منبر البوح الهادئلما تبوح به النفس من مكنونات مشاعرها.
أهلا وسهلا بك إلى منتديات منابر ثقافية.
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا.
كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
الحياة تعجننا كما تشاء، وتختبر صبرنا، وتشكل مصائرنا،
نولد كالفخار طريين، قابلين للنقش، مستعدين للتغيير،
نحمل في أعماقنا احتمالات لا تعد ولا تحصى.
الطفل ليس صفحة بيضاء، ولا قطعة صامتة، بل عجينة حية،
الأهل هم القالب الأول، والأنامل الأولى، والنقش الذي لا يمحى،
فما تُغرسه يدهم يبقى شاهدا على أثرهم مدى الحياة.
بيديك تستطيع أن تصنع قائدا، أو تترك مجتمعا مثقلا بعالة،
الفخار إن جف لا يعود كما كان، والطفل إن غاب عنه التوجيه يضل،
كل لمسة، كل تفصيل، كل نقشة، لها وزن وتأثير عميق.
لا يكفي أن يكون الشكل جميلا، ولا يكفي الزخرف الخارجي،
القيمة في الامتلاء، وفي ما يملأ الداخل من إيمان وأخلاق،
العسل يملأ القلب، والمسك يعطر الحياة، والجواهر ترفع صاحبها.
تمحو آثارك الأخيرة، لتترك للطفل كيانه المستقل،
قويا بذاته، ثابت القيم، قادرا على مواجهة الصعاب،
شاهدا على ما غُرس فيه من حب، وصلاح، وصدق.
لكن الطريق محفوف بالعوائق، المدرسة قد تضل، والصديق قد يخذل،
البيئة قد تحيد، والشاشات قد تبث سموم الفكر،
من هنا كان لزاما على المربي أن يكون واعيا، يقظا، متابعا.
ليس كل انحراف دليل فشل، ولا كل صلاح نتيجة إجبار،
الإنسان قد يخطئ، قد ينسى، قد يبتعد،
لكن في داخله صوت الضمير، لا يموت، يوقظه الماضي، يهديه للحق.
من يعود عند النداء يجد طريقه، ومن يؤجل قد يضل، ومن يكتم قد يخبو،
تلك سنن البشر، وتفاوت القلوب، والحكمة في الصبر، والتوجيه، والإرشاد،
غرس القيم وسقي المبادئ، واجب المربي، والمرد لله وحده.
ذلك هو الفخار الإنساني، وذروة الأمانة،
طوبى لمن أحسن الصنع، ووعي قدر ما أوكل إليه،
فالله هو المقلب للقلوب، والهادي للضمائر، والمرشد لكل ضال.
دعني أخبرك عن مُناي
عن ذاك الذي لا يستحقه سواي
تمنيت أن أكون في عيونهم الاستثناء،
وفي حياتهم الملح الذي تحلو به الحياة.
أن أكون لهم غاية الأمنيات،
وأن أكون لهم معنى الحياة.
وأنا بين تلك الأمنية وتحققها،
أصارع البقاء في هذه الحياة،
أقاوم انكسار الروح، وأداوي صمت الجراح،
وأمضي مثقلا بالرجاء، متخففا من الندم والآهات،
فإن كتب لي الوصول كنت الوعد والنجاة،
وإن خانتني الطرقات بقيت صامدا…
قال زميلي:
نتقبل وجهات النظر، ونحن بانتظار الرد فيما يلي:
[– كيف يكون القرار اختيارا، وكيف يكون القرار تقريرا؟]
[– أحتاج إلى دليل مثبت بأن القرار يخلو من السكينة والطمأنينة،
إلا إن كان بئس القرار.
دليل من القرآن أو السنة، أو دليل علمي مثبت، وليس مجرد مثال عابر لا يعمم.]
[– التوضيح: هل القرار أم الاختيار هو الذي يحتاج إلى بدائل؟]
[– هل النسبية في اتخاذ القرار، أم النسبية في اتخاذ الاختيار؟
وهل النتائج تقع على القرار، أم أن النتائج جاءت من الاختيار؟]
أعذرني أخي مهاجر…
مجرد نقاش.
قلت:
مفهوم اتخاذ القرار:
القرار لغة:
مشتق من القر، وأصل معناه على ما نريد هو التمكن،
فيقال:
قر في المكان، أي قر به وتمكن فيه.
القرار اصطلاحا:
هو عبارة عن اختيار من بين بدائل معينة،
وقد يكون الاختيار بين الخطأ والصواب،
أو بين الأبيض والأسود،
وإذا لزم الترجيح، فبتغليب الأصوب والأفضل أو الأقل ضررا.
وهو التعرف على البدائل المتاحة لاختيار الأنسب،
بعد التأمل بحسب متطلبات الموقف، وفي حدود الوقت المتاح.
ومعنى ذلك:
أننا عندما تعرض لنا مشكلة، أو نعزم على أمر،
فإن هناك عدة خيارات تظهر لنا:
فنحل المشكلة، أو نتغاضى عنها، أو نواجهها مواجهة عنيفة،
أو نتخذ طريق التدرج فنحلها بشكل جزئي،
أو نستعين بغيرنا في الحل.
فهذه خيارات متنوعة.
فالقرار هو أن تعرف هذه الخيارات والبدائل،
ثم تصل إلى الخيار الأمثل،
وذلك من خلال التأمل، وحسب الظروف المحيطة،
ومتطلبات الموقف، وفي حدود الزمن المتاح،
لأن الزمن أحيانا يكون له أثر حاسم في اتخاذ القرار.
فالذي يريد مثلا أن يتخذ قرارا بالدراسة في جامعة كذا أو جامعة كذا،
لا بد أن يتخذ قراره قبل انتهاء مدة القبول والتسجيل،
فإن اتخذ قراره بعد ذلك، أصبح قراره بعد فوات الأوان، كما يقال.
إذا فالقرار الذي نتحدث عنه هو:
كيف تختار الأمثل والأفضل،
ليكون له الأثر النافع والمفيد على المدى القريب والبعيد، بإذن الله تعالى.
ما تمنيت أن نغوص في المعنى اللغوي والمصطلحي في هذا الموضوع المصيري،
فيكفينا في غالب الأمور أن نمررها كما هي، بعفويتها وانسيابيتها،
من غير تعمق ولا إغراق معرفي فلسفي،
الذي ينفر من أراد أخذ المفيد من غير كلفة أو تعقيد.
قال:
الأمر يخلو من فلسفة أو نحوها،
فتوضيح المعنى الصحيح لا يعد بالضرورة فلسفة.
فأنا لا أفسر المعنى عقليا، حفظك الله.
وها أنت تنقاد معي لا شعوريا لمعنى القرار،
بأنه اسم لمكان،
وهذا في بداية حديثك أعلاه،
حيث ذكرت الجذر لكلمة قرار بأنه "قر"،
ويؤكده قول الله تعالى:
"وقرن في بيوتكن".
فالقرار اسم لمكان حصل بعد الاختيار لبدائل.
نعم، بعض المعاجم فسرت القرار بأنه اختيار،
لكنها فسرته كذلك بالمكان المستقر الساكن،
وهو ما يتفق مع آيات الله عز وجل.
واقتباسا مما ذكرت:
فأنت ألصقت الاختيار بالصواب والخطأ،
وهو نفس ما أردت إيضاحه،
بأن البدائل في الاختيار لا في القرار.
وسردك لمثال المشكلة وحلها يكون بأخذ البدائل ثم الاختيار،
والقرار لا يتطلب معرفتي بالبدائل،
فالمعرفة حصلت أثناء الاختيار، سيدي.
لا نغوص في المعنى، وإنما نوضح المعنى.
ثم لم تجبني عن أربعة استفسارات سقتها من ردك أعلاه،
لنتبين الأمر.
قلت:
القرار، كما في قواميس اللغة، يأتي بعدة معان،
منها الحقيقي ومنها المجازي،
وما ذكرت من آيات يختلف معناها بحسب السياق.
ولكي لا أطيل في المعاني اللغوية ونخرج عن المقصود، أقول:
أولا:
قولك: أحتاج إلى دليل مثبت…
هذا طلب لدليل نفي،
والأصل في المخلوقات العدم،
فالواجب أن تأتي بدليل يثبت أن القرار لا بد أن يكون معه سكينة وطمأنينة.
ثانيا:
لا ننكر أن القرار قد يكون بالاطمئنان إلى المناسب،
بصرف النظر عن كونه مطلوبا أصالة أو لا،
فقد يكون لدفع ضرر، وإن لم يكن القرار مطلوبا في الأصل.
فمثلا:
نهى الله عن سب آلهة المشركين؛
لأنهم يسبون الله بسبها،
فجاء النهي لدفع الضرر، لا لأن آلهتهم لها حرمة.
ثالثا:
قولك: وليس مجرد مثال.
أعلم أخي أن المثال من القواعد الأساسية في المنطق،
وعند المناطقة ما يسمى بتعريف المثال،
ويدخل تحت التعريف بالرسم،
وهذه لفتة سريعة.
رابعا:
القرار لا بد أن يمر بالاختيار إن كان بين شيئين،
لا إن كان أمرا واضحا لا يحتاج إلى اختيار،
فلا تنافي بين الاختيار والقرار.
أختار من بين الأمرين ما أقر ويستقر عليه اختياري النهائي.
إذن يمكن أن نقول:
إن الاختيار مقدمة صغرى للقرار في حال وجود احتمالين أو أكثر،
أما إن كان واضحا، كما مر، فهو قرار بديهي.
خامسا:
أريد أن ألفت انتباهك إلى مسألة بيانية،
وهي أن "هل" لا تأتي مع "أو" على معنى العطف،
بل تأتي للإضراب، أي بمعنى "بل".
قال:
أخي مهاجر،
أعلم أن السياق القرآني أصل من أصول علم التفسير،
لكن هذا العلم يبدأ أولا بتفسير القرآن بالقرآن،
وهذا ما ذهبتُ إليه في تفسير معنى القرار.
إذ وقفت على معنى القرار لغويا من خلال تفسير العلماء
لكل آية ورد فيها لفظ القرار، وقارنتها بآيات أخرى،
وتوصلت إلى أن القرار مجرد اسم لشيء أو مكان،
وهذا يدل على أنني اتبعت منهج التفسير بالسياق،
ولا داعي لتذكيري به.
نعم، لغة العرب معين لفهم آيات الله، ولا أحد ينكر ذلك،
أما قولك بوجوب معرفة أشعار العرب وما فيها من محسنات بديعية،
فأقول: إن القرآن ليس شعرا حتى نفهم الشعر بالشعر.
قال الله تعالى:
"إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون،
ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون".
ولا حاجة – بل لا ينبغي – تعلم الشعر لفهم القرآن،
قال الله تعالى:
"وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين".
أما منهج ابن عباس، فهو مرويات جمعها الصالحون،
ولو أن أهم مروية له فقدت وضاعت من المكتبات العربية لأسباب.
أما الدليل فقد أخبرتك به، وسأعيده:
وإن كان لك نفي لما أثبته، فتفضل،
أحتاج إلى قرآن أو سنة تنفي ما أثبته لك.
أولا:
القرار في الاستعمال الدارج اليوم هو الخيار أو الحكم الصادر،
وبعض القواميس ذكرت هذا المعنى،
لكنها نصت على أن القرار في الغالب والأعم
اسم لشيء أو اسم لمستقر ومكان بالأصل.
وحجتي في ذلك آيات الله عز وجل، وكتب التفسير تقف معي لا ضدي،
ومن الأدلة:
– قوله تعالى:
"وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى"،
أي اقررن وامكثن واسكن،
فالقرار هنا اسم لمكان، وهو البيوت،
ولا اختيار هنا، فالاختيار سبق القرار.
– قوله تعالى:
"ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار"،
أي اقتلعت من مكان، فلم يعد لها مستقر،
فالقرار هنا أيضا اسم مكان.
– قوله تعالى:
"ثم جعلناه نطفة في قرار مكين"،
أي في مكان مكين، وهو رحم المرأة،
ولا اختيار هنا.
– قوله تعالى:
"قالوا لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار"،
أي المكان الذي استقر فيه الكفرة، وهو جهنم،
فهو اسم مكان كذلك.
وهذه أمثلة تبين أن لفظ القرار في القرآن
يدل على الشيء أو المكان،
ولا يدل على الخيار.
والألفاظ – من حيث معناها – لا تتغير،
وإنما الذي يتغير هو الفهم العام للتفسير.
قال الله تعالى:
"أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".
وهنا موطن الخلاف:
أثبت لي أن لفظ القرار يدل على الاختيار،
حتى أعتذر من الجميع.
أما قولك إن من قال إن القرآن نزل بلسان عربي يناقض نفسه،
فهذا غير صحيح،
قال الله تعالى:
"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين
بلسان عربي مبين"
.
أما المحسنات البديعية من طباق وجناس وسجع وغيرها،
فأنا على علم بها.
وقوله تعالى:
"يد الله فوق أيديهم"،
فقد فسر بالمجاز عند من قال بذلك،
أي أن يد الله بالوفاء فوق أيديهم.
لكن الخلاف:
لماذا يُنفى المجاز عن أسماء وصفات الله في مواضع،
ويُثبت في مواضع أخرى؟
وما الضابط في ذلك؟
وأنا لا أتحدث عن الصفات،
بل عن اللفظة القرآنية،
فمعناها لا يتبدل،
وإنما يتغير الفهم العام للآية.
وكذلك قوله تعالى:
"تجري بأعيننا"،
فالتفسير: بمرأى منا وبأمرنا،
لكن الألفاظ نفسها لا تتغير.
وأنا لم أقل إنني أفهم القرآن دون فهم اللغة العربية،
ولا تضع على لساني ما لم أقله،
لكنني لا أرى ضرورة دراسة الشعر
لتفسير كلام الله،
فالقرآن قرآن لا شعر ولا نثر.
وأما قوله تعالى:
"كأنما يصعد في السماء"،
و"ناصية كاذبة خاطئة"،
فالحقيقة العلمية أثبتت المعنى،
ولا حاجة لادعاء المجاز عند الجهل بالمعنى.
أما آيتا الإملاق:
"من إملاق" و"خشية إملاق"،
فالمعنى اللغوي للإملاق واحد، وهو الفقر،
وإنما اختلف السياق، لا اللفظ.
وكذلك قوله:
"اسلك يدك" و"أدخل يدك"،
فاليد هي اليد،
وإنما جاء اللفظ وفق جو السورة.
قلت:
سيدي الكريم،
كلامي جاء ردا على قولك:
"لا أريد دليلا بالمثال"،
فارجع إلى ما كتبته لك.
أما القرار، فحديثنا عن القرار
الذي يتخذه الإنسان،
أي ما استقر في ذهنه بعد الاختيار.
وما ذكرته من آيات
كان بجعل من الله،
وليس قرارا يملكه الإنسان.
فاستقرار الحمل، مثلا،
ليس بقرار بشري،
وإنما هو بقدرة الله وحده.
وأما الإلقاء، فقد جاء بأمر صريح:
"أن ألق عصاك"،
و"وألق ما في يمينك".
وقد جاء الأمر بعد خوف موسى عليه السلام،
قال تعالى:
"قلنا لا تخف وألق ما في يمينك".
فلو كان القرار واضحا عنده،
لما احتاج إلى وحي.
وخلاصة الأمر:
القرار هو ما يستقر عليه الإنسان
بعد مسألة اختيار،
ولا تعارض بين القرار والاختيار.
فالقرار لا بد أن يمر بالاختيار
في الأمور الاجتهادية والظنية،
ولهذا شُرعت الاستخارة.
وختاما:
أعتذر منك إن قلت إن في كلامك
حاجة إلى تصحيح وإيضاح،
ولا أقول ذلك غرورا،
بل من باب بيان الواقع.
وأعتذر من الجميع
لإدخالهم في نقاش طويل
بعيد عن بساطة الموضوع،
الذي لا يستدعي كل هذا التشريح والتفصيل.
قال:
نعم أخي مهاجر، لا أنكر ذلك،
أما ما دعاني إلى قول هذا الأمر فهو:
ليس من المنطقي أن أثبت أمرا بآيات قرآنية، ثم تنفيه أنت بمثال.
فالآيات تفسر بآيات، لا بالأمثلة دونها.
ولا أنكر أهمية المثال، فالله يقول:
"وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون"،
وإن كان لديك مثال، فيجب أن تكون قوته كقوة أمثال القرآن،
ولكن هيهات ذلك، فالله يقول:
"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن
لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا".
أما هنا، فالقرار هو ما استقر في ذهن الإنسان،
وهذا هو المتعارف اليوم، وليس الأصل.
بمعنى أن البشر اليوم يعلمون أن القرار خيار مرجح
استقر في الأذهان وتم اختياره،
ولا أختلف معك في هذا.
لكن هذا الشرح الطويل والنقاش
لا يتحدث عن معنى القرار كخيار،
وإنما يتحدث عن لفظ كلمة القرار في القرآن،
وأنها تنافي الفهم الحاصل اليوم،
وتخبر أن القرار في القرآن لفظ يدل على اسم مكان
لشيء أو لمستقر.
واستقرار الحمل لم يكن بقرار بشري،
والصواب أن النطفة كانت نتيجة فعل بشري،
أما القرار، أي المكان،
فكان بقدرة الله، إذ أودعها في قرار،
أي في مكان جسدي محفوظ.
وهنا أعتذر منك، فأحداث القصة ليست كما ذكرت.
وسأبين لك أين وقع الوحي على موسى النبي،
مما تتخذه حجة على أن قراره أو خياره
جاء من وحي:
أولا:
حصل الاجتماع في يوم الزينة، وكان الوقت ضحى،
وحضر فرعون وملؤه، وموسى وهارون، والسحرة،
وجمع من الناس من آل فرعون وبني إسرائيل،
وقد جمعهم فرعون لينشر خبر هزيمة موسى أمام السحرة.
ثانيا:
بدأ الأمر بقول السحرة:
"يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى".
فهنا طُرح على موسى خياران،
ولم يتدخل الوحي،
فقال موسى: "بل ألقوا".
ثالثا:
رأى موسى عصي السحرة وحبالهم تسعى،
"فأوجس في نفسه خيفة موسى"،
وهنا وبعد أن استخدم الخيار الأول،
جاء الوحي الإلهي:
"لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك".
فالوحي وقع بعد بدء السحرة بالإلقاء،
لأن الأمر لا يحتاج تدخلا قبل ذلك،
فالنتيجة محسومة.
أما قولك إن موسى خاف من النتيجة النهائية،
فهذا غير دقيق،
فالخوف كان بسبب رؤية الحبال والعصي تسعى،
لا بسبب الشك في النتيجة.
ولو قيل غير ذلك،
لكان فيه نسبة شك في قدرة الله،
وحاشاه عليه السلام.
أنا أذكر حقائق قرآنية معروفة،
وأنت ما زلت تكرر وصف النقاش بالجدال.
والقرار هو ما استقر عليه الشيء،
لا الإنسان فقط،
فالنباتات لها قرار، وهو الأرض،
كما دل عليه الفهم القرآني.
وكما قلت لك،
أنت تضيف في كل مرة ما يخدم طرحي.
فالرسول صلى الله عليه وسلم
أمرنا بالاستخارة عند العجز عن الاختيار،
لا القرار.
أخي مهاجر،
أنا أتكلم عن القرار باللفظ القرآني،
وأنت تشرحه بالمعنى المتعارف اليوم.
وأعتذر منك ومن الأعضاء،
فربما يجب أن أتعلم قبل أن أتكلم.
وبانتظارك لمواصلة النقاش ليستفيد الجميع.
قلت:
أخي الكريم،
جواب موسى عليه السلام
بأن يلقي السحرة أولا
لا دليل فيه على أنه صاحب قرار إلقاء عصاه.
بل إن الآية تشير إلى أن قرار الإلقاء
كان بأمر من الله،
وهذا ثابت بالنص.
أما القول بأن القرار كان من موسى أولا
فمجرد احتمال يفتقر إلى الدليل.
وقد بينت لك أن الأصل العدم،
وهي قاعدة مشهورة عند
الأصوليين،
والمناطقة،
والفقهاء.
أما المعنى القرآني للكلمة
فلا يعارض ما طرحته من البداية،
ولكنك ذهبت بعيدا عما هو محل النقاش.
وأما دعوى أن الكلمة القرآنية
تأتي دائما بنفس المعنى،
فهذه تحتاج إلى بيان:
أولا:
قد تصرف الكلمة عن معناها الحقيقي
بحسب السياق،
وقد ضربت لك مثلا بآيات
لم يحملها أحد من أهل العلم
على ظاهرها الحسي.
قال تعالى:
"تجري بأعيننا".
والقاعدة الأصولية واللغوية
في باب الحقيقة والمجاز
معروفة لطالب العلم.
ثانيا:
هناك ألفاظ واحدة
تتعدد معانيها،
وهو معروف عند أهل
اللغة،
والتفسير،
والأصول.
ومثال ذلك لفظ "قروء"،
الذي يحتمل الطهر والحيض،
فاختلف الصحابة والعلماء فيه.
ثالثا:
مسألة الترادف في اللغة
تدل على تقارب الألفاظ
مع اختلاف الدقة في المعنى.
ولم أرد الخوض في مسائل
تخرج عن أصل النقاش،
ولا أرى تعارضا
بين القرار والاختيار،
بل القرار يمر بالاختيار
في المسائل الاجتهادية.
وأخيرا:
لا طعن في موسى عليه السلام،
فالله هو الذي ذكر خوفه،
وقال له: "لا تخف".
وهو خوف بشري لا قدح فيه.
وهنا أتوقف،
تاركا الحكم لأهل الخبرة،
حتى لا نكون الخصم والحكم.
بل الدليل واضح كالشمس.
عزيزي،
الأسلوب القرآني عند حصول وحي معين يُشار إليه نصا أو إشارة،
فإن لم يحصل ذلك دلّ على عدمه، ولا يحتاج الأمر إلى إثبات.
ولو ذهبنا إلى احتمال وقوعه مع عدم ذكره،
فكأنما نقول – والعياذ بالله – إن الله نسي ذكره لنا،
وأن ألفاظ القرآن غير دقيقة.
وإليك الدليل:
قال تعالى:
"قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى، قال بل ألقوا".
فهنا لا إشارة إلى وحي مطلقا،
أي أن الاختيار كان من موسى.
ثم إن الأمر منطقيا لا يحتاج إلى وحي،
إذ ما فائدة الترتيب والنتيجة محسومة لصالح موسى؟
ثم توالت القصة:
"فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى،
فأوجس في نفسه خيفة موسى".
هنا منطقيا لا بد أن يتدخل الوحي للتثبيت،
وقد خرجنا من مسألة من يبدأ بالإلقاء،
وانتقلنا إلى مشهد خوف موسى،
فجاء الوحي بقوله تعالى:
"قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى".
فالوحي جاء للتثبيت والبشارة،
ولم يأت ليقول لموسى: دعهم يلقون أولا.
ومسألة الخوف مختلف فيها عند أهل التفسير:
هل خاف موسى في تلك اللحظة،
أم خاف على قومه أن يفتنهم السحرة ويصدقوا سحرهم؟
سيدي، أنت تخلط بين قرار الاختيار في من يلقي أولا،
وبين قرار الإلقاء الفعلي بعد نزول الوحي،
فماذا أفعل لك؟
وكما أخبرتك، عند حصول وحي في موضع ما،
يذكره الله نصا أو إشارة.
انظر:
"وأوحينا إلى أم موسى"،
"وأوحى ربك إلى النحل"،
"وإذ أوحيت إلى الحواريين"،
"وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم".
ورد ذكر الوحي في أكثر من سبعين موضعا في القرآن،
اسما أو فعلا أو إشارة.
وما عدا ذلك فهو معدوم ولم يحصل،
ولو حصل لذكره الله،
إذ لا يعجزه ذلك.
ركز معي في تفاصيل القصة كمشاهد:
– قرار الاختيار في من يبدأ بالإلقاء كان لموسى.
– وقرار الإلقاء الفعلي جاء تثبيتا من الله.
فهناك إلقاء قولي، وإلقاء فعلي،
فتنبه.
ثم كيف تقول إن قرار الإلقاء ربما كان من موسى
وهو يفتقر إلى الدليل،
والآية صريحة: "قال بل ألقوا"،
ولا توجد إشارة إلى وحي في هذا الموضع؟
وتستدل بقاعدة الأصل العدم،
وقد أخبرتك بعدم حصول الوحي في الإلقاء الأول،
فأنت تعارض، فأثبت نفي العدم،
لكن لا تستدل بآية: "قلنا لا تخف"،
فهذه في الإلقاء الثاني.
أما قولك إن الكلمات لها معان كثيرة في اللغة، فهذا صحيح،
أما في القرآن فلا.
ستسأل: كيف؟
انظر إلى لفظ الوحي:
"وأوحينا إلى أم موسى"،
"وأوحى ربك إلى النحل"،
"وإذ أوحيت إلى الحواريين"،
"وإن الشياطين ليوحون".
الوحي في أصله اللغوي يعني الإلقاء،
ولا يتغير معناه،
وإنما يتغير الفهم العام لكيفية هذا الإلقاء
بحسب السياق ومن قام به.
فالشياطين يلقون،
والحواريون جاءهم الإلقاء من الله.
مشكلة أهل اللغة أنهم يضعون القرآن في ميزان اللغة العربية،
والصحيح أن توضع اللغة العربية في ميزان القرآن.
فاللفظة القرآنية لا يتغير معناها،
وإنما يتغير الفهم العام.
وكذلك قولك في: "تجري بأعيننا"،
فالتفسير بالتنزيه لا يلغي أن العين هي العين،
كما هو الحال في لفظ الوحي.
وكلمة "قروء" في اللغة تحتمل الطهر والحيض،
وهذا من وضع البشر،
أما في القرآن فلو وردت الكلمة مرتين
فلها معنى واحد،
ويتغير السياق لا اللفظ.
وجذر "قروء" هو "قرا"،
وهو قريب من معاني الطهر والاستجماع،
كما أن تركيب ألفاظ القرآن متقارب في دلالاته.
قال تعالى:
"لا يمسه إلا المطهرون".
ولا ننكر المجاز في اللغة،
لكنه من وضع البشر،
أما ألفاظ القرآن فقد قال الله عنها:
"قرآنا عربيا غير ذي عوج".
وأما عتابي لك فليس في خوف موسى،
وإنما في قولك إن خوفه كان بسبب النتيجة النهائية،
وكيف وهو يعلم أن ربه ناصره؟
فالخوف – على القول الراجح –
كان خوفا على قومه من الفتنة،
وهذا ما قال به كثير من العلماء.
وأما قاعدة الأصل العدم،
فهي قاعدة صحيحة،
لكن لا تدخل بها في مباحث عقدية
لا محل لها هنا.
قلت:
أخي الكريم،
أحيلك إلى كتاب جواهر التفسير
لسماحة الشيخ الخليلي،
ففيه جواب شاف لمسألتك.
أنت تخطئ علماء غاصوا في لغة العرب
ومعاني القرآن بكلام غير مقنع.
فالقرآن نزل بلسان عربي مبين،
وهي لغة العرب،
فإذا كان ابن عباس مخطئا في اعتماده على أشعار العرب،
فمن المصيب بعده؟
وأما استدلالك بجذر كلمة "قرء"،
فهو ناقص،
إذ تدل الكلمة على معنيين،
وهي من باب المشترك اللفظي،
كما قرره ابن فارس في معجم مقاييس اللغة.
ثم أدخلتنا في لفظ آخر وهو "الوحي"،
وهو بحث طويل لا أريد الخوض فيه
لئلا نخرج عن موضوعنا.
والخلاصة:
لا يفهم القرآن – على وجهه –
من لم يدرس لغة العرب،
والمجاز في القرآن موجود،
تدل الألفاظ فيه تارة على الحقيقة
وتارة على المجاز.
ووجود الحقيقة والمجاز
لا يطعن في القرآن،
بل هو من خصائص اللسان العربي،
والآيات الدالة على ذلك كثيرة.
وأما لفظ "قروء"،
فقد بسط ابن القيم الكلام فيه
في كتابه زاد المعاد.
فالحقيقة هي الأصل،
والمجاز له شروطه،
ولا يختلط الأمر
على من كان بصيرا باللغة.
وأما موسى عليه السلام،
فلم أقل قط إن خوفه كان من النتيجة النهائية،
فلا تنسب إلي ما لم أقله.
قلت: خاف،
فأمره الله،
وخوفه دليل على أن قرار الإلقاء
جاء وحيا من الله.
وأما قاعدة الأصل العدم،
فقد ذكرتها سابقا،
ولا حاجة لتكرارها.
وأما قولك في العين،
فالسؤال واضح:
هل العين في الآية جارحة أم لا؟
إما أن تكون هي الجارحة،
وإما أن يكون المعنى قد صرف،
ولا يصح الجمع بين الأمرين.
" الأخلاق واللِّباس: قراءة في الفكرة والأسلوب والمآل "
إنّ تكرار الحديث عن الأخلاق واللِّباس ليس عبثًا ولا لغوًا، بل هو ـ في جوهره ـ تنبيهٌ وتذكيرٌ لمن آمن بربّ العالمين، واستشعر رقابته في السرّ والعلن. ولعلّ واقع الحال قد رسم صورته في الذهن والعقل الباطن، حتى اختُزل المعنى، فكان التصريح به تأكيدًا، لا تكرارًا أجوف.
وقد يسبر بعضهم أغوار هذه المسألة، وإن بدت مشرَّحةً مكشوفة، غير أنّ الغيرة والحنق كثيرًا ما يكونان وقود التعاطي معها، إذا استُمِدّا من عاطفةٍ إيجابيةٍ صادقة، لا من هوىً أعمى أو تعصّبٍ مقيت. وعلى العموم، فإنّ ما يُلحَظ في بعض المنتديات تكرارُ المواضيع، وإن اختلفت العبارات، فالمضمون واحد، والمعنى آحاد.
وفي مقام النصيحة، لا سيّما عند توجيهها للمنصوحة، فإنّ ما نحتاجه ـ وهذا قول أوجّهه إلى نفسي قبل غيري ـ هو ذلك الأسلوب الذي يُحبِّب المنصوح في النصيحة، لا الذي ينفّره منها. ففطرة بني البشر تأبى النقد الجارح، وتأنف التوبيخ الفجّ، وتميل إلى الكلمة اللينة، والقول الحاني.
ومن هنا جاء الحثّ الإلهي، والأمر الربّاني، بأن تكون النصيحة بالتي هي أحسن؛ ليمتصّ الناصح غضب المنصوح، ويحتوي ردّة فعله، فتكون المكاشفة رفيقة، والمناصحة صادقة، ويغدو المنصوح للناصح وليًّا حميمًا، لا خصمًا عنيدًا.
أمّا مسألة حذف بعض الردود، فهي ممّا يُؤلم أحيانًا، غير أنّ المرء يعود فيُحدّث نفسه بأنّ القائمين على الإشراف لعلّهم يسعون إلى درء المشادات، وإبعاد الاحتقانات، وإطفاء جذوة الخلاف، ويبقى الأمر ـ في نهاية المطاف ـ بيد من بيده الحلّ والعقد.
ومن أعظم المصائب التي تُبتلى بها هذه المساحات الافتراضية: الفلسفةُ المبتذلة، والتفلسفُ العقيم؛ حين ينبري الجاهل في مسائل الحلال والحرام، فينصّب نفسه مفتيًا، ويخلط الحرام بالحلال، والحلال بالحرام، مع أنّ المسألة ـ في أصلها ـ لا تحتاج إلى كلّ هذا التعقيد، فضلًا عن أنّه ليس من أهل الاختصاص، ولا من أرباب العلم والبيان.
ويزداد الأمر سوءًا حين تُطلِق بعض الألسن ألفاظًا بذيئة، وتتجرّأ على القذف والتشنيع. فهل يدرك قائلها حكم الله في شرعه؟ إنّ من يقذف هذا أو ذاك يُقام عليه الحدّ، ويُجلد ثمانين جلدة لجريمة القذف. فلا يصحّ، ولا يستقيم، أن يُحكم على إنسان بتلك الفاحشة لمجرّد لباس، وإنّما ذاك حال الجاهل، وتلك أحكام العوام.
ومن هنا جاءت هذه الرسالة، وبهذا كان باعثها: أن نكون على مبدأٍ نتنفّس به هواء الحياة، ونمخر به عبابها. فالحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات. فإذا كنّا نُسَلِّم أسماعنا وأبصارنا لكلّ قائل، مع علمنا بأنّ قوله عارٍ من الصحّة، فلماذا نُمرض أنفسنا، ونُثقِل بها عقولنا؟! إنّما الواجب تفنيد القول بالقول، والحجّة بالحجّة، وبهذا يُدحض باطل المقال.
وأعترف ـ غير متستّر ـ أنّني أجد نفسي أحيانًا ناصحًا حاثًّا على ضبط النفس، ثمّ أجدني، في ذات الوقت، سريع الانفعال، فأناقض نفسي بنفسي. وما يدفعني إلى ذلك، في كثير من الأحيان، هو رؤية الخلط الفجّ، والخوض الأحمق في مسائل دقيقة، لا رصيد للخائض فيها سوى الجهل والخبال. حشوٌ أجوف، لو سكت صاحبه لكان في سكوته سترٌ لجهله المركّب، الذي يتلفّعه ولا ينفكّ عنه.
أمّا السفور ـ أختي الكريمة ـ فهو سفور، مهما اختلفت درجاته، وتباينت صوره. نعم، قد يكون التمايز في شدّته أو كثرتِه أو المبالغة فيه، غير أنّ مفهوم الحشمة، في جوهره، معلومٌ بالفطرة، معروفٌ بالعقل، بعيدٌ عن التمنطق والتفلسف، ومحاولات تبرير السلوك وإرضاء الضمير لمن اختار هذا الطريق.
والمُلاحظ أنّ كثيرًا من ردود الفعل الغاضبة على من يُخطّئ هذا السلوك، تصدر ممّن يقعون فيه، أو ممّن يبرّرونه، أو يرون في نقده ظلمًا ومخالفةً لما يسمّونه “النصيحة النافعة” و“الصوت الحاني”، مع أنّ الصوت الحاني لا يلغي الحقيقة، ولا يميّعها.
وأمّا عن مخالطة الناس، فإنّي ـ بحكم عملي ـ أخالطهم، وأسمع، وأرى، وتردني الرسائل بما هو حاصل، ولست في معزلٍ عن الواقع. وصدقيني، إنّ القلب ليتفطّر حين ترد نداءات فتياتٍ في عمر الزهور، يشكون هتك العرض، والابتزاز، والانكسار، فماذا عسانا نقول؟!
نرى فتياتٍ يتسكّعن في الشوارع بلا حياء، يعاكسن الشباب، فهل نلوم جرّة العسل إذا تحلّق حولها الذباب، إن كانت مكشوفة بلا غطاء؟! حبّ المغامرة، والتقليد الأعمى، وغياب التفكّر في العواقب، وإسقاطها من الحساب… كلّها أسباب، وللأسف لا تستفيق كثيرات إلا بعد فوات الأوان، ما لم يتداركهنّ اللطيف بعباده.
ويلومني بعضهم بأنّي أركّز على الفتاة، وأغفل الشاب، فأقول: لولا الضوء الأخضر منها، لما تسابقوا إليها. ولا أبرّئ ساحتهم، فلهم نصيب الأسد من الذنب، ولكنّ المجتمع ـ بنظرته الانتقائية الجائرة ـ يرى ذنب الرجل ذنبًا فيه نظر، بينما ذنب المرأة جريمة لا تُغتفر.
ومن هنا، فإنّ على المرأة والفتاة أن تحسب لهذا الأمر ألف حساب.
ليست المجاملة فعلا عابرا في حياة الإنسان، بل هي انعكاس دقيق لعلاقته بالقوة والمعنى والآخر. فمنذ أن وعى الإنسان ذاته، وهو يوازن بين الخوف والرغبة، بين درء الأذى وجلب المنفعة، فتغدو المجاملة أحيانا لغة توازن، وأحيانا أخرى قناعا للضعف أو الطمع. إنها تشبه العلامات الصغيرة في اللغة، لا تظهر قيمتها إلا لمن أحسن القراءة، ولا ينكشف أثرها إلا عند تبدل المواقع.
غير أن الخلل لا ينشأ من الفعل ذاته، بل من القصد الذي يحركه. فحين تنفصل المجاملة عن معناها الأخلاقي، تتحول إلى ضجيج فارغ، وتصبح الثناءات مرايا مخادعة يرى فيها الإنسان صورة لا تشبه حقيقته. هناك، يبدأ الانزلاق: تتبدل المعايير، ويختلط الإعجاب بالحاجة، ويغدو التصفيق بديلا عن القيمة، حتى تذبل المعاني، وتبقى القشور.
وفي هذا المناخ، يتكاثر الوهم. يصدق الناس ما يقال عنهم، لا ما هم عليه، وتضيع المسافة بين الذات وصورتها. وحين تنكشف الحقيقة متأخرة، لا يبقى سوى شعور مزدوج بالخذلان: خذلان من وثق، وخذلان من جامل. كلاهما أسير وهم صنعه بيديه.
أما في فضاء الأخوة والعلاقات الإنسانية، فالمسألة أدق وأخطر. فالكلمة هنا ليست صوتا عابرا، بل أثر ممتد. وحسن الظن ليس سذاجة، بل اختيار أخلاقي يحفظ إمكان اللقاء. غير أن الحساسية المفرطة، حين لا تضبطها الحكمة، تجعل العلاقات هشة، قابلة للانكسار عند أول سوء فهم، وكأنها بنيت على أرض رخوة لا تحتمل الاختلاف.
من هنا تظهر المجاملة الرشيدة بوصفها فعلا وقائيا، لا تزويرا للواقع ولا إنكارا للحقيقة. هي محاولة لاحتواء التوتر، وتأجيل الصدام، ومنح العقل فرصة لقيادة الموقف. لكنها تفقد معناها متى صارت تبريرا للخطأ، أو تغطية للظلم، أو تواطؤا مع الزيف. عند تلك النقطة، تعبر المجاملة إلى نقيضها، وتستحيل نفاقا.
والفارق بينهما ليس في الشكل، بل في العمق. فالمجاملة الأخلاقية تنبع من نية الإصلاح، وتتحمل كلفة الصدق المؤجل، بينما النفاق يقوم على إخفاء القصد، واستثمار الخير للوصول إلى الشر. الأول يحفظ إنسانية العلاقة، والثاني يهدمها من الداخل.
وفي النهاية، لا يملك الإنسان إلا أن يكون مسؤولا عن موقعه من هذا الخط الرفيع. أن يختار متى يلين، ومتى يقول لا، ومتى يصمت حفاظا، ومتى يتكلم إصلاحا. فالناس، على اختلاف طبائعهم، مرايا متقابلة؛ وما نزرعه في مساحات العلاقة يعود إلينا، إما معنى يثبت، أو وهما ينهار.
وتبقى المجاملة، في صورتها الأصفى، لحظة وعي لا مهارة خطاب؛ اختبارا للنزاهة أكثر منها تمرينا على البلاغة. ومن أحسن عبور هذا الاختبار، نجا من فوضى العلاقات، وحفظ لنفسه اتساقها، وللآخرين كرامتهم.
وما أشد وطأة على المرء من حنين دفين،
أشعل في القلب جحيما، وأوقد في الروح أنينا،
فلا يخمد ناره، ولا يطفئ شراره،
إلا يقين وعد اللقاء المتين؛
فبه أقهر الحنين، وبه أسكِّن الأنين.