احصائيات

الردود
0

المشاهدات
49
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,863

+التقييم
0.67

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
11-02-2026, 10:57 PM
المشاركة 1
11-02-2026, 10:57 PM
المشاركة 1
افتراضي الدَّوْلَةُ الأُمَوِيَّةُ فِي الأَنْدَلُسِ (١٣٨–٤٢٢هـ / ٧٥٦–١٠٣١م)
بسم الله الرحمن الرحيم










الدَّوْلَةُ الأُمَوِيَّةُ فِي الأَنْدَلُسِ (١٣٨–٤٢٢هـ / ٧٥٦–١٠٣١م)

المقدمة

تُعَدُّ الدولة الأموية في الأندلس واحدة من أبرز التجارب السياسية والحضارية في التاريخ الإسلامي، فقد استطاعت أن تؤسس حكمًا إسلاميًا استمر قرابة ثلاثة قرون، وأن تحوّل الأندلس من إقليم شهد اضطرابات وصراعات متواصلة إلى دولة قوية ذات نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي وثقافي.

بدأ الحكم الأموي في الأندلس سنة ١٣٨هـ / ٧٥٦م، عندما تمكن عبد الرحمن بن معاوية، المعروف بعبد الرحمن الداخل، من دخول قرطبة وتأسيس إمارة أموية مستقلة عن الخلافة العباسية في المشرق. وكان عبد الرحمن الداخل أحد الناجين من سقوط الدولة الأموية في دمشق سنة ١٣٢هـ / ٧٥٠م، إذ فرّ من ملاحقة العباسيين حتى وصل إلى المغرب، ثم عبر إلى الأندلس وأسس فيها حكمًا جديدًا لبني أمية.

وقد مر الحكم الأموي في الأندلس بمرحلتين سياسيتين أساسيتين: مرحلة الإمارة الأموية المستقلة، التي امتدت من سنة ١٣٨هـ إلى سنة ٣١٦هـ، ثم مرحلة الخلافة الأموية التي أعلنها عبد الرحمن الثالث الناصر سنة ٣١٦هـ / ٩٢٩م، واستمرت حتى سقوط خلافة قرطبة سنة ٤٢٢هـ / ١٠٣١م.

وتولى الحكم في الأندلس خلفاء وأمراء من البيت الأموي، وكان أبرزهم عبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الأوسط، وعبد الرحمن الناصر، والحكم المستنصر بالله. كما شهدت الدولة صعودًا كبيرًا لنفوذ الحُجّاب، وعلى رأسهم محمد بن أبي عامر المعروف بالمنصور، الذي أصبح صاحب السلطة الفعلية في الدولة خلال عهد الخليفة هشام الثاني.

وفي أواخر عهدها دخلت الدولة في صراعات داخلية عُرفت بالفتنة الأندلسية، أدت إلى تفكك السلطة المركزية وتعدد المتنافسين على الخلافة، حتى أُلغيت الخلافة الأموية في قرطبة سنة ٤٢٢هـ / ١٠٣١م، وبدأ عصر ملوك الطوائف.

وفيما يلي عرض متسلسل لأهم مراحل الدولة الأموية في الأندلس، وأبرز حكامها وأحداثها ومعاركها وإنجازاتها الحضارية، وصولًا إلى سقوطها.

أولًا: تأسيس الإمارة الأموية في الأندلس

عبد الرحمن الداخل (صقر قريش)

(١٣٨–١٧٢هـ / ٧٥٦–٧٨٨م)

يُعَدُّ عبد الرحمن بن معاوية المؤسس الحقيقي للحكم الأموي في الأندلس، وهو حفيد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك. وقد نجا من الملاحقات العباسية التي أعقبت سقوط الدولة الأموية في المشرق سنة ١٣٢هـ / ٧٥٠م، وتمكن من الفرار إلى المغرب بعد رحلة شاقة.

وصل عبد الرحمن إلى الأندلس سنة ١٣٨هـ، مستفيدًا من وجود أنصار لبني أمية هناك، ومن حالة الانقسام بين القوى العربية والقبائل المتنافسة على السلطة. واستطاع أن يجمع حوله عددًا من المؤيدين، ثم خاض مواجهة عسكرية حاسمة مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري، الوالي السابق للأندلس.

وقعت معركة المصارة قرب قرطبة سنة ١٣٨هـ / ٧٥٦م، وانتهت بانتصار عبد الرحمن الداخل ودخوله قرطبة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الحكم الإسلامي في الأندلس.

لم يكن تأسيس الإمارة أمرًا سهلًا؛ فقد واجه عبد الرحمن الداخل ثورات متكررة من بعض الزعماء المحليين والقبائل، كما واجه محاولات العباسيين لاستعادة السيطرة على الأندلس. ومن أبرز التحديات التي واجهها ثورة العلاء بن مغيث، الذي أُرسل في محاولة لإسقاط حكمه، لكنه تمكن من القضاء على الثورة وتثبيت سلطته.

كما واجه تمردات بعض الولاة والقادة، واضطر إلى خوض حملات عسكرية متتابعة لإخضاع المناطق التي لم تعترف بحكمه.

ومن أبرز أعماله:

- تأسيس إمارة أموية مستقلة سياسيًا عن الدولة العباسية.
- اتخاذ قرطبة عاصمة للحكم.
- إنشاء جيش قوي يعتمد عليه في حماية الدولة.
- تنظيم الإدارة وتثبيت سلطة الأمير في الأقاليم.
- البدء في بناء جامع قرطبة الكبير سنة ١٧٠هـ / ٧٨٦م تقريبًا، ليصبح لاحقًا أحد أعظم المعالم الإسلامية في أوروبا.
- الاهتمام بالزراعة والري وتطوير الحياة الاقتصادية.

وقد عُرف عبد الرحمن بلقب «صقر قريش»، وهو لقب اشتهر به بعد أن وصفه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بهذا الوصف، تقديرًا لما أظهره من قدرة استثنائية على النجاة وتأسيس دولة جديدة بعيدًا عن موطن أسرته.

توفي عبد الرحمن الداخل سنة ١٧٢هـ / ٧٨٨م بعد أن أسس كيانًا سياسيًا قويًا مهّد لاستمرار الحكم الأموي في الأندلس.

هشام الأول

(١٧٢–١٨٠هـ / ٧٨٨–٧٩٦م)

تولى هشام بن عبد الرحمن الداخل الحكم بعد وفاة والده، واستطاع المحافظة على الدولة التي أسسها والده، رغم المنافسة التي ظهرت من بعض إخوته على الإمارة.

اهتم هشام بتنظيم شؤون الدولة، وتقوية المؤسسات الدينية والقضائية، كما عُرف بتقواه واهتمامه بالعلماء والفقهاء.

وفي عهده استمرت الحملات العسكرية ضد الممالك المسيحية في الشمال، كما واجه اضطرابات في بعض المناطق التي حاولت الخروج عن سلطة قرطبة.

ومن أبرز أعماله:

- تعزيز سلطة الإمارة في الأقاليم.
- الاهتمام بالفقه المالكي ونشره.
- دعم العلماء والقضاة.
- مواصلة تطوير جامع قرطبة.
- تنظيم الحملات العسكرية على المناطق الشمالية.

وقد شهد عهده استقرارًا نسبيًا مقارنة بمرحلة التأسيس، وتوفي سنة ١٨٠هـ / ٧٩٦م، وخلفه ابنه الحكم الأول.

الحكم الأول

(١٨٠–٢٠٦هـ / ٧٩٦–٨٢٢م)

تولى الحكم بن هشام الإمارة في مرحلة شهدت اضطرابات داخلية واسعة، إذ واجه معارضة من بعض أفراد الأسرة الأموية، إلى جانب ثورات في مناطق مختلفة من الأندلس.

وكان من أبرز الأحداث في عهده ثورة أهل الربض في قرطبة سنة ٢٠٢هـ / ٨١٨م تقريبًا، وهي انتفاضة اجتماعية وسياسية اندلعت في الضاحية الجنوبية لقرطبة نتيجة التوتر بين السلطة والسكان.

قمع الحكم الأول الثورة بقوة، وأُجبر عدد كبير من سكان الربض على مغادرة قرطبة، وانتقل بعضهم إلى المغرب، بينما اتجه آخرون إلى الإسكندرية ثم إلى جزيرة كريت، حيث أسسوا لاحقًا إمارة إسلامية.

كما واجه الحكم الأول ثورات في طليطلة وغيرها من المناطق، واهتم بتقوية الجيش وتثبيت السلطة المركزية.

ومن أبرز ما يُذكر عن عهده:

- مواجهة التمردات الداخلية.
- إعادة فرض سلطة قرطبة على المناطق المضطربة.
- تنظيم الجيش والإدارة.
- مواصلة الاهتمام بالعاصمة قرطبة.
- التعامل مع التحديات العسكرية القادمة من الشمال.

توفي الحكم الأول سنة ٢٠٦هـ / ٨٢٢م، وخلفه ابنه عبد الرحمن الأوسط.

عبد الرحمن الأوسط

(٢٠٦–٢٣٨هـ / ٨٢٢–٨٥٢م)

يُعَدُّ عبد الرحمن بن الحكم، المعروف بعبد الرحمن الأوسط، من أبرز أمراء بني أمية في الأندلس، فقد شهد عهده ازدهارًا إداريًا واقتصاديًا وثقافيًا ملحوظًا.

عمل على تطوير مؤسسات الدولة، وتعزيز مكانة قرطبة، وتنظيم الجند والضرائب، كما اهتم بالعلماء والأدباء والفقهاء.

وفي عهده ازداد اتصال الأندلس بالعالم الإسلامي، ووصل إليها عدد من العلماء والتجار والحرفيين، كما تأثرت الحياة الاجتماعية والثقافية بما كان يجري في المشرق.

ومن أبرز الأحداث العسكرية في عهده الهجمات التي تعرضت لها السواحل الأندلسية من غارات النورمان، الذين وصلوا إلى بعض المناطق الساحلية، وهاجموا إشبيلية سنة ٢٣٠هـ / ٨٤٤م تقريبًا.

وقد واجهت القوات الأندلسية هذه الهجمات، وتمكنت من إلحاق الهزيمة بالمهاجمين بعد معارك عنيفة، ثم عملت الدولة على تعزيز الدفاعات الساحلية والأسطول البحري.

كما شهد عهده ثورات في بعض المناطق، من بينها اضطرابات في طليطلة، وتمردات مرتبطة ببعض الزعامات المحلية.

ومن أبرز إنجازاته:

- تطوير الإدارة المركزية.
- الاهتمام بالعمران والقصور والمساجد.
- تقوية الأسطول والدفاع عن السواحل.
- دعم الحياة العلمية والأدبية.
- تعزيز النشاط التجاري والزراعي.
- ترسيخ مكانة قرطبة بوصفها مركزًا سياسيًا وثقافيًا.

توفي عبد الرحمن الأوسط سنة ٢٣٨هـ / ٨٥٢م، بعد عهد طويل شهد ازدهارًا واضحًا في مؤسسات الدولة.

ثانيًا: مرحلة الاضطرابات والتراجع السياسي

بعد وفاة عبد الرحمن الأوسط بدأت الإمارة الأموية تواجه تحديات أكبر، إذ ظهرت ثورات محلية واتسعت سلطة بعض الزعامات الإقليمية، كما تزايدت الخلافات بين بعض القبائل والجماعات داخل الأندلس.

محمد الأول

(٢٣٨–٢٧٣هـ / ٨٥٢–٨٨٦م)

تولى محمد بن عبد الرحمن الحكم بعد وفاة والده، وواجه منذ بداية عهده اضطرابات في عدد من المدن، كان أبرزها التمردات التي شهدتها طليطلة.

كما ظهرت في عهده حركة عمر بن حفصون، الذي أصبح لاحقًا أحد أخطر خصوم السلطة الأموية في جنوب الأندلس.

بدأت حركة ابن حفصون في أواخر القرن الثالث الهجري، واتخذت من مناطق جبلية حصينة في الجنوب قاعدة لنفوذها، وتمكن أتباعه من السيطرة على عدد من الحصون والمناطق، مستفيدين من ضعف السيطرة المركزية.

واجه محمد الأول هذه الاضطرابات بحملات عسكرية متكررة، لكنه لم يتمكن من إنهاء جميع التمردات بصورة نهائية.

كما استمرت المواجهات مع الممالك المسيحية في الشمال، وتعرضت بعض المناطق الحدودية لهجمات متكررة.

ومن أبرز سمات عهده:

- استمرار التمردات المحلية.
- اتساع نفوذ بعض الزعماء الإقليميين.
- ضعف السيطرة المركزية في بعض المناطق.
- تزايد الضغوط العسكرية من الممالك المسيحية.
- استمرار محاولات الدولة إعادة فرض النظام.

توفي محمد الأول سنة ٢٧٣هـ / ٨٨٦م، وخلفه ابنه المنذر.

المنذر بن محمد

(٢٧٣–٢٧٥هـ / ٨٨٦–٨٨٨م)

لم يدم حكم المنذر طويلًا، لكنه حاول منذ توليه السلطة استعادة هيبة الدولة الأموية ومواجهة الثورات التي انتشرت في الأقاليم.

قاد حملات عسكرية ضد عمر بن حفصون، الذي كان قد أصبح قوة مؤثرة في مناطق الجنوب، إلا أن المنذر توفي أثناء إحدى الحملات العسكرية سنة ٢٧٥هـ / ٨٨٨م.

وقد أدى قصر فترة حكمه إلى عدم تمكنه من تحقيق استقرار سياسي دائم، وانتقلت السلطة بعده إلى أخيه عبد الله.

عبد الله بن محمد

(٢٧٥–٣٠٠هـ / ٨٨٨–٩١٢م)

تولى عبد الله بن محمد الحكم في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الإمارة الأموية.

كانت السلطة المركزية قد ضعفت، وخرجت مناطق عديدة عن السيطرة المباشرة لقرطبة، كما اتسع نفوذ عمر بن حفصون، الذي تمكن من بناء قوة سياسية وعسكرية واسعة في الجنوب.

اتخذ ابن حفصون من حصن ببشتر قاعدة لنفوذه، واستطاع أن يسيطر على مناطق واسعة، وأن يدخل في تحالفات ومواجهات مع القوى المحلية والممالك المسيحية.

كما شهدت طليطلة ومناطق أخرى اضطرابات متكررة، وأصبحت سلطة الأمير في بعض الأقاليم محدودة.

حاول عبد الله بن محمد استعادة السيطرة من خلال الحملات العسكرية والاتفاقات السياسية، لكنه لم يتمكن من إنهاء الأزمة بصورة نهائية.

ومن أبرز أحداث عهده:

- اتساع نفوذ عمر بن حفصون.
- تراجع سلطة قرطبة في مناطق واسعة.
- استمرار الثورات الإقليمية.
- ضعف الموارد المالية والعسكرية.
- تزايد التحديات الخارجية.

توفي عبد الله سنة ٣٠٠هـ / ٩١٢م، وانتقلت السلطة إلى حفيده عبد الرحمن بن محمد، الذي سيصبح لاحقًا أعظم حكام بني أمية في الأندلس.

ثالثًا: إعادة توحيد الأندلس وإعلان الخلافة

عبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله

أميرًا: (٣٠٠–٣١٦هـ / ٩١٢–٩٢٩م)

خليفة: (٣١٦–٣٥٠هـ / ٩٢٩–٩٦١م)

يُعَدُّ عبد الرحمن الثالث، المعروف بالناصر لدين الله، أعظم حكام الدولة الأموية في الأندلس، فقد تسلم الحكم في مرحلة كانت فيها الدولة مهددة بالتفكك، وتمكن خلال سنوات من إعادة توحيد معظم الأندلس تحت سلطته.

بدأ عهده بحملات عسكرية وسياسية ضد الثورات الإقليمية، وكان من أبرز أهدافه القضاء على نفوذ عمر بن حفصون وأنصاره.

قاد الناصر حملات متتابعة ضد الحصون والمناطق المتمردة، واستطاع استعادة عدد كبير من المدن والقلاع، كما عمل على استمالة بعض الزعماء المحليين وإخضاع آخرين بالقوة.

وفي سنة ٣٠٠هـ / ٩١٢م بدأ مرحلة إعادة بناء الدولة، فعمل على إصلاح الجيش والإدارة والموارد المالية، وأعاد فرض سلطة قرطبة على مناطق كانت قد خرجت عن نفوذها.

ومن أبرز الأحداث في عهده:

مواجهة عمر بن حفصون:

استمرت المواجهة بين السلطة الأموية وحركة ابن حفصون سنوات طويلة، حتى توفي ابن حفصون سنة ٣٠٥هـ / ٩١٧م تقريبًا، لكن أنصاره واصلوا المقاومة بعد وفاته، إلى أن تمكن الناصر من القضاء على معظم معاقل الحركة واستعادة ببشتر سنة ٣١٥هـ / ٩٢٨م تقريبًا.

إعلان الخلافة الأموية:

في سنة ٣١٦هـ / ٩٢٩م أعلن عبد الرحمن الناصر نفسه خليفة، واتخذ لقب «الناصر لدين الله».

وكان لهذا الإعلان أبعاد سياسية ودينية مهمة؛ إذ أراد تأكيد استقلال الأندلس ومكانتها في العالم الإسلامي، خصوصًا في ظل وجود الخلافة العباسية في بغداد والخلافة الفاطمية التي ظهرت في شمال أفريقيا.

وبذلك تحولت الإمارة الأموية إلى خلافة مستقلة، وأصبحت قرطبة مركزًا سياسيًا ينافس المراكز الكبرى في العالم الإسلامي.

العلاقات الخارجية والمعارك:

شهد عهده مواجهات مع الممالك المسيحية في الشمال، كما دخل في صراعات سياسية وعسكرية مع القوى الفاطمية في شمال أفريقيا.

ومن أبرز المواجهات العسكرية مع القوى المسيحية معركة الخندق المعروفة بمعركة سمورة سنة ٣٢٧هـ / ٩٣٩م، التي تعرض فيها جيش الناصر لهزيمة كبيرة أمام قوات ليون وقشتالة وحلفائهما.

وقد أثرت هذه الهزيمة في السياسة العسكرية للدولة، فعمل الناصر بعدها على إعادة تنظيم الجيش وتطوير أساليب القيادة.

الإنجازات العمرانية والحضارية:

من أعظم إنجازاته إنشاء مدينة الزهراء قرب قرطبة، التي بدأ بناؤها نحو سنة ٣٢٥هـ / ٩٣٦م، وجعلها مقرًا ملكيًا وإداريًا يعكس قوة الخلافة وثراءها.

كما اهتم بتطوير قرطبة، وتوسعة المنشآت العامة، وتعزيز مكانة الدولة في التجارة والدبلوماسية.

ومن أبرز إنجازاته:

- إعادة توحيد معظم الأندلس.
- القضاء على كثير من الثورات المحلية.
- إعلان الخلافة الأموية سنة ٣١٦هـ / ٩٢٩م.
- بناء مدينة الزهراء.
- تطوير الجيش والأسطول.
- تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع القوى الخارجية.
- دعم العلوم والآداب والعمران.
- جعل قرطبة من أبرز عواصم العالم الإسلامي.

توفي عبد الرحمن الناصر سنة ٣٥٠هـ / ٩٦١م، بعد حكم طويل نقل فيه الدولة من مرحلة الضعف والتفكك إلى قمة القوة والازدهار.

الحكم الثاني المستنصر بالله

(٣٥٠–٣٦٦هـ / ٩٦١–٩٧٦م)

تولى الحكم المستنصر بالله الخلافة بعد وفاة والده عبد الرحمن الناصر، وكان من أكثر خلفاء بني أمية اهتمامًا بالعلم والثقافة.

شهد عهده استقرارًا سياسيًا نسبيًا، واستمرت الدولة في الحفاظ على نفوذها وقوتها العسكرية والاقتصادية.

كان الحكم المستنصر محبًا للعلم والكتب، واهتم بجمع المؤلفات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأنشأ مكتبة ضخمة في قرطبة، واهتم بتطوير التعليم وتشجيع العلماء والفقهاء والأطباء.

كما واصل الاهتمام بمدينة الزهراء، ووسّع جامع قرطبة الكبير، واهتم بالمرافق العامة.

وعلى الصعيد العسكري، استمرت المواجهات مع الممالك المسيحية في الشمال، كما حافظت الدولة على حضورها السياسي في شمال أفريقيا.

ومن أبرز إنجازاته:

- تطوير مكتبة قرطبة وجمع الكتب.
- تشجيع العلماء والأطباء والفقهاء.
- دعم الترجمة والنسخ والتأليف.
- الاهتمام بالتعليم والمؤسسات العلمية.
- توسعة جامع قرطبة.
- المحافظة على قوة الدولة العسكرية.
- استمرار النفوذ الأموي في شمال أفريقيا.

توفي الحكم المستنصر سنة ٣٦٦هـ / ٩٧٦م، وكان موته بداية مرحلة جديدة من تاريخ الخلافة، إذ تولى ابنه هشام الثاني الحكم وهو صغير السن، الأمر الذي أتاح للحجاب ورجال القصر فرصة أكبر للسيطرة على شؤون الدولة.

رابعًا: نفوذ الحُجّاب وصعود المنصور بن أبي عامر

هشام الثاني المؤيد بالله

(٣٦٦–٣٩٩هـ / ٩٧٦–١٠٠٩م)، ثم (٤٠٠–٤٠٣هـ / ١٠١٠–١٠١٣م)

تولى هشام الثاني الخلافة بعد وفاة والده الحكم المستنصر، وكان صغير السن، ولذلك أصبحت إدارة الدولة في يد كبار رجال القصر والحجاب.

وبرز في هذه المرحلة محمد بن أبي عامر، الذي استطاع تدريجيًا أن يسيطر على مؤسسات الحكم، ويصبح صاحب السلطة الفعلية في الدولة، بينما بقي الخليفة هشام الثاني في منصبه اسمًا.

محمد بن أبي عامر المنصور

(توفي سنة ٣٩٢هـ / ١٠٠٢م)

يُعَدُّ محمد بن أبي عامر، المعروف بالمنصور، من أقوى الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخ الأندلس.

بدأ حياته في خدمة الدولة، وتدرج في المناصب الإدارية والقضائية، ثم استطاع بفضل ذكائه السياسي وعلاقاته داخل القصر أن يصل إلى مواقع النفوذ.

وبعد وفاة الحكم المستنصر وتولي هشام الثاني الخلافة، تمكن ابن أبي عامر من تعزيز نفوذه، مستفيدًا من صغر سن الخليفة، ومن الدعم الذي حصل عليه داخل القصر والجيش.

أصبح الحاجب وصاحب السلطة الفعلية، وأقصى منافسيه، وعمل على تقوية الجيش وتنظيمه، كما اعتمد على قوات متنوعة، وحرص على استمرار الحملات العسكرية ضد الممالك المسيحية في الشمال.

حملاته العسكرية:

قاد المنصور عددًا كبيرًا من الحملات العسكرية، التي عُرفت في المصادر باسم الصوائف والشواتي، واستهدفت الممالك المسيحية في الشمال.

ومن أبرز حملاته:

- حملاته على مملكة ليون.
- حملاته على قشتالة والمناطق الحدودية.
- حملاته على برشلونة.
- حملته الشهيرة على سانتياغو دي كومبوستيلا سنة ٣٨٧هـ / ٩٩٧م تقريبًا، حيث دخل المدينة وألحق أضرارًا كبيرة بمركزها الديني والعمراني.
- حملات أخرى على مناطق متعددة في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية.

وقد حقق المنصور انتصارات عسكرية متكررة، وأجبر بعض الممالك المسيحية على دفع الجزية أو الدخول في اتفاقات سياسية، كما عزز هيبة الدولة الأموية.

سياساته الداخلية:

لم يقتصر نفوذ المنصور على الجيش، بل شمل الإدارة والقضاء والمالية، وأصبح صاحب القرار الأول في شؤون الدولة.

كما اهتم بتوسعة جامع قرطبة، وعمل على نقل مركز السلطة والإدارة إلى منشآت جديدة في مدينة الزاهرة، التي أنشأها لتكون مقرًا للحكم والإدارة.

توفي المنصور سنة ٣٩٢هـ / ١٠٠٢م، بعد أن ترك دولة قوية عسكريًا، لكنها أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على شخصية الحاجب وأسرته.

عبد الملك المظفر

(٣٩٢–٣٩٩هـ / ١٠٠٢–١٠٠٨م)

خلف عبد الملك بن المنصور والده في منصب الحجابة، وتمكن من المحافظة على جانب كبير من النفوذ الذي بناه أبوه.

استمرت الحملات العسكرية في عهده ضد الممالك المسيحية، كما حافظ على السيطرة على مؤسسات الدولة والجيش.

وكانت الدولة لا تزال قوية في الظاهر، لكن اعتمادها على أسرة بني أبي عامر أصبح واضحًا، وبدأت تظهر توترات داخلية بشأن مستقبل الحكم ومكانة الخليفة الأموي.

توفي عبد الملك سنة ٣٩٩هـ / ١٠٠٨م، وانتقلت الحجابة إلى أخيه عبد الرحمن شنجول.

عبد الرحمن شنجول

(٣٩٩–٤٠٠هـ / ١٠٠٨–١٠٠٩م)

كان عبد الرحمن بن المنصور آخر أبناء المنصور الذين تولوا الحجابة، وقد أثار تعيينه وليًا للعهد من قبل الخليفة هشام الثاني اعتراضات واسعة بين الأمويين والنخب السياسية والعسكرية.

اعتبر كثيرون أن هذه الخطوة تهدد مكانة البيت الأموي، لأنها تفتح الطريق أمام انتقال الحكم إلى أسرة بني أبي عامر.

خرج شنجول في حملة عسكرية إلى الشمال، وفي أثناء غيابه اندلعت ثورة في قرطبة بقيادة محمد بن هشام المهدي، الذي تمكن من الاستيلاء على العاصمة وإعلان نفسه خليفة.

عاد شنجول، لكنه لم يتمكن من استعادة السلطة، وقُبض عليه وقُتل سنة ٤٠٠هـ / ١٠٠٩م تقريبًا.

وبموته انتهى نفوذ أسرة بني أبي عامر في الحكم، وبدأت مرحلة الفتنة الأندلسية التي أدت إلى انهيار الخلافة.

خامسًا: الفتنة الأندلسية وسقوط الخلافة

تُعَدُّ الفتنة الأندلسية من أخطر المراحل في تاريخ الدولة الأموية، وقد بدأت سنة ٣٩٩هـ / ١٠٠٩م تقريبًا، واستمرت أكثر من عقدين، وشهدت صراعات دامية بين الأمويين والحموديين وقادة الجيش والزعامات المحلية.

لم تكن الفتنة مجرد خلاف على شخص الخليفة، بل كانت نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية واجتماعية، من بينها ضعف سلطة الخليفة، وتضخم نفوذ الحجاب، وتنافس قادة الجيش، والانقسامات بين الجماعات المختلفة.

وخلال هذه المرحلة تعاقب عدد من الخلفاء، وتعددت الانقلابات والتحالفات، وأصبحت قرطبة ساحة لصراع مستمر على السلطة.

محمد الثاني المهدي

(٣٩٩–٤٠٠هـ / ١٠٠٩م تقريبًا)

كان محمد بن هشام المهدي من أفراد الأسرة الأموية، وقد استغل الثورة على شنجول وتمكن من الاستيلاء على قرطبة وإعلان نفسه خليفة.

عمل على إنهاء نفوذ بني أبي عامر، لكنه واجه معارضة من قطاعات واسعة من الجيش، كما دخل في صراع مع أنصار هشام الثاني.

لم يتمكن المهدي من تثبيت حكمه، إذ ظهرت قوى منافسة تمكنت من الإطاحة به لفترة، ثم عاد إلى السلطة قبل أن يُقتل سنة ٤٠٠هـ / ١٠٠٩م تقريبًا.

سليمان المستعين بالله

(٤٠٠–٤٠٧هـ / ١٠٠٩–١٠١٦م، مع فترات انقطاع)

كان سليمان بن الحكم من الأمويين، وتمكن من الوصول إلى الخلافة بمساندة قوى عسكرية وقبائل بربرية.

دخل في صراع مع المهدي، وشهدت الأندلس في عهده معارك داخلية أدت إلى تدمير أجزاء من قرطبة وإضعاف مؤسسات الدولة.

وفي سنة ٤٠٣هـ / ١٠١٣م تمكن من السيطرة على قرطبة، ووقعت أعمال عنف ونهب واسعة، وانتهت هذه المرحلة بتراجع كبير في قوة العاصمة.

ظل الصراع على الخلافة مستمرًا، حتى تمكنت قوى منافسة من الإطاحة به.

علي بن حمود الناصر

(٤٠٧–٤٠٨هـ / ١٠١٦–١٠١٨م)

ينتمي علي بن حمود إلى الأسرة الإدريسية العلوية، وليس إلى البيت الأموي.

استطاع الوصول إلى قرطبة بدعم من قواته وأنصاره، وتمكن من الاستيلاء على الخلافة سنة ٤٠٧هـ / ١٠١٦م، وأصبح أول خليفة من بني حمود في قرطبة.

وكان وصوله إلى الحكم دليلًا على مدى ضعف البيت الأموي وتراجع قدرته على احتكار السلطة.

لم يدم حكمه طويلًا، إذ قُتل سنة ٤٠٨هـ / ١٠١٨م، ودخلت البلاد بعد ذلك مرحلة جديدة من الصراع.

عبد الرحمن الرابع المرتضى

(٤٠٨هـ / ١٠١٨م تقريبًا)

كان عبد الرحمن بن محمد من أفراد الأسرة الأموية، وحاول استعادة الخلافة من بني حمود.

تمكن من الحصول على تأييد بعض القوى، لكنه لم يستطع تثبيت حكمه، وانتهت محاولته بالهزيمة والقتل في سنة ٤٠٨هـ / ١٠١٨م تقريبًا.

القاسم بن حمود المأمون

(٤٠٨–٤١٤هـ / ١٠١٨–١٠٢٣م، مع فترات انقطاع)

تولى القاسم بن حمود الخلافة بعد مقتل علي بن حمود، وحاول المحافظة على نفوذ أسرته.

لكن سلطته لم تكن مستقرة، فقد واجه منافسة من أفراد أسرته ومن الأمويين، كما تزايدت استقلالية القوى المحلية.

شهدت فترة حكمه استمرار الانقسامات السياسية والعسكرية، ولم يتمكن من إعادة بناء الدولة المركزية.

يحيى بن علي بن حمود المعتلي بالله

(٤١٤–٤١٦هـ / ١٠٢٣–١٠٢٥م تقريبًا، مع فترات متداخلة)

كان يحيى بن علي بن حمود من أبرز المنافسين داخل الأسرة الحمودية، واستطاع أن ينتزع السلطة من القاسم في مرحلة من مراحل الصراع.

لكن الخلافات بين أفراد الأسرة الحمودية استمرت، كما بقيت قرطبة تعاني من ضعف سياسي وعسكري.

ولم يتمكن يحيى من توحيد الأندلس أو إعادة هيبة الخلافة، واستمر التنافس بين القوى المحلية والأسر الحاكمة.

عبد الرحمن الخامس المستظهر بالله

(٤١٤هـ / ١٠٢٣م تقريبًا)

عاد الأمويون إلى الخلافة لفترة قصيرة عندما تمكن عبد الرحمن بن هشام من الوصول إلى الحكم، واتخذ لقب المستظهر بالله.

لكن الأوضاع في قرطبة كانت مضطربة للغاية، وكانت القوى العسكرية والقبلية تملك نفوذًا واسعًا.

لم يستمر حكمه طويلًا، إذ قُتل بعد فترة وجيزة نتيجة الصراع الداخلي.

محمد الثالث المستكفي بالله

(٤١٤–٤١٦هـ / ١٠٢٣–١٠٢٥م تقريبًا)

تولى محمد بن عبد الرحمن الخلافة في مرحلة شديدة الاضطراب، ولم يتمكن من السيطرة على القوى المتنافسة.

واجه معارضة داخلية، واضطر إلى مغادرة قرطبة بعد أن فقد دعم عدد من القوى السياسية والعسكرية.

وكان حكمه من الحلقات الأخيرة في سلسلة الخلفاء الذين تعاقبوا خلال الفتنة.

هشام الثالث المعتد بالله

(٤١٨–٤٢٢هـ / ١٠٢٧–١٠٣١م)

يُعَدُّ هشام الثالث آخر الخلفاء الأمويين في الأندلس.

وصل إلى الخلافة بعد فترة من الاضطرابات والصراعات، لكنه لم يتمكن من استعادة سلطة الدولة أو إعادة توحيد الأندلس.

أصبحت قرطبة تعاني من انقسام سياسي واضح، وتزايد نفوذ الزعامات المحلية، كما تراجعت قدرة الخليفة على إدارة شؤون الدولة.

وفي سنة ٤٢٢هـ / ١٠٣١م اجتمع وجهاء قرطبة وأعلنوا إلغاء الخلافة، لتنتهي بذلك الدولة الأموية في الأندلس رسميًا.

وبهذا انتهى الحكم الأموي الذي بدأ مع عبد الرحمن الداخل سنة ١٣٨هـ / ٧٥٦م، واستمر قرابة ٢٨٤ سنة هجرية.

سادسًا: أبرز الإنجازات الحضارية والعلمية للأمويين في الأندلس

لم تكن الدولة الأموية في الأندلس مجرد كيان سياسي وعسكري، بل كانت من أهم المراحل التي شهدت فيها شبه الجزيرة الإيبيرية تطورًا حضاريًا واسعًا، وأصبحت قرطبة خلال أوج قوتها من أكبر المراكز العلمية والثقافية في أوروبا والعالم الإسلامي.

العمارة والبناء

اهتم الأمويون بالعمارة اهتمامًا كبيرًا، وظهرت في الأندلس منشآت ضخمة تعكس قوة الدولة وثراءها.

ومن أبرز المعالم:

- جامع قرطبة الكبير، الذي بدأ عبد الرحمن الداخل بناءه سنة ١٧٠هـ / ٧٨٦م تقريبًا، ثم توسع في عهد خلفائه.
- مدينة الزهراء، التي أنشأها عبد الرحمن الناصر قرب قرطبة ابتداءً من نحو سنة ٣٢٥هـ / ٩٣٦م، وكانت مقرًا ملكيًا وإداريًا بالغ الفخامة.
- مدينة الزاهرة، التي أنشأها المنصور بن أبي عامر لتكون مقرًا لإدارته وحكمه.
- القصور والحمامات والأسواق والمنشآت العامة.
- تطوير الجسور والطرق وشبكات المياه.

وقد تميزت العمارة الأندلسية باستخدام الأقواس والزخارف الهندسية والنباتية، والاهتمام بالتناسق المعماري والزخرفة الحجرية والخشبية.

الطب والجراحة والصيدلة

شهدت الأندلس تطورًا في الطب والصيدلة، وبرز عدد من الأطباء الذين تركوا مؤلفات مهمة.

ومن أشهر العلماء المرتبطين بالطب الأندلسي:

- أبو القاسم الزهراوي، الذي عاش في القرن الرابع الهجري وبداية الخامس، ويُعَدُّ من أبرز رواد الجراحة في التاريخ الإسلامي.
- ابن جلجل، الطبيب والصيدلي الذي اهتم بالأدوية والنباتات الطبية.
- عدد من الأطباء الذين عملوا في قرطبة والمدن الأندلسية.

وقد أسهمت المؤلفات الطبية الأندلسية في نقل المعرفة الطبية إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية، خصوصًا مؤلفات الزهراوي التي تناولت الجراحة والأدوات الطبية وطرق العلاج.

الفلك والرياضيات والهندسة

اهتم علماء الأندلس بعلوم الفلك والحساب والهندسة، وظهرت مؤلفات في الحساب ورصد النجوم وصناعة الأدوات الفلكية.

كما استفاد العلماء من التراث العلمي اليوناني والهندي والإسلامي، وأضافوا إليه دراسات وملاحظات جديدة.

ومن أبرز الأسماء العلمية في هذا المجال علماء الفلك والرياضيات الذين نشطوا في قرطبة وغيرها من المدن، ثم ازدهرت هذه العلوم أكثر في العصور اللاحقة من تاريخ الأندلس.

الفقه والحديث والعلوم الشرعية

كان للمذهب المالكي حضور قوي في الأندلس، وأصبح المذهب السائد في القضاء والتعليم الديني.

وقد اهتم الأمراء والخلفاء بدعم العلماء والقضاة، وإنشاء حلقات العلم في المساجد، وتطوير المؤسسات الدينية.

ومن أبرز العلماء الذين ارتبطوا بالحياة العلمية الأندلسية:

- يحيى بن يحيى الليثي، الذي أسهم في انتشار المذهب المالكي.
- ابن عبد البر، أحد كبار علماء الحديث والفقه في الأندلس، وقد عاش في مرحلة لاحقة.
- عدد من الفقهاء والمحدثين الذين أسهموا في بناء الحياة العلمية الأندلسية.

الأدب والموسيقى والحياة الاجتماعية

شهدت الأندلس ازدهارًا أدبيًا وثقافيًا، وظهرت فيها مدارس شعرية وأدبية متميزة.

كما ارتبط اسم زرياب بالحياة الموسيقية في قرطبة، إذ نُسب إليه دور مهم في تطوير الموسيقى وآداب المجالس والذوق الاجتماعي.

وازدهرت صناعة الكتب والنسخ والوراقة، وانتشرت المكتبات الخاصة والعامة، وكان من أشهرها مكتبة الحكم المستنصر.

كما شهد المجتمع الأندلسي تنوعًا في الحرف والصناعات والتجارة، وازدهرت الزراعة بفضل أنظمة الري والقنوات والسواقي.

سابعًا: أسباب سقوط الخلافة الأموية في الأندلس

لم يكن سقوط الخلافة الأموية نتيجة معركة واحدة أو هزيمة عسكرية محددة، بل كان نتيجة تراكم مجموعة من العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.

ومن أبرز هذه الأسباب:

ضعف الخلفاء في أواخر الدولة

أصبح بعض الخلفاء في أواخر عهد الدولة غير قادرين على ممارسة سلطتهم بصورة فعلية، وازدادت سيطرة الحجاب وقادة الجيش ورجال القصر على شؤون الحكم.

تضخم نفوذ الحُجّاب

أدى صعود محمد بن أبي عامر وأسرته إلى انتقال جانب كبير من السلطة الفعلية بعيدًا عن الخليفة، وأصبحت الدولة تعتمد على قوة شخصية الحاجب بدلًا من استقرار المؤسسات.

الصراع على الخلافة

أدى التنافس بين أفراد الأسرة الأموية، ثم دخول بني حمود وقوى أخرى في الصراع، إلى تكرار الانقلابات وتعدد الخلفاء.

الانقسامات العسكرية والقبلية

أصبحت القوات العسكرية تضم جماعات مختلفة المصالح، واشتد التنافس بين القادة والكتل العسكرية، مما أضعف وحدة الجيش والدولة.

تراجع سلطة العاصمة

فقدت قرطبة تدريجيًا قدرتها على فرض سلطتها على الأقاليم، وأصبحت المدن الكبرى والمناطق المحلية أكثر استقلالًا.

الاضطرابات الاقتصادية والعمرانية

أدت الحروب الداخلية إلى تدمير أجزاء من المدن والمنشآت، وتراجع الأمن والتجارة، وتضرر موارد الدولة المالية.

التدخلات الخارجية والتحالفات المتنافسة

استعانت القوى المتنافسة بقوات خارجية، ودخلت جماعات مختلفة في تحالفات متبدلة، مما زاد تعقيد الصراع وأضعف وحدة الأندلس.

وكانت النتيجة النهائية إلغاء الخلافة في قرطبة سنة ٤٢٢هـ / ١٠٣١م، وانتهاء الدولة الأموية سياسيًا.

ثامنًا: عصر ملوك الطوائف بعد سقوط الخلافة

بعد إلغاء الخلافة الأموية سنة ٤٢٢هـ / ١٠٣١م، لم تعد الأندلس دولة موحدة، بل انقسمت إلى عدد من الممالك والإمارات المستقلة، التي عُرفت باسم ملوك الطوائف.

وكانت هذه الممالك تتفاوت في القوة والمساحة والموارد، كما تنافست فيما بينها سياسيًا وعسكريًا، ودخل بعضها في تحالفات مع الممالك المسيحية في الشمال.

ومن أبرز ممالك الطوائف:

بنو عباد في إشبيلية

كانت إشبيلية من أقوى ممالك الطوائف، وحكمها بنو عباد، ومن أشهر حكامها المعتمد بن عباد، الذي عُرف باهتمامه بالشعر والأدب، لكنه دخل في صراعات سياسية وعسكرية انتهت بسقوط مملكته أمام المرابطين.

بنو ذي النون في طليطلة

حكم بنو ذي النون طليطلة، وكانت من أهم المراكز السياسية والاستراتيجية في وسط الأندلس.

وقد سقطت طليطلة في يد ألفونسو السادس ملك قشتالة سنة ٤٧٨هـ / ١٠٨٥م، وكان سقوطها ضربة كبيرة للقوى الإسلامية في الأندلس.

بنو هود في سرقسطة

حكم بنو هود سرقسطة ومناطق واسعة في شمال شرق الأندلس، وتمكنوا من بناء مملكة قوية نسبيًا، لكنها واجهت ضغوطًا متزايدة من الممالك المسيحية.

بنو الأفطس في بطليوس

كانت بطليوس من الممالك المهمة في غرب الأندلس، وحكمها بنو الأفطس، ودخلت في صراعات وتحالفات متعددة مع بقية ممالك الطوائف.

بنو زيري في غرناطة

أسس بنو زيري مملكة غرناطة، وكانت من أبرز ممالك الطوائف في جنوب الأندلس، واستمرت حتى مراحل لاحقة من التاريخ الأندلسي.

ممالك أخرى

ظهرت ممالك وإمارات أخرى في مالقة وبلنسية ومرسية وقرمونة وغيرها، وكانت تتغير حدودها ونفوذها تبعًا للتحالفات والحروب.

التدخل المرابطي

أدى انقسام ممالك الطوائف إلى إضعاف قدرتها على مواجهة التوسع المسيحي، وبدأ عدد من حكامها بدفع الجزية لبعض الممالك المسيحية مقابل الحماية أو تجنب الحرب.

وبعد سقوط طليطلة سنة ٤٧٨هـ / ١٠٨٥م، اشتد شعور الخطر لدى حكام الطوائف، فطلب بعضهم المساعدة من دولة المرابطين في المغرب.

عبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، ووقعت معركة الزلاقة سنة ٤٧٩هـ / ١٠٨٦م، التي انتصر فيها المسلمون على جيش ألفونسو السادس.

لكن تدخل المرابطين لم يتوقف عند هذه المعركة، إذ بدأوا لاحقًا ضم ممالك الطوائف تدريجيًا، حتى انتهى معظم حكمها المستقل وأصبحت الأندلس تحت سلطة الدولة المرابطية.

وبذلك انتقلت الأندلس من مرحلة الخلافة الأموية إلى مرحلة الطوائف، ثم إلى مرحلة الحكم المرابطي، قبل ظهور دول إسلامية أخرى في تاريخ الأندلس.

الخاتمة

تمثل الدولة الأموية في الأندلس واحدة من أعظم التجارب السياسية والحضارية في التاريخ الإسلامي، فقد بدأت بإمارة أسسها عبد الرحمن الداخل بعد سقوط بني أمية في المشرق، ثم تطورت في عهد عبد الرحمن الناصر إلى خلافة قوية نافست القوى الكبرى في العالم الإسلامي.

وشهدت الدولة خلال مراحل قوتها ازدهارًا في العمارة والعلوم والطب والأدب والتجارة، وأصبحت قرطبة مركزًا حضاريًا بارزًا، كما ترك الأمويون معالم عمرانية وعلمية لا تزال آثارها شاهدة على تلك المرحلة.

لكن الدولة لم تستطع المحافظة على قوتها إلى الأبد؛ فقد أدت الصراعات الداخلية وضعف الخلفاء وتضخم نفوذ الحجاب وتنافس قادة الجيش إلى اندلاع الفتنة الأندلسية، التي انتهت بإلغاء الخلافة سنة ٤٢٢هـ / ١٠٣١م.

وبسقوطها انتهى عهد الدولة الأموية في الأندلس، وبدأ عصر ملوك الطوائف، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الانقسام السياسي والتنافس العسكري، كان لها أثر كبير في مسار الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.

ملاحظات توثيقية مهمة

١- التواريخ الواردة في المقال هي التواريخ المشهورة في المصادر التاريخية، وقد تختلف بعض التفاصيل أو بدايات ونهايات فترات الحكم بحسب اختلاف الروايات.

٢- إعلان عبد الرحمن الناصر الخلافة كان سنة ٣١٦هـ / ٩٢٩م، بعد أن حكم أميرًا منذ سنة ٣٠٠هـ / ٩١٢م.

٣- بدأ بناء مدينة الزهراء في عهد عبد الرحمن الناصر نحو سنة ٣٢٥هـ / ٩٣٦م، وليس عند توليه الحكم مباشرة.

٤- المنصور بن أبي عامر وعبد الملك المظفر وعبد الرحمن شنجول كانوا من أصحاب منصب الحجابة والنفوذ السياسي، ولم يكونوا خلفاء أمويين.

٥- بنو حمود أسرة إدريسية علوية، وليسوا من البيت الأموي، وقد وصل بعض أفرادها إلى الخلافة في قرطبة خلال الفتنة.

٦- فترات حكم بعض خلفاء الفتنة متداخلة، بسبب الانقلابات وتعدد مراكز السلطة، ولذلك ينبغي التعامل مع بعض التواريخ بوصفها تقريبية، لا تسلسلًا مستقرًا لحكم متصل.

٧- سنة ٤٢٢هـ / ١٠٣١م هي سنة إلغاء الخلافة الأموية في قرطبة، ولا تعني بالضرورة أنها سنة وفاة آخر خلفائها هشام الثالث.

٨- سقطت طليطلة سنة ٤٧٨هـ / ١٠٨٥م، ثم وقعت معركة الزلاقة سنة ٤٧٩هـ / ١٠٨٦م، وبعدها بدأ المرابطون ضم ممالك الطوائف تدريجيًا.

٩- لا ينبغي اعتبار جميع الإنجازات العلمية التي اشتهرت بها الأندلس لاحقًا من إنجازات العصر الأموي وحده؛ فبعض العلماء والمؤلفات ينتمون إلى عصر الطوائف أو الدول التي جاءت بعد الأمويين.

١٠- ما يرد في الروايات التاريخية عن بعض الأحداث والأعداد والوقائع العسكرية قد يختلف بين المؤرخين، ولذلك جرى تجنب الجزم بالتفاصيل التي لا تتفق عليها المصادر.

المصادر والمراجع

أولًا: المصادر التاريخية العربية القديمة

١- ابن حيان القرطبي، المقتبس من أنباء أهل الأندلس، وهو من أهم المصادر التاريخية لدراسة الدولة الأموية في الأندلس، ولا سيما أحداث الخلافة والفتنة.

٢- ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ويتضمن أخبار الأمراء والخلفاء والأحداث السياسية والعسكرية.

٣- مؤلف مجهول، أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها، من المصادر المهمة لأخبار الفتح وبدايات الحكم الإسلامي.

٤- أحمد بن محمد المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وهو من المراجع الجامعة لأخبار الأندلس وتاريخها وأدبها.

٥- ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، ويتضمن أخبار الدول الإسلامية في المشرق والمغرب والأندلس.

٦- صاعد الأندلسي، طبقات الأمم، وهو من المصادر المهمة في تاريخ العلوم والمعارف وأعلامها.

ثانيًا: الدراسات والمراجع الحديثة

١- Hugh Kennedy, Muslim Spain and Portugal: A Political History of al-Andalus.

٢- Roger Collins, The Arab Conquest of Spain, 710–797.

٣- Eduardo Manzano Moreno, The Court of the Caliphate of al-Andalus.

٤- Janina M. Safran, The Command of the Faithful in al-Andalus: The Islamic Political Tradition.

٥- David Wasserstein, The Rise and Fall of the Party-Kings: Politics and Society in Islamic Spain, 1002–1086.

٦- W. Montgomery Watt and Pierre Cachia, A History of Islamic Spain.

ثالثًا: مراجع إلكترونية ومؤسسية للاستزادة

- الموسوعة البريطانية (Encyclopaedia Britannica)، مواد تاريخ الأندلس والخلافة في قرطبة.
- موسوعة تاريخ العالم (World History Encyclopedia)، موضوعات الفتح الإسلامي للأندلس والدولة الأموية فيها.
- مكتبة قطر الرقمية، للمخطوطات والمواد التاريخية المتعلقة بالتاريخ الإسلامي.
- مكتبة الكونغرس، للمجموعات والمواد المتعلقة بتاريخ الأندلس والمخطوطات الإسلامية.






مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: الدَّوْلَةُ الأُمَوِيَّةُ فِي الأَنْدَلُسِ (١٣٨–٤٢٢هـ / ٧٥٦–١٠٣١م)
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
(٢).. على هامش الحجر.. الشاعرة كفاح الغصين منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية 0 10-28-2020 03:01 PM
أم على قلوب أقفالها (مقالات ملففة ٢٧/ج٢) محمد فتحي المقداد منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية 4 09-09-2020 03:49 PM
مواقيتُ الرماد القصيدة الحائزة على المركز الثالث.مسابقة شعر التفعيلة مهرجان همسة ٢٠١٩ أحمد بهجت سالم منبر شعر التفعيلة 7 04-12-2020 08:37 PM
النوافذ المُحطّمة (مقالات ملفقة ٢٣/٢) محمد فتحي المقداد منبر النصوص الفلسفية والمقالة الأدبية 6 11-17-2019 07:22 PM
الحرب العثمانية الصفوية (1623-1639) أ محمد احمد منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير 0 01-04-2016 07:58 PM

الساعة الآن 07:40 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.