احصائيات

الردود
0

المشاهدات
27
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,574

+التقييم
0.63

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
اليوم, 06:06 AM
المشاركة 1
اليوم, 06:06 AM
المشاركة 1
افتراضي المتلمس
بسم الله الرحمن الرحيم



في زحام الجاهلية وضجيجها، بين أصوات المادحين والهاجين والمتكسّبين بالكلمة، برز صوت مختلف النبرة والمعدن. صاحبه لم يكن يبيع شعره للأعلى ثمنًا، ولم يكن يُجامل سلطانًا خشية سيفه، ولم يكن يحني رأسه لصنم خشية غضبه. كان جرير بن عبد المسيح — وقيل جرير بن عبد العزى — من قبيلة ضبيعة بن قيس بن ثعلبة إحدى قبائل بكر بن وائل، المعروف بالمتلمس الضبعي. ولُقِّب بهذا اللقب لبيت من شعره قاله في وصف الصيد:

وذاك أوان العرْض حيَّ ذبابه
زنابيره والأزرق المتلمّسُ

عدّه ابن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء من شعراء الطبقة السابعة لكونه من المقلّين، غير أن قِلّة شعره لم تحجب عظمة مواقفه. كان مولعًا بالصيد، زاهدًا في الأصنام، جريئًا على الملوك، وهذه الثلاثة معًا صاغت حياةً لا تُنسى.

رحلة الإقامات
وُلد المتلمس بين أخواله بني يشكر في وادي قران باليمامة، حيث نشأ وتزوّج. ثم انتقل إلى الخرج حيث أعمامه بنو ضبيعة، ثم إلى العراق حيث يحكم آل المنذر في الحيرة، وهناك كانت المحنة الكبرى التي غيّرت مسار حياته فهرب بعدها إلى الشام ومات فيها غريبًا. وقد حلف ألا يعود إلى العراق ما دام عمرو بن هند حيًا، فقال يذكر ذلك:

آليت حبَّ العراق الدهرَ أطعمه
والحبُّ يأكله في القرية السوسُ

في بلاط ملك لا يُزعج
كان عمرو بن هند ملك الحيرة من أشد ملوك العرب أنفةً وكبرياءً، حتى لُقِّب بـ"مُحرِّق" لإحراقه مئة رجل من بني تميم انتقامًا لكرامته. في بلاط هذا الرجل جلس شاعران: طرفة بن العبد الشاب العبقري، والمتلمس خاله الأكبر سنًا والأحدّ لسانًا. كلاهما أغضب الملك، طرفة بهجائه والمتلمس بجرأته وعدم مداهنته، وهو طبع كشفه شعره:

لا أُلفيَنَّك إنني لك ناصحٌ
تُلقي الصحيفةَ كي يُخيَّل أنني
رضيتُ بما فيها وما أنا راضِ

الكتاب المسموم
أرسل عمرو بن هند في طلب الشاعرَين وأظهر لهما البشاشة، وأخبرهما أنه يريد توفيدهما إلى عامله في البحرين بكتابَين مختومَين. كان الكلام معقولًا في ظاهره، فقبلا وانطلقا. لكن في الكتابَين أمر واحد: اقتل حامل هذه الرسالة فور وصوله.

في الطريق مرّا بالحيرة فلقي المتلمس غلامًا يُحسن القراءة — وكان ذلك نادرًا — فناوله كتابه. حين سمع مضمونه أخذ الكتاب ومشى به إلى النهر ورماه في الماء دون تردد، وقال ما صار بعده مثلًا. ثم التفت إلى طرفة يحذّره ويستحثّه على فعل المثل.

رفض طرفة. قال بكبرياء الشباب إن الملك لن يجرؤ على مثله. وقيل إنه قال: "إن كان في كتابي ما تقول فلن أعيش بعدها ذليلًا أفرّ من ملك." مضى إلى البحرين فقُتل ولم يتجاوز السادسة والعشرين، وبقيت معلقته تُقرأ إلى الأبد. أما المتلمس فهرب إلى الشام، وعاش، وعبّر عن هذه اللحظة وما تبعها بقوله:

وكنتُ كذي رِجلَين: رِجلٌ صحيحةٌ
ورِجلٌ رمى فيها الزمانُ فشُلَّتِ

في مواجهة الأصنام
لم يكن اختلاف المتلمس عن زمانه مقتصرًا على الملوك. كان من الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام بعقولهم لا بوحي، فاتُّهم بالمس والسحر ولاقى معاداة من القوم بسبب استهزائه بآلهتهم. وقد جلّى موقفه في أبيات لا تلتفّ ولا تداور:

أأسجدُ للأصنامِ لا درَّ درُّها
وقد عقلَ الإنسانُ ما هو صانعُ

أأعبدُ ما قد كان بالأمسِ خشبةً
يُسوّيه نجّارٌ فيُحكمُ صالعُ

الصنم خشبة نحتها نجّار، والعقل حجة على صاحبه قبل أن يكون حجة على غيره. من رفض أن يُجامل ملكًا من لحم ودم كان من باب أولى ألا يخضع لحجر منحوت.

الغربة — ديوانه الحقيقي
في منفاه الشامي الطويل كان الشعر رفيقه الوحيد، ومن أشد ما قاله مرارةً في وصف الغربة والحنين:

تعزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقياً
ولا وَزَرٌ مما قضى اللهُ واقياً

ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً
بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ

أقصى ما يتمناه الغريب ليلة واحدة في أرضه، بين نباتاتها التي لا يعرفها إلا من نشأ بينها.

خاتمة
حين تجمع جوانب المتلمس كلها تجد خيطًا واحدًا يسري فيها: رفض كل سلطة لا تستند إلى حق حقيقي. الملك الظالم والصنم الصامت سواء عنده، وشعره لم يكن تكسّبًا بل شهادةً على مواقف عاشها قبل أن يكتبها.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 13 ( الأعضاء 0 والزوار 13)
 
أدوات الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:59 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.