احصائيات

الردود
0

المشاهدات
65
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,863

+التقييم
0.67

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
11-02-2026, 02:26 AM
المشاركة 1
11-02-2026, 02:26 AM
المشاركة 1
افتراضي الخِلَافَةُ الأُمَوِيَّةُ (41 – 132 هـ / 662 – 750)
بسم الله الرحمن الرحيم









المقدمة
تُعد الدولة الأموية أول خلافة إسلامية كبرى استقر فيها انتقال الحكم داخل أسرة حاكمة، وقد امتد حكمها من سنة 41هـ (661م) إلى سنة 132هـ (750م)، أي نحو إحدى وتسعين سنة هجرية. وحكمها أربعة عشر خليفة من بني أمية، وهم فرع من قريش يلتقي نسبهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.

وانقسم الحكم الأموي إلى مرحلتين رئيسيتين: مرحلة البيت السفياني، نسبة إلى أبي سفيان بن حرب، وحكم فيها ثلاثة خلفاء هم معاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد، وحفيده معاوية بن يزيد. ثم مرحلة البيت المرواني، نسبة إلى مروان بن الحكم، وحكم فيها أحد عشر خليفة، بدءًا بمروان بن الحكم وانتهاءً بمروان بن محمد.

اتخذت الدولة دمشق عاصمة لها، ومنها أُديرت أقاليم واسعة امتدت من حدود الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا في أوج اتساعها. وكانت الجزيرة العربية جزءًا أساسيًا من الدولة، وشهدت أحداثًا سياسية وعسكرية مهمة، منها مقتل الحسين رضي الله عنه في كربلاء، ووقعة الحرة في المدينة المنورة، وحصار مكة في زمن عبد الله بن الزبير، ثم ثورة أبي حمزة الخارجي في الحجاز.

وشهد العصر الأموي توسعًا عسكريًا كبيرًا في بلاد ما وراء النهر والسند وشمال إفريقيا والأندلس، إلى جانب تطور الإدارة والنقد والعمران. لكن الدولة واجهت في مراحلها الأخيرة صراعات أسرية وقبلية وثورات متتابعة، حتى سقطت على يد العباسيين سنة 132هـ.

نشأة الدولة الأموية
كان بنو أمية من بيوت الرئاسة والزعامة في قريش قبل الإسلام، وكان لهم نفوذ تجاري وسياسي في مكة. وأسلم عدد من كبارهم في السنوات الأخيرة من العهد النبوي، ثم شاركوا في إدارة الدولة الإسلامية وفتوحها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان معاوية بن أبي سفيان من الشخصيات التي ارتبطت بالإدارة والكتابة في العهد النبوي، كما شارك أخوه يزيد بن أبي سفيان في فتوح الشام، وولاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قيادة أحد جيوشها. وبعد وفاة يزيد في طاعون عمواس سنة 18هـ، ولّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه معاوية على دمشق، ثم أقره عثمان بن عفان رضي الله عنه ووسّع سلطته حتى تولى إدارة الشام.

وخلال سنوات ولايته، بنى معاوية قاعدة عسكرية وإدارية قوية في الشام، واستفاد من موقعها القريب من حدود الدولة البيزنطية، فاهتم بالجيش والأسطول البحري، واستمرت في عهده الحملات على الأراضي البيزنطية. ومن أبرز الأحداث البحرية في تلك المرحلة فتح قبرص سنة 28هـ، ومعركة ذات الصواري سنة 34هـ، لكن هذين الحدثين وقعا في خلافة عثمان رضي الله عنه، قبل قيام الدولة الأموية رسميًا.

وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه سنة 35هـ، بويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة، بينما طالب معاوية بالقصاص من قتلة عثمان قبل الدخول في البيعة. وأدى الخلاف إلى وقوع معركة صفين سنة 37هـ، ثم انتهى القتال إلى التحكيم، واستمرت الاضطرابات في العراق والشام ومناطق أخرى.

وفي سنة 38هـ، تمكن عمرو بن العاص من استعادة مصر لمصلحة معاوية. ثم استُشهد علي رضي الله عنه في رمضان سنة 40هـ على يد عبد الرحمن بن ملجم، فبايع أهل العراق ابنه الحسن رضي الله عنه. وبعد مفاوضات بين الحسن ومعاوية، تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية سنة 41هـ حقنًا لدماء المسلمين، وسُمي ذلك العام «عام الجماعة»، وبدأت به الدولة الأموية.

معاوية بن أبي سفيان (41–60هـ) مؤسس الدولة الأموية وأول خلفائها
عمل معاوية بعد توليه الخلافة على تثبيت الحكم وإعادة توحيد الأقاليم التي أضعفتها الفتنة. واتخذ دمشق عاصمة للدولة، واعتمد على الجيش الشامي الذي كان أكثر الجيوش انتظامًا وارتباطًا بالسلطة المركزية.

وطوّر عددًا من الأجهزة الإدارية، مثل ديوان الخاتم والبريد، ونظّم الحرس والشرطة، واهتم بمراقبة الولاة ونقل الأخبار بين العاصمة والأقاليم. ولم تكن هذه المؤسسات كلها اختراعًا جديدًا في عهده، لكنها تطورت واتسع استخدامها في إدارته.

ومن أبرز ولاته المغيرة بن شعبة على الكوفة، وزياد بن أبيه على البصرة ثم العراق، ومروان بن الحكم على المدينة المنورة. كما اهتم بالحج وشؤون الحرمين، واستمر في إرسال الولاة والعمال إلى مكة والمدينة لضمان استقرار الحجاز.

ومن الأحداث الداخلية في عهده وفاة الحسن بن علي رضي الله عنهما، نحو سنة 49 أو 50هـ بحسب اختلاف الروايات، ومقتل حجر بن عدي وأصحابه سنة 51هـ، وهي واقعة أثارت اعتراضات واسعة في بعض الأوساط الإسلامية.

وفي سنة 56هـ، أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد بولاية العهد. وكان ذلك تحولًا سياسيًا مهمًا؛ إذ انتقل الحكم من اختيار الخليفة بعد التشاور والبيعة إلى ترتيب مسبق لانتقاله داخل الأسرة الحاكمة. واعترض على هذا الترتيب عدد من كبار الشخصيات، منهم الحسين بن علي رضي الله عنه، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم. أما عبد الرحمن بن أبي بكر فقد توفي سنة 53هـ، فلا يصح إدراجه ضمن المعارضين لبيعة سنة 56هـ.

وتوفي معاوية في دمشق في رجب سنة 60هـ، بعد أن حكم نحو عشرين سنة.

الفتوحات في عهد معاوية

1\. الجبهة البيزنطية وآسيا الصغرى
واصل معاوية سياسة الضغط العسكري على الدولة البيزنطية، فنظمت حملات صيفية وشتوية عُرفت باسم الصوائف والشواتي. وكانت الجيوش تنطلق من قواعد الشام والثغور، فتغير على الحصون والمدن الحدودية، ثم تعود قبل اشتداد الشتاء أو بحسب ظروف الإمداد.

ومن المناطق التي استهدفتها هذه الحملات بلاد قيصرية وعمورية ومناطق داخل آسيا الصغرى. ولم تكن كل حملة تنتهي بفتح دائم؛ فكثير منها كان غزوًا عسكريًا لإضعاف البيزنطيين وإجبارهم على توزيع قواتهم على جبهات متعددة.

كما شهد عهده حملات بحرية باتجاه جزر شرقي البحر المتوسط وسواحله، وواصل المسلمون بناء الأسطول وتطوير قواعده.

2\. حملات القسطنطينية
بلغت المواجهة مع البيزنطيين مرحلة كبيرة عندما أُرسلت حملات متتابعة باتجاه القسطنطينية، وامتد أشهر حصار مبكر لها في الروايات التاريخية من نحو 674م إلى 678م، أي في عهد معاوية.

وكانت الحملة تهدف إلى الضغط على العاصمة البيزنطية من البر والبحر، لكنها لم تنجح في اقتحام المدينة، بسبب قوة أسوارها، وصعوبة الإمداد، ومقاومة الأسطول البيزنطي، واستخدامه النار الإغريقية.

وتذكر الروايات مشاركة يزيد بن معاوية في إحدى الحملات، كما تربط بعض الأخبار وفاة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه بحملة القسطنطينية ودفنه قرب أسوارها، لكن تفاصيل مشاركته وتاريخ وفاته تختلف في المصادر.

3\. شمال إفريقيا
بدأ التوسع الإسلامي في شمال إفريقيا قبل قيام الدولة الأموية، لكنه استمر في عهد معاوية. فقد قاد معاوية بن حديج حملات إلى إفريقية، وهي المنطقة التي تشمل أجزاء واسعة من تونس الحالية وما جاورها.

ثم تولى عقبة بن نافع قيادة الحملات في المنطقة، وأسس مدينة القيروان سنة 50هـ تقريبًا لتكون قاعدة عسكرية وإدارية للمسلمين، ومركزًا للانطلاق نحو المناطق الداخلية.

ومن القيروان تحركت الجيوش باتجاه مناطق فزان وغدامس وما حولهما، وامتد النفوذ الإسلامي تدريجيًا غربًا. ولم يكن إخضاع شمال إفريقيا عملية واحدة، بل سلسلة طويلة من الحملات والصلح والتمرد وإعادة السيطرة.

ثم تولى أبو المهاجر دينار القيادة، فتابع التوسع غربًا، ووصل إلى مناطق تلمسان وما حولها، وتذكر الروايات لقاءه بكسيلة، أحد زعماء البربر، ودخوله في الإسلام في مرحلة من المراحل، قبل أن تتجدد المواجهة لاحقًا.

4\. خراسان وبلاد ما وراء النهر
شهدت مناطق خراسان وسجستان وطخارستان حملات متتابعة، وكان زياد بن أبيه من أبرز المسؤولين عن تنظيم الإدارة والجيش في العراق والمشرق.

وعبر عبيد الله بن زياد نهر جيحون في إحدى الحملات سنة 54هـ تقريبًا، ووصلت الجيوش إلى مناطق من بخارى وما حولها. ثم قاد سعيد بن عثمان بن عفان حملة عبر النهر سنة 56هـ، ووصل إلى سمرقند ومناطق أخرى، ودخل في صلح مع بعض حكامها.

لكن هذه الحملات لم تؤدِّ إلى سيطرة نهائية مستقرة على بلاد ما وراء النهر؛ فقد كانت المنطقة تضم إمارات ومدنًا محصنة وتحالفات محلية، وكانت السيطرة تتبدل بحسب قوة الجيوش والاتفاقات والتمردات.

5\. السند وثغور الهند

واصل المسلمون التحرك شرقًا باتجاه سجستان ومناطق السند، وبرز في هذه الحملات المهلب بن أبي صفرة، الذي شارك في قتال القوى المحلية في المناطق الشرقية.

وكانت هذه العمليات تمهيدًا للفتح الكبير الذي وقع لاحقًا في عهد الوليد بن عبد الملك على يد محمد بن القاسم الثقفي.

يزيد بن معاوية (60–64هـ)
تولى يزيد الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 60هـ، وواجه منذ البداية أزمة رفض بعض الشخصيات البارزة مبايعته، وفي مقدمتهم الحسين بن علي رضي الله عنه، وعبد الله بن الزبير.

وخرج الحسين رضي الله عنه من المدينة إلى مكة، بينما اتخذ ابن الزبير من مكة مركزًا لمعارضة الحكم الأموي. وشهد عهد يزيد ثلاث وقائع كبرى تركت أثرًا عميقًا في تاريخ المسلمين، وهي مقتل الحسين رضي الله عنه في كربلاء، ووقعة الحرة، وحصار مكة.

مقتل الحسين رضي الله عنه في كربلاء
بعد وفاة معاوية، رفض الحسين بن علي رضي الله عنه مبايعة يزيد، وغادر المدينة إلى مكة. وفي أثناء وجوده بمكة، وصلت إليه رسائل من أهل الكوفة يدعونه إلى القدوم، ويعدونه بالنصرة والبيعة.

فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليتحقق من حقيقة الموقف. وتذكر المصادر أن عددًا كبيرًا من أهلها بايعه في البداية، لكن والي الكوفة عبيد الله بن زياد اتخذ إجراءات شديدة، وفرّق أنصار مسلم، ثم قُتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة.

وكان الحسين رضي الله عنه قد خرج من مكة في الثامن من ذي الحجة سنة 60هـ، متجهًا إلى العراق، رغم نصائح عدد من الصحابة وأهل الرأي له بعدم التوجه إلى الكوفة، ومنهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم.

وفي الطريق، اعترضه الحر بن يزيد الرياحي في قوة من الفرسان، ثم انتهى به المسير إلى كربلاء، حيث نزل في الثاني من محرم سنة 61هـ. ووصل عمر بن سعد على رأس قوة عسكرية كلفه بها عبيد الله بن زياد.

وتختلف الروايات في عدد أفراد جيش عمر بن سعد، كما تختلف في تفاصيل المفاوضات التي جرت قبل القتال. وتذكر روايات تاريخية أن الحسين رضي الله عنه عرض أكثر من خيار لتجنب المواجهة، منها الرجوع أو التوجه إلى أحد الثغور أو الذهاب إلى يزيد، لكن تفاصيل هذه العروض ليست متفقة عليها في جميع المصادر.

وفي العاشر من محرم سنة 61هـ، وقعت المعركة، وقُتل الحسين رضي الله عنه ومعه عدد من أهل بيته وأصحابه. وتشتهر روايات بأن عدد القتلى من أصحابه وأهل بيته كان نحو اثنين وسبعين، لكن الأعداد تختلف بين المصادر.

وكان فيمن قُتل عدد من أبناء الحسين وإخوته وأبناء عمومته، بينما نجا ابنه علي زين العابدين لمرضه. وتذكر الروايات أن شمر بن ذي الجوشن شارك في الأحداث الأخيرة، لكن تفاصيل من باشر قتل الحسين رضي الله عنه تختلف اختلافًا كبيرًا بين الأخبار.

ثم حُمل رأس الحسين رضي الله عنه إلى الكوفة، وتختلف الروايات في تفاصيل نقله وما جرى بعد ذلك، وفي مسألة إرساله إلى دمشق. كما اختلف المؤرخون في تحديد مسؤولية يزيد المباشرة عن إصدار الأمر بالقتل، وفي موقفه بعد وصول خبر الواقعة إليه.

وتُعد كربلاء من أكثر أحداث التاريخ الإسلامي حساسية، ولذلك ينبغي التفريق بين وقوع مقتل الحسين رضي الله عنه، وهو ثابت تاريخيًا، وبين التفاصيل الجزئية التي تختلف فيها الروايات، ولا سيما أن قسمًا مهمًا من أخبارها وصل عبر روايات أبي مخنف التي نقل الطبري عددًا منها.

وقد تركت الواقعة أثرًا بالغًا في الوجدان الإسلامي، وأصبحت منطلقًا لحركات سياسية وثورية لاحقة، منها حركة التوابين، ثم حركة المختار الثقفي في الكوفة.

وقعة الحرة سنة 63هـ
وقعت وقعة الحرة بعد تصاعد المعارضة في المدينة المنورة لحكم يزيد. فقد أعلن عدد من أهل المدينة خلع بيعته، وكان من أبرز قادتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل.

فأرسل يزيد جيشًا من الشام بقيادة مسلم بن عقبة المري، والتقى الجيشان في منطقة الحرة شرقي المدينة في ذي الحجة سنة 63هـ.

وانتهت المعركة بانتصار الجيش الشامي، ودخول المدينة بعد القتال. وتذكر روايات تاريخية أن مسلم بن عقبة أباح المدينة لجنوده ثلاثة أيام، وأن عددًا كبيرًا من أهلها قُتلوا، ومنهم رجال من أبناء الصحابة والتابعين.

وتختلف المصادر في أعداد القتلى وفي تفاصيل ما جرى بعد دخول الجيش، لكن الواقعة تُعد من أعنف الأحداث التي شهدها الحجاز في العصر الأموي، وقد تركت جرحًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا في المدينة.

حصار مكة الأول
بعد وقعة الحرة، تحرك الجيش الأموي باتجاه مكة لمحاربة عبد الله بن الزبير، الذي رفض الاعتراف بخلافة يزيد وأعلن نفسه معارضًا للحكم الأموي.

وتوفي مسلم بن عقبة في الطريق، فتولى القيادة الحصين بن نمير السكوني. ووصل الجيش إلى مكة، وحاصرها، واستخدم المجانيق لقصف مواقع ابن الزبير.

وخلال الحصار وقع حريق في الكعبة في ربيع الأول سنة 64هـ، وتختلف الروايات في تحديد السبب المباشر للحريق، وهل كان نتيجة القصف أو حادثًا آخر وقع أثناء القتال.

واستمر الحصار حتى وصل نبأ وفاة يزيد بن معاوية، فتوقف القتال وانصرف الجيش الشامي.

توفي يزيد في ربيع الأول سنة 64هـ في حوارين من أرض الشام، ولم يترك حكمه القصير إنجازات عمرانية أو إدارية كبيرة بسبب اضطراب الأوضاع الداخلية.

الفتوحات في عهد يزيد
تراجعت حركة الفتوح في عهد يزيد بسبب الاضطرابات الداخلية، لكنها لم تتوقف تمامًا.

1\. شمال إفريقيا
أعاد يزيد عقبة بن نافع إلى ولاية إفريقية سنة 62هـ تقريبًا، فاستأنف حملاته غربًا، وتقدم عبر مناطق واسعة من شمال إفريقيا حتى وصل إلى ساحل المحيط الأطلسي بحسب الروايات المشهورة.

وتُروى قصة دخوله بفرسه في البحر وقوله إنه لو علم وراءه أرضًا لخاضها في سبيل الله، لكن هذه القصة لا يمكن التعامل مع ألفاظها وتفاصيلها على أنها رواية قطعية.

وفي طريق عودته، تعرض عقبة لهجوم من قوات كسيلة وحلفائه في منطقة تهودة، وقُتل سنة 63هـ مع عدد من أصحابه. وأدى مقتله إلى تراجع السيطرة الإسلامية في أجزاء من إفريقية، واضطر المسلمون إلى إعادة تنظيم قواتهم والانسحاب إلى مواقع أكثر أمنًا.

2\. خراسان وما وراء النهر
واصل ولاة خراسان الحملات على مناطق ما وراء النهر، ومن أبرزهم سلم بن زياد، الذي قاد حملات باتجاه خوارزم وسمرقند ومناطق أخرى.

لكن هذه العمليات كانت في معظمها حملات عسكرية متتابعة، ولم تؤدِّ إلى استقرار السيطرة الإسلامية على جميع المناطق التي وصلت إليها الجيوش.

معاوية بن يزيد (64هـ)
تولى معاوية بن يزيد الخلافة بعد وفاة أبيه، لكنه كان شابًا ولم تستمر خلافته إلا مدة قصيرة، قُدرت بأربعين يومًا أو بضعة أشهر بحسب اختلاف الروايات.

وتذكر بعض الأخبار أنه كان مريضًا أو ضعيفًا، وأنه لم يرغب في الاستمرار في الحكم، وقيل إنه أعلن عدم تعيين خليفة بعده، وترك الأمر للمسلمين.

وبوفاته انتهى حكم البيت السفياني، ودخلت الدولة في مرحلة اضطراب شديد، إذ انقسمت الشام بين أنصار بني أمية وأنصار عبد الله بن الزبير، وبرز الضحاك بن قيس الفهري قائدًا للتيار المؤيد لابن الزبير في بعض مناطق الشام.

الفتوحات في عهده
لم تقع في عهد معاوية بن يزيد فتوحات تذكر بسبب قصر مدة حكمه، وانشغال الأقاليم بالصراع على الخلافة، وتراجع قدرة دمشق على إدارة الجيوش البعيدة.

مروان بن الحكم (64–65هـ)
كان مروان بن الحكم من كبار رجال بني أمية، وعمل في إدارة الدولة في عهد عثمان ومعاوية. وبعد وفاة معاوية بن يزيد، اجتمع أنصار بني أمية في الجابية، واتفقوا على مبايعته، بدعم من القبائل اليمانية، وفي مقدمتها بنو كلب.

وفي سنة 64هـ، وقعت معركة مرج راهط بين أنصار مروان بقيادة القبائل اليمانية، وأنصار الضحاك بن قيس من القيسية. وانتهت المعركة بانتصار مروان ومقتل الضحاك، وكان لها أثر كبير في تعميق الانقسام القبلي بين القيسية واليمانية، وهو انقسام ظل يؤثر في الدولة الأموية لعقود.

ثم تمكن مروان من استعادة مصر من عمال عبد الله بن الزبير، وولى عليها ابنه عبد العزيز. كما أعاد تثبيت الحكم الأموي في الشام، وجعل عبد الملك وليًا للعهد من بعده، ثم عبد العزيز.

وتوفي مروان في رمضان سنة 65هـ، ولم يتجاوز حكمه بضعة أشهر.

الفتوحات في عهده
لم يشهد عهده توسعًا جغرافيًا كبيرًا، إذ كان همه الأساسي إعادة بناء السلطة الأموية. وتمكن من استعادة الشام ومصر، وهما من أهم قواعد الدولة العسكرية والإدارية، وبذلك أعاد للدولة جزءًا كبيرًا من قدرتها على إدارة الجيوش والفتوح.

عبد الملك بن مروان (65–86هـ)
يُعد عبد الملك بن مروان من أهم خلفاء بني أمية، بل يُنظر إليه غالبًا بوصفه المؤسس الثاني للدولة؛ فقد تسلم الحكم في وقت كانت فيه الخلافة منقسمة بينه وبين عبد الله بن الزبير، ولم يكن نفوذ دمشق يتجاوز مناطق محدودة في بداية عهده.

بدأ عبد الملك عهده بمواجهة الثورات والخصوم السياسيين. ففي العراق، قُتل عبيد الله بن زياد سنة 67هـ في معركة الخازر أمام قوات المختار الثقفي بقيادة إبراهيم بن الأشتر.

ثم قُتل المختار الثقفي سنة 67هـ على يد مصعب بن الزبير، الذي كان يسيطر على العراق باسم أخيه عبد الله بن الزبير.

وفي سنة 72هـ، تحرك عبد الملك بجيشه نحو العراق، والتقى مصعب بن الزبير في معركة مسكن، فانتصر عليه وقُتل مصعب، وعاد العراق إلى الحكم الأموي.

وبعد ذلك أرسل عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي إلى مكة سنة 72هـ، فحاصر عبد الله بن الزبير، واستمر الحصار حتى قُتل ابن الزبير في جمادى الآخرة سنة 73هـ، وبذلك انتهت خلافته واجتمعت معظم أقاليم الدولة تحت سلطة عبد الملك.

ثم تولى الحجاج إدارة الحجاز فترة، قبل أن ينتقل إلى ولاية العراق، حيث واجه الخوارج وثورة عبد الرحمن بن الأشعث، التي بلغت ذروتها في وقائع دير الجماجم ودير قرة سنة 82–83هـ.

إنجازاته الإدارية والعمرانية
من أبرز إنجازات عبد الملك إصلاح النقد الإسلامي؛ إذ أصدر دينارًا إسلاميًا مستقلًا يحمل عبارات عربية إسلامية، وكان ذلك جزءًا من عملية استقلال الدولة اقتصاديًا ورمزيًا عن النظامين البيزنطي والساساني.

كما جرى تعريب الدواوين في عهده على مراحل، واهتم بتطوير الإدارة المركزية، وتنظيم البريد، وتقوية سلطة الدولة في الأقاليم.

وفي القدس، أمر ببناء قبة الصخرة، واكتمل بناؤها سنة 72هـ تقريبًا، وهي من أبرز الآثار المعمارية الإسلامية المبكرة.

أما تنقيط المصحف وإعجامه، فقد سبقت بعض محاولاتهما عهد الحجاج، لكنهما تطورا في العصر الأموي، وساهم الحجاج في تنظيم بعض الأعمال المتعلقة بضبط الكتابة وتيسير القراءة. وتوفي عبد الملك في شوال سنة 86هـ.

الفتوحات في عهد عبد الملك

1\. استكمال فتح شمال إفريقيا
أرسل عبد الملك حسان بن النعمان الغساني إلى إفريقية، وكان هدفه استعادة السيطرة الإسلامية وتثبيت الوجود العسكري بعد الاضطرابات التي أعقبت مقتل عقبة بن نافع.

بدأ حسان حملاته على المواقع البيزنطية والبربرية، وتمكن من السيطرة على قرطاجة سنة 78هـ تقريبًا، وهي من أهم المراكز البيزنطية في شمال إفريقيا، وبذلك تراجع الوجود البيزنطي المنظم في المنطقة.

ثم واجه مقاومة الكاهنة، وهي زعيمة محلية ارتبط اسمها بمقاومة التوسع العربي في منطقة الأوراس. وتذكر المصادر أن قواتها ألحقت بحسان هزيمة أولى، واضطر إلى التراجع نحو برقة، قبل أن يعود بعد وصول الإمدادات.

وفي الحملة التالية هُزمت قوات الكاهنة، وانتهت مقاومتها العسكرية، ودخلت مناطق واسعة من شمال إفريقيا تحت النفوذ الإسلامي. غير أن تفاصيل قصة الكاهنة ونهايتها تختلف في المصادر القديمة والحديثة، ولذلك لا يصح الجزم بكل ما ورد في الروايات المتأخرة عنها.

كما ارتبطت هذه المرحلة بتأسيس مدينة تونس وتطويرها لتكون مركزًا بحريًا وعسكريًا، إلى جانب القيروان. وقد أصبحت إفريقية قاعدة رئيسية للعمليات باتجاه المغرب والأندلس في عهد الوليد.

2\. أرمينية والقوقاز
شهدت مناطق أرمينية وأذربيجان حملات متواصلة لتثبيت السيطرة الإسلامية ومواجهة البيزنطيين والخزر.

وتولى محمد بن مروان قيادة حملات في هذه الجبهة، فعمل على إخضاع عدد من المدن والحصون، وتأمين الطرق العسكرية بين الجزيرة الفراتية وأذربيجان وأرمينية.

وكانت السيطرة على هذه المناطق متقلبة في بعض المواضع، بسبب المقاومة المحلية والغارات البيزنطية والخزرية.

3\. ما وراء النهر
واصل المسلمون في عهد عبد الملك الحملات شرقًا، وبرز المهلب بن أبي صفرة وأبناؤه في قتال القوى المحلية في مناطق خراسان وما وراء النهر.

وتمكنت الجيوش من تثبيت مواقع لها في كش ونسف وطخارستان، لكن الفتح المنظم الواسع لبلاد الصغد وبخارى وسمرقند ارتبط بصورة أكبر بحملات قتيبة بن مسلم في عهد الوليد.

4\. سجستان وزابلستان
واجه المسلمون مقاومة شديدة من القوى المحلية في سجستان وزابلستان، ولا سيما من رتبيل، الذي كان يملك نفوذًا واسعًا في المناطق الجبلية.

وأرسل الحجاج بن يوسف حملات عسكرية إلى المنطقة، ومن أشهرها حملة عبيد الله بن أبي بكرة، التي تعرضت لخسائر كبيرة، وعُرفت في بعض المصادر باسم جيش الطواويس. وتكشف هذه الحملة عن صعوبة التوسع في المناطق الجبلية البعيدة، حتى مع امتلاك الدولة جيشًا قويًا.

الوليد بن عبد الملك (86–96هـ)
بلغت الدولة الأموية في عهد الوليد بن عبد الملك أقصى اتساعها الجغرافي، وشهد عهده توسعًا واسعًا في الشرق والغرب، حتى امتد النفوذ الإسلامي من حدود الصين شرقًا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وسواحل المحيط الأطلسي غربًا.

واهتم الوليد بالعمران، فبنى الجامع الأموي في دمشق، ووسع المسجد النبوي في المدينة المنورة، وأمر بتطوير المسجد الأقصى. كما أنشأ مرافق للرعاية الصحية، واهتم بالطرق والآبار وخدمة الحجاج والمسافرين.

وتوفي الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 95هـ، ثم توفي الوليد في جمادى الآخرة سنة 96هـ.

الفتوحات في عهد الوليد
1\. فتح بلاد ما وراء النهر بقيادة قتيبة بن مسلم
كان فتح بلاد ما وراء النهر من أعظم الحملات العسكرية في العصر الأموي. وولى الحجاج بن يوسف قتيبة بن مسلم على خراسان سنة 86هـ، فبدأ حملة منظمة استهدفت المدن والإمارات الواقعة وراء نهر جيحون.

بدأ قتيبة عملياته بفتح بيكند، وهي مدينة تجارية مهمة قرب بخارى، ثم واصل حملاته على واحة بخارى. ولم يكن فتحها سهلًا؛ فقد واجه مقاومة من أهلها وحلفائهم من الصغد والترك، واضطر إلى تكرار الحملات حتى تمكن من إخضاعها نحو سنة 90هـ.

ثم اتجه إلى خوارزم، واستفاد من الخلافات الداخلية بين حكامها، فدخلها وأخضع أجزاء واسعة منها، ثم توجه إلى سمرقند سنة 93هـ، وحاصرها حتى تم الاتفاق على تسليمها بشروط، وأصبحت من أهم مراكز النفوذ الإسلامي في بلاد ما وراء النهر.

وتتابعت حملاته على مناطق كش ونسف وطخارستان والشاش وفرغانة، وبلغت الجيوش مناطق قريبة من حدود الصين. وتذكر بعض المصادر وصول قتيبة إلى كاشغر أو اقترابه منها، لكن لا يصح وصف ذلك بأنه فتح للصين أو سيطرة مستقرة عليها.

وقد واجه المسلمون بعد وفاة قتيبة اضطرابات وثورات في بلاد ما وراء النهر، كما عادت بعض القوى التركية والصغدية إلى المقاومة، ما يوضح أن الفتح العسكري لم يكن يعني استقرار الحكم فورًا. وتعرض دراسة اليونسكو لتفاصيل حملات قتيبة على بيكند وبخارى وسمرقند، وتبين كيف استغل الانقسامات بين حكام المنطقة.

2\. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي

في الجبهة الشرقية، أرسل الحجاج بن يوسف محمد بن القاسم الثقفي إلى السند سنة 92هـ تقريبًا، وكان الهدف توسيع النفوذ الإسلامي وتأمين الطرق البحرية والتجارية في بحر العرب، بعد توتر العلاقات مع بعض القوى المحلية.

بدأ محمد بن القاسم حملته بفتح مدينة الديبل الساحلية، بعد حصار استخدمت فيه المجانيق، ثم تقدم إلى نيرون، وهي حيدر آباد الحالية تقريبًا، وبعدها إلى مناطق البيرون وبرهمناباد.

ثم واجه الملك داهر في معركة الرور، وانتصر عليه وقُتل داهر، فانهارت أجزاء من مقاومة الدولة المحلية. وواصل محمد بن القاسم تقدمه إلى أروَر والملتان، وأصبحت مناطق واسعة من السند تحت الحكم الإسلامي.

لكن السيطرة لم تشمل جميع شبه القارة الهندية، بل تركزت في السند وأجزاء من إقليم البنجاب، واستمرت المناطق المفتوحة في الخضوع بدرجات متفاوتة بحسب قوة الولاة والظروف المحلية.

3\. فتح الأندلس
كان فتح الأندلس من أبرز أحداث عهد الوليد. فقد كان موسى بن نصير واليًا على إفريقية، وعمل على تثبيت الحكم الإسلامي في شمال إفريقيا، ثم جهّز حملة لعبور المضيق إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.

وفي سنة 92هـ، عبر طارق بن زياد المضيق بجيش غالبيته من البربر، ونزل في المنطقة التي ارتبط اسمها لاحقًا بجبل طارق.

وتقدم طارق نحو الداخل، والتقى بجيش الملك القوطي لذريق في معركة وادي لكة، التي وقعت غالبًا في صيف سنة 711م، وانتهت بانتصار المسلمين ومقتل لذريق بحسب الروايات التاريخية المشهورة.

وبعد المعركة، تقدم الجيش نحو قرطبة وغرناطة وطليطلة، واستولى على عدد من المدن والمراكز المهمة، وكان سقوط طليطلة ذا أهمية خاصة لأنها كانت عاصمة المملكة القوطية.

ثم عبر موسى بن نصير إلى الأندلس سنة 93هـ تقريبًا بجيش آخر، وشارك في استكمال السيطرة على مدن مثل إشبيلية وماردة، والتقى طارق بن زياد في الأندلس.

وتوسعت الحملات شمالًا حتى وصلت إلى مناطق من جليقية، لكن لا يصح القول إن المسلمين أخضعوا جليقية كلها أو أحكموا السيطرة على كامل شمال شبه الجزيرة. كما أن روايات فتح المدن وتواريخها التفصيلية تختلف بين المصادر.

4\. فتح المغرب الأقصى وتثبيت الحكم في شمال إفريقيا
استكمل موسى بن نصير إخضاع مناطق واسعة من المغرب، واهتم بتثبيت الحكم في طنجة وسوس الأقصى وما حولهما. كما شاركت القوات البربرية التي دخلت في الإسلام في الحملات اللاحقة، وكان لها دور أساسي في عبور الأندلس.

وأصبحت القيروان وتونس وطنجة قواعد عسكرية مهمة، ومنها انطلقت الحملات البحرية والبرية في غرب المتوسط.

5\. الحملات على الروم وآسيا الصغرى
واصل المسلمون الغزوات السنوية على الأراضي البيزنطية، وقاد مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد حملات متعددة في آسيا الصغرى.

واستهدفت الحملات الحصون والمدن الحدودية، مثل طوانة وعمورية وغيرها، كما استمرت المواجهات في أرمينية وأذربيجان.

وكانت هذه الحملات تهدف إلى إضعاف الدفاعات البيزنطية وتأمين حدود الشام، لكنها لم تؤدِّ إلى فتح القسطنطينية أو إخضاع كامل آسيا الصغرى.

سليمان بن عبد الملك (96–99هـ)
تولى سليمان الخلافة بعد وفاة أخيه الوليد، واهتم ببناء مدينة الرملة في فلسطين، وجعلها مركزًا إداريًا مهمًا في بلاد الشام.

وعزل عددًا من الولاة والقادة الذين عملوا في عهد أخيه، ومنهم موسى بن نصير ومحمد بن القاسم، كما انتهت حياة قتيبة بن مسلم بعد تمرده على الخليفة ورفضه الاعتراف بولايته.

وكان من أبرز قرارات سليمان تعيين عمر بن عبد العزيز وليًا للعهد بعده، بإشارة من رجاء بن حيوة، وهو قرار كان له أثر مهم في انتقال الخلافة إلى أحد أكثر الخلفاء شهرة بالعدل والإصلاح.
وتوفي سليمان في دابق سنة 99هـ.

الفتوحات في عهد سليمان

1\. حصار القسطنطينية
كان أبرز حدث عسكري في عهد سليمان الحملة الكبرى على القسطنطينية، التي بدأت سنة 98هـ تقريبًا، واستمرت حتى سنة 99هـ وما بعدها.

قاد مسلمة بن عبد الملك الجيش البري، وشاركت قوات بحرية كبيرة في الحصار، وكان الهدف إسقاط العاصمة البيزنطية وإنهاء الخطر الذي تمثله على بلاد الشام.

لكن القسطنطينية كانت محصنة بأسوار قوية، كما واجه الجيش الأموي صعوبات في الإمداد والتموين، وقاومت القوات البيزنطية الهجمات البحرية والبرية، واستعملت النار الإغريقية ضد السفن.

وتوفي سليمان أثناء الحملة، وخلفه عمر بن عبد العزيز، الذي أمر بإنهاء الحصار وسحب الجيش، بعد أن تدهورت أوضاعه بسبب البرد والجوع والمرض. وانتهى الحصار سنة 718م تقريبًا دون فتح المدينة.

2\. جرجان وطبرستان
قاد يزيد بن المهلب حملات في جرجان وطبرستان، وهما من المناطق الجبلية الصعبة على الساحل الجنوبي لبحر قزوين.

وتمكن من إخضاع مناطق منهما بعد قتال واتفاقات مع الحكام المحليين، لكن السيطرة لم تكن مستقرة في جميع المواضع، إذ عادت الثورات والمقاومة في مراحل لاحقة.

عمر بن عبد العزيز (99–101هـ)
يُعد عمر بن عبد العزيز من أشهر خلفاء بني أمية، ويصفه كثير من العلماء بالخليفة الراشد الخامس، لما اشتهر به من العدل ورد المظالم والإصلاح الإداري.

بدأ عهده برد المظالم إلى أصحابها، وإعادة النظر في الأموال التي أخذت بغير حق.

كما أمر ولاته بعدم أخذ الجزية ممن أسلم، واهتم بتحقيق المساواة بين المسلمين في العطاء والحقوق، وأرسل رسائل إلى الولاة يحثهم فيها على الرفق بالرعية وعدم ظلمهم.

ومن أعماله المهمة الاهتمام بتدوين الحديث النبوي، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة، كما كان لمحمد بن شهاب الزهري دور بارز في هذه المرحلة.

واهتم عمر بالدعوة والتعليم، وأرسل الدعاة إلى مناطق مختلفة، وشجع على نشر الإسلام بالوسائل السلمية، كما حاول معالجة بعض مشكلات الخوارج بالحوار بدل الاعتماد على القوة وحدها.

وتوفي في رجب سنة 101هـ بدير سمعان، وتذكر بعض الروايات أنه مات مسمومًا، لكن هذا الخبر ليس محل اتفاق.

الفتوحات في عهد عمر بن عبد العزيز
اتجه عمر إلى تقليل الحملات العسكرية المكلفة، وركز على الإصلاح الداخلي وتثبيت الحكم، ولذلك خفت حركة التوسع العسكري في عهده.

1\. القسطنطينية
أمر عمر بإنهاء الحصار الأموي للقسطنطينية وسحب الجيش بعد الظروف الصعبة التي واجهته. وكان القرار جزءًا من سياسة تقليل الخسائر العسكرية، وليس إعلانًا بالتخلي عن الدفاع عن حدود الدولة.

2\. الأندلس وجنوب فرنسا
استمر الوجود الإسلامي في الأندلس، وواصل الولاة الحملات شمالًا باتجاه بلاد الغال. وفي عهد عمر، تولى السمح بن مالك الخولاني ولاية الأندلس، واهتم بتنظيم الإدارة ومسح الأراضي وتقدير مواردها.

كما قاد حملات باتجاه سبتمانيا وجنوب فرنسا، ووصل المسلمون إلى أربونة التي أصبحت لاحقًا قاعدة مهمة لهم في جنوب بلاد الغال.

وتذكر بعض المصادر أن عمر فكر في إخلاء الأندلس بسبب بعدها وصعوبة الدفاع عنها، لكن لا يوجد ما يكفي للجزم بأنه أصدر قرارًا رسميًا بذلك.

3\. الدعوة في خراسان وإفريقية
كان من آثار سياسة عمر الاهتمام بإسلام غير العرب، ولا سيما في خراسان وشمال إفريقيا. وقد ساعد تخفيف الضرائب والمساواة بين المسلمين على دخول أعداد من السكان المحليين في الإسلام.

لكن لا يصح الجزم بأن هذه السياسة أدت إلى إسلام جميع سكان تلك المناطق أو إلى اختفاء الفقر والظلم بصورة كاملة؛ فقد استمرت التحديات الاقتصادية والسياسية بعد وفاته.

يزيد بن عبد الملك (101–105هـ)
تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، وأعاد بعض السياسات التي كان عمر قد غيّرها، وواجه منذ بداية حكمه ثورات واضطرابات.

ومن أبرز الأحداث ثورة يزيد بن المهلب في العراق سنة 101هـ، بعد خلافه مع السلطة الأموية. وتمكن مسلمة بن عبد الملك من هزيمته وقتله في معركة العقر سنة 102هـ.

كما بدأت في عهده تتسع الدعوة العباسية السرية، التي اتخذت من الكوفة وخراسان مراكز لنشاطها السياسي والتنظيمي. وتوفي يزيد سنة 105هـ في إربد من أرض البلقاء.

الفتوحات في عهد يزيد

1\. الأندلس وجنوب فرنسا
واصل السمح بن مالك الخولاني التوسع في جنوب فرنسا، فدخل مدينة أربونة سنة 102هـ تقريبًا، وجعلها قاعدة للمسلمين في بلاد الغال.

ثم توجه إلى تولوز وحاصرها، لكنه قُتل في القتال سنة 102هـ، فتولى عبد الرحمن الغافقي قيادة الجيش، وعمل على إنقاذ القوات والعودة بها إلى مواقع آمنة.

وأصبحت أربونة قاعدة مهمة للوجود الإسلامي في جنوب فرنسا، واستمرت تحت الحكم الإسلامي عقودًا، قبل أن يستعيدها الفرنجة في منتصف القرن الثامن الميلادي.

2\. صقلية وجزر البحر المتوسط
استمرت الحملات البحرية على صقلية، التي كانت تحت السيطرة البيزنطية. وكانت هذه الحملات تهدف إلى إضعاف الأسطول البيزنطي والسيطرة على الموانئ والجزر المهمة.

لكن السيطرة على صقلية لم تتحقق في عهد يزيد، وإنما بدأ فتحها المنظم في العصر الأغلبي سنة 212هـ.

3\. القوقاز
استمرت المواجهات مع الخزر في القوقاز، وقاد مسلمة بن عبد الملك حملات على مناطق أرمينية وأذربيجان، وعمل على تأمين الممرات الجبلية والحصون الحدودية، ومنها باب الأبواب.

4\. ما وراء النهر
واصل ولاة خراسان حملاتهم على الصغد والترك، لكن التوسع واجه مقاومة قوية، وكانت السيطرة على المدن والمناطق تتغير بحسب قوة الحملات والتحالفات المحلية.

هشام بن عبد الملك (105–125هـ)
حكم هشام بن عبد الملك نحو عشرين سنة، وكان من أطول خلفاء بني أمية حكمًا. وتميز عهده بقوة الإدارة والاهتمام بالموارد المالية والزراعة والجيش، كما شهد عددًا من الحروب والثورات على أطراف الدولة.

ولى خالد بن عبد الله القسري العراق سنوات طويلة، ثم عزله وولى يوسف بن عمر الثقفي. وفي سنة 122هـ، خرج زيد بن علي بن الحسين في الكوفة، فقاتله الأمويون وقُتل في المعركة.

وفي شمال إفريقيا، اندلعت ثورات بربرية واسعة سنة 122هـ، بسبب المظالم المالية والاجتماعية، وسوء معاملة بعض الولاة، ورفض التمييز بين العرب والبربر في بعض شؤون الحكم.

وكانت معركة الأشراف قرب طنجة سنة 123هـ من أبرز المواجهات في تلك الثورة، وتعرضت القوات الأموية لهزيمة كبيرة.

وفي الجانب الثقافي والإداري، تطورت الكتابة الديوانية والرسائل، واشتهر عبد الحميد الكاتب في فن الإنشاء والكتابة السياسية والإدارية. كما ازدهرت العمارة الأموية، ومن آثار العصر القصور الصحراوية والمنشآت الزراعية. وتوفي هشام في ربيع الآخر سنة 125هـ.

الفتوحات في عهد هشام

1\. الأندلس وجنوب فرنسا
واصل المسلمون حملاتهم شمالًا بقيادة عبد الرحمن الغافقي، الذي تولى ولاية الأندلس سنة 112هـ تقريبًا.

واجتاز الغافقي جبال البرتات، وتقدم إلى جنوب فرنسا، وتمكن من هزيمة قوات دوق أكيتانيا أودو، ثم واصل التقدم باتجاه تور وبواتييه.

وفي سنة 114هـ، وقعت معركة بلاط الشهداء، التي قُتل فيها عبد الرحمن الغافقي، وانتهت بانسحاب الجيش الإسلامي بعد قتال شديد أمام قوات الفرنجة بقيادة شارل مارتل.

وكانت المعركة نقطة تحول في التوسع الإسلامي داخل فرنسا، لكنها لم تنه الوجود الإسلامي في جنوبها؛ فقد بقيت أربونة ومناطق من سبتمانيا تحت الحكم الإسلامي حتى منتصف القرن الثامن الميلادي تقريبًا.

2\. بلاد الروم وآسيا الصغرى
استمرت الصوائف والشواتي في عهد هشام، وقاد مسلمة بن عبد الملك وعدد من قادة بني أمية حملات على الأراضي البيزنطية.

واستهدفت هذه الحملات الحصون والمدن في كبادوكية وآسيا الصغرى، ووقعت معارك متكررة بين الطرفين.

لكن الدولة البيزنطية تمكنت من الحفاظ على عاصمتها وأجزاء واسعة من آسيا الصغرى، ولم تستطع الجيوش الأموية تحويل الغارات المتكررة إلى فتح دائم للمنطقة.

وفي سنة 122هـ/740م، وقعت معركة أكرونيون، التي تكبد فيها الجيش الأموي هزيمة أمام البيزنطيين، وكانت من المعارك المهمة التي أضعفت الاندفاع الأموي في الأناضول.

3\. القوقاز والخزر
قاد الجراح بن عبد الله الحكمي حملات على الخزر، ووصل المسلمون إلى مناطق بلنجر وباب الأبواب، ووقعت مواجهات عنيفة في الممرات الجبلية.

ثم تولى مروان بن محمد قيادة جبهة أرمينية وأذربيجان، فشن حملات واسعة على الخزر، ووصلت قواته إلى مناطق بعيدة شمالًا، وتذكر بعض الروايات وصوله إلى نهر الفولغا.

وكانت هذه الحملات تهدف إلى حماية حدود الدولة في القوقاز ومنع الخزر من شن غارات على أذربيجان وأرمينية.

4\. ما وراء النهر
شهدت خراسان وبلاد ما وراء النهر حملات متتابعة بقيادة أسد بن عبد الله القسري ثم نصر بن سيار.

وواجه المسلمون تحالفات من الترك والصغد، وكانت بعض المعارك شديدة الخسائر، ومنها يوم العطش سنة 106هـ، ويوم الشعب سنة 119هـ بحسب الروايات التاريخية.

واستطاع نصر بن سيار في مرحلة لاحقة إعادة تنظيم الإدارة والجيش، واستعادة بعض المواقع التي خرجت عن السيطرة الأموية.

5\. السند والهند
واصل الجنيد بن عبد الرحمن المري حملاته في السند ومناطق من الهند الغربية، فدخلت مدن ومناطق مثل بهروج وأجين ومالوه في دائرة النفوذ الإسلامي لفترات متفاوتة.

لكن التوسع واجه مقاومة من الممالك الهندية المحلية، ولم يتمكن المسلمون من تثبيت سيطرتهم على جميع المناطق التي وصلوا إليها.

6\. شمال إفريقيا
استمرت الإدارة الأموية في إفريقية، لكن التوتر بين الولاة والسكان المحليين تصاعد، وبدأت مظالم الضرائب والتمييز الاجتماعي تتحول إلى ثورات واسعة.

وكانت هذه الاضطرابات من العوامل التي أضعفت الوجود الأموي في المغرب، ومهدت لثورة البربر الكبرى.

الوليد بن يزيد (125–126هـ)
تولى الوليد بن يزيد الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك. وقد تعرض لانتقادات شديدة في المصادر التاريخية بسبب نمط حياته ومواقفه السياسية، لكن بعض الأخبار التي تصوره بالمجون المطلق قد تأثرت بالصراع السياسي والدعاية العباسية اللاحقة.

ومن أبرز أحداث عهده خلافه مع عدد من أبناء الأسرة الأموية، وتوتر علاقته ببعض قادة الدولة، واتهامه بالإسراف في الأموال. كما واجه معارضة من يزيد بن الوليد، الذي قاد حركة انتهت بقتله سنة 126هـ قرب تدمر.

وتذكر المصادر أن الوليد قتل خالد بن عبد الله القسري، لكن التنفيذ الفعلي لتعذيبه وقتله ارتبط بيوسف بن عمر الثقفي، والي العراق، سنة 126هـ، في أواخر عهد الوليد أو في سياق الصراع الذي أعقب سقوطه بحسب اختلاف ترتيب الأخبار.

أما غيلان الدمشقي، فقد قُتل في عهد هشام بن عبد الملك، لا في عهد الوليد بن يزيد.

الفتوحات في عهد الوليد

لم يشهد عهد الوليد بن يزيد توسعًا عسكريًا كبيرًا، بسبب قصر مدته واضطراب الأوضاع السياسية.

واستمرت بعض الغزوات الموسمية على الأراضي البيزنطية، كما تواصلت العمليات الحدودية في أرمينية وأذربيجان، لكنها لم تؤدِّ إلى فتح مناطق واسعة جديدة.

يزيد بن الوليد (126هـ)
قاد يزيد بن الوليد الثورة على ابن عمه الوليد بن يزيد، واستطاع أن يسيطر على دمشق بعد مقتل الوليد، ثم بويع بالخلافة.

ولُقب بالناقص لأنه خفّض بعض العطاءات التي كان الوليد قد زادها، كما حاول إعادة تنظيم النفقات العامة والحد من الإسراف.

لكن حكمه لم يدم طويلًا، إذ واجه معارضة من بعض القبائل والقادة، وثار عليه مروان بن محمد في الجزيرة الفراتية وأرمينية.

وتوفي يزيد بالطاعون في ذي الحجة سنة 126هـ، بعد حكم استمر نحو ستة أشهر.

الفتوحات في عهده
لم تقع فتوحات كبيرة في عهد يزيد بن الوليد، إذ انشغل بتثبيت سلطته ومواجهة معارضة البيت الأموي والقبائل المتنازعة، كما استمرت الغزوات الحدودية المعتادة على الأراضي البيزنطية دون نتائج جغرافية كبيرة.

إبراهيم بن الوليد (126–127هـ)
بويع إبراهيم بن الوليد بالخلافة بعد وفاة أخيه يزيد، لكن بيعته لم تحظ بإجماع أهل الشام، ولم يتمكن من تثبيت سلطته في الأقاليم.

وكان مروان بن محمد قد تحرك من الجزيرة الفراتية باتجاه دمشق، بعد أن جمع جيشًا قويًا من أنصاره. وفي سنة 127هـ، انتصر على قوات سليمان بن هشام في معركة عين الجر، ثم دخل دمشق.

وتنازل إبراهيم عن الخلافة أو خُلع عنها، ثم دخل في طاعة مروان، وبذلك انتهى حكمه القصير.

الفتوحات في عهده
لم تقع في عهده فتوحات جديدة، بسبب قصر مدة حكمه، وانهيار السلطة المركزية، وانشغال الجيش بالصراع الداخلي على الخلافة.

مروان بن محمد (127–132هـ)
كان مروان بن محمد قائدًا عسكريًا بارزًا، وسبق له أن تولى قيادة الجيوش في أرمينية وأذربيجان والجزيرة الفراتية، واشتهر بخبرته في الحروب الحدودية ضد الخزر.

وبعد دخوله دمشق سنة 127هـ، تولى الخلافة، ونقل مركز الحكم إلى حران في الجزيرة الفراتية، محاولًا الابتعاد عن الانقسامات القبلية التي كانت تسيطر على الشام.

وأعاد تنظيم الجيش، لكنه واجه ثورات متعددة، منها ثورة سليمان بن هشام، واضطرابات حمص والغوطة وتدمر، ثم ثورة الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي، الذي قُتل سنة 128هـ.

كما شهد عهده ثورة أبي حمزة الخارجي في الحجاز، وهي حركة ارتبطت بدعوة عبد الله بن يحيى الكندي المعروف بلقب طالب الحق.

ثورة أبي حمزة الخارجي في الحجاز
بدأ نشاط أبي حمزة في أواخر عهد الدولة الأموية، والتقى عبد الله بن يحيى طالب الحق، ثم انضم إلى دعوته في حضرموت.

وفي سنة 129هـ، دخلت قوات الحركة مكة المكرمة خلال موسم الحج، ثم امتد نفوذها إلى المدينة المنورة في مرحلة لاحقة، وتذكر المصادر اختلافًا في ترتيب دخول المدينتين وتاريخه.

وأرسل مروان بن محمد جيشًا بقيادة عبد الملك بن محمد بن عطية لمواجهة الحركة، فقاتل قواتها في الحجاز، وتمكن من هزيمتها وقتل أبي حمزة وعدد من أتباعه، ثم واصل حملته باتجاه اليمن لمواجهة طالب الحق.

وتختلف الروايات في بعض تفاصيل هذه الحملة وتواريخها، لكن الثابت أن الحركة سيطرت فترة قصيرة على مكة والمدينة، وأن الجيش الأموي استعاد الحجاز منها.

الفتوحات في عهد مروان بن محمد
لم تشهد خلافة مروان توسعًا جديدًا يُذكر؛ فقد استهلكت الثورات الداخلية والدعوة العباسية معظم قدرة الدولة العسكرية.

أما قبل خلافته، فقد قاد مروان حملات واسعة على الخزر في القوقاز، حين كان واليًا على أرمينية وأذربيجان. وتمكن من اختراق مناطق واسعة من بلاد الخزر، وأجبر بعض القوى المحلية على الدخول في الصلح أو التراجع.

لكن هذه النجاحات العسكرية لم تستطع إنقاذ الدولة من الانهيار؛ إذ كانت الأزمة قد انتقلت من حدود الدولة إلى قلبها السياسي والعسكري.

نهاية الدولة الأموية وسقوطها سنة 132هـ
بدأ الضعف الكبير في الدولة الأموية بعد وفاة هشام بن عبد الملك سنة 125هـ، حين توالى على الخلافة عدد من الخلفاء خلال سنوات قليلة، ولم يعد هناك استقرار يسمح بإدارة الدولة كما كانت في عهد عبد الملك والوليد وهشام.

وتضافرت عدة عوامل في سقوط الدولة. أولها الصراع داخل البيت الأموي، إذ تنازع أفراد الأسرة على الخلافة، وتتابع عزل الخلفاء وقتلهم، مما أضعف هيبة السلطة المركزية. وثانيها العصبية القبلية، فقد اشتد النزاع بين القيسية واليمانية، وانتقل من التنافس الاجتماعي إلى صراع عسكري وسياسي. وثالثها ثورات الخوارج التي استمرت في العراق والجزيرة العربية واليمن، وأجبرت الدولة على توزيع قواتها على جبهات متعددة. ورابعها الثورات في شمال إفريقيا، إذ أدت المظالم والاضطرابات إلى ثورة البربر، وخسرت الدولة السيطرة على مناطق واسعة في المغرب. وخامسها التذمر في خراسان، حيث شعر عدد من الموالي والسكان المحليين بالتمييز في العطاء والمكانة، واستفادت الدعوة العباسية من هذا التذمر. وسادسها ضعف القيادة المركزية، فلم يعد الخلفاء المتأخرون قادرين على السيطرة على الولاة والقادة والقبائل كما كان الأمر في العقود الأولى.

الدعوة العباسية
بدأت الدعوة العباسية سرًا في الحميمة، وهي منطقة تقع في جنوب بلاد الشام، وكان من أبرز قادتها محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم تولى ابنه إبراهيم الإمام قيادة الدعوة.

ورفعت الدعوة شعار «الرضا من آل محمد»، واستفادت من الغموض في تحديد الشخص المقصود بهذا الشعار لجذب أنصار من جماعات مختلفة.

وفي خراسان، تولى أبو مسلم الخراساني تنظيم الحركة، واستطاع استقطاب أعداد كبيرة من السكان والقبائل، ورفع الرايات السود سنة 129هـ، معلنًا بداية الثورة المسلحة ضد الأمويين.

وتقدم الجيش العباسي بقيادة قحطبة بن شبيب، وتمكن من هزيمة القوات الأموية في خراسان والعراق، ثم دخلت قواته الكوفة، حيث بويع أبو العباس عبد الله بن محمد بالخلافة في ربيع الأول سنة 132هـ.

معركة الزاب وسقوط دمشق
حاول مروان بن محمد إيقاف التقدم العباسي، فجمع قواته والتقى الجيش العباسي على نهر الزاب الكبير في جمادى الآخرة سنة 132هـ.

وانتهت المعركة بهزيمة الجيش الأموي، وفر مروان باتجاه الشام ثم مصر، بينما تقدم العباسيون نحو دمشق وسيطروا عليها.

ولم يتمكن مروان من إعادة بناء جيشه، فتتبعه العباسيون حتى وصل إلى بوصير في مصر، حيث قُتل في ذي الحجة سنة 132هـ.

وبمقتله انتهت الدولة الأموية في المشرق بعد نحو إحدى وتسعين سنة من قيامها.

مصير بني أمية وقيام الدولة الأموية في الأندلس
بعد سقوط الدولة، طارد العباسيون عددًا من أفراد البيت الأموي، وقُتل كثير منهم، وتختلف الروايات في أعداد القتلى وتفاصيل ما جرى، كما أن بعض الأخبار نقلتها مصادر متأثرة بالصراع السياسي بين الأسرتين.

لكن عبد الرحمن بن معاوية، المعروف بعبد الرحمن الداخل، تمكن من النجاة والفرار عبر شمال إفريقيا، ثم وصل إلى الأندلس، واستطاع دخولها سنة 138هـ، وأسس فيها إمارة أموية مستقلة عن الخلافة العباسية.

واستمر حكم الأمويين في الأندلس قرونًا، ثم أعلن عبد الرحمن الناصر قيام الخلافة الأموية في قرطبة سنة 316هـ، وانتهت الخلافة الأموية في الأندلس سنة 422هـ بعد تفككها إلى دويلات الطوائف.

وبذلك انتهى الحكم الأموي في المشرق سنة 132هـ، لكنه استمر في الأندلس بصورة جديدة، تاركًا أثرًا سياسيًا وعمرانيًا وثقافيًا كبيرًا في تاريخ العالم الإسلامي.




المصادر والمراجع ودرجة موثوقيتها
اعتمدت في بناء هذا الموضوع على المصادر التاريخية التراثية، مع مقارنتها بالدراسات التاريخية الحديثة والمراجع المتخصصة في الفتوحات. ومن المهم التفريق بين موثوقية الكتاب بوصفه مصدرًا تاريخيًا وبين صحة كل رواية وردت فيه؛ فكتب التاريخ القديمة ليست كتب حديث اشترط مؤلفوها صحة كل خبر يوردونه.

أولًا: المصادر التاريخية الإسلامية القديمة

1\. تاريخ الرسل والملوك – محمد بن جرير الطبري .مصدر أساسي مهم
من أهم المصادر التي نقلت أخبار العصر الأموي، ويتميز بجمع روايات متعددة عن الخلفاء والفتوح والفتن. لكنه يورد أحيانًا روايات متعارضة، وينقل أخبارًا بأسانيد متفاوتة القوة؛ لذلك لا بد من مقارنة الروايات، خصوصًا في أحداث كربلاء ووقعة الحرة وسقوط الدولة.

2\. فتوح البلدان – أحمد بن يحيى البلاذري. مرجع مهم للفتوحات
من أهم المراجع في دراسة فتح البلدان، والصلح، والجزية، والخراج، وشروط دخول المدن في الحكم الإسلامي. وهو مرجع أساسي لفهم توسع الدولة، لكن رواياته تحتاج إلى المقارنة بغيرها، ولا سيما في تحديد تفاصيل الحملات وتواريخها.

3\. أنساب الأشراف – البلاذري . مرجع مهم للتاريخ السياسي
مفيد في أخبار بني أمية وبني هاشم، والبيوتات القرشية، والخلفاء والولاة، والصراعات السياسية. وتكمن أهميته في جمع أخبار الشخصيات والأنساب والروايات السياسية، مع ضرورة فحص الأخبار ومقارنتها بالمصادر الأخرى.

4\. الكامل في التاريخ – ابن الأثير .مرجع تاريخي معتبر
كتاب موسوعي مهم، لكنه جاء بعد الطبري بقرون، واعتمد في أجزاء كبيرة من تاريخه على مصادر أقدم، ومنها الطبري. لذلك يُستفاد منه في ترتيب الأحداث ومقارنة الروايات، لكنه لا يُعد دائمًا شاهدًا مستقلًا على صحة الخبر.

5\. البداية والنهاية – ابن كثير. مرجع تاريخي معتبر
من الكتب المهمة في التاريخ الإسلامي، ويعرض أخبار الخلفاء والفتن والفتوح، مع اهتمام ابن كثير بنقد بعض الروايات والتعليق عليها. ومع ذلك، ينبغي الرجوع إلى المصادر الأقدم عند دراسة الأحداث المختلف فيها.

ثانيًا: الدراسات التاريخية الحديثة

6\. The Umayyad Empire – أندرو مارشام .دراسة أكاديمية حديثة
دراسة حديثة متخصصة في تاريخ الدولة الأموية، وتفيد في فهم تكوين الدولة وإدارتها وحروبها وتحولاتها السياسية، كما تتناول حصار القسطنطينية والصراعات التي سبقت سقوط الدولة.

7\. Encyclopaedia Iranica – مادة Khorasan: The Arab Conquest and Omayyad Period. مرجع أكاديمي متخصص
مفيد في دراسة فتح خراسان وما وراء النهر، وتاريخ الحملات الأموية في بلاد الصغد وطخارستان وسجستان، ودور قتيبة بن مسلم والمهلب بن أبي صفرة.

8\. دراسات طريق الحرير – منظمة اليونسكو. مرجع بحثي موثوق
تقدم دراسة اليونسكو عن بداية فتح بلاد ما وراء النهر تفاصيل مهمة عن حملات قتيبة بن مسلم على بيكند وبخارى وسمرقند، وتوضح أن الفتح مر بمراحل من القتال والصلح والتحالفات المحلية، ولم يكن توسعًا عسكريًا مستقيمًا أو نهائيًا من البداية.

9\. دراسات فتح شمال إفريقيا والكاهنة – جامعة غرناطة. دراسة أكاديمية متخصصة
تتناول الروايات المتعلقة بالكاهنة ومقاومة التوسع الأموي في إفريقيا البيزنطية، وتوضح أن أخبارها القديمة متباينة، وأن بعض التفاصيل التي اشتهرت في الروايات المتأخرة تحتاج إلى مراجعة نقدية.

10\. دراسات فتح الأندلس. مراجع بحثية حديثة
تساعد الدراسات الحديثة في فهم عبور طارق بن زياد، وحملة موسى بن نصير، وسقوط المملكة القوطية، والتوسع في شبه الجزيرة الإيبيرية. وتؤكد أهمية الحذر من الأعداد الضخمة والتفاصيل القصصية التي تنقلها بعض الروايات القديمة دون سند تاريخي كافٍ.

ثالثًا: ما مدى موثوقية هذه المصادر؟
يُعد الطبري مصدرًا أساسيًا مع ضرورة نقد رواياته، وأفضل مجالاته الأحداث السياسية والفتن. ويُعد البلاذري في فتوح البلدان مهمًا جدًا في الفتوحات والصلح والخراج، وفي أنساب الأشراف مهمًا في الأنساب والشخصيات والسياسة. أما ابن الأثير فمعتبر ومفيد للمقارنة في التسلسل التاريخي والأحداث، وكذلك ابن كثير في التاريخ الإسلامي والتراجم. وتبقى الدراسات الأكاديمية الحديثة مهمة للتحليل ولإعادة تقييم الروايات والتواريخ، ودراسات اليونسكو متخصصة في طريق الحرير وبلاد ما وراء النهر.

الخلاصة المنهجية: المصادر التراثية المذكورة معروفة ومهمة في دراسة التاريخ الإسلامي، لكن لا يصح اعتبار كل ما ورد فيها حقيقة ثابتة لمجرد أن مؤلفها عالم أو مؤرخ مشهور. والأفضل الاعتماد على الطبري والبلاذري بوصفهما من المصادر الأساسية، ثم مقارنة الأخبار بابن الأثير وابن كثير، والاستفادة من الدراسات الأكاديمية والآثار عند بحث الفتوحات والحدود والتواريخ.

أما أحداث كربلاء، ووقعة الحرة، والخلافات السياسية بين الخلفاء، فينبغي عرض ما ثبت منها بوضوح، وما اختلفت فيه الروايات بتحفظ وإنصاف، دون زيادة أو تهوين.

ملاحظة تاريخية أخيرة: أرقام السنوات الهجرية الواردة في المقال تقريبية في بعض الحملات؛ لأن المصادر تختلف أحيانًا في تحديد سنة بداية الحملة أو نهايتها، كما أن فتح مدينة عسكريًا لا يعني بالضرورة استقرار الحكم الإسلامي فيها بصورة دائمة. وهذه نقطة مهمة خصوصًا عند الحديث عن بلاد ما وراء النهر وشمال إفريقيا والأندلس.



مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: الخِلَافَةُ الأُمَوِيَّةُ (41 – 132 هـ / 662 – 750)
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عشق اللغة العربية يتفجر في يومها العالمي رشيد عانين منبر البوح الهادئ 5 12-27-2025 06:03 AM
في يومها العالمي .. مالذي تعرفه عن اللغة العربية هيثم المري المقهى 14 04-01-2020 04:41 AM
تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصُورها القديمة - عبد العزيز صَالح د. عبد الفتاح أفكوح منبر رواق الكُتب. 0 06-02-2014 11:20 PM
اللهجات العربية القديمة في غرب الجزيرة العربية - تشيم رابين د. عبد الفتاح أفكوح منبر رواق الكُتب. 0 05-30-2014 11:40 PM
{{ أثار فرعونية في الجزيرة العربية }} ساره الودعاني منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 8 07-30-2011 09:28 AM

الساعة الآن 06:48 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.