللغة التركية حاليا، بينما الأجيال السابقة كانت تتقن التركية القديمة والحديثة. تنكرت تركيا لجيرانها العرب، فتنكر لها العرب عن قصد). وفي موضع آخر يلقي مزيدا من الضوء على جده الأكبر، فيقول: “كان مقربا من السلطان لعلمه ونزاهته، ثم وقعت وشاية على طريقة أهل ذلك الزمان، فحرق السلطان التركي كتبه، وطارد تلاميذه، ووضعه في قبو معتم لمدة عشرين عاما. تغير الولاة، وقتل منهم من قتل، وعزل من عزل، وظل جدي في القبو، حتى تذكره الناس، وأخيرا أفرج عنه أحد الولاة الصالحين، وعينه قاضي القضاة، وقربه من دوائر الحكم، فأصلح، وعرف جدي بخططه وتعاليمه ووصاياه. أطلق عليه لقب الباشا لفضله. وأنعم عليه الوالي بأبعاديات كثيرة. وتفرغ للتعليم والدرس.”
عابد يرث عن جده الأكبر عمارة على النيل ومكتبة حافلة بالعلم والتراث وتضم مراجع تعود إلى القرن السادس الهجري، ومخطوطة من ألف ليلة وليلة تعود إلى العصر العباسي، ومخطوطات في الفقه، ومراجع في التاريخ الاسلامي، إلى جانب كتب السير والأدب والشعر. والمكتبة مفتوحة دائما لخدمة الباحثين. ومع تتابع أحداث الرواية سيترسخ في ذهن القارئ أن المقصود بالعمارة والمكتبة ليس سوى الوطن عموما وتراثه وتاريخه. وسيصبح الموضوع الرئيسي للرواية، وبمعنى آخر، ستصبح القضية الرئيسية التي تطرحها، هي حماية هذا الوطن وهذا التراث في مواجهة القوى والأطماع العالمية الحديثة.
يعكف عابد على تطوير المكتبة بمساعدة إليزابيث ومع صحبة من رفاقه المفكرين. “اكتملت أجزاء موسوعتنا. نقبت عن بذرة التنوير في تراثنا، هذه البذرة التي أصابها السقم في بلادنا في نهاية القرن العشرين بسبب الميل إلى الخرافات والنزعات السلطوية. المبحث الثاني أعده صديق عمري بوشناق الطهطاوي حول مسالك التنوير في عصر العولمة، أما صديقنا الدكتور أحمد أبو الشرف فكانت مهمته استشراف منظومة القيم في ظل مكتشفات وإنجازات تشبه أعمال السحر الأسود في الأساطير. ستة أجزاء جاهزة للطبع.” ويقول عنها في مكان آخر: “اتفقنا على البدء في إصدار موسوعة التنوير مع بداية عام 2001، في مطلع القرن الجديد. ستة أجزاء تتضمن مناقشة قضايا أساسية أهملت، وتفند مزاعم سادت لعدة قرون. موسوعة إسلامية حديثة عمادها العقل واحترام حقوق الانسان والديمقراطية.”
رؤية عابد لمستقبل المكتبة هي أن تتحول إلى مؤسسة. “مبنى متوسط قابل للزيادة. عليه يافطة مشعة: مؤسسة زوغلى باشا للأبحاث. فرح قلبي. ختامها مسك. موسوعة التنوير الاسلامية انتهت صفحاتها. صالحة للطبع. شعارها لا تكفير، وعمادها الديمقراطية، ومراعاة حقوق الإنسان، وحق الشعب في تبادل السلطة. قلت لنفسي: أحسنت يا عابد. جاهدت الجهاد الحسن.” وينسى عابد بقية هذه العبارة، فيسأل صديقه الأستاذ بوشناق الذي يقول له: “هذا قول بولس الرسول، وأظن تتمته: واستحققت إكليل الغار.” بهذه الرؤية الثنائية المكثفة، والتي لا يخفى مغزاها، يقدم لنا عابد عبد المتجلي تصورا لما يمكن اعتباره عقدا أو ميثاقا اجتماعيا ـ مشروطا ـ كحل لمواجهة المخاطر التي تحدق، مجازا، بالمكتبة وعمارة الأجداد. ويعلن عابد: “من يود تسلم المكتبة ويتعهد بالحفاظ عليها فليتقدم ويعلن رغبته أمام الجميع.”
لكن مهمة عابد في الحفاظ على المكتبة والعمارة لم تكن بالمهمة اليسيرة. فهناك شركة بان إكس كوم عبر الوطنية، الطامعة في العمارة، والتي تقدم للدكتور سامح الدهشوري، ابن أخت عابد، دنيا زاد، وهو أيضا أحد ورثة العمارة، عرضا خياليا لبيع العمارة: “أربعة ملايين جنيه دفعة واحدة، ومليون جنية على أربع دفعات عند التسجيل. عرض لقطة. هذا المبلغ يتيح لي الحصول على قروض من البنوك لبناء مستشفى متخصص في طب العظام يضارع المستشفيات الأمريكية في تجهيزاته. أول مستشفى من نوعه في الشرق الأوسط”، هكذا يفكر سامح الدهشوري. وتجند شركة بان إكس كوم مارينا أبو المحاسن المصري ذات الصلات والتعاملات المشبوهة، وسيدة الأعمال الجسورة التي لا يعوق طمعها قوة أو قانون، للتأثير على الدكتور سامح لتمرير الصفقة، لكنها تفشل. وحينما يصر عابد على أنه لن يتنازل عن المكتبة ولن يبيع العمارة تلفق له تهمة تهريب الآثار عن طريق المكتبة. ومن خلال سلسلة من الأحداث المتتابعة والمتسارعة المشحونة بالإحساس بالسباق مع الزمن، تلجأ مارينا إلى الانتقام من سامح بالتآمر مع خادمته التي تدس له السم في الشراب، ويموت سامح وتسرق أبحاثه، وتهرب مارينا والخادمة إلى إسرائيل.
“خزانة الكلام” حافلة بالإحالات والإشارات. فشخصيات الرواية تحيل، سواء بأسمائها أو بأفعالها، إلى شخصيات أو إلى مراحل تاريخية بعينها ربما سهُل استقراء أو فهم بعضها في حين يستعصي أحيانا الربط بين الشخصية الروائية والشخصية التاريخية المقصودة، لكن النص يعطي في النهاية التأثير المطلوب، وهو حفز فكر القارئ وإثارة تساؤلاته وإقناعه في نهاية المطاف بخطورة القضايا التي يطرحها المؤلف في إطار شامل يقوم على تداخل الأزمنة حيث تبعث الحياة في شخصيات عاشت منذ مئات السنين في شخصيات أخرى تحمل بعض سماتها (بوشناق الطهطاوي، مثلا، أوفد في بعثة إلى باريس في عهد جمال عبد الناصر ضمن آخرين، من بينهم أبو المحاسن المصري، نموذج الانتهازي الوصولي الذي يكتشف بوشناق الطهطاوي أنه كان من كتاب التقارير السياسية في ذلك الزمان، وحينما يلمح له بوشناق بذلك يرد عليه في بجاحة يحسد عليها: “ياأخي، من تسببت في فصله من البعثة سامحني، وصرنا أصدقاء، وأنت تفتش في دفاتر قديمة. السياسة لا أخلاق لها يا بوشناق.” وهو أيضا إطار يجمع بين الإشارة إلى وقائع تاريخية محددة وأحداث شخصية عاشها رواة فصول الرواية وتسهم جميعها في رسم صورة مقلقة عن واقع الأمة ومستقبلها. هذه الإحالات تنطبق أيضا على التواريخ التي يتعرض لها أبطال الرواية. فسنجد أن بعضهم طرد من عمله مع بداية الثورة (حركة الجيش بلغة جميل عطية ابراهيم)، كما يشكل عام 1954، الذي يشير عابد إلى أن والده طرد فيه من عمله إثر وشاية، يشكل علامة فارقة في رؤية جميل لأحداث الثورة وتطورها (وبالطبع، فإن جزءا كاملا من ثلاثيته عن الثورة خصص لأحداث ذلك العام)، وكذلك عام 1966 حينما طرد عابد عبد المتجلي من عمله الحكومي، في إشارة إلى تلك الممارسة التي شاعت آنذاك ضد الناشطين سياسيا.
عابد عبد المتجلي زوغلي لا يؤرقه فقط الواقع الراهن بما ينطوي عليه من مخاطر وتهديدات، ولكن يؤرقه أيضا موت أمه المباغت. “في ساعة قيلولة نامت فيها العفاريت الزرق، اغتالت سيارة مندفعة أمي وهي واقفة على محطة ترام. من أين قدمت هذه السيارة؟ من قادها؟ لم يظهر شهود. كل ما تبقى لنا، موتها، مكومة وغارقة في دمائها وقد تهشمت عظامها: ميتة.” ويتذكر سامح الدهشوري الحادثة قائلا: “جدتي قتلت في حادث سيارة، وترك جثمانها على الرصيف لعدة ساعات، وفي نهاية المطاف لم يقبض على الفاعل. ويقول عابد: “موت أمي وعدم العثور على المتسبب حقيقة عذبت أبي سنوات كثيرة (هل يربط جميل عطية ابراهيم بشكل ما بين رواية عابد عبد المتجلي عن حادثة موت أمه على محطة الترام وما ذكره الرئيس جمال عبد الناصر في أعقاب نكسة 67 بأننا كنا “كواحد خارج من بيته، لا به ولا عليه، فصدمه أوتوبيس في الشارع”؟ مجرد خاطر تثيره الإحالات والرموز التي تكتظ بها “خزانة الكلام”).
حلقة الواقع المر تضيق حول عابد عبد المتجلي. يسمع من صديقه الدكتور أحمد أبو الشرف: “زادت عمليات النصب لتصبح صناعة. لا فرق بين لصوص الحمير في الريف وبين بعض رجال العولمة. في الريف يسرق فقراء الناس الحمير، وعلى الساحة العالمية يسرق الأقوياء العقول. والبعض الآخر مهمته غسل المليارات في البنوك.”
ومع قدوم الألفية الجديدة يفكر عابد عبد المتجلي: “ربيع وصيف وشتاء ويقبل قرن جديد. بسطاء الناس لا يخافون القرن القادم. الخائفون حفنة من المفكرين مثلنا، أما بقية الناس فيدخلون القرن القادم في طمأنينة وقد شغلتهم احتفالات لا أول لها ولا آخر. سرقتنا السكين يا عابد، لا تعلَّم الناس، ولا مُحيت أميتهم. الريف دخله الدش وبقي على حاله، الوادي الضيق أصبح أكثر ازدحاما على الرغم من شبكات المترو والطرق الدائرية و…و… . الحكاية طويلة يا عابد، ولا أحد يسمع. دنيا أخرى تنتظرنا: هندسة وراثية. استنساخ. صناعة أطفال حسب الطلب. غزو فضائي مجنون. محطات فضائية متحركة في الكون. أقمار صناعية تنقل همسات الأحبة وتصريحات الحكام ليل نهار. ماذا تبقى لنا من عالم قديم؟ لا شيء.”

لعل هذا العالم الجديد الذي أثار في عابد عبد المتجلي زوغلي كل هذه الأحزان والمواجع، عالم التطبيع والعولمة وانحسار المشروع القومي، وعالم ما بعد الكولونيالية المتمثلة في الشركات عبر الوطنية التي تستنفد ثروات الشعوب ومواردها البشرية، عالم الصفقات المشبوهة والضحايا الذين يوحد بينهم الظلم بينما غيرهم محصنون بالافلات من العقوبة، لعل هذا العالم هو الذي دفع جميل عطية ابراهيم إلى فتح “خزانة الكلام” مؤكدا من جديد دوره في ساحة الكلمة كواحد من أبرز فرسانها


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 05:03 AM   رقم المشاركة : [722]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

قيمة النص/ نص القيمة ... د. مصطفى الضبع
التاريخ: السبت 02 أكتوبر 2004
الموضوع: نقد


ترقينات نقدية :

قيمة النص/ نص القيمة . رواية 1952 نموذجا

تعد" 1952"، للروائي المصري جميل عطية إبراهيم رواية واقعية بوقوفها عند مرحلة تاريخية ذات ملامح محددة في التاريخ المصري ، ولرصدها لأحداث لا يخالفها الواقع التاريخي (ثورة يوليو) ، ولا يختلف عليها من يؤرخون لهذه الفترة التي تمثل منعطفا تاريخيا مؤثرا في تاريخ المنطقة العربية كلها ، ثم هي في نهاية الأمر تقف عند أشخاص كان لهم وجودهم الواقعي المؤثر تماما كتلك الأحداث المشار إليها .

من البداية يحيلنا النص لقيمة عددية ليست مقصودة في ذاتها ، إذ هي تشير لقيمة تاريخية ، حيث لا قيمة للعدد خارج الإطار التاريخي (1) ، ولا معنى له إن لم يقترن بالتاريخ ، أو بالواقع التاريخي المحدد .
والتاريخ هنا يمثل بؤرة أو مركزا زمنيا ليس منفصلا عما قبله كما إنه يحيلنا –بالضرورة – لما بعده ، فإذا كان التاريخ خارج النص من صنع الواقع ومعطياته ، فالتاريخ داخل النص في امتزاجه بالتاريخ النصي (2) يطرح صيغة جديدة – ويجب أن تكون كذلك – على المتلقي الذي يكون مشغولا بمراقبة المعطيات الفنية ، وليس مراقبة التاريخ في حركته داخل النص ، متجنبا التشتت إن هو تحرك بين التاريخين : النصي والواقعي ، ولا تتحقق له المتعة إن هو ظل يتحرك بين النقطتين : التاريخ خارج النص ، والتاريخ داخله .

قيمة الحكي والحكاية .
منذ الفاصلة السردية الأولى يحيلنا الروائي للحكاية بوصفها قيمة دافعة ومحركة ، ومن قبل ذلك حافظة للتاريخ ومعطياته ، وقيم الماضي ، والقيم الواجب الحفاظ عليها ، يطرح الاستهلال النصي الحكاية القيمة بمكانها وزمانها وشخوصها ، الحكاية في بعدها القريب من الأسطوري ، الممتزج بالإنساني ، ولا يكتفي الروائي في استهلاله بأن يضع متلقيه في خط الحكاية ، وإنما يروح يبث مجموعة من الإشارات النصية عبر استهلال بقوة المتن :
" عزبة عويس غارقة في "صفار شمس العصاري " وقد خفت حركة البيع والشراء في سوق الخميس وتفرق الخلق في دوائر وحلقات .
حلقة من الخلق حول الرفاعي المخاوي للثعابين وهو يرقى الشباب ويأخذ عليهم العهد بعدم إيذاء صنف الثعبان والحية .
وحلقة أخرى حول الصندوق وقد تسمر ستة من الصبيان والبنات وأسدلت على رؤوسهم ستارة سوداء وعيونهم تحدق في العيون والصور الملونة تجري أمامهم ملهبة لخيالاتهم ومبددة للخمول الذي يصيبهم طوال الأسبوع .
يستمعون إلى أصل الحكاية ويرون أبطالها كل خميس مقابل ثلاثة مليمات يجمعونها في صبر ، ويحرصون عليها ويعطونها للعجوز عن طيب خاطر " (3)
يتجاوز الاستهلال وظيفته التقليدية بوصفه ممهدا للنص ومهيئا للدخول للمتن ، فالإشارات النصية التي يتضمنها الاستهلال تكاد تكون القانون النصي أو بداية التعاهد بين النص ومتلقيه ، حيث النص يقدم نفسه ، وعلى المتلقي أن يكون على وعى بما يطرحه النص من إشارات دالة لا يمكن للتلقى أن يستقيم دون الوعى التام بها (4) وقد صاغها السارد محكمة مستثمرا إمكانيات صيغة نحو النص ، ونحو اللغة (يورد الجملة الأولى بصيغة الجملة الخبرية ، وما بعدها ملحقات وتوابع نحوية ، أسلوبية لها )، وهى إشارات تمثل مفاتيح لمقاربة القيمة الروائية ، تتشكل على النحو التالى :
- يطرح النص مكانا يمثل بؤرة يتأسس عليها التلقى (عزبة عويس) في إشارتها لمكان دال في انتمائه لاسم له حضوره المصري (عويس ) ، كما يشكل مع الإشارة الزمنية في العنوان( 1952) صورة طبقية لمالك وأجراء ، باشا يمتلك عزبة بناسها وأرضها وسمائها ، يضاف لذلك قدرة العزبة على أن تحمل قوة الرمز في إشارته للوطن الأكبر (مصر ) التي لم يكن وضعها حينذاك مغايرا للعزبة ، وهو ما تؤكده الرواية في تفاصيلها اللاحقة .
- ثم يطرح حالة للمكان ، حالة تطرح إخبارا عن هذه الحالة ، يتناسب مع صيغة الخبر (غارقة) : اسم الفاعل الدال على حالة دائمة للغرق في التفاصيل الأكثر قسوة على السواد الأعظم من البشر ، إضافة لما يشكله التعبير من استغراق معناه في الزمن (وهو ما لم يكن يطرح لو استخدم السارد الفعل المضارع ) .
- وقبل أن تنتهى الجملة المحورية الأولى يطرح السارد الإشارة الزمنية الصغرى الفاتحة بدورها المجال الزمنى للنص(5) ، وما يخلقه من علاقات مع الواقع الخارجى ("صفار شمس العصارى ") تلك الصيغة ذات الطابع الشعبى المميز بما يحمله اللون الأصفر من دلالات تستمد قوتها من الثقافة الشعبية ، وقد أكد السارد عليها عبر تمييزها بالفاصلتين ، كما أنها تمثل انطلاقة لعلامة متكررة تطرح عنصرا له حضوره الدال في النص (تتكرر الشمس والنور في الرواية بصورة دالة لا يمكن تجاوزها في تشكيل دلالته الكلية ) .
- بعد أن تستوفي الجملة النحوية أركانها التعبيرية يبدأ السارد جملة جديدة تطرح الفعل الذي يضمه المكان ، وتضيف العنصر البشرى المتحرك في إطار عزبة عويس (خفت حركة ...وتفرق الخلق ) طارحا فعل الانعزال ، وكاشفا عن النشاط البشرى في إشارته لثقافة المكان وما يشغل الخلق ( يحسب للسارد وعيه بقيمة اللغة في انتقاء الدال منها حيث يؤسس عبر (الخلق ) دون غيرها لعمومية أو لإشارة دالة على انفتاح الرمز ، حيث الخلق أشمل من الناس ، وقد أراد أن يبث قيمة كرنفالية يتحرك خلالها الكائن الإنسانى بهذه الصورة ) مخرجا وعى متلقيه من منطقة عزبة عويس بوصفها الحيز الأضيق إلى ما هو أوسع ، الحيز الأكثر اتساعا الذي يبدأ من مصر ولا ينتهى عندها إذا ما اتسع وعى المتلقي للقيمة الكونية أو الإنسانية التي يبثها النص ـ منحازا إليها بصورة واضحة - حيث يطرح السياق بعدا إنسانيا يمكن للمتلقى إن استثمره أن يتجاوز المنطقة المحلية منطلقا لحركات التحرر الإنسانى ، فالظلم الواقع على الإنسان – و إن اختلفت صوره وأشكاله – يكون دافعا مؤثرا للتخلص منه ، يستوى في ذلك البشر في كل زمان ومكان ، لا فرق بين أمة وأخرى في هذه النظرة ، وهو ما يكون مبررا للثورة على الظلم بصوره وأشكاله التي تكاد تكون قناعا لفعل واحد متكرر، عندها يكون النص قد وصل للمنطقة الأعمق في طرح ما هو إنسانى ، طارحا خاصية خالدة تمنح النص نفسه القيمة الفنية الكبرى على حد التعبير النقدى :" وكلما أمعنت هذه الخاصية في العمق ارتقى العمل الأدبى إلى القمة وأصبح خلاصة للروح القومى في شكل محسوس ، وموجزا للملامح الأساسية في فترة تاريخية محددة ، وتصويرا للغرائز والملكات الثابتة لدى عنصر ما ، كما أصبح في نفس الوقت قطعة من الإنسان في مختلف أنحاء العالم " (6) .
- يبدأ الرمز في بث تفاصيله والكشف عنها ممارسا نوعا من القوة الترميزية ، ( الثعبان والحية ) كاشفا عن مفارقة تعبيرية ، تتمثل في أن الرفاعى يأخذ عهدا على ألا يؤذى الناس هذه الحيات والثعابين وليس العكس ، مما يثير أسئلة منتجة تتأسس على المفارقة نفسها : هل بدأت الثعابين تشعر أنها تفقد قوتها مما جعلها في حاجة للحماية بدافع الخوف ، أم أنها ليست قوية في ذاتها ، وأن قوتها مزيفة مما يضطرها للبحث عن مصدر للقوة ، أو السلام مع القوة الشعبية ( خاصة أن العهد يؤخذ من الشباب تحديدا والرواية تطرح كيف أن الإيذاء يقع بصورة تكاد تكون قدرية لهؤلاء ) ؟ ، وهل الشعب يمثل قوة في ذاته تكون كفيلة بإرهاب هذه الحيات والثعابين ؟ أم أن من فروض الطاعة ، طاعة العامة للخاصة ، أن يبعد العامة أذاهم عن الخاصة ؟ ، يضاف لذلك قوة الثعابين التي لم تكتف بما هي فيه بل أخذت طريقها لبطون البشر " استقرت الثعابين في بطنه وأصبحت تشاركه طعامه وتمصه منه قبل أن يبر به جسده " (7) ، وكذلك حقد هؤلاء على الفلاحين وليس العكس ، فاللواء عويس " أحس بحقد على الفلاحين الذين يبيتون وقلوبهم خالية " (8) .
- ويخلص السارد من طرح الرمز الأول للقوة المسيطرة و الرمز الثاني الممثل في الحاوى وثعابينه والفئة الشبابية إلى طرح الفئة الثانية من تصنيفه للبشر في حالتهم الناشطة ، وهى الفئة الأقل عددا (لتحديدها بستة فقط ) والأضعف (الصبيان والبنات ) ، كاشفا عن رمز جديد لجيل قادم يعى الحكاية أو عليه أن يكون على وعى بها ، وهى الفئة التي يمكن استثمار طاقتها الدلالية على وجهين : أولهما : أنها صورة سابقة للشباب تمثل قدرا أو صورة من الظلم الاجتماعى لما يؤول إليه حال القاعدة العريضة من القوى الشعبية ، تبدأ بالحكاية التي لا تمثل إلا شكلا من أشكال التسلية ، أو الترفيه لا التعليم الصانع للوعى ، وتنتهى بأخذ العهد من الحاوى بعدم الإيذاء ، يؤكد ذلك الإشارة لكرامة بن سرحان السقا (الذي لم يكن اسما على مسمى ) فهو مقارنة بمن تعلمت في المدينة (أوديت الثائرة القادمة من المدينة ابنة الباشا) ، يمثل شكلا من أشكال الخنوع للسلطة ، ولم يملك "كرامة " ما يدافع به عن نفسه وقد جلده " اللواء عويس باشا " مضيعا كرامته ورامزا لضياع كرامة من يرمز إليهم من طبقته أو من شعبه الذين حولوا حدث الجلد إلى حدث أسطورى بدلا من أن يكون دافعا للثورة عليه أو التمرد بسببه ، أهل العزبة يفسرون حدث الجلد تفسيرا دينيا ، حيث يحفر الكرباج آية قرآنية على جسم المجلود، يبثون عبره نوعا من الصبر غير المقبول على القهر الذي يمارسه عويس عليهم ، " انتظر الحمقى معجزة ، وبحثوا عن آية قرآنية على جسده الممزق ، يؤكد لهم أن الله قادر على كل شيء "(9) ، وهذا الوجه يحيل إلى السلبية الكامنة في البعض ، والتى تجعل من الطرف الآخر متجبرا ، متسلطا ، ممعنا في ذلك اعتمادا على ضعف هؤلاء . والوجه الثاني : يحيل إلى جانب إيجابي ، فالصغار متسمرون حول الرفاعى ، في مقابل حركة الشباب الحرة مما يمنح الأمل في استثمارهم لقدر ما من الحرية ، كما أن الشباب عيونهم غير مغطاة بستارة سوداء كما الصغار ، و"كرامة" الرامز لهذا الجيل من الشباب لم تمت فيه تماما بذرة الإحساس بنفسه ، فهو موزع بين الموت كمدا من ناحية والانتقام من ناحية أخرى : " تمزقت روحه بين كونه متعلما وبين حقيقة وضعه كعبد لدى جناب الباشا ، رغبتان تتنازعانه ، إحداهما تشده إلى أسفل وتزين له الموت كمدا ، والأخرى تدفعه للانتقام وكراهية البشر ، وبين الرغبتين يجلس حائرا على شط الترعة ، ولا من أنيس حوله سوى أنفاس زهية ونبرات صوتها الحانية وهى تتردد حوله وتلفه بهالة من الحنان البشرى والتواصل الإنسانى " (10) ، وتعد الحيرة وقبوله التواصل مع زهية علامات على بقاء بذور الحياة داخله، رامزة لأمل ربما يتحقق يوما .
تكتسب الحكاية قيمتها من رمزيتها ، وشمول منظورها الفنى للوقوف على جماليات الحكاية من هذا النوع ، الحكاية القابلة للتطبيق أو تلك الدالة على أن الزمن قادر على أن يحافظ على دورته الطبيعية في قلوب البشر .
ولقد كان للحكى دور الشاهد على التاريخ ، ذلك التاريخ الذي يشهد بدوره على البشر وحياتهم وفعل الزمن فيهم . وقد استثمر السارد طاقة الحكي في تزويد النص بقدر كبير من الحكايات الكاشفة عن طبيعة المكان المحتضن الحكايات ، فقد كان عليه أن يختار مكانا صالحا للحكى ، لذا يكون التنوع في صيغة الحكاية ، أو في طريقة تقديمها واضحا بين مشاهد تدور في المدينة (القاهرة ) ، أو في القرية ( عزبة عويس ) ، ومابينهما من مكان مؤقت (مدينة الإسماعيلية ) التي جعلها مكانا لبطولة عكاشة المغنواتى وقد تنازل قرر أن يغنى أغنيته الأخيرة هناك ، فارا ببطولته ، أو فارا برجولته المهددة في عزبة عويس (وقد هددته صديقات الأميرة جويدان الأجنبيات بجب عضوه الذكرى كما فعل بأبيس الخادم المخصى ) ، لذلك كانت حكاية عكاشة حكاية كاشفة عن قيمة المصري الذي يرفض حياة لا تناسب طبيعته ، ولم يكن الموال الأخير الذي يردده قبل استشهاده إلا علامة فارقة بين حياتين ، حياة يرفضها ، وحياة يختارها ، وقد انتهت حياته دون أن يحقق أحلامه البسيطة ، ولكن موته لم ينه حكايته فقد ظل صورة لحياة زاخرة بالقيمة وعلامة على ثقافة مهددة بالزوال ، ثقافة مصرية كان عكاشة اختزالا لها .

القيمة المكانية :
أدار السارد حكاياته عبر ثلاثة أمكنة تشكل مجتمعة قيمة خاصة ، كما يمثل كل منها قيمته المنفردة ، وقد نشأ صراع ، أو حوار بين مكانين أساسيين : عزبة عويس – القاهرة ، انطلق الحكي من المكان الأول بوصفه محتضن الحكايات ، والثانى بوصفه مستهلكا لها ، لقد نشأ حوار بين الأمكنة الثلاثة ، ظاهريا الكلمة العليا فيه للقاهرة بوصفها مركز السلطة ، ومدار الحركة المضطربة والنشاط السياسى المتمخض عن حريق القاهرة ، ولكن الكلمة الأقوى كانت لعزبة عويس بالأساس ، وقد تضمن النص حدثين دالين على قوة العزبة في حوارها مع القاهرة :

- أولهما : أن حريق القاهرة كان على يد القادمين من العزبة ، أو بعبارة أخرى لعب سرحان السقا ومن معه الدور الفعال ، أو الدور الذي كشفت عنه الرواية بوضوح تأكيدا عليه ، دور القائد الفاعل عبر سلطة دينية اكتسبها هذا العائد لحظيرة الحق ، أو التائب فيمنح القوة للفعل ،:" أطلق عليه المتظاهرون :" مولانا " يأتمرون بأمره ، يسيرون خلفه ، يقطعون الخرق له ويحملون له قطع الحجارة وصفائح الجاز ، يشعل أو لكرة ويقذف بها ، فيهللون ، ويتبعونه في إلقاء الكرات المشتعلة " (11) تلك التي كانت بمثابة فعل التطهير على المستويين العام والخاص .
لقد صرخ السقا بسؤاله الوجودى : نكون أو لا نكون ؟ فتحول للقائد المشارك غير المتعالى على من يقودهم ، هؤلاء الذين هزموا في العزبة فجاءوا للقاهرة بحثا عن فرصة لغزو من هزموهم ، وسرقوا منهم الحياة الكريمة هناك في العزبة ، وعلى رأس هؤلاء سرحان السقا الذي يعد النموذج الأكثر واقعية ، صاحب الفضل في الكشف عن قيمة النيران " اشتعلت النيران على طول طريق الأهرامات بفضله ، وهاهو قد مل رائحة الدخان ولم تعد صيحات المشاغبين حوله تروقه : انتقم من الجميع ، الباشا والعمدة ، وشيخ الغفر ، وابنه كرامة ، وزوجته خديجة " (12) .

ثانيهما : عملية نسف الجنود الإنجليز في الإسماعيلية ، والتى كان الأساس فيها عكاشة ابن عزبة عويس والذى لم يكن ليفعل ذلك ما لم يكن قد عاين حياة الطبقة الأعلى خلال الحفل الذي أحياه لابنة اللواء عويس وصديقاتها من بنات طبقتها الأجنبيات ، وهو هنا يرفع صوت العزبة ، ليكون بمثابة سفير الانتقام من الطرف الثاني فيما آلت إليه الأحوال في مصر .
من هنا تحملت عزبة عويس عبر رجالها عبء الدفاع عن الوطن ضد من أوصلوه لحالته المتردية (الملك وأعوانه في القاهرة ، والانجليز في الإسماعيلية ) ، كما تحملت العزبة عبء الرمز على المستوى الفنى ، حيث العزبة رمز للقرية المصرية ، تلك العنصر الأصيل لمصر .

مقولات النص
يعد النص – في أحد وجوهه – تشكيلا من المقولات المتداولة عبر تفاصيله (الحوار – السرد ) ويمكن للمتلقى استكشافها تأسيسا على صداها ، وفعلها عبر النص ،ويكون من دورها :
- الكشف عن الرؤية الكلية للسارد ومن قبله المؤلف الضمنى ، حيث يتبنى المتلقي هذه المقولات بوصفها هدفا لرســالة يتلقاها عبر النص .
- التعبير عن البنية العبير عن البنية العميقة لآليات التفكير لدى الشخصيات ، حيث تشكل هذه المقولات علامات على الشخصية ومدى تفكيرها النمطى ، أو المغاير .
- تقديم شهادة على عصرها ، تطرح عبرها قضايا العصر وطبيعة المجتمع .
- الإشارة لثقافة العصر ، وإنسانه .
- الإشارة لجذور ثقافية ، ونتاج عقلى تستمد منهما هذه المقولات مرجعيتها .
- رسم صورة لصراعات الفكر الإنسانى ، وجذور مؤرقات الشخصية المصرية .
وقد وضعتنا الرواية إزاء مساحة واسعة من المقولات المسندة لـلسارد أو للشخصيات :
- ما يسند للسارد طارحا رؤيته المباشرة لعصره ، كما أنها تفض إشكاليات في قضايا غير محسومة أحيانا ، أو تمهد لمقولات أكبر يتطلب بثها وعيا خاصا لدى متلقيها ، وتعبر بدرجة ما عن حكمة السارد بوصفه المسئول عن بناء القيمة في النص ، ومسئوليته ليست أمام المتلقي فحسب ، وإنما هي مسئولية أمام التاريخ والأشخاص الممثلين لهذا التاريخ ، وقد استثمر السارد كثيرا من لحظات سرده لبث الكثير من المقولات منها :

1- " الأعيان لا يكونون أعيانا بحق إلا إذا استمع لهم الناس " (13) .
2- " ومن ينس هويته ينس همومه "(14).
3- "ومن يتبن البشر لا يحزن لفقدان ابن واحد أو امرأة واحدة "(15) .
4- "فإذا كانت الإكزيما الحادة قد أصابت زينة نسوة المنطقة ، هاهى الحرائق تلتهم القاهرة لحظة صحوتها " (16) .
5- آفة المشتغل بالحياة العامة الجبن " (17) .
6- "السجن يجسم عجز الإنسان ويزيد من خياله " (18) .
7- الذين ينوون الانسحاب من المعركة لا يتمسحون بالشهداء " (19) .
8- "السياسة لا ترحم " (20).
9- " مخ النساء مثل مخ الرجال . شعيرات وخلايا عصبية . وتلافيف متعرجة ، هذه أمور مادية ياباشا ، يمكن وزنها وقياس حجمها ، أما الوعى فشيء آخر تماما ، هو محرك التاريخ ، والتاريخ لا يمكن وزنه وقياس حجمه ، وإن كان متمثلا أمام أعيننا في قصور وطرق ومشروعات ، وجيوش ، وأسلحة ." (21) .
10- " قلب الأم دليلها ، الخطر يحيط بها من كل جانب ، ومعرفتها بالتاريخ تؤكد لها أن حريق عاصمة البلاد نهاية لعمر بأكمله " (22).
11- لا شيء تغير !! هذا ظاهر الأشياء . العجلة دارت / لن تدافع عن حركة الجيش ، لتستمع إليهن . هذا الشعب يحتفظ بحكمته من جيل إلى جيل . صراع بين الرفاق يكاد يودى بالحركة وقد انقسمت على نفسها بين مؤيد لحركة الجيش وبين معارض لها . سرق العسكر نضال الناس " (23).

ظاهريا تسند هذه المقولات للمؤلف / السارد ، ولكنها مضمونيا تحيلنا إلى شخصيات ترد المقولات في سياقها ، ويدور صداها في فلكها ، وتقدم دلالة عليها خلال مستويات متعددة خالقة إطارا عاما تتحرك فيه الشخصيات ، حيث تقوم المقولات بدور نصوص القانون المحرك للمجموعة البشرية مادامت على وعى به ، ولا يفوتنا ملاحظة الصيغة المعتمدة - أسلوبيا – صيغة أسلوب الشرط الآخذة صورتين :

- مباشرة : تجئ جملة الشرط مصرحا فيها بالأداة ، مباشرة التركيب ( المقولات من الأولى حتى الرابعة ) وتحمل معانى الترغيب والترهيب ، والحث وغيرها مما يمكن أن يكون على سبيل الإغراء أو التحذير .

- غير مباشرة : وفيها يتحقق معنى الشرط دون أركانه غير المصرح بها محققة معانى الصيغة السابقة،مضيفة إليها أنها تخلق نوعا من القيمة السارية مع خط الزمن (وهو ما يحدث مع تجاوز الزمن واستمرار التلقى للنص بعد سنوات من نشره للمرة الأولى حيث تستقر هذه المقولات في الأذهان طارحة قيمة متجددة تحتضنها الرواية عبر دورات تلقيها المختلفة ) .
-
لقد خلقت المقولات مجموعة من محطات التأمل ، وزرعت أشجارا تظلل طريق المتلقي المؤول ، كما أنها أضافت نوعا من خبرة الزمن ، وتجلى الحكمة المصرية التي ترى الأمور ممررة عبر خبراتها الحياتية ، كاشفة عن بعض ملامح الشخصية المصرية التي تواجه أمورها بالنقيضين : الحكمة ، أو السخرية ،(24) وكلتاهما تفصحان عن حكمة الإنسان المصري بشكل خاص .

قيمة النور
لخدمة النص يوظف الروائي عنصر النور ، بوصفه العنصر الأكثر حضورا من بين العناصر الشيئية غير البشرية ، ليقوم بدور البطل غير الملحوظ ، حيث يلحظ غيره به ولا يلحظ هو بغيره ، فقد عول النص كثيرا على هذه الوظيفة بوصفها الوظيفة الكبرى الخالقة للوعى الروائي .
تتجاوز مفردات النور (وخاصة الشمس ) قيمتها الدلالية بوصفها إشارة زمنية (تشير في حدها الدلالى الأدنى لزمن قرين مشهد روائى ،أو بنية صغرى من بنى الحدث ) ، هنا يلعب النور دوره معلنا عن قيمته الروائية المؤسسة على عنصرين :
- التكرار والتداول .
- السياق المشهدى .
في الأولى يجد المتلقي نفسه إزاء عنصر متكرر عبر الفواصل السردية ، بداية من الاستهلال ذى الطبيعة الزمنية / الضوئية " صفار شمس العصارى " (25) ، ومرورا بـ " آلاف الشموس الصغيرة ترمى بأشعتها الناعمة وتغرق جناح الأميرة جويدان (26) ، وحتى الحضور الدال للسيدة بثينة عبد الجواد ، وبداية حركتها " وقد اشتدت الشمس في الخارج " (27) ، وتجاه مفردات : كالشمس ، الضوء ، النور ، وأخيرا النار.
و قد لعبت جميعها - بداية - وظيفة الكشف، فالمشاهد التي تتم تحت ضوء الشمس تغاير تلك التي تتم ليلا ( والروائى الممتلك حرية تشكيل البعد الزمنى لنصه يوزع أحداثه بصورة واعية ، ودالة ) ، وعندما ينبهنا الروائي إلى غرق عزبة عويس في صفار ضوء الشمس فإنه يشير إلى ذلك النور (الوعى) الذي تغرق فيه العزبة ، ذلك الوعى الآخذ في الأفول ، لذا وقف الجميع موقف المتفرجين إزاء أفعال اللواء عويس ( بوصفه نموذجا سلطويا ) ، ومنها مشهد جلده " كرامة " (لاحظ الاسم الدال ، غير المحتاج للتأويل ) ، ومن ثم كان على الراوى أن يحاول إعادة الأمور لنصابها ، فالمجتمع الذي يعمل الكبار – عمدا أو إهمالا - لتخريبه ، أو هكذا تفضى أعمالهم ، لابد له من استعادة هويته ، وقد جاء حدث جلد الباشا عويس لكرامة موازيا أو معادلا لهذا المجتمع في صورته هذه ، وقد كان للوعى الناهض لدى كرامة الحد الفاصل على مستوى النص في تحوله للبحث عن طريق ، تمثل واضحا في سرحان السقا الذي كانت عملية الجلد نقطة تحول في حياته ، تحول من المرحلة المائية للمرحلة النارية ( سنفصل القول في هذاالجانب لاحقا ) .

ويكاد رد فعل كرامة تجاه شمس الصباح يكون صورة لما يحدث للمجتمع ، أو للواقع آنذاك " شمس الصباح العفية تبخ هبابا في عينى كرامة ولد سرحان السقا ، وهو مكوم على شط الترعة على بعضه كشوال الجلة . أضاءت الدنيا ، ولمعت غيطان عزبة عويس ، وبلل الندى النباتات وأوراق الشجر فلمعت ، وعيناه تريان سوادا ، ولسانه يلوك فقرات من قصيدة الأرض الخراب لإليوت في لغتها الأصلية وقد خانته بعض المقاطع وحرف كلماتها في مقاطع أخرى "(28).

ويشكل العنصر المتداول نوعا من البناء التراتبى للدلالة المؤسسة عليه ، طارحة صيغة إيقاعية متكررة ، أو عزفا متواترا في نطاق النص الروائي ، حيث تبدو بوصفها الخلفيات ، أو القماشة التي يتشكل فوقها/ منها الحدث بكل ما يضم من تفاصيل ، كما تبدو في حالة سكون

وفى الثانية تكون كل مفردة منها مؤدية دورا سياقيا يرتبط بمشهد ما ، أو بموضع ما في سياق النص .العناصر في هذا الجانب لها قوة الفعل ، متحركة ، فاعلة بقدر ما يمنحها النص من قوة للفعل، وقد أحسن الروائي توظيف العنصر الذي ليس بإمكان المتلقي تجاوزه عبر رحلته مع النص.

هنا نحن أمام كاميرا الراوى وقد وجهها لعنصر بعينه ليكون محركا لغيره ، أو ليكون دافعا للحدث ، فالشمس (على سبيل المثال ) تتجاوز الدور الساكن الذي تبدو فيه خلفية للمشهد ، إلى الدور الذي تكون فيه محركة للنص عبر تحريكها للحدث أو لشخصية من الشخصيات .

" وكلما حميت الشمس وسخن صهدها ، أحس كرامة بالعرى ، وماذا يفعل ؟! وكيف ينتقم لنفسه ؟ هل يرقد للباشا في الذرة ؟! أم يحرق له الزرع ؟!" (29) .
والنار يبدو دورها التطهيرى في حريق القاهرة الذي ظهر بوصفه مخلصا القاهرة من أدرانها ، وبوصفها الحدث الفاصل الذي كان لابد أن يحدث في موضعه وقد بات الوضع في حالة لا يمكن تجاوزها إلا بالتطهير عبر النار .


المرأة / القيمة
" قلب الأم دليلها ، الخطر يحيط بها من كل جانب . ومعرفتها بالتاريخ تؤكد لها أن حريق عاصمة البلاد نهاية لعمر بأكمله ، لكنها خائفة من الجديد الذي سوف يقام على جثث عديدة " (30) .
هكذا تظهر بثينة عبد الجواد في الربع الأخير من أحداث الرواية ، لتجعل المتلقي يعيد النظر في الشخصية النسائية ، والوجود الأنثوى عبر الرواية ، ورغم أنها لم تكن مشاركة بصورة مباشرة فاعلة في سير الأحداث ولكنها تظهر مؤخرا لتلعب مجموعة من الأدوار ذات الفاعلية في سياق النص :

- أولها : يطرح ظهورها المتأخر حكمة الشخصية التي لابد أن تمارس النص / الحياة لتكشف عن حكمتها في النهاية ، وقد جاءت بثينة عبد الجواد لتخلق توازنا في سياق الشخصيات .

- ثانيها : تلعب أدوارا تتوازن مع غيرها من الشخصيات النسائية ،وإن تعددت فهى تمثل :

1- خلفية مرجعية للدكتورة أوديت التي لم يكشف النص عن أسرتها بالدرجة التي يتكشف للمتلقى منابعها المانحة حب الوطن ، والانتماء له ( لقد أراد الراوى أن يفتح أفق الشخصية النموذج ، حيث تكون مرجعية الدكتورة أوديت متصلة بامرأة غير أمها ، فاتصال مرجعيتها بأمها أو الكشف عن أصولها من شأنه أن يجعل بذرة الوطنية في أسرتها فحسب ، وإنما أراد الراوى أن يجعل من فكرة الانتماء ميراثا متحركا في الشخصية المصرية ،ليس مقتصرا على الرجل فحسب ) .

2- الهدوء والحكمة في مقابل ثورة الدكتورة أوديت واندفاعها في كثير من الأحيان ، بحيث باتت الشخصيتان – بما تملكان من معرفة وعلم - وجهين لعملة واحدة ، في مقابل الشخصيات النسائية الأخرى التي يمكن تصنيفها إلى صنفين مغايرين : فتيات القصر ، والإنجليزيات- باستثناء مارجريت سنكلير - ممن يأخذن الحياة بوجهها الترفيهى ، والفلاحات بما يسيطر عليهن من جهل ، وتخلف ( يرجى العودة لشخصية ستهم زوجة العمدة،وأم حبيبة زوجة عكاشة بوصفهما نموذجا لهذا النوع ) .

3- الأم في جانبها الرمزى ، وقلبها في إحساسه بالخطر ، مما يؤهلها لتكون صورة مجازية عن الوطن في خوفه على أبنائه المنتمين له ، وهو التمثيل الواضح الذي يجعل من بثينة عبد الجواد نموذجا أموميا له قيمته على مستوييه الحياتى والنصى .

- ثالثها : يكون ظهورها ممهدا لظهور شخصيتين لهما دورهما الفاعل ، وإن لم يمنح النص لهما مساحة كبرى على مستوى المساحة الممنوحة للشخصيات الروائية المختلفة ( وهما ابناها الضابطان ، بوصفهما ممثلين لأبناء الوطن من رجال القوات المسلحة ، كما يمثلان جيلين متتاليين يعملان لخدمة الوطن ) ، وقد أجاد الراوى في طرح الشخصيتين بقدر من العناية بالجانب الرمزى أو عبر منحهما من الملامح ما يرتفع بهما لدرجة الرمز ، وهو ما ينبنى على :

- كونهما غير محددي الملامح ، فلم يرد الراوى أن يكونا شخصين لهما ملامحهما الحاسمة التي يمكنها أن تغلق الباب أمام فكرة النمذجة ، لذا تتعامل الأم معهما بوصفهما ، الابن الأكبر ، والابن الأصغر دونما أسماء تشكل علامات فارقة .

- استثمار الراوى الشخصيتين في بث إشارات لها خطورتها ، تتمثل في الخلاف بين الإخوة حول تفسير حريق القاهرة :" دارت بعدها مناقشات حامية بين الأخوين . اتهم ابنها الأصغر الملك بتدبير الحريق للتخلص من حكومة الوفد وضرب حركة المقاومة الشعبية في مدن القنال . وابنها الأكبر يؤكد أن جلالته كان خائفا وقد فزع عندما وصلته أنباء الحريق ، وليس من المعقول أن يحرق الملك عاصمة ملكه ليتفرج عليها وولى عهده عمره سبعة أيام " (31) . وهو ما يكشف عن رمز واضح يقف بنا على إخلاص الجيل السابق للملك ، وأن جيلا جديدا يرى خلاف ذلك، وهو جيل قادر على توجيه الاتهام ، ووضع الآخرين / السابقين الكبار في وضع المدافع ( وهو ما فعله الابن الأصغر وقد وضع أخاه الأكبر في هذا الموضع ، ويلاحظ أن الراوى يؤكد الفكرة ، وقد استثمر الطاقة الدلالية للتقديم ( تقديم صوت الأخ الأصغر /الاتهام على صوت الأخ الأكبر المدافع ) .

- رابعها : القيام بدور المراقب المتأمل ، الممتلك خبرة ووعيا يمنحانه القدرة على التفسير والتأويل ومن ثم الوعى بما يدور وما يمكن أن يكون متواريا هناك خلف ما هو ظاهر ، لذا كانت حركة بثينة عبد الجواد على قدر كبير من الدقة أحسن الراوى تقديمها ، وتحريكها لخدمة القيمة التي وظفها لها ورغم أن ظهورها كان مباغتا للقارئ الذي كاد يستنيم للشخصيات الروائية متآلفا معها دون أن يتوقع ظهور شخصية جديدة ، فإنه (القارئ ) لا يلبث أن يتآلف معها بعد السطور الأولى عنها : " تحس السيدة بثينة عبد الجواد المفتشة السابقة لمادة التاريخ بوزارة المعارف العمومية بالقلق طوال اليوم لسبب غامض . في الصباح قالت لنفسها : هذا يوم شديد الحرارة وشديد الرطوبة . وفتحت نوافذ الشقة لتهويتها ثم أغلقت شيش النوافذ لمنع الصهد من التسلل إليها وقد اشتدت الشمس في الخارج " (32).

لقد كانت حركتها – في جانبها الرمزى - محسوبة لصالح الوطن ، فهى ربة البيت المثقفة الواعية التي تعد نموذجا للمرأة / الأم / الوطن ، ولم تكن معرفتها بالتاريخ (دراسة وتدريسا ) قيمة مجانية أو مهدرة ، فهل خرج أبناء مصر ، أبناء القوات المسلحة من رحم غير رحم التاريخ ؟ ( وهو الدور الرمزى الذي يتحقق في ابنيها الضابطين ) .
بثينة عبد الجواد عبر هذا الطرح تمثل الشخصية التي كان لابد لأحداث الرواية أن تنتهى إلى إنتاجها ، أو التعبير عنها كاشفة عن أدوارها غير المحدودة ( المتعددة بتعدد التأويلات النصية )



ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 08:42 AM   رقم المشاركة : [723]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

جميل عطية إبراهيم والتأريخ بلغة فن الرواية




صاغ المبدع الكبيرجميل عطية إبراهيم جزءًا من تاريخ مصربلغة الفن فى ثلاثيته (1952) ، (أوراق 1954) ، (1981) الصفحات الأولى فى الجزء الأول تمهيد لحركة الجيش. ولأنه يعى أهمية التراث الشعبى ، لذا بدأ بصاحب صندوق الدنيا الذى يُغنى (اللى بنى مصركان فى الأصل حلوانى) ولكن بعد أنْ ألغى مصطفى النحاس معاهدة 36قال (اللى بنى مصركان فى الأصل فدائى) وعندما سأله المارد ماذا يريد قال (آتنى بأسلحة لمحاربة الإنجليز) وتنتهى الحكاية بأنْ طلب مصطفى النحاس من فؤاد سراج الدين (وزيرالداخلية) توزيع السلاح على الفدائيين.
تصاعد الكفاح المسلح ضد الإنجليزلذا قال اللواء عويس إنّ (الإطاحة بحكومة الوفد أصبحت ضرورية) فى عزبة هذا اللواء نتعرف على عباس الفلاح الذى جمع وعيه بين الصراع الطبقى واستقلال الوطن ، فانضم إلى أحد التنظيمات الشيوعية. وبعد نجاح حركة الضباط تم القبض عليه فاندهشتْ زوجته وقالت (قضى سنوات عمره فى معارضة الملك والتنديد بسياسة الباشوات وفضحهم) وبعد أنْ أفرج عنه تم اعتقاله مجددًا وكان قائد الحملة اليوزباشى أنورعرفه (وكانتْ هذه آخرمهمة يؤديها لضباط يوليوقبل سفره لأمريكا فى بعثة فى فنون القبض والتفتيش وتسجيل الاعترافات) وما ذكره المبدع حقيقة أكدها كثيرون مثل د. فخرى لبيب فى كتابه (الشيوعيون وعبدالناصر) وهكذا ضفرجميل عطيه الفن الروائى بالوقائع التاريخية.
وإذا كان اللواء عويس أحد رموزالاقطاع المتعاونين مع الإنجليز، فإنّ المبدع المؤمن بتعدد الأصوات ، قدّم شخصية د. السيد أحمد باشا الذى لم يتدخل فى حياة ابنته (أوديت) المنضمة لأحد التنظيمات الشيوعية لمقاومة الإنجليزوالسراى. وعندما كان البوليس يبحث عنها لاعتقالها اختبأتْ فى أحضان الفلاحين وقالت عنهم (هؤلاء القوم الذين يتظاهرون بالبلاهة لهم آفاق واسعة) إذْ حفظ الفلاحون سرها ولم يتقدم أحد ليشى بها. ومن أبناء عزبة عويس (عكاشة) المغنواتى ، فلاح ليست له أية علاقة بالسياسة. ذهب إلى الإسماعيلية للعمل. صارت بينه وبين الجندى الإنجليزى (جون) صداقة بسبب حبهما للغناء. اقتنع عكاشة بالعمل مع الفدائيين لنسف معسكرللإنجليز. لمح صديقه (جون) فكيف يتركه للموت ؟ صاح يُحذره. فى هذا المشهد المكتوب ببراعة فائقة لم يمت (جون) كباقى زملائه بينما مات عكاشة. وفى التحقيقات الصحفية قال الجندى جون إنه مدين بحياته لعكاشة الذى حسبه اللواء عويس من الشيوعيين. وكانت صدمته عندما قال له أحد الضباط (إنه من أتباعك ياباشا) فقال مستنكرًا (الواد المغنواتى) وتحوّل عكاشة إلى أسطورة بين الفلاحين وإلى شيوعى بين الشيوعيين وإخوانى فى نظرالإخوان المسلمين.
فى عزبة عويس نتعرف على كرامة سرحان الطالب بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية المولع بالشاعرإليوت الذى قال (نحن الرجال الجوف. بالقش حُشيتْ رؤوسنا) كرامة ابن السقا الذى يبيع الماء يقع فى حب جويدان بنت اللواء عويس فيجلده. ثم ينتقل بنا المبدع إلى زهيه الفلاحة الفقيرة التى ضمّدتْ جراح كرامة وأطعمته ومنحته جسدها. ولكنه لم يعترف بهذا الحب الفطرى ، فأدركتْ أنه لايهتم بها رغم أنّ جنينًا يدب فى أحشائها. ثم يكون لقاء هذا الثلاثى- كرامة وزهيه والأميرة جويدان فى الجزء الأخيرومعهم ابن زهيه التى اختارت له اسم (محمد نجيب) ينتهى الجزء الأول بالمذبحة التى دبّرها الضباط ضد عمال كفرالدواربعد عشرين يومًا من سيطرتهم على الحكم. لذا قالت أوديت بعد اعتقال عباس (الجيش طرد الملك. وأحزان القرية كما هى).
*****
يبدأ الجزء الثانى على لسان د. يونس الأستاذ الجامعى الممرورلاعتقال زملائه. استخدم المبدع الكثيرمن الأسماء الحقيقة، فيتذكرد. يونس رفيقه (محمود أمين العالم) ثم ينضم إلى جلسته د. شلبى المفصول من الجامعة. والواقعة كما ذكرها المبدع حقيقية ، إذْ فى يوم 23/9/54أصدر الضباط قرارًا بفصل44أستاذًا جامعيًا لميولهم الليبرالية كان من بينهم عبدالعظيم أنيس، عبدالمنعم الشرقاوى، لويس عوض وفوزى منصور وآخرين . فى هذا اللقاء يسأل د. شلبى صديقه عن أخبارد. أوديت وهكذا يلتحم الجزء الثانى بالجزء الأول.
كان بين السيد أحمد باشا وعبدالناصرمعرفة أقرب إلى الصداقة. بعد يوليوبدأ الحذرمن جانب الباشا (فهاهى شوكة عبدالناصرقويت. ولم تعد فى البلد سوى المؤسسة العسكرية. طرْدْ الملك جملة اعترضية. أما سنة 53 فقد تم تسوية الأرض لخلق الجوالمناسب لإقامة دكتاتورية بعد قصقصة أجنحة جميع الرجال وإلغاء الأحزاب والدستور) ويتحوّل الحذرإلى نوع من التوجس فقال (مايُدهشنى عدم اعتقال ابنتى بعد القبض على رفاقها الماركسيين. هل صداقتى لسليمان حافظ وزيرالداخلية وفرتْ لها الحماية؟ أم هى معرفتى بعبدالناصرالتى منعتْ عنها البلاء؟) وسيتطورالحذروالتوجس إلى فاجعة بعد اغتيال ابنته إذْ صدمتها سيارة جيش بطريقة متعمدة، فقال الأب (شممتُ فى الأمررائحة التدبير. هذه جريمة وخيوطها الرئيسية ليست بعيدة عن عبد الناصر. لايقوى أحد فى البلد على مس ابنتى بسوء دون إذن منه. وهم يعرفون تردده على قصرى) ترتب على إصابة أوديت نزف فى الدماغ فقال أحد الأطباء (منذ حركة الجيش والبلد كلها دماغها ينزف) توجُسْ الباشا لم يكن خيالا، فعندما زاره عبدالناصرفى قصره سنة53 اعتقد عم محمد الطباخ أنه محمد نجيب فرحب به (سيادة اللواء محمد نجيب) فرماه عبدالناصربنظرة نارية وقال (والله لونادانى أحد فى الطريق بمحمد نجيب ربما قتلته) هنا أبدع الروائى مشهدًا جمع فيه بين سيكولوجية عبدالناصروالموقف من محمد نجيب الذى سيتم التخلص منه. فى هذا الجزء صورة درامية لوقائع الصراع على السلطة بين الضباط وصل لدرجة فصل واعتقال كثيرين بل وتعذيب بعضهم تعذيبًا وحشيًا كما حدث مع المقدم حسنى الدمنهورى وآخرين وهى وقائع اعترف بها كثيرون مثل أ. أحمد حمروش وأ. طارق البشرى وآخرين. مزج المبدع هذه الوقائع بحياة شخصيات الرواية فحقق إنجازًا مهمًا فى تاريخ الرواية المصرية والعالمية. ولأنّ المبدع مزج الواقعى بالروائى ، لذا جاءتْ شخصية عبدالناصرفى الرواية مطابقة لشخصيته الحقيقية من خلال تصرفاته وأقواله مثل قوله (جيشى هوبرلمانى) وأنه استخدم المحيطين به للقيام (بالمهام القذرة) وكان يُعادى الوفديين والشيوعيين ويرسم الخطط للتخلص منهم. وعندما خاطب عبدالناصرشعبنا قائلا(علمتكم العزة. علمتكم الكرامة) فإنّ أصحاب العقول الحرة شعروا بالإهانة، لذلك انطلقت الهتافات المعادية لحكومة العسكر. وقال د. يونس إنّ عبدالناصر(يرى أنّ المثقفين الليبراليين هم أكبرمعضلة) شمل الجزء الثانى التطورالدرامى لزهيه حيث أخذتها أوديت للعمل كخادمة فى قصرأبيها. تعلق الباشا بابنها وأصبحتْ المشرفة الحقيقية على كل شئون القصر. وقبل وفاة أوديت أوصتْ والدها بأنْ تمنح ثروتها لزهية وابنها. ونفذ الأب وصية ابنته.
****
تدورأحداث الجزء الثالث فى سويسرا. كرامة تزوج الأميرة جويدان وصارمستشارالسفارة المصرية. ذهب إلى مطارجنيف ليستقبل السيد أحمد باشا وزوجته. كرامة فى الجزء الثانى استجاب لأوامرأحد ضباط عبدالناصرالذى استكتبه بلاغًا ضد أوديت ووالدها. فى المطاركرامة يتذكرزهيه مندهشًا (عاملة الترحيلة تضع الفراء على جسدها وتتحدث إلى مضيفة سويسرية وتُفتح لها قاعة كبارالزوار) زهيه الفلاحة الفقيرة أصبحتْ زهية هانم زوجة السيد أحمد باشا الذى شجّعها على التعليم واتقنتْ عدة لغات وتعلمت أصول الغناء الأوبرالى. تذكركرامة قول السفيرأنّ محمد نجيب ابن زهيه من رجل آخرفقال لنفسه (أنا هذا الآخر) وتظل هذه الجملة ملازمة له ، فيقتله التردد بين الاعتراف بابنه أوالتضحية باستقراره العائلى والوظيفى ، بينما الباشا الذى تولى تربية محمد نجيب منذ أنْ كان رضيعًا حتى صارشابًا ، تعمّد أنْ تكون زيارته لجنيف من أجل (لم شمل الأسرة) وأنْ يتعرف الابن على أبيه. هذا الموقف الإنسانى من الباشا يتسق مع موقفه الفكرى، فرغم أنه ليس شيوعيًا فقد احترم آراء وكفاح ابنته الشيوعية. لذلك كان الهدف الثانى من زيارته لجنيف لقاء عباس الذى صارممثلا لمصرفى منظمة العمل الدولية، وتسليمه مذكرات ابنته التى دوّنتْ فيها رأيها عن الحركة الشيوعية بكل ايجابياتها وسلبياتها لنشرها. هذا الباشا الليبرالى لايعرف الأحادية الفكرية، لذا يأخذ عباس للجلوس على المقهى الذى كان (لينين) يجلس عليه أثناء إقامته فى جنيف. ويعشق الفن التشكيلى فيشترى لوحة الفنان ديلفو. وعندما تأمل عباس اللوحة قال إنّ المرأة فيها تُشبه ستهم ابنة عمى. وأنّ زهيه تحب أعمال هذا الفنان البلجيكى.
وكما بدأ الجزء الأول بأحوال الفلاحين فى عزبة عويس قبل يوليو52انتهى الجزء الأخيربأنّ أحوالهم بعد30سنة عادتْ كما كانتْ ، إذْ فى عهد السادات الذى عيّنه عبدالناصرنائبًا له وبالتالى كان هوالمرشح لرئاسة الدولة، أقام (الاقطاعيون) دعاوى قضائية لاسترداد أراضيهم. وبعد موت اللواء عويس أقامتْ أسرته دعوى وصدرالحكم لصالحها. أراد السيد أحمد باشا شراءالقصرليهديه إلى وزارة التعليم ليستمركمعهد فنى لتخريج الطلبة الزراعيين. وكان هذا هوالهدف الثالث من زيارته لجنيف، ولكن الأميرة جويدان رفضتْ البيع. وحصل عمها على موافقات السلطات الإدارية لتحويل العزبة بأكملها إلى مشروع استثمارى عقارى. وعندما علم الفلاحون بذلك تذكروا أنّ اللواء عويس كان يستعد لإقامة مشروع لتعليب الخضروات، فشعروا بالحسرة وترحموا على اللواء عويس وأيامه. وعن جماليات اللغة فإنّ الزمن فى الصفحة الأولى من الجزء الأخير(صفارشمس العصارى المزيف الفالصو) وفى ص 8 يربطه بأحلام الفلاحين الذين كفروا بالزراعة وإهتموا بتجارة العملة والسفرإلى السعودية، ولكنها (أحلام كالذهب الفالصوفى شمس العصارى).
وجميل عطية لديه ولع بالموروث الشعبى مثل قول المصريين أنّ (يوم الجمعة فيه ساعة نحس) و(إذا كان صباعك عسكرى إقطعه) وقبل تغلغل الأصولية الدينية كان المصريون على وعى بخطورة توظيف الدين لأغراض السياسة أولتحقيق مصالح شخصية، لذا عندما دافع الشيخ لهيطة فى خطبة الجمعة عن اللواء عويس وأمرالفلاحين بإطاعة أولى الأمروالدعاء لهم، قال الفلاحون عنه (هذا الملعون لايعبد الله لكنه يعبد الباشا) كما أنّ هؤلاء الفلاحين يُطبّقون قانون النسبية رغم أميتهم، وبالتالى مزجوا مفهومهم عن (الحرام) بالشفقة، فنجد أنّ زهيه عندما حملتْ دون زواج، قالتْ للست نفوسه أنْ تسترها، فضربتْ الأخيرة صدرها وقالت (ياحبة عينى.. بيتك) وبعد طغيان اللغة الدينية فى السبعينات، فإنّ ابنة عباس المناضل الشيوعى، تنضم إلى الجماعات الإسلامية التى تُكفرالحاكم والمحكومين وتُشارك فى عمليات اغتيال الأبرياء. وجميل عطية لديه شجاعة استخدام الكلمات المصرية التى يأنف كثيرون من استخدامها مثل (خرجتْ الكلمة من الفم مدغمسه) ومن السياق نفهم أنّ المقصود بكلمة (مدغمسه) أنها خرجتْ مضغمة غيرمفهومة. وكلمة (غتاته) المقصود بها الشخص ثقيل الدم. و(نن العين) إذْ هى فى اللغة العربية (بؤبؤالعين) وتعبيرأنّ الوعاء امتلأ (لتمة عينه) فكلمة (تمة) نحت مصرى لكلمة (تمام) العربية. ويستخدم تعبير(دحلبته لمعرفة سره) بمعنى استدرجته العربية. وكلمة (مفشوخة) كبديل للتعبيرالعربى (منفرجة الساقين) وتعبير(فركة كعب) كناية عن المشوارقصيرالمسافة. ووصَفَ شقاء الفلاحين بتعبير(طافحين الكوته) أى الشقاء الفادح فى العربية. وتعبير(الدنيا قلابه) أى الغادرة بالعربى. وتعبيرأنّ فلانًا (وقع فى الخيه) أى وقع فى شرك أوخطأ فظيع. ويستخدم أداة الاستفهام المصرية (ليه) كبديل عن العربية (لماذا) وهكذا.
المبدع الكبيرجميل عطية إبراهيم له أكثرمن مجموعة قصصية وأكثرمن رواية ، وكل رواياته زاخرة بالشخصيات الحية والأحداث الدرامية، ناهيك عن الثلاثية التى هى معزوفة تاريخية بلغة فن الرواية. ورغم ذلك تتجاهله الثقافة السائدة ، فلم تُفكرأية جهة فى ترشيحه لجائزة من جوائزالدولة. وتجاهل كتاب السيناريووالمخرجون إبداعه (باستثناء الثلاثية التى تحوّتْ إلى مسلسل تليفزيونى) فهل الجماليات الفنية والعمق الفكرى ، والتوثيق الأمين المحايد ، أحد أسباب العزوف عن هذا الانتاج الأدبى البديع ؟


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 08:43 AM   رقم المشاركة : [724]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

متواجـد فـي سويسـرا ويعيـش فـي مصـر.. لا يهمـه أن يترجَـم أو أن يقـرأه غربـي
جميل عطيه ابراهيم: بدلاً من قتل الكتّاب يتركونهم يتكلمون إلى أن تفقد الكلمة قيمتها
محمد الحمامصي



خمسة وعشرون عاماً أو يزيد منذ خرج الكاتب الروائي جميل عطية إبراهيم من مصر متوجهاً إلي سويسرا حيث أقام وأبدع أهم أعماله الروائية، لكنه ظل وفياً لمصر، تاريخها وحضارتها وعاشقاً لقاهرتها التي يعشق صخبها وتناقضاتها، ظلت مصر هي المحور أو الركيزة الأساسية التي ينطلق منها إلي عالمه الإبداعي دون أن يتخلى عن المستجدات التي عاش فيها ومن خلالها أبرز الأحداث والوقائع العالمية، عاش في جنيف متابعاً ومراقباً وراصداً ومحللاً لمجريات الأحداث العالمية في ظل ثورة العولمة والتحولات الكبرى، فكتب برؤية أكثر اتساعاً وعمقاً عن تأثيرات ذلك، كتب عن العولمة بنفس العمق الذي كتب به عن ثورة يوليو، باحثاً عن العدالة الاجتماعية والحرية.
وجميل عطية إبراهيم من مواليد محافظة الجيزة عام ,1937 حصل على بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس عام ,1961 ودبلوم معهد الموسيقى (1961)، ودبلوم معهد التذوق الفني من أكاديمية الفنون عام ,1974 وحصل علىدرجة الماجستير بدرجة امتياز في تاريخ الفن من معهد التذوق والنقد الفني عام .1980 وقد عمل في المجلس الأعلى للشباب ووزارة الشباب ووزارة الثقافة المصرية قبل سفره عام 1979 إلى سويسرا للإقامة بصفة دائمة. ومنذ ذلك الحين وهو يتردد على القاهرة بصورة منتظمة ويمضي فيها شهرين على الأقل من كل عام، من بين أهم أعماله ثلاثية ثورة 1952 في ثلاثة أجزاء، التى تبدأ برواية 1952 ثم رواية أوراق 1954 وأخيرا رواية ,1981 وأيضا رواياته خزانة الكلام ونخلة علي الحافة والمسألة الهمجية وشهرزاد على بحيرة جنيف.
كاتب القصة القصيرة
ما هي مبررات خروجك من مصر بنهاية السبعينيات وماذا بعد وصولك إلى سويسرا؟ كمبدع كيف بدأت لك الحياة؟
}
خرجت عام 1979 لأني لم أكن راضياً عن سياسات الرئيس السادات فى سنواته الأخيرة، وأحسست أنه من الأفضل لي أن أغادر البلد، وسيطرت عليّ فكرة مقتل السادات وأنا رجل مسالم لم أرد أن أشهد قتل الفرعون، وكان لا بد من قتله لأنه سد كل منافذ التغيير، ولم يكن يتفاهم مع المثقفين وجمع بعض الأدعياء حوله وكان على وشك وضع فكرة الإله فى قراراته بأنه يستوحي ويأتيه الوحي، ومن هنا قررت أن أسافر لأي بلد أوروبي للبقاء ساكناً، لم أكن أعمل بالسياسة ولم اُضر من نظام السادات ضرراً كبيراً، ما وقع عليّ وقع على بقية المثقفين من تضييق فى النشر، كنا نعمل على زيادة الدخل بجانب وظيفتنا فمنعنا، وأنا لا أشكو ولا أزعم أنه وقع عليّ اضطهاد فى عهده، فقد كنت من الصامتين، مختلف وصامت ولا أعبر عن أفكاري إلا للأصدقاء، ولم ألجأ للكتابة فى الخارج لأني أرفض المبدأ، حيث أرى أن من يرد انتقاد حكومته فعليه أن ينتقدها من الداخل.
فى ظل هذه الظروف درست الوضع، أي بلد يصلح للهجرة إليه والإقامة به، ووجدت لظروفي الخاصة أن أفضل مكان هو سويسرا التي أعرفها نتيجة ترددي عليها سابقا كسائح، ولم يكن الجو السويسري غريباً عليّ ولكني لم أكن أعرف كيف أبدا حياتي، ووجدت أن أتفرغ للأدب وللكتابة إلى أن تتغير الظروف وأجد ناشراً، ثم قمت بالاتصال ببعض الصحافة الخليجية ففتحت لي الأبواب فبدأت العمل كصحافي، وبعد ذلك طورت هذا العمل إلى العمل الإذاعي، مع ثورة الاتصالات وانتشار الفضائيات طورت العمل إلى العمل التلفزيوني وتفرغت لهذا العمل الذي شدني، حيث تواجدت فى جنيف فى وسط المنظمات المدنية وفى ذروة الحرب الباردة، ووجدت نفسي فى كواليس السياسة العالمية، وهى فرصة لم تكن تتاح لي فى مصر.
منذ صبايا وأنا أعد نفسي لأكون كاتباً روائياً، فوجدت أن اندماجي فى هذا العمل سوف يثري العمل الروائي، واشتركت فى تغطية المؤتمرات السياسية العالمية، ورأيت قيادات الاتحاد السوفياتى والقيادات الأميركية وكنت أتابع بعين الروائي، كنت اختزن وأكتب على هذه الأحداث برؤية روائية.
هذه الفترة أثرتْ عالمي الروائي، خاصة رواياتي الأخيرة التى تتعامل مع مشكلة العولمة والشركات عابرة القارات وموقف الدول النامية من عملية العولمة، كنت أتابع ليلاً ونهاراً مسار مفاوضات إنشاء منظمة التجارة العالمية، كنت أسهر حتى الفجر فى الاجتماعات، كانت مفاوضات مرهقة للصحافيين والوفود ورجال الأعمال ومليئة بالمفاجآت، كنت أعتبر كل ذلك أحداث روائية فمارست العمل بحب وتعمق وود وامتلكت مخزوناً معرفياً كبيراً للتطورات العالمية.
باختلاف المناخ هل اختلفت الرؤية؟ وباعتبار أنك خرجت من مصر وحاملاً لرؤية أساسية وهى تحقيق العدالة الاجتماعية، هل اختلفت الرؤية من مصر الى جنيف؟
}
رؤيتي لم تختلف ولكنها تغيرت بتغير المعرفة، ومعايشة الأحداث الكبرى التي عمقت رؤيتي، كنت أحضر مفاوضات إنشاء منظمة التجارة العالمية وأرفض مسار المفاوضات، وأعرف أن هذا ضد مصالح الدول النامية، وأكتب فى هذا الاتجاه دون أن أكون خاضعاً لما يدور حولي بل ناقداً له وغير مرحب به، وكنت أعرف أن انهيار الكتلة السوفياتية والكتلة الشرقية خسارة كبيرة للعالم الثالث، وقد حزنت عند سقوط الاتحاد السوفياتي، لم تكن رؤيتي كرؤية الصحافي الأوروبي أو الأميركي، كنت أملك رؤية مخالفة، وكنا نختلف ونتشاجر، رؤيتي كان أساسها العدالة الاجتماعية والديموقراطية، وقد تعمقت بمعايشة ما كان يدور حولي من أحداث كبرى، كان العالم يتغير وركائزه التى كانت ثابتة تنهدم ركيزة بعد الأخرى، وفى نفس الوقت مع هدمها كانت الصراعات الإقليمية والحروب الأهلية قد بدأت في الانتشار بدوافع غربية.
منذ سن السابعة أو الثامنة كان قراري أن أكون كاتباً للقصة القصيرة على الرغم من عدم معرفتي ما معنى ذلك، كنت متأثراً بوالدي الذي كان على علاقة بعائلة الكاتب الكبير يوسف الشاروني، وكان عندما يذكر اسمه دائماً يقول (الكاتب الكبير يوسف الشاروني) ويذكر بقية أسماء الناس دون ألقاب، فى هذه السن قلت إن هذه حاجة محترمة، كاتب كبير يكتب قصة، فقررت أن أكون كاتب قصة وحاولت الكتابة، هذا الهدف لم يغب عني حتى اللحظة (كاتب قصة قصيرة) و(كاتب روائي)، ولم أشتغل بإخلاص في أي مهن أخرى، ودائما كنت اُسأل: هل أنت صحافي؟ وكان الرد: أنا روائي وكاتب قصة قصيرة.
كل الخبرات الحياتية التى وجدت فى داخلها أو تابعتها من الخارج أو راقبتها كانت تصب في إبداعي الفني، لم تشغلني اي أمور اخرى، حتى الدراسات الأكاديمية حيث حصلت على درجة الماجستير ورفضت أن أكمل الدكتوراه واكتفيت بهذا، درست أشياء كثيرة جداً بهدف كتابة قصة، درست الموسيقى وتخصصت فيها ليس لأعمل بالموسيقى، لكن لأكتب قصة قصيرة أو رواية، لقد تخرجت من معهد الموسيقى العربية وكان حلمي بكر وماهر العطار من رفقائي، ولم أعمل بالموسيقى إطلاقاً، ولكن درست لفهم الأمور الموسيقية وكتابة القصة والرواية.
أيضا درست الفنون التشكيلية وحصلت على درجة الماجستير فيها ودرست مرحلة تاريخية لم يدرسها إلا ثلاثة أو أربعة فى الشرق الأوسط، وهي مرحلة عصور ما قبل التاريخ، وقد رفضت نشر الرسالة.
كل هذه الفنون درستها لكتابة القصة، فهذا الهدف جعلني أسير على النمط الذي شرحته فى متابعتي للأحداث العالمية، كنت أتأمل الوفود وهي تتحدث فيفوتني المعنى لتركيزي على شخصية هذا الوزير أو هذا المسؤول الكاذب، وأضحك وأنظر له، وهو يعرف أنه يكذب وكلنا نعرف ذلك، فاشتركت فى صناعة القرارات العالمية بمفهوم القصة القصيرة، رأيت الرئيس الأميركي والسوفياتي ريغان وغورباتشوف عدة مرات، كنت أنظر لهما كشخصيات روائية، هذا أفادني فى الكتابة فإذا كنت نجحت فى بعض الأمور أو وفقت أو فشلت فهذا رأي النقاد ولكن هذا ما أملكه وما قدمته.
لم تختلف الرؤية التى انطلقت بها من القاهرة ولكن اتسعت فهل اختلف الشكل؟
}
لم تختلف بل اتسعت لأني تعمقت، اختلف الشكل الروائي، فى بدايتي كنت أظن أني كاتب للقصة القصيرة فقط ولن أكتب شكلاً أدبياً آخر، وعندما سافرت لسويسرا وفى الغربة فشلت فى كتابة قصة قصيرة واحدة، فالقصة القصيرة تحتاج الى تركيز ولحظة وإلهام، وجو الغربة لم يغرني لكتابتها قط فتوقفت عاماً أو عامين ثم بدأت في التحضير لرواية هي من أجمل رواياتي اسمها (النزول إلى البحر) ترصد لحياة المهمشين في القاهرة وتدور حول سكان المقابر، وقد كتبتها كلها في سويسرا وعدت أثناء الكتابة للقاهرة عدة مرات لإعادة صياغتها تحت شمس القاهرة، وكنت أحضر فى الصيف مع ارتفاع درجة حرارة الجو، وأسير في الشوارع أرصد الضجة والهيصة التى افتقدها في سويسرا، أرصد الظلال والألوان التي تغيب عن الدول الأوروبية عموماً، أدرس درجات الضوء.
وبعد هذه الرواية انطلقت إلى كتابة ثلاثية، ثورة 1952 التي أخذت مني عشر سنوات من العمل المتصل، ست سنوات منها لدراسة الملفات وأربع سنوات للكتابة، وطبعاً كنت متأثراً بعمل أستاذنا نجيب محفوظ عن ثورة 1919 حيث أرخ لها، ومن واجبي كابن لجيل الستينيات أن أقدم ثورة ,1952 خاصة أنها غيّبت عن عمد فى عهد الرئيس السادات فقررتُ أن أقدمها، وأزعم أني قدمتها بشكل مختلف عن ثلاثية أستاذنا، هو قدمها من مفهوم رواية الأجيال فى ثلاثة أجيال، وأنا قدمتها من مفهوم البحث عن إجابة لسؤالين ماذا جرى فى 23 يوليو؟ ولماذا جرى على هذا النحو؟ ليست ثلاثية أجيال.
الجيل الذى شهد قيام ثورة 52 هو الجيل الذى شهد مقتل الرئيس السادات عام ,1981 وقد حرصت على تقديم ثلاثية ذات بنية موسيقية على شكل السونات، الحركة الأولى تجمع كل الأنغام وهي (1952) والثانية تفاعل الأنغام وهي أزمة الديموقراطية عام 54 (أوراق 1954) والجزء الثالث (1981) مصرع السادات وهو اللحن الحزين فى آخر حركة السونات، هذا الشكل الموسيقي للثلاثية لم يتوقف عنده أحد من النقاد رغم أنني شرحته عدة مرات وقدمت ورقة فى مؤتمر الرواية الأول لفتُّ فيها النظر إليه، لكن النقاد فى العالم العربي لا تشغلهم الموسيقى، يفهمون فى الأدب ولا يفهمون فى الموسيقى، وطبعاً لدينا نقاد موسيقيون يفهمون فى الموسيقى ولا يفهمون فى الأدب.
مشغول بوطني
استغرقت وقتاً طويلاً في الثلاثية، بعد الانتهاء منها كيف كنت نظرت إلى عملك القادم، هل اتضح أمامك مشروع روائي؟
}
بعد الثلاثية كنت أظن أن مشروعي الروائي انتهى، لكن عندما تأملت الأمر وجدت أن من واجبي أن أقدم رؤيتي للقرن العشرين أيضاً بدءاً من ثورة 1919 ومروراً بثورة 1952 وانتهاءً ببوادر العولمة، فكانت روايتي (أوراق سكندرية) التي تناقش ثلاث ثورات 19 و52 وبدايات ثورة العولمة والهندسة الوراثية والاتصالات، وهذا من أهم الأعمال التى أفخر بها، فهي تغطي قرناً كاملاً من الزمان، وأيضاً بعدها ظننت أنني سأتوقف، لكني سرعان ما انشغلت بالعولمة كمشروع عمل روائي امتد إلى أكثر من عمل، ما جرى من تغيرات فى نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وقد أثمر هذا المشروع عدة روايات والأولى (خزانة الكلام) ثم (نخلة على الحافة) ثم (المسألة الهمجية) ثم (شهرزاد على بحيرة جنيف)، هذه الأخيرة التي يتم التفاعل فيها بين تراث شهرزاد الشرقي والحياة الشرقية والتراث الغربي ممثلاً في مؤسسات العولمة.
لماذا لم تحاول معالجة العلاقة بين الشرق والغرب وتقديمها للجانب الغربي؟
}
لم أكن مشغولاً بكتابة عمل للقارئ الغربي، كنت مشغولاً بوطني ومجتمعي وبالشرق، لم أهتم أبداً بعملية الترجمة، وأعمالي كلها لم تترجم ولم أسعَ لترجمتها، ولا يهمنى أن يقرأها القارئ الغربي، إنني أكتب لأبنائي ووطني في مشروعات تعمق رؤاهم، إذا رأى الغربي انه يستفيد سيترجمها، لكن حتى الآن القارئ الغربي ينظر للشرق كعالم غريب، الجمال تمشي بالشوارع والتماسيح تسبح فى نهر النيل، وهذه رؤى منحطة لن أكتبها حتى يقرأوني، لقد كنت أصدمهم مؤكداً أن الشرق لديه حضارة وتاريخ وفلسفة، ولديه موسيقى خاصة وأدب خاص، وإنهم هم من استعمروا ومن خرّبوا البيئة وعملوا كذا وكذا، ما خرب فى الخسمين عاماً الماضية بواسطة الدول العظمى فى البيئة يساوي ما خرّب فى العالم منذ ظهور البشرية، وأنا غير مدين لهم، هم مدينون لي ومن واجبي أن أعلمهم.
هذه الرؤية للغرب لماذا لم تكن عملاً روائياً؟ لماذا لم تكن سويسرا والحياة والعمل فيها أوفي أوروبا عملاً روائياً؟
}
هذه ليست مهمتي، أنا متواجد فى سويسرا ولكن أعيش فى الشرق، ولا أجد فى نفسي كفاءة لأكتب لقارئ سويسري ولا أزعم أني أفهم الحياة السويسرية، هذه أمور معقدة كتب عنها كتابهم وهي ليست من واجبي، وسويسرا بالذات حالة خاصة يصعب على الأجنبي قبل عدة سنوات أن يفهم ظواهرها، بلد يصوت فيها الشعب ضد دخول الأمم المتحدة، هذا غير مقبول بالنسبة لأي شخص عادي، ولكن عندما تستمع للمواطن السويسري تجد عنده أسبابه، لماذا يؤجل دخول بلده منظمة الأمم المتحدة لمدة 40 سنة أو يزيد؟ لماذا سويسرا آخر دولة تعطي المرأة حق الانتخاب بينما دولة أفريقية صغيرة جداً أعطت المرأة هذا الحق، هذه ظواهر لا أستطيع فهمها حتى أنقلها للقارئ... لماذا سويسرا تملك أحدث جيش فى العالم؟ لا توجد تبريرات منطقية لذلك أما السويسري فلديه مبرراته التي يصعب فهمها، وليس من واجبي أن أحاول الفهم، هذا ليس واجبي إطلاقاً.
أنا كتبت لقارئ عربي فى قضايا تمسه، ومفهومي للعولمة يختلف عن مفهوم الكاتب السويسري للعولمة، هو ينتمي للقوى المسيطرة وأنا للجانب الضعيف فنحن من عالمين مختلفين.
هل تعتقد أن جيل الستينيات الذي تنتمي إليه استطاع أن يحقق هذا الاتساع فى الرؤية الذي حققته بفضل تواجدك فى الغرب؟
}
اعتقد أن زملائي قدموا الجديد وغيروا شكل الكتابة والاهتمامات، وأقربهم لي من حيث الأفكار صنع الله إبراهيم، فهو تشغله هذه القضايا ويتابعها من القاهرة، أيضاً صديقي بهاء طاهر نظراً لإقامته لخمسة عشر عاماً فى جنيف وفى أوروبا لمس هذه القضايا وتفاعل معها، وهو أقرب لي فى الكتابة من حيث الشكل والمضمون والأفكار.
يوجد كتّاب لم تتح لهم هذه الأمور ولكن فتحوا أعيننا لما يدور، مثل إبراهيم اصلان الذى غير في فن الكتابة، ومحمد البساطي الذي قدم لنا الريف المصري بعمقه، ويوسف القعيد الذي قدم هموم الطبقة المتوسطة وصراعها من أجل الديموقراطية، وإدوار الخراط نقل الأدب نقلة أخرى على مستوى اللغة، أعطى اللغة العربية حقها من القداسة، وأصبحت اللغة عنده لها قيمة فى حد ذاتها ليس للأفكار ولكن علمنا كيف نستمتع باللغة، وصنع الله اهتم بالسياسة إلى جانب إدخال شكل جديد على الرواية العربية وهو التسجيل والوثائق فكان مدرسة كاملة فى حد ذاته، من هنا أعتقد أن جيل الستينيات أدى واجبه.
سذاجة
وماذا عن رواية (شهرزاد على بحيرة جنيف)؟
}
رواية شهرزاد تشتبك مع اللحظة الآنية، فتشير إلى الحرب الإسرائيلية ـ اللبنانية، والدور الإسرائيلي في إبادة الشعب الفلسطيني، كما نراه ـ يومياً ـ فهي رواية الحاضر، واللحظة الآنية تحاول بلورة الصراع بين الشرق والغرب، وهي موجودة فى جنيف وليس في بغداد لكن تتعامل مع الأحداث الجارية.
هل نستطيع القول بأنها محاولة للعودة للتراث؟
}
لا أستطيع أن أقول إن هذه عودة كاملة إلى التراث، لكن هي استلهام للتراث بآليات حديثة وليس كما فعل جمال الغيطاني، فهو عندما يكتب عن شهرزاد يكتب بآليات مختلفة تخصه هو يتقنها بينما أنا لا أتقنها.
الآن إلى أين يمضي مشروعك الروائي؟
}
بعد انتهائي من مشروع العولمة حالياً دخلت فى حالة راحة، ولا تدور فى ذهني أي أفكار أخرى حالياً ولا اعرف، لكن إذا كتبت سأكتب خارج هذه المشروعات التى قدمتها، وأحاول البحث عن أشياء اكثر إنسانية من السياسة، ولكن لا اعرف حتى هذه اللحظة، من الممكن أن تكون رواية شهرزاد على بحيرة جنيف هى آخر رواية اكتبها، ولا أعرف فأنا في حالة كسل شديد وراحة وأنتظر.
في ظل تدهور الأوضاع مصرياً وعربياً هل ترى أن المثقف العربي يقوم بواجبه؟
}
هذا السؤال له شقان شق يخص طبيعة المثقف العربي في السنوات الأخيرة والشق الثانى هل يقوم بواجبه أم لا؟، أولاً الحكومات فى العالم الثالث ومنها الدول العربية عملت خلال الثلاثين عاماً الأخيرة على تسطيح المثقف وتجهيله وتعبئته بدعاوى كاذبة بل دفعته إلى تبني تيارات كاذبة.
الأجيال الجديدة ضائعة، أصبح بإمكانك أن تجد شاباً عربياً يقول لك إنه يود الذهاب للعمل داخل إسرائيل للتمتع بالديموقراطية والعدالة والأجر الأعلى، هذا التفكير كان لا يمكن أن يطرق على ذهن من نشأ فى الخمسينيات والستينيات وحتىالسبعينيات.
المثقف العربي الآن يحلم بالهجرة، أنا لا أدين من يذهب للهجرة لأني ذهبت من قبل، ولكن أدين من يذهب بهدف الانعزال عن بلده و تكوين الثروات.
المثقف العربيتعرض لهجمة شرسة لتجهيله، أصبحت الكتب الأكثر مبيعاً هي التي تتعامل مع الجن والشياطين والأحجبة والحظ، وأرقى التلفزيونات فى العالم العربي تخصص ساعات طويلة لقراءة النجوم والكواكب.
نحن كمثقفين لا نتهرب من المسؤولية ولكن يجب أن يكون هناك عدل، كبار المثقفين ممنوعون من دخول أجهزة الإعلام الكبرى فيما هي متاحة لفُتات الناس، هذا تجهيل منظم تم وفقاً لخطة تهدف إلي تحجيم وتقليص دور المثقفين لعدم قيادتهم الصراع ضد القوى الاستعمارية الكبرى، وفي فترتي السبعينيات والثمانينيات تمت زيادة الجرعة الدينية لمكافحة الشيوعية، هناك أموال بالمليارات تدفع لتجهيل الشعب العربي.
الشعب العربي مطلوب تحويله إلى عمالة ماهرة رخيصة تعمل لصالح الاحتكارات الأجنبية وألا يكون مسؤولاً عن استخراج وتصنيعثرواته الطبيعية، هم يقومون باستخراجها وتصنيعها و العربي يشتغل بها، والمثقفون يعرفون أبعاد هذه الخطة الاستعمارية ولكن الأنظمة العربية لا تتيح لهم التعبير عن أنفسهم بصدق وقوة، وما يجري فى لبنان ليس صدفة، لبنان من الممكن أن يكون قاعدة استثمارية بنكية كبرى فى العالم، وتمزيقه في صراع بين أجناس أو مذاهب، خطة تتم لعدم قيام تقدم مصرفي فيه ينافس إسرائيل، إن الصراع فى لبنان شديد التعقيد، فيه أطراف عربية ودول أخرى تتحارب على أرض لبنان بأيدي اللبنانيين، واللبنانيين بعد حروب أهلية كثيرة كثير منهم صمد وكثير منهم هاجر وكثير منهم يئس، فهذه معارك منظمة تحتاج إلى سياسات استراتيجية لمكافحتها، الموقف شديد السوء وأنا شديد التشاؤم، صورة كئيبة ومحزنة وتُسأل عنها حكومات العالم العربي.
ماذا عن المشهد الروائي الآن... كيف تراه وتقيمه؟
}
المشهد الإبداعي بصفة عامة منتعش وهناك إنتاج إبداعي وفير ولا يستطيع أي ناقد متابعة هذا الكم من الإبداع وأنا أتتبع قدر طاقتي جهود أبناء السبعينيات والثمانينات والتسعينيات وأجد مواهب كثيرة تتقن قواعد الإبداع،لكن مشكلة الإبداع عامة الآن أنه معزول عن الجماهير ويدور فى حلقات من المتخصصين، يظل السؤال لماذا يقبل الشباب إلى الإبداع على الرغم من أنه لا يؤدي الى مكاسب، أنا لي وجهة نظر خاصة في هذا الشأن وهي أنه عندما تحرم القاعدة الشبابية من العمل الحر بالسياسة تلجأ الى الإبداع وتعبر فيه عن نفسها وتصمت، وهذه الظاهرة كانت فى الستينيات أيضاً، كان هناك إبداع وفير وقتها وكان هناك ناس يحبون العمل بالسياسة ولكن لم تتح لهم الفرصة فعملوا بالإبداع لأن فيه حماية ومن الممكن أن يحقق الإنسان فيه ذاته دون التورط مع الحكومة، هذا الإبداع الكثير أجد فيه مبالغة، وهناك عدد كبير من المبدعين لو أتيح لهم العمل السياسي سيكفون عن الإبداع ويخدمون بلادهم أكثر ولكن ما دامت الظروف صعبة نرحب بإبداعهم ونقيم 70٪ منهم بشكل جيد إلى أن يتم حل الأزمة.
(
القاهرة)



ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 08:43 AM   رقم المشاركة : [725]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

حوار مع الكاتب المصري جميل عطية إبراهيم
إيلاف 27- سبتمبر 2006

سلوى اللوباني من القاهرة : حصل الاديب "جميل عطية ابراهيم" على شهادات دراسية متباينة ونتيجة لذلك عمل في مهن متعددة، فقد عمل قبل تخرجه من الجامعة كاتب حسابات في مصنع للنسيج في شبرا الخيمة ومدرساً للموسيقي للأطفال، وكذلك مدرساً للحساب والجبر والهندسة للمراحل الإعدادية في مصر والمغرب، وبعد تخرجه من الجامعة عمل كمفتش مالي وإداري في وزارة الشباب في سنوات الستينات، وبعد نجاحه في نشر بعض القصص انتقل إلى الثقافة الجماهيرية بفضل الأساتذة نجيب محفوظ وسعد الدين وهبة ويعقوب الشاروني، وظل في الثقافة الجماهيرية حتى سافر إلى سويسرا عام 1979 وعمل بالصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة العربية في جنيف حتى هذه اللحظات حيث يستعد للتقاعد والتفرغ للأدب، الاديب جميل عطية ابراهيم أحد مؤسسي مجلة جاليري 68 الادبية، ومن رواد حركة أدباء الستينيات، ركز من خلال اعماله على الدور الاجتماعي للادب، من مؤلفاته.. أصيلاً، النزول الى البحر، ثلاثية 1952، أوراق اسكندرية، الثورة، المسألة الهمجية، خزانة الكلام وغيرهم.. دار الحوار حول أيدولوجيات الستينيات، ومجلة جاليري... ورسالة الاديب، وعن افكاره التي وردت في رواية المسألة الهمجية وبطله المثقل بهموم وطنه، وأيضاً عن الحوار مع الآخر وأسباب انتشار التيار السلفي... ونظرته الى العالم اليوم.

* ما هو السبب في حصولك على شهادات دراسية متباينة؟
- دراستي الأساسية في كلية التجارة، حيث تأثرت في صباي بمقولات المفكر المصري البارز "سلامة موسى" حيث كتبه ومجلاته التي أصدرها كانت توجد في المنزل لسبب أجهله وقرأتها في صباي وشبابي عدة مرات، وتعلمت منه أن الأديب يجب أن يكون ملماً بالاقتصاد وعارفاً بالعلوم، فتوجهت إلى كلية التجارة ودرست إدارة الأعمال والتنظيم وغير ذلك، ورفضت الالتحاق لهذا السبب بكلية الآداب التي كانت تناسبني، وبتأثير كتابات سلامة موسى الذي لم ألتق به في حياته دلفت إلى معهد الموسيقى العربية وتخرجت منه أثناء دراستي في الجامعة وحصلت على دبلوم متوسط والتفت إلى الفنون التشكيلية وفي سنوات السبعينات التحقت بأكاديمية الفنون في القاهرة، ودرست فيها حتى حصلت على ماجستير في فنون عصور ما قبل التاريخ، وهذه الدراسات نفعتني عند عملي في الصحافة في الخارج فقد كنت مسلحاً بمعارف كثيرة وسهلت لي متابعة خطوات العولمة وفهم أبعاد الاقتصاد والسياسة الدولية، كما أن دراستي للقانون في كلية التجارة لمدة أربع سنوات مكنتني من متابعة الاتفاقيات المختلفة وفهم المصطلحات القانونية والجديدة منها، فعلت كل هذا لأكتب قصة قصيرة جيدة فقط وليس للتفوق في تلك المهن.

* مجلة غاليري 68 مشروع ثقافي رائد وعبر عن مرحلة جديدة كما أفرز العديد من الكتاب، هل ولدت فكرة المجلة كنتيجة لهزيمة 67؟
- صدرت غاليري 68 في مايو 1968 واستمرت حتى فبراير 1971، ولم يكن صدورها معلقاً بهزيمة 67، فقد كنا قد بدأنا التحضير لها بين عامي 66 و 67 وكانت المشكلة في الحصول على رخصة إصدار رسمية وفشلنا في ذلك الحين، وبعد استشارة قانونيين قررنا إصدار المجلة ككتاب غير دوري، وكان وزير الإعلام في ذلك الوقت "محمد فائق" وهو رجل متفتح فساعدنا بالترخيص للشاعر "أحمد مرسى" بتولي رئاسة التحرير إلى جانب وظيفته في وزارة الإعلام وكان ذلك ضرورياً، الخلاصة التفكير في إصدار جاليري 68 كان نابعاً قبل الهزيمة لأسباب موضوعية كثيرة، أجملها في عدة نقاط أولاً مع بداية الستينات تقدم إلى الساحة الثقافية كتاب جدد لم يسمع بهم أحد من قبل، ومعهم كتابات جديدة مختلفة عن الكتابة السائدة، كتاب من حواري القاهرة ومن الأقاليم، قرءوا وتعلموا بالمجان في عهد جمال عبد الناصر وأحبوه وخاصموه واختلفوا وأيدوا وسجنوا طويلاً وظهر ذلك في كتابات جديدة تسير على درب الدكتور يوسف إدريس وتبتعد تماماً عن درب يوسف السباعي وعبد الحليم عبد الله وغيرهم، ومن حسن الحظ كانت الساحة الثقافية غنية بالرواد يحي حقي في مجلة المجلة، عبد الفتاح الجمل في جريدة المساء، فؤاد كامل وبهاء طاهر في البرنامج الثقافي في الإذاعة المصرية، ومن النقاد محمد مندور وعبد القادر القط وعلي الراعي وأحمد عباس صالح وإبراهيم فتحي ورجاء النقاش وغالي شكري وصبري حافظ وعلي شلش وغيرهم، وتلقف هؤلاء العظام الكتابات الجديدة وأفسحوا لها مكاناً بقدر وحذر في البداية، وكانت النقطة الحاسمة ندوة الأستاذ نجيب محفوظ في كازينو أوبرا، حيث تجمع أجيال متعددة من المفكرين والمبدعين وتسلل الكتاب الجدد إلى الندوة للقيام بندوة أخرى في شوارع القاهرة بعد ندوة الأستاذ، وتعارف الشباب وانتقلوا إلى مقهى ريش وباب اللوق ومعهم إنتاج جديد لا يعرف الثرثرة ويضرب في الواقع ويحلم بدنياً أخرى، ونشر يحي حقي أعمالاً لم يكن من السهل قبله نشرها مثل أعمال محمد إبراهيم مبروك وأعمال أدوار الخراط وأعمال وإبراهيم أصلان وجمال الغيطاني وأنا، وعرفت الكتابات الجديدة بصعوبتها وبجديتها وبرفضها للواقع المعاش، ولما صدرت جاليري 68 تفرغت لنشر هذه الأعمال الجديدة وقد جمعت صداقات بينهم وبعدها انضم إليهم كتاب الأقاليم، وكانت تأتي إلينا رسائل من كتاب جدد من الأقاليم ونهب إليهم وندعوهم إلى القاهرة وعرف جيل الستينات.

*ولماذا لم تستمر المجلة؟
- سبب توقف جاليري 68 فكان لأسباب موضوعية فبعد الترحيب بالكتاب الجدد ونشر أعمالهم في المنابر التقليدية والمؤسسات الحكومية لم تعد هناك حاجة إلى مجلة خاصة بهم، كما أن المجلة كانت تصدر بجهود ذاتية من مقهى ريش، وفتر الحماس ودبت شيخوخة.. وزادت مطالب الحياة.. فتوقفت جاليري 68 بعد أن أدت رسالتها في انتظار موجة تجديد أخرى لتصدر مجلة أخرى وهذا ما حدث!

* الا تعتقد بأن جيل الستينات بقي محصوراً في أفكار وأيدولوجيات لم تعد صالحة للوقت الحالي؟ وهل نجحت الأيدولوجيات المختلفة التي نشأت في الستينيات مثل اليمين أو اليسار أو الناصريين أو الاخوان المسلمين في إحراز أي تغيير أو تقدم للمجتمع؟
- جيل الستينات انفتح على العالم ولم يكن محصوراً في الدعاوى السياسية في ذلك الوقت، بل وكان معارضاً شديداً لبعض سياسات الرئيس جمال عبد الناصر والزعامات المعروفة ومعظمه دخل السجون لسنوات طويلة، جيل الستينات حافظ على استقلاليته الأدبية ولم يكن تابعاً للسلطة في مصر أو في غيرها، والنقد الأساسي الذي يوجه لجيل الستينات هو انشغاله بالسياسة على حساب الأدب، وكانت هناك معركة طاحنة في مصر بين دعاة الفن للفن، وبين دعاة الفن للحياة، وقد انحاز جيل الستينات بكل قوة لمدرسة الفن للحياة كما أوضحها سارتر ودفع ثمناً كبيراً لهذا الانحياز، ووسط جيل الستينات تفرغ بعض الكتاب بإعطاء أولوية للفن بدلاً من السياسة منهم إدوار الخراط وإبراهيم أصلان على سبيل المثال رغم اهتمامهما بالسياسة ومواقفهما التقدمية المشرفة، كانت مصر في ذلك الحين ترفع شعارات الوحدة والاشتراكية والعدالة ومقاومة المحتلين في الجزائر وفي الدول الإفريقية التي كانت معظمها محتلة ودعمت حركات التحرير وأممت شركات البترول ودعمت دول الخليج، وكان جيل الستينات يدعم هذه التوجهات وعيناه على غياب الديموقراطية مما ولد معارك بين الكتاب والسلطة وفشلت كل جهود السلطة في تطويع جيل الستينات، وكلنا يذكر البيان الذي قدمه صنع الله إبراهيم في رفض جائزة مبارك منذ ثلاث سنوات، فقد كان البيان قنبلة بحق، وأنا لست عضواً في اتحاد كتاب مصر حتى اليوم ومنذ عهد يوسف السباعي.

* وعلى من تقع مسئولية الفشل؟
- حقيقة كما جاء في السؤال فشلت عدة حركات سياسية تبنتها أنظمة في ذلك الحين في تحقيق إنجازات واضحة، وفشلت الأنظمة في ترسيخ الديموقراطية وتحقيق عدالة مقبولة والقيام بنهضة شاملة ومحو الأمية الذي تبين أنها تتزايد بعد خمسين سنة ثورة، وهذه كلها مثالب سلبية، ومسؤولية الفشل لا تقع على الكتاب ولكن على السلطة التي رفضت السماع للكتاب والمفكرين ووضعتهم في السجون وعزلتهم عن الجماهير، في سنوات الستينات كان يسمح لنا بالحديث في البرنامج الثاني باعتباره للمثقفين ولا يسمح لنا في قنوات التلفزيون العادية، يسمح لنا في الكتابة في مجلة المجلة والكاتب والمساء ولا يسمح لنا باقتحام الصحافة اليومية واسعة الانتشار، وهكذا قننت عزلة المثقفين بأعراف محكمة.

* ما هي ملامح رسالة الاديب في نظرك.. وهل ينجح الاديب عادة في رسالته؟ هل بامكانك أن تقدم لي مثالاً على نجاح أديب معين برسالته!
- الأدب قيمه جمالية وللمتعة وليس منشوراً سياسياً، وقد نجحت الحركات الأدبية التقدمية في الحفاظ على ذوق المتلقي إلى حد ما وفي صعوبة شديدة لأسباب راجعة للسلطة، وأعظم قصة قصيرة لن تٌخرج مظاهرة ولكنها تتفاعل مع الناس وتخرج مظاهرات في الشوارع ربما بعدها بسنين، انحطاط الذوق مصيبة مثل الحفاظ عليه نضال، ومبادئ الحق والخير والجمال هي أساسيات الأدب والفن، ولنر حالياً مع انحطاط الذوق العام في كل الدول العربية ماذا حدث؟ انتشر العنف والإرهاب والقتل على الهوية وتجاهل الآخر ونسيان الصراع الأساسي بين الدول النامية والقوى العظمى والانشغال بأمور جانبية، الحديث عن الفشل والنجاح في هذا السياق ليس منطقياً، المهم كم من أعمال متميزة أنتجت؟ لأن هذه الأعمال تؤتي ثمارها بعد حين.

* في معظم كتاباتك نجد جميل عطية ابراهيم يبرز بين فترة وأخرى.. لذلك دعني اسألك عما ورد في رواية "المسألة الهمجية" على لسان البطل والذي اعتبرته لسان جميل عطية، تقول بأنك تبينت أن كل ما اعتقدت بكذبه في سابق أيامي كان صحيحاً، وأن معظم أوهامي كانت حقائق واختلطت أوراقي..هل هذه رؤيتك للاحداث والتاريخ؟
- الفنان والكاتب عندما يعيش في الغربة تواجهه عدة أزمات، هل يندمج كلية في المجتمع الجديد ويصنع له حاضراً في الغربة؟ أم ينفصل عن حاضره المعاش ويغرق في ماضيه وأوهامه من ناحية أخرى، الكتابة في الغربة محنة، فكيف يصنع الكاتب الوصل والفصل؟ كل كاتب يحل هذه الأزمة بمعرفته ووفقا لقيمه، الكتاب اللبنانيون في الحرب الأهلية عاشوا في باريس، وبعد انتهاء الحرب عادوا إلى بيروت، وكانت الغربة فترة إجبارية مؤقتة، وقلة منهم بقت في باريس، أنا منذ قدومي تبينت أن الكتابة في الغربة باردة وجافة وتنقصها الروح، فدأبت على العمل في الغربة من حيث الدراسات والتحضير، والكتابة الأولية ثم العودة إلى القاهرة عدة مرات في السنة بإعادة ما كتبته وسط ضجة القاهرة وقيظها ولياليها الساهرة وزيارة المواضع القديمة، وكنت في السنوات الأولى من غربتي مشغولاً برصد التغيرات السياسية والاجتماعية منذ 1952 حتى مصرع الرئيس السادات، وبعدها شغلت بثلاثية العولمة، وكتبت نصفها في الغربة ونصفها في القاهرة وفي العامين الأخيرين، تعلمت الكتابة في الغربة، والمراجعة في القاهرة فقط، لإجراء تعديلات بسيطة، ومالت كتاباتي لرصد الخارج بعد أن كنت مشغولاً بالداخل في النزول إلى البحر، وثلاثية 1952، وعلى كل حال أنا كنت محظوظاً في الغربة بسبب صحبة الكاتب الكبير "بهاء طاهر" الذي عاش في جنيف 15 عاماً، وكذلك المترجم المعروف "محمد مستجير"، حيث نقلنا مقهى ريش وزهرة البستان إلى وسط جنيف، واعتقد أنه بدونهما لما واصلت البقاء في الغربة.

* وتقول إنك حبيس حارة جدنا نجيب محفوظ!
- في رواية "المسألة الهمجية" يقول البطل أنه حبيس حارة نجيب محفوظ على سبيل المديح، فقد سبر الكاتب الكبير تفاصيل الحارة المصرية وجعلها مركزاً للكون، ومن جانب آخر يلمح البطل إلى أن هناك كتابات أخرى في أمريكا اللاتينية تطير فيها الشخوص، بينما حارة الأستاذ نجيب محفوظ لا تعرف المطارات، هذه دعوة للنظر في آداب حديثة لم نقترب منها.

* بطلك الرئيسي في أعمالك هو بطل مثقل بهموم وطنه.. الذي لا يكف عن طرح التساؤلات والافتراضات بحثاً عن الحقيقة النهائية.. بعد مشوارك الادبي الثري والطويل هل استطعت أن تصل الى نهاية حقيقة؟
- لا توجد حقيقة للوصول إليها، والإمساك بها، وتوجد راحة بعد الرحلة، بعيداً عن العقائد الدينية كل الحقائق نسبية، وقابلة للمناقشة، والكمال بعيد، ويكفي الكاتب أن يطرح تساؤلات تثير مشاعر القوم للبحث فيها، وفي السنوات العشر الأخيرة شغلت بمناقشة الحداثة والثورات المختلفة من وراثية إلى اتصالات وتحرير التجارة وغيرها، وأرجو أن أكون قد نجحت في إنارة حارة وليس طريقاً على هذا الدرب.

* كيف ترى العالم الان؟
- العالم يمر الآن في مرحلة ذات خصوصية عجيبة، وهي ظاهرة القطب الواحد الذي يدور في فلكه عدة أجرام، والقطب هو الولايات المتحدة الأمريكية، والأجرام هي دول الاتحاد الأوربي وبعض الدول القريبة منها في سياساتها، من جانب آخر تسعى دول أخرى لاستعادة نفوذها مثل روسيا والصين وبعض دول آسيا الصاعدة اقتصادياً، ومن الدول التي توصف بأنها محور الشر كوريا الشمالية وإيران وإلى حد ما سوريا، ووسط هذا الخضم نجحت الولايات المتحدة في تصوير العالم العربي خاصة والإسلامي بصفة عامة بأنه مأوى الإرهاب وسبب البلاء في العالم، والصدام بينه وبين بقية دول العالم وارد وبقوة والسبب الإسلام والمسلمون، وروجت لأقوال مثل صراع الحضارات على أسس دينية وأثنية وغياب الديموقراطية وعدم سماع الآخر وغيرها، وللأسف سقطت الدول العربية والإسلامية في الفخ، واعتبرت أنها في معركة دينية مع الغرب بصفة عامة، ونسيت أن الصراع مع الغرب يعود إلى عدة قرون وأساسه مصالح استراتيجية واقتصادية ومناطق ونفوذ وليس دينياً، فالغرب لا يدافع عن المسيحية ولا تهمه المسيحية ويحسب مصالحه والحفاظ على مصالحه في ضعف الدول العربية وتقسيمها إلى دويلات على أسس اثنية ومذهبية وليست دينية فقط، صراع استمر طويلا في الماضي، وقامت جمعية الأخوان المسلمين في مصر عام 1926 رافعة شعارات محورها الإسلام هو الحل، وظلت الجمعية مصادرة وممنوعة بعد أن اقتربت من العنف بدلاً من السياسة، وفي الربع الأخير من القرن الماضي لعبت الحرب الباردة دوراً بارزاً حيث جيشت الولايات المتحدة "بمعاونة من أنظمة عربية قصيرة النظر" الجيوش لمحاربة الإلحاد السوفيتي والنظم الاشتراكية وبلغت ذروتها في أفغانستان، وعملت الجماعات الأصولية في المنطقة يداً بيد مع القوى الاستعمارية المعادية لمحاربة الإلحاد، سقطت الجماعات السلفية في الفخ ولم تفق إلا بعد وقت طويل فوجهت قنابلها وعملياتها إلى الدول الغربية وراعيها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001.

* وهل هذه أسباب انتشار التيار السلفي في الدول العربية؟
- انتشار التيار السلفي في المنطقة العربية لا يمكن تبسيطه وحصره في هذه الأسباب، فانتشاره يعود لأسباب موضوعية، فقد فشل التيار العلماني طوال القرن العشرين في تحقيق أهدافه في التنمية والعدالة والديموقراطية، فتقدمت كتائب السلفيين لتحقق ما فشل فيه العلمانيون، بينما الحقيقة أن الحركة العلمانية القومية في العالم العربي تعرضت لمؤامرات وحروب من الخارج والداخل ولعبت الجماعات السلفية دوراً في تعطيل الديموقراطية عن جهل مرات وعن علم مرات بتقديم الذريعة لأنظمة متعسفة معادية لمحاربة الديموقراطية، وعاشت مصر لمدة ثلاثين عاماً تحت قوانين الطوارئ، وهذه جريمة تتحمل مسئوليتها الجماعات السلفية التي سعت للوصول إلى السلطة عن طريق القوة أمام التاريخ.

* أي انه صراع بين العلمانيون والسلفيون؟
- فشل العلمانيون في تحقيق الأهداف طوال القرن الماضي، وتقدم السلفيون مستندين إلى قوى إلهية سوف تحارب بدلاً منا، قوى إلهية عمادها الملائكة والجن والشياطين والنوايا الحسنة، ووسط هذا الانقسام الفكري الحاد، ضاعت أجندة الخلافات الحقيقية بيننا وبين الغرب، لمحاصرة الاستعمار الجديد، القضية ليست إيماناً أو إلحاداً، القضية في أساسها مصالح بترولية، وموارد طبيعية غنية، وعمالة رخيصة، وعوامل وحدة وتقارب بين الدول العربية، دين واحد ولغة واحدة، وأخطر ما وقع في العشر سنوات الماضية إثارة المذاهب الدينية لبث خلافات معروفة في التاريخ الإسلامي للخاصة والعامة، الخلافات المذهبية والعرقية أخطر من الخلافات الدينية، فهل من رجل رشيد يعيد أجندة النضال إلى جوهرها الحقيقي؟ ويدافع لنا عن البترول والموارد الطبيعية؟ وهل من نظام رشيد يتقدم نحو ديموقراطية حقيقية وتسلم وتسليم السلطة بالطرق السلمية، ضعفنا وانعزلنا وضاع نفوذنا إلى الحد الذي شجع الإمبريالية إلى التحالف مع الحركة الصهيونية علانية تحت اسم جديد لخلاص العالم، سلفية مقابلة لسلفية العالم العربي والإسلامي، سلفية هذه المرة تعرف مصالحها، ولا تشغل نفسها بالشعائر الدينية والانقسام حولها كما نفعل، أجندة واضحة وتتسرب بنودها من حين إلى آخر لتمزيق المنطقة.

* أي الصورة ليست مبشرة؟
- باختصار الصورة تعيسة وغير مبشرة، وهذه القضايا تشغل الكتاب في العالم العربي وبوضوح، والمشكلة أن الأنظمة لا تستمع إليهم، وتحاصرهم ولا تأثير لكتاباتهم أو إبداعهم، لقد فاض الكيل بدول كثيرة تعاني كما نعاني، وهبت بعض دول أمريكا اللاتينية براية التمرد والعصيان، في وقت تصوت فيه الدول العربية إلى جانب الولايات المتحدة، وتنكس رأسها وتسد أذنيها عن حركات التمرد المتصاعدة، لكن الثورات قادمة فالعالم يمكن ولا يعقل إرادته على النحو السائد أكثر من ثلاث أو أربع سنوات قادمة أخرى، وأنا أجد إرهاصات تحدد موعد الثورات القادمة في العالم بين عامي 2010 و2020 ونحن نحتفل بمرور مائة عام على ثورة 1919 العظيمة.

* هل ساعد الخطاب الديني في توسيع الهوة الثقافية بين العرب والغرب... وأيضا الخطاب الثقافي العربي من قبل بعض المثقفين هل ساعد في تفشي هذه الهوة؟ بمعنى هل نجحنا في التعبير عن أنفسنا كعرب؟ ما هو السبب في فشلنا إذا كنا فشلنا في التعبير أو مخاطبة الاخر؟
- العلاقة بين الشرق والغرب شديدة التعقيد نظراً لاختلاف التصورات ونقاط الانطلاق، الغرب يطمع في الموارد والسيطرة، والشرق يرغب في استقلال كامل وعلاقات متوازنة، والنضال الشعبي منذ احتلال مصر في عام 1882 وهزيمة الزعيم عرابي، كان يصب في هذا الاتجاه، وعندما فشلت الحركة العلمانية في تحقيق هذا الهدف، تقدمت الجماعات السلفية للقيادة، وتعاونت الجهات الغربية مع الجماعات السلفية وشجعتها قبل أن تنقلب عليها، كما نجح الغرب في تصوير الصراع على أنه صراع ديني بين المسيحية والإسلام وصراع حضارات، وهذه كلها أكاذيب ولكنها للأسف راجت وشاعت، وأحد أسباب رواج النظرية الغربية في نوعية الصراع، تدخل الحركة الصهيونية على نطاق واسع لترويج مقولات تصب في احتلال الأراضي الفلسطينية، وتثبيت الأمر الواقع، وعدم الاعتراف بالقرارات الدولية والتحايل عليها بالتسويف، وسوف يظل الصراع في منطقة الشرق الأوسط مادامت القضية الفلسطينية لم تحل، وقد رأينا في لبنان جرائم حرب تجرمها المواثيق الدولية ولكن الولايات المتحدة قادت الصراع بما يحقق مصلحة إسرائيل، ولولا كفاءة المقاومة اللبنانية لما قبلت إسرائيل بالانسحاب، ما جرى في لبنان يعتبر أول نصر يحققه العرب منذ عام 1948 رغم الدمار الذي حل بلبنان، وهذه سوف تضاف إلى الجماعات التي تستند إلى مظلة دينية في المنطقة، وهذه لها ثمن يدفعه الغرب الذي لا يفيق إلا مؤخراً، وما يجري حالياً يصب في صالح الشرق، ولا بد من انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة وترك الفرصة للأمم المتحدة لتؤدي دورها.



ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 08:44 AM   رقم المشاركة : [726]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

جميل عطية إبراهيم: السلطة الآن في مصر لاتعتقل المثقف ولا تستمع إليه
الروائي المصري لـ«الشرق الأوسط»: ما فعله صنع اللهإبراهيم يتسق مع تاريخه السياسي والأدبي
القاهرة: محمد أبوزيد
يتعرض الروائي جميل عطية ابراهيم في روايته «المسألة الهمجية» الصادرة حديثاً عن دار ميريت بالقاهرة «إلى واحدة من أعقد القضايا الإنسانية في تاريخ البشرية وهي منطق وأفعال الهمجي وكيفية الحكم على أفعاله والقوانين والمواثيق التي تجرم الفعل الهمجي.

وفي زيارته السريعة للقاهرة قادما من سويسرا حيث يقيم لحضور مؤتمر الرواية التقيناه وكان هذا الحوار:
* تفتح في روايتك الجديدة «المسألة الهمجية» ملف المسألة الهمجية وأسطورة الصهيونية ألا ترى أن هذه منطقة ملغومة؟
ـ إذا كان تاريخ البشرية هو تاريخ مقاومة الشرور فإن على الكاتب أن يقاوم دفاعاً عن بشريته لأن الهمجية ظلت وصمة عار ولاتزال وصمة عار في عالمنا الحديث، لذلك فإن الرواية تلفت النظر إلى أن الهمجي يزاول همجيته وفقاً لمنطق خاص يضعه لنفسه ويؤمن به لكي يبرر همجيته ويعتقد الهمجي دوماً أنه على صواب وعلى استعداد لتقديم مبررات وأسانيد قانونية لأفعاله المشينة وليس كما يعتقد بعض الناس بأن الهمجي لا يمتلك قانوناً ينظم همجيته ومن هنا تأتي أهمية الرواية فهي لا تدين الفعل الهمجي فقط ولكنها تكشف عن منطقه الخاص وتدينه.
* تتحدث في الرواية عن شارون، وهنا تتحدث عن الهمجي، هل أقول إنهما شخص واحد؟
ـ هذا صحيح، ومن هذا المنطلق تتوقف الرواية عند مذبحة جنين حيث مارست قوات الاحتلال الاسرائيلي ارتكاب كل الشرور والهمجية وفق منطق خاص بها يعتمد على ضرورة ابادة الشعب الفلسطيني وسرقة أراضيه انطلاقاً من النظرية الصهيونية الشائعة التي تؤيدها بقوة الدوائر الأميركية الحالية ومعظم الساسة في الغرب أيضاً في السابق بدرجات أقل من أول بلفور صاحب الوعد الشهير وحتى الزعماء الأوروبيين المحافظين الحاليين. ما أريد قوله : إذا كان للهمجي منطقه الخاص فإن المواثيق الدولية وأولها ميثاق حقوق الانسان واتفاقيات جنيف وقواعد القانون الانساني الدولي هي المحك الأخير للفصل بين الهمجية وغير الهمجية ولذلك فإن بطل الرواية وهو صحافي يعمل في جنيف وعاش سنوات الحرب الباردة وسقوط الكتلة الاشتراكية وبدء النزاعات الاقليمية ووصل إلى قناعة بأنه من الضروري تقديم شارون إلى محكمة جرائم الحرب.
* هل أستطيع أن أقول إن في الرواية شبه سيرة ذاتية؟
ـ إلى حد كبير، فالهم الخاص والعام الذي يحرك بطل الرواية هو الذي يحركني، بالاضافة الى تفاصيل أخرى.
* لماذا يتركز معظم ابداعك في سنوات ما بعد الثورة، بالتحديد في فترة الرئيس جمال عبد الناصر؟
ـ لقد عشت سنوات الثورة وتأثرت بها واستفدت من انجازاتها، ووقع عليَّ عزم من تجاوزاتها وانتكاساتها وعندما تولى الرئيس السادات الأمر عمل على مسح تاريخ الثورة من التاريخ، لذا رأيت من واجبي الحفاظ على ذاكرة الأمة بتقديم تلك السنوات بعد اعادة الدراسة والفحص فكتبت ثلاثية الثورة (1952، أوراق 1954، 1981) وهذه تواريخ فاصلة في تطور الثورة حتى مقتل الرئيس السادات، ثم بعد ذلك كتبت أوراق سكندرية التي تتعرض من أول ثورة 1919 حتى السنوات الأخيرة من القرن العشرين، فجمعت في الرواية أحداث قرن من الزمان بشكل فني وليس تسجيلياً دعائياً.
* لكن في الثلاثية توجد شخصيات حقيقية كهيكل وعبد الناصر وصلاح عيسى، كيف ترى الفارق بين الكتابة التاريخية والابداعية؟
ـ هذه اشكالية كبرى. كنت في 1952 أطلب مشورة د. علي الراعي فكان يرفض نصيحتي في أي شكل اتبعه في الكتابة قائلاً: يا جميل: اتبع التجربة والخطأ وأنت ستصل إلى القوانين ونصحني ببعض الكتب التاريخية في الأدب الانجليزي لا أعرفها، أما ما أعرفه من روايات فأعدت قراءته خاصة من الأدب الروسي والألماني مرة أخرى في أثناء الكتابة، وأنا أعتقد أني طورت منهجي بعد قراءة توماس مان على وجه التحديد، كما أنني قرأت ثلاثية نجيب محفوظ عشرات المرات حتى تثريني وتزكيني ابداعياً وروحياً، واستغرق العمل في الثلاثية عشر سنوات، وتعلمت أثناء التحضير لها أن الروائي هو المؤرخ السري للثورات، لذا وجدت من واجبي تقديم المهمشين والذين قامت ثورة 1952 من أجلهم، وظلت اشكالية التعامل مع الشخصيات العامة قائمة فاتخذت قراراً بالتعرض للشخصيات العامة في أقل مساحات مع عدم نسبي إليها أي قول لم تقله في الحياة العامة.
* لكن البعض يتهمك بضعف بناء الشخصيات العامة في رواياتك؟
ـ الشخصيات العامة ليست شخصيات روائية بالمعنى المعروف فأنا لا أتناول مشاعرها ولا حياتها الأسرية فأنا أستعملها لاستكمال الصورة فربما تأتي غير ناضجة غير مكتملة البناء كما تقول، ولكنها تكشف محاور سياسية عامة وهذا لا يضايقني لأني لا أكتب سيرة ذاتية لهذه الشخصيات ولكني أكتب سيرة الثورة.
* تبدو سلطة يوليو في كتاباتك أكثر انسانية في التعامل مع المثقفين على عكس ما هو معروف هل هو موقف سياسي أو توجه آيديولوجي؟
ـ سلطة يوليو في عهد الزعيم جمال عبد الناصر لم تعتقل المثقفين بسبب أفكارهم الثقافية ولكنها اعتقلتهم بسبب أنشطتهم السياسية، لا يوجد مثقف اعتقل في عهد عبد الناصر بسبب رواية أو قصيدة شعر، كان الاعتقال دوماً بسبب النشاط السياسي. حيث كان جمال عبد الناصر يرفض فكرة تنوع الأنشطة السياسية ويرى أنه في معركة مع الاستعمار طويلة ودائمة، ويود أن يضع البلد كله خلفه في كل لحظة تاريخية. ومن هنا وقع اضطهاد المثقفين والتضييق عليهم، لكنه من جانب آخر كان يستمع إلى المثقفين ويجري اتصالات مع المعتقلين منهم ويستفيد من آرائهم. الوضع الحالي في مصر ان السلطة لا تعتقل أي مثقف ولا تستمع إليه أيضاً، هو يقول ما يشاء، وهي تفعل ما تشاء، فيعاني المثقفون في الثلاثين سنة الماضية من هذه العزلة وهي عزلة خطيرة لأن البلد لا يستفيد من الآراء النيرة لجبهة واسعة من المثقفين. هذه الجبهة مشغولة بالرأي العام مثل الصراع العربي ـ الاسرائيلي وقضية التكامل العربي والعراق والعولمة، المثقفون لهم أفكار ومقترحات لهذه القضايا يكتبونها دوماً، والسلطة دوماً ما تسمح لهم بتشكيل الأحزاب وممارسة النشاط السياسي، ومن جانب آخر لا تستمع إليهم وهذه هي الفجوة الحقيقية بين المثقف والسلطة وأرى أنها شائعة في كل بلدان العالم العربي والعالم الثالث.
* إشكالية التعامل بين المثقف والسلطة كيف تراها، وكيف يجب أن تكون في رأيك؟
ـ هذه اشكالية موجودة منذ تشكلت السلطة ومنذ وجد المثقف وهي اشكالية تتسق في بعض العصور بالحدة، بل إلى حد ارهاب المثقف وفي عصور أخرى تتسم بالليونة ومحاولات الاحتواء والاستفادة من المثقف ويوجد في ذهني مثال واضح: يوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا الحالي كان في شبابه في الستينات من الطلبة المشاغبين والفوضويين ووجهت له أقصى الاتهامات وهو حالياً من أنجح وزراء الخارجية الذين عرفتهم ألمانيا، وهذا حدث لأن النظام الألماني سمح لهذه الشخصية أن تسير في طريقها الطبيعي وتصل إلى السلطة من موقع المثقف، الأنظمة الأقل عقلانية والأكثر استبداداً لا تعرف هذا المسلك وتصنف الناس إلى خانة أعداء وخانة أصدقاء، تماماً كأنظمتنا العريبة، ومن الطبيعي دوماً أن تكون هناك خلافات واسعة بين المثقف والسلطة لأن من واجب المثقف النظر دائماً إلى تحقيق الأفضل بينما السلطة تؤمن بشعار ليس في الامكان أبدع مما كان.
* كنت أحد الموقعين على بيان الدفاع عن صنع الله ابراهيم وأن الذين ناصروه في مؤتمر نقابة الصحافيين، هل هذا بدافع الصداقة أم بدافع الموافقة على ما فعله؟
ـ أنا دافعت بشدة عن الخطوات التي اتخذها صنع الله ابراهيم برفض جائزة الدولة والأسباب التي أعلنها لهذا الرفض، وسأظل أدافع عن حقه وحق الآخرين في رفض أي جائزة لاعلان أسبابها، فهذا حق أصيل لأي كاتب ولايجوز مناقشة هذا الحق، قد يوافق عليه البعض أو يرفضه ولكنه يظل حقاً أصيلاً للكاتب أن يرفع صوته قائلاً لا.
* لكنك لم تقل لي هل أنت موافق أم لا على ما فعله؟
ـ ليس مهماً رأيي، المهم هو أن ما فعله صنع الله ابراهيم يتسق مع تاريخه السياسي وابداعه الأدبي ومواقفه المعلنة وليس لغرض الادعاء والشهرة وهذا هو صنع الله الذي نعرفه منذ سنوات الستينات.
* أنت أحد مؤسسي جماعة جاليري 68، والتي أثرت الحياة الأدبية في الستينات ماهي أسباب توقفها؟
ـ تخصصت جاليري 68 في نشر انتاج الشباب الذي يكتب بشكل مختلف عنالابداع السائد في المجلات والمنابر المختلفة الرسمية في ذلك الوقت بشكل متفرد وبدأ التفكير في مجلة خاصة عام 66، ثم جاءت الهزيمة فعطلت المشروع إلى أن صدر العدد الأول من جاليري 68 بدعم مالي من كل الكتاب ومن الفنانين والتشكيليين الذين نظموا معرضاً لبيع لوحاتهم لصالح اصدار المجلة وتوقفت المجلة بعد أن أدت رسالتها وأصبح الأدب الجديد ينشر في كل المنابر الرسمية وغير الرسمية وعرض الكتاب الجدد أدبهم على الساحة ممثلاً في نشر أعمال ابراهيم أصلان ومحمد البساطي وغيرهما في «الأهرام» وبدأت اذاعة البرنامج الثاني تقدم قصصاً لي، فلم تكن هناك حاجة ملحة لاستمرار الجماعة والمجلة، بالاضافة الى أن اصدار مجلة ليس بالعمل السهل، وكناقد تجاوزنا الثلاثين من العمر وتصدر المجلة من المقهى فتوقفنا لأسباب موضوعية أدبية وليس لأي أسباب أخرى سياسية.
* هل هذا الزخم الابداعي والثقافي الذي كان موجوداً في فترة الستينات اختفى الآن؟
ـ في الستينات كان هناك زخم ابداعي وزخم ثقافي في السنوات الأخيرة يوجد زخم ابداعي متميز ولا يوجد زخم ثقافي، بمعنى أن أجهزة الاعلام القوية تقاطع الثقافة الجادة، ولا تتيح لها الفرصة، ويقتصر الزخم الثقافي على دوائر المثقفين المعزولة عن الشارع ومن يقرأ الصحافة المصرية المكتوبة ومن يرى القنوات الفضائية التي تنبح ليلاً ونهاراً يحس بغيبة الثقافة الجادة عن هذه الأيام.



ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 08:44 AM   رقم المشاركة : [727]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

جميل عطية ابراهيم :الكتابة في الغربة محنة
القاهرة - القسم الثقافي - شريف الشافعي:

"لا أكتب عن سويسرا أو أوروبا، إنما اكتب عن مصر والمهمشين، وأقدم كتاباتي لقارئ عربي، لهذا لا اهتم بترجمة أعمالي، فهي مكتوبة لقارئ أعرفه جيداً، أما وهم الكتابة لغرض الترجمة.. فهذا ترف لا يشغلني! فأوروبا تشغلها قضايا أخرى، ولا اعتقد ان كاتباً أجنبياً يمكنه مخاطبة قارئ أوروبي، كما أنني أكره تلك الكتابة التي تحول الشرق إلى حديقة حيوانات ليتفرج عليها مشاهد أوروبي من الخارج!".هذا ما صرح به القاص والروائي جميل عطية ابراهيم المقيم في جنيف والذي زار القاهرة مؤخراً إثر صدور روايته الجديدة "خزانة الكلام"، وقال جميل عطية في حديثه إلى "ثقافة اليوم": اعتقد ان الكاتب تترجم أعماله إذا فرض نفوذه الأدبي في موطنه أولاً، فنجيب محفوظ نفسه ترجمت أعماله بغزارة بعد أن فرض نفوذه الأدبي في الشرق أولاً وحاز على جائزة نوبل.والغالب في مصر وكافة الدول العربية - يقول جميلة عطية - ان الحالة الثقافية لا تسمح بهذا الفرض لنفوذ الكاتب، فالكتابة الجادة محل تجاهل متعمد، ولا تأثير لكاتب على مسارات العمل السياسي في بلده، ورعاية الإبداع غائبة على الرغم من كافة المظاهر السائدة. إن الأمر المهم هو سماع ما يقوله الكاتب، وإذا حدث ذلك فأعتقد ان كتاباتي سو
ف تترجم! إنني كتبت كثيراً عن ثورة 1952، والحديث عن هذه الثورة مرفوض في الغرب، فهل هناك واحد على استعداد لسماع شيء عن مصر عبدالناصر؟! لا أظن. ولمن يود ترجمة أعماله ورواياته بسرعة البرق أن يروج لزيارة إسرائيل أو يتناول فتنة طائفية في حي من أحياء القاهرة في رواية أو يتحدث عن ختان البنات، فهذه الأمور يسيل لها لعاب المترجمين حتى إذا كتبت بأقل حد من الحرفية! ولكن هذا لا ينفي أن هناك دوراً للنشر قد ترجمت أعمالاً مهمة مثل كتابات إدوار الخراط وجمال الغيطاني وبهاء طاهر وصنع الله ابراهيم وسلوى بكر وغيرهم، ولكن في المحصلة تعتبر هذه النجاحات في الغرب محدودة.وحول أبرز تحديات الكتابة في الغربة يقول الروائي جميل عطية ابراهيم: الكتابة في الغربة محنة، نظراً لغربة المكان وغياب الأحبة. وربما تأتي ساعات يفقد فيها المرء القدرة على التعبير بلغته الوطنية الأصلية، وقد كان من حسن حظي أنني رفضت الارتباط بعمل في سويسرا، وبدأت في مراسلة مجموعة صحف ومجلات مصرية وعربية إلى جانب عملي الاذاعي، وهذا يتطلب التعبير باللغة الأم، وكنت في بعض الشهور أشعر بافتقادي للغة، فأعود إلى القاهرة لسماع لغتي وزيارة ملاعب الصبا والشباب، فهذه الأمكنة هي زادي
في الكتابة الروائية.خزانة التحدي!وحول تعمق روايته "خزانة الكلام" في رصد جوانيات مدينة القاهرة بناسها وشوارعها وعمائرها وترابها، يقول الروائي جميل عطية ابراهيم: حاولت في رواية "خزانة الكلام" أن أرصد مدينة القاهرة في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فالرواية تتناول التغيرات العالمية الكاسحة من عولمة وهندسة وراثية واستنساخ وثورة اتصالات وطاقة نووية والصراع العربي الإسرائيلي من خلال اشتباك المحلي العالمي معاً وانصهارهما في بوتقة واحدة. وتصور الرواية اشتباك خيوط الصراع، وترتبط العولمة في بعض جوانبها بالرأسمالية وبإسرائيل.الجدير بالذكر ان الروائي جميل عطية ابراهيم من مواليد محافظة الجيزة في عام 1937، وقد حصل على بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس في عام 1961، ودبلوم معهد الموسيقى (1961)، ودبلوم معهد التذوق الفني من اكاديمية الفنون في عام 1974، وحصل على الماجستير بدرجة امتياز في تاريخ الفن من معهد التذوق والنقد الفني في عام 1980.وقد عمل في المجلس الأعلى للشباب ووزارة الشباب ووزارة الثقافة المصرية قبل سفره في عام 1979إلى سويسرا للإقامة بصفة دائمة. ومنذ ذلك الحين، وهو يتردد على القاهرة بصورة منتظمة ويمضي فيها
شهرين على الأقل من كل عام.



==
جميل عطية ابراهيم
- مواليد الجيزة 7 أغسطس 1937.
- شارك في تأسيس مجلة "جاليري 68".
- مقيم في سويسرا منذ عدة عقود.
يكتب القصة والرواية ومن أهم أعماله : "الحداد يليق بالأصدقاء" ، "أحاديث جانبية" ، "أصيلا" ، "البحر ليس بملآن" ، "النزول إلى البحر" بالإضافة لثلاثية الثورة وهي على التوالي : "1952" و "1954" و "1981" .
- نشرت أعماله بمصر والعالم العربي وترجم بعضها للغات أجنبية.
==
حصل الاديب "جميل عطية ابراهيم" على شهادات دراسية متباينة ونتيجة لذلك عمل في مهن متعددة، فقد عمل قبل تخرجه من الجامعة كاتب حسابات في مصنع للنسيج في شبرا الخيمة ومدرساً للموسيقي للأطفال، وكذلك مدرساً للحساب والجبر والهندسة للمراحل الإعدادية في مصر والمغرب، وبعد تخرجه من الجامعة عمل كمفتش مالي وإداري في وزارة الشباب في سنوات الستينات، وبعد نجاحه في نشر بعض القصص انتقل إلى الثقافة الجماهيرية بفضل الأساتذة نجيب محفوظ وسعد الدين وهبة ويعقوب الشاروني، وظل في الثقافة الجماهيرية حتى سافر إلى سويسرا عام 1979 وعمل بالصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة العربية في جنيف حتى هذه اللحظات حيث يستعد للتقاعد والتفرغ للأدب، الاديب جميل عطية ابراهيم أحد مؤسسي مجلة جاليري 68 الادبية، ومن رواد حركة أدباء الستينيات، ركز من خلال اعماله على الدور الاجتماعي للادب، من مؤلفاته.. أصيلاً، النزول الى البحر، ثلاثية 1952، أوراق اسكندرية، الثورة، المسألة الهمجية، خزانة الكلام وغيرهم.. دار الحوار حول أيدولوجيات الستينيات، ومجلة جاليري... ورسالة الاديب، وعن افكاره التي وردت في رواية المسألة الهمجية وبطله المثقل بهموم وطنه، وأيضاً عن الحوار مع الآخر وأسباب انتشار التيار السلفي... ونظرته الى العالم اليوم</span>


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 10:27 AM   رقم المشاركة : [728]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

العوامل الحياتية التي أثرت في تكوين الروائي جميل عطية ابراهيم

- فى بدايتي كنت أظن أني كاتب للقصة القصيرة فقط ولن أكتب شكلاً أدبياً آخر، وعندما سافرت لسويسرا وفى الغربة فشلت فى كتابة قصة قصيرة واحدة، فالقصة القصيرة تحتاج الى تركيز ولحظة وإلهام، وجو الغربة لم يغرني لكتابتها قط فتوقفت عاماً أو عامين ثم بدأت في التحضير لرواية هي من أجمل رواياتي اسمها (النزول إلى البحر) ترصد لحياة المهمشين في القاهرة وتدور حول سكان المقابر.

للاسف رغم عبقرية هذا الروائي وعبقرية اعماله لكنني لم اجد له سيرة ذاتية على الانترنت، والمعلومات عن حياتة وطفولته شحيحة. اهتمامه بحياة المهمشين واصحاب المقابر يوحي بأنه عرفهم عن قرب ويجوز لنا اذا ان ندعي بأنه عاش حياة ازمة على المستويات الشخصية والاجتماعية الذي تمثل بزمن الاستعمار والنكسات والهزائم والثورات لكننا سنعتبره مجهول الطفولة.

مجهول الطفولة.


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2012, 03:51 PM   رقم المشاركة : [729]
ماهر كرم
من آل منابر ثقافية
 




ماهر كرم is on a distinguished road
افتراضي

مرحباً أخي الكريم.. وآسف على تأخري في الاقتراح الذي قدمته لك، عن عمل كتاب يضم ما تكتبه في هذا الموضوع الرائع..
وحتى لا أطيل عليك فهاك فحوى الاقتراح:

1. بطاقة تعريف بالرواية:

تتضمن المعلومات التالية..

العنوان:
المؤلف:
الناشر - أو الناشرون؛ نظراً لوجود أكثر من ناشر لأغلب الروايات. ومن فائدة هذه المعلومة أن تساعد الباحث في معارض الكتب الدولية على العثور على أكثر من ناشر للرواية في حال تعذر وجودها عند أحدهم (يعني اعطاء اكثر من احتمال لوجود الرواية عند اكثر من ناشر):
سنة نشر الطبعة الاولى:
عدد الصفحات:
نبذة عن الرواية: (كتلك النبذ التي نطالعها مطبوعة على ألأغلفة الخارجية أو الكتالوجات الترويجية لكتابٍ ما).


2. بطاقة تعريف بالمؤلف:
الأسم:
المولد:
الوطن الأم:
الإقامة:
أبرز أحداث حياته:
أعماله الفنية - حسب سنوات نشرها:


3. السيرة الذاتية التفصيلية للروائي مع التركيز على العناصر المؤثرة في حياته والتي جعلت منه روائي محنك.


4. محور الرواية وحول ماذا تدور، مع ابراز خطوطها العريضة وأهم أحداثها (وهذا من شأنه مساعدة القارئ على تحديد وانتقاء الرواية التي يشعر بأنه بحاجةٍ لها - من خلال أجواءها وازمنتها وأماكنها وبيئتها - أو تتناسب مع ميوله الأدبي).


5. ملخص للحبكة في كل رواية.

6. عناصر القوة والتأثير في كل رواية، والتي جعلت منها واحدة من اروع الروايات.

7. تحليل للبيانات الاحصائية حول ابرز العوامل المؤثرة في طفولة كتاب الروايات اصحاب اروع 100 رواية عربية،(وهذه فكرتك أخي أيوب)، كأن يكون الكاتب؛ مأزوم، يتيم، يتيم الوطن، فقير، أسير، سجين، معوق... إلخ.

______________

التفاصيل:

1. تبدء كتابك - طبعاً بعد المقدمة وتقديم من قبل بعض الروائيين أو أعضاء من اتحاد الكتاب العرب - ببطاقة تعريف بالرواية رقم (واحد؛ ثلاثية نجيب محفوظ)؛ والتي تأخذ صفحة... (1 صفحة).


2. ثم تنتقل إلى صفحة جديدة لتبدأ ببطاقة تعريف بالكاتب أو المؤلف للرواية (بإيجاز جداً)، مع الاشارة إلى أهم أعماله ونتاجه الأدبي... (2صفحة).


3. ثم رسم خطوط عريضة من سيرته الذاتية - إذ لا يتسع مجلد لسيرة مفصلة لمائة وخمس روائي! ولذلك فأنت مطالب بالتركيز على الخطوط العريضة فقط- مع تسليط الضوء على أبرز العناصر التي شقت لهم طريق الرواية وأسهمت في صناعتهم الكتابية (وقد تستغرق هذه الخطوة 2-4 صفحات).


4. ثم تنتقل لفقرة مهمة وهي ابراز محور الرواية وحول ماذا تدور، مع ابراز خطوطها العريضة وأسماء ابطالها، وأهم أحداثها، ونهايتها.. وهذا من شأنه كما ذكرتُ لك سابقاً، إعطاء هوية أو بطاقة واضحة المعالم لترشد القارئ إلى استطلاع للرواية من الخارج وتعريفه بأبرز أحداثها.


كذلك فبعض القراء يميل إلى الروايات الساخرة.. فمن خلال قراءة موجزة عن رواية (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل) سيذهب ويقتني الرواية.. أو من خلال قراءة موجزة عن رواية (مدن الملح) فسيلم القارئ بمحورها السياسي وسيساعده الموجز على أختيارها.. وهذه النقطة أشبه ببعض المواقع على الشبكة العنكبوتية كـ(ملخصات) أو (قرأتُ لك..)، والتي تستعرض ملخصا عن كتابٍ ما، وقد دخلتُ منذ فترة إلى مواقع تهتم بعرض الملخصات ولكن عهدي بها بعيد، كنت أتمنى أن تأخذ فكرة عنها.. ولا يضير إذا بحثت على المحركات لتأخذ منها بعض الأفكار...(1 صفحة).
فمن أصحب المصاعب التي يواجهها القراء هي المغامرة بشراء كتاب ليكتشفوا لاحقاً بأنهم قد وقعوا ضحية للأغلفة والعناوين! وكم حصل لي هذا، وإذا رحت أحصي لك الكتب التي وقعتُ ضحية لأغلفتها وعناوينها لطاب بنا المقال.
عهدي بك أن تمنع حدوث هذا فحسب!(ابتسامة).


5. ملخص للحبكة - لا الأحداث - في كل رواية، وتسليط الضوء على النسيج الذي ميزها عن غيرها من الروايات... (2صفحة).


6. عناصر القوة والتأثير في كل رواية، والتي جعلت منها واحدة من اروع الروايات. (وهذه في برأيي على صلة بالنقطة السابقة وأرئ لو تدمج معها، فلا بأس بها)... (1 صفحة).


7. وأخيراً؛ نأتي إلى لمساتك الإبداعية التي أجزم بأنك الأول الذي أوجدتها على الشبكة! وهي تحليل البيانات الاحصائية حول ابرز العوامل المؤثرة في طفولة كتّاب الروايات اصحاب اروع 100 رواية عربية، كأن يكون الكاتب؛ مأزوم، يتيم الوالدين، يتيم الوطن... إلخ. وهذه توضع في نهاية الكتاب كخلاصة للبحث على شكل جداول ورسوم بيانية ومخططات احصائية...(3 صفحة)..

8. وأخيراً مصادر ومراجع، ثم الفهرست.

طبعاً حسب تقييمي للكتاب من حيث الحجم فقد يقع في 800 - 1100 صفحة من القطع الكبير، أو مجلدين كل مجلد يقع في 500 صفحة تقريباً.


ولا أنسى أن أوصيك بأن احجز نسخة من كتابك (سر الروعة في أفضل مئة رواية عربية).. عند أول مشاركة له في معرض الكتاب الدولي.. (ابتسامة جادّة).

وختاماً تقبل أصدق الأماني - مني إليك - بالتوفيق والنجاح.



ماهر كرم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-29-2012, 05:04 AM   رقم المشاركة : [730]
ايوب صابر
نائب المشرف العام للأقسام
 




ايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud ofايوب صابر has much to be proud of
افتراضي

استاذ ماهر كرم

اقدر جدا مداخلتك الكريمة هذه وسوف ادرس المقترحات بدقة وحتما سوف آخذ بها، رغم ان العمل كما تطرح سوف يتطلب وقت وجهد عظيمين.

كنت افكر ان اختصر البحث في نقطتين اساسيتين
الاولى : نقاط التأثير التي تجعل الرواية رائعة من حيث اللغة والاسلوب والموضوع واليات السرد الخ.
الثانية : ابرز العوامل المؤثرة في طفولة كتاب الروايات اصحاب اروع 100 رواية عربية، كأن يكون الكاتب؛ مأزوم، يتيم، يتيم الوطن، فقير، أسير، سجين، معوق... إلخ.

على كل حال اقتراحك الجميل هذا اعطاني دفعة قوية للامام وسيكون هذا الكتاب واحد من الاهداف ذات الاولوية التي سوف اسعى لتحقيقها ان شاء الله.

شكرا جزيلا،،


ايوب صابر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 545 ( الأعضاء 0 والزوار 545)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل تولد الحياة من رحم الموت؟؟؟ دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 1890 09-29-2014 08:28 PM
اعظم 100 كتاب في التاريخ: ما سر هذه العظمة؟- دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 412 09-25-2014 11:54 AM
ما سر "الروعة" في افضل مائة رواية عالمية؟ دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 493 05-13-2014 10:23 AM
أعظم 50 عبقري عبر التاريخ : ما سر هذه العبقرية؟ دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 60 02-01-2014 10:49 AM
ما الذي يصنع القائد العسكري الفذ؟؟!! دراسة بحثية ايوب صابر منبر الدراسات الأدبية والنقدية . 108 09-14-2013 09:33 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

a.d - i.s.s.w

الآراء المنشورة في شبكة منابر ثقافية لاتمثل بالضرورة وجهة نظر إدارة الموقع بل هي نتاج أفكار أصحابها