عرض مشاركة واحدة
قديم 07-07-2016, 12:34 AM
المشاركة 64
ياسر علي
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي
الألفية الثالثة ليست إلا حلما فيما مضى ، كنّا نراها بعيدة لكأنها لن تأتي أبدا ، كنّا نظنها شيئا آخر غير الذي أعيشه اللحظة ، كانت بها الآمال العظيمة معلّقة ، كنت أرى فيها حلولا لكل ما يؤرقني آنئذ ، لكن تجبرك الأيام على الغفلة ، هكذا العمر يمضي ، تتلهى بشيء قد يكون جيّدا و قد لا يكون ، فتجد نفسك في طور آخر ، في حلّة مغايرة للّتي كنت بها ، و تتنافى تماما و ما كان يعتمل في دواخلك من آمال ، عام ألفين ليس مجرّد رقم ، و لن يكون ، فالعالم كله حمّله حمولة ما ، أعطاه رمزية الخلاص ، فيه ستينع الثمار و فيه سينضج وسيزدهر الرّغد ، منذ عام و أنا في الملت ، بزغ فجر الألفية في دياري ، كان المختار السّوسي يوم نفاه المعمّر إلى قريته في تزنيت و أبعده عن المراكز الحضرية حيث تجتمع الطبقة المثقفة المقاومة يومئذ يحس بنوع من الضجر الغريب ، وأنشد "يعزّ علي أن أرى موطني منفى " صدقت يا مختار أحيانا تكون الأوطان والمنافي سواء ، وهناك من يختار نهايته بنفسه دون أن يكون مجبرا عليها كما أنت ، هو الرّجوع إلى الوراء صعب جدّا ، هو التقهقر أمر معيب ، هو صنو الفشل ، هو رفيق الضعف ، فماذا يبقى غير الكتابة . رياح الخريف ، في هذا العام كتبتها ، كنت قد بدأت مقدمتها سنتين قبل الألفية ، لكن في هذا العام ، أحسست كما لو أنّه النهاية ، صعب جدّا أن ترى نفسك انتهيت ، هو الوقوف اختارته نفسي منذ زمان ، لكن النهاية مختلفة تماما ، الوقوف مجرد استراحة ، مجرّد سبات ، قد ينفرج يوما متى ظهر دافع حقيقي للمثابرة ، لكن هذا العام هناك شيء في داخلي لا يريد الاستمرار في لعبة التحمّل ، في هذا العام اعتلّت نفسي ، متضايق إلى أقصى الحدود ، ربما كانت رياح الخريف ستنحو منحى آخر غير ذلك الغارق في الذّاتية لولا أنها لم تكن مجرد تنفيس ، مجرّد ركوب على وجعي الماسك بتلابيبي ، بعض الأزمنة تمتص فينا لبّنا ، تغرقنا في رحاب اليأس المطبق ، أعرف أن شخصا متمرّدا لن يكون مصيره غير هذا ، أعرف أن إنسانا لم يتسلّح بالمرونة سيكسر ، هي النفس تنهار إن لم ينهر الجسد ، من جعل من نفسه هدفا لسياط السّخط عاجلا أو آجلا سيتبخر عزمه ، و يتلاشى عقال تماسكه ، رأسي يؤلمني على مدار الأيام ، و خرير يصدّع أذني، تذكرت المسنّ المصلوب على سرير تارودانت ، لا أحسّ الضيق ضيقا ، لا أحس الفرح فرحا ، لا أحس العياء عياء ، لا أميز بين الكثير من أحاسيسي ، ماهذا المصير المخجل يا نورالدين ، هل يعقل هذا ، أنت الجبل الذي تتكسر عليه العواصف ، الجبل الذي يقف في وجه الأعاصير ، الجبل الذي لا تؤذيه الزلازل و لا الفيضانات ، ماذا فقدت يارجل ؟ لاشيء تقول نفسي ، ماذا كنت تنتظر و لم يتحقّق ، لا شيء تعيد نفسي ، فلماذا إذن تنهار ؟ لا أدري ، ترد نفسي التّائهة التي لا تريد حتى هذه الأسئلة ، لكن الكتابة هي ما أفكر فيه ، أعرف أن الكتابة هي من تعطي الحياة للفرد حتى وهو في قبره ، أعلم أن كلّ الذين ماتوا وتركوا كتابا ، ظلّوا بعده يعيشون في أذهان النّاس ، هو وجود من نوع آخر ، ليس وجود فكرة فقط ، إنها الذات تتكرر في نسخ أخرى ، نحن لا نأخذ الأفكار من الكتب ، نأخذ رحيق الذات ، تلك الزبدة ، تلك المهارة التي تعلن بها الذات عن وجودها ، رياح الخريف لم أكتبها كمذكرات ، ولم أكتبها لجيلي ، فأنا أعرف أنّني لن أطبعها ، كتبتها فقط كثرات إنساني ، كتبتها لنفسي أعزّيها أن الوجود خدعة كبرى ، حتى أنها بعيدة عن نمط المذكرات و السيرة ، و إن كانت تحتوي بعضا مني . المذكرات لا أحبّها ، وأنا أعرف أنها لا تقدم صورة حقيقة عن الفرد و إن كانت تعطي إشارات مباشرة ، فلا يقدّم الحقيقة غير تلك اللمسة التي تتركها الشخصيّات في معترك النصّ . قرأت الرحيل للعربي باطما واحد من أبناء الغيوان الذي كتبه وهو على السرير يتنتظر الموت ، و قد علم أنه مصاب بالمرض الخبيث الذي لا علاج منه ، لم أستحسن مذكراته ، أحسست فيها أنه يكتب ليقول هذا هو باطما ، ليس هذا صحيحا ، أنت لست ذلك المهزوم الذي يتحدث ، أنت لست تلك اللحظات الباشّة التي انتقيتها من سيرتك ، أنت ذلك الصوت الرخيم الذي يتمازج مع الأوتار والإيقاع، حينا يرق ، و أحيانا يكون صاخبا و أخرى عاشقا و تارة تبدو منه الحيرة ، هكذا وجدتك ، لو استشرتني وأنت تكتب الرحيل ، ما تركتك تكتب كلمة واحدة ، حتى بعد شفائك النّسبي وخروجك من المستشفى عدت بكتاب جديد ، لم أقرأه ، ولا أظنني سأقرِأه و قد كان ذات يوم في المتناول . شكري يا شكري ، قرأت لك زمن الأخطاء ، و لم أجتهد لقراءة الخبز الحافي لأنّني أخاف أن تصدمني حقيقة أنه لن يعجبني رغم ما رافقه من ضجّة ، زمن الأخطاء رغم أنه كتب بكثير من الاحترافية إلاّ أنه ما طربت له نفسي ، لا أحبّ أدب السيرة لأن الحقيقة تجانبه ، الحقيقة في الغالب ليست قصديّة ، كلما أردت أن تعلن الحقيقة تغيب ، الرمزية هي رونق الأدب ، المجاز هو الحقيقة اللّغوية ، و هو ما يقدّم اللّمسة الفنية التي من خلالها تظهر تجربة الشخصية في الحياة . لا تعجبني الاستجوابات ، و إن كنت أتابعها بكثرة ، لكن لا أحس فيها الحقيقة ، علم ما يتحدث عن نفسه ، إن كنت فنّانا ففنك يحكيك ، فلا تلوث حقيقتك الفنية بجمل مجاملة أو بإصرار على إظهار الذات ، هي الذات مزيج يا صاحبي ، العروي ربما أعجبتني أوراقه ، سيرة ذهنية لبطل اختاره خارج ذاته ، يعطيه متسعا لإضفاء سمات الذات على الشخصية ، المباشرة تقتل الذات فينا ، تغلقها ، لا تعطيها سبلا لإظهار مهارتها ، إنها ساعة امتحان، فالطالب ليس تلك اللحظة التي يجلس فيها مع ورقة تقول له كن أنت الآن ، الذات تلقائية التصرف ، الذات لا تحب القيود .

سأعود إلى الملت ، هنا ولدت وهنا وجدتني الألفية الجديدة ، هنا أكتب رياح الخريف التي لن يقرأها أحد ، لست كاتبا كما يحب البعض أن يكون ، أنا مجرد أنا ، وجدت رغبة في الكتابة فبدأت أكتب النهاية لمقدمة عمّرت السنتين ، وعند إنهائها بدأت مقدمة لأخرى ستكون بطلتها فتاة لن تكون إلا رفيقة بطل رياح الخريف ، في ذهني مركب من الحيوات تريد الظهور ، لكن الكتابة تتعبني ، الالتزام يقتلني . لذلك بعد كلّ فترة لابد من الابتعاد ،هكذا أنا ، لا أستطيع الوفاء بالقدر الكافي لشيء مقنّن .
أبلغ الآن سبعا وعشرين سنة و بعض السينتات ، وكنت تركتكم عند التاسعة عشر و بعض السينتات أيضا ، هي ثمان سنوات إذن أوصلت روحي إلى النهاية ، جعلت نفسي مريضة ، جعلت منّي إنسانا يريد فقط أن يكتب ، إنسانا اكتفى من العالم الخارجي ، حتّى هؤلاء الصبيان الذين أمثل كلّ يوم أمامهم كمدرّس ، رغبتي في تدريسهم تذوي يوما بعد يوم ، لولا إيماني بالواجب لاستحليت الجلوس على المكتب مطأطئا رأسي الفوار ، تاركا دموع عيني تنزف.

ثمان سنوات بدأتها بفرحة النّجاح البادية على ملامحي للأقربين ، و توجّس رهيب يملأ قلبي من المستقبل ، لست المهنة ما يؤرقني كما هؤلاء العالمين بما يريدون في أنفسهم ، يريد منصبا وأجرة و يريد أن يبني بيتا وأسرة وسيارة و امتلاك قدرة على الاصطياف ، أليست هذه الموضة الجديدة التي تسكن العالم الجديد ، أليس هذا منتهى الحلم الأمريكي ، ما أتعس الإنسان حين تكون تلك القشور أغلى أمانيه ، أين الإنسان فينا إذن ، عشّ تبنيه حتّى العصافير ، شهوة بطن و فرج يمتلكها كل حيوان ، وسيلة تنقّل ، منذ الزمن الغابر و الأقدمون يركبون البحار ، أين أنت أيها الإنسان ، الفنون بدورها أضحت تجارة ، كل شيء يباع و يشترى ، يقول عبد الهادي ازنزارن حين سألوه لماذا اقلعت عن إبداع أغان جديدة ردّ ساخرا:" ملاّك السوق يريدون أغنية في ثلاثة دقائق ، أنا أعزف التقاسيم عشرة دقائق وأنتقل إلى الموال خمسة دقاق ، و أغنّي الأغنية في لحنين مختلفين فتصل الأغنية إلى ثلاثين دقيقة ، هؤلاء لا يبحثون عن الفن ، أنا لا أملك ما يريدونه ." العلم أيضا احتكره أباطرة السوق ، أين القيمة ؟ أين البعد الإنساني ؟ حملت شهادتي لأنخرط في معمعة العالم الجديد محاولا التوفيق بينها و بين رغبتي في أن أعيش إنسانا . أريد أن أدرس في مراكش يا أبي ، أبي يعترض ، ليس حبّا في علوم الاقتصاد اخترت مرّاكش ، ليس لأن الكوكب هناك ، ليس لأن إبراهيم هناك ، ليس هذا و ذاك ، بل فقط أريد بصيصا من الحريّة ، منذ غادرت منزلي أعشق الحريّة ، لا أستطيع أن أعيش في بيت عمّي عبد الله في أيت ملول ، و هذا ما يريده أبي ، لأنّه لا يستطيع تحمّل مصاريف إضافية من جهة ، و رغبته في أن أكون محاصرا من جهة أخرى ، هم يؤمنون أن الحرية جناية في حقّ الإنسان ، لذلك يجب تكبيله ، وجب وضعه في إطار . حاولت إقناعه لكنّه رفض . حسنا تأبطت وثائقي و رحت أكادير ، وجدت هناك المئات من أمثالي يحرّرون معلوماتهم ، في كل مدرّج توجد لجنة مخصّصة بتقييد التلاميذ في شعبة ، أذهب وأجيء بين البيولوجيا والفزياء ، هل أختار الطبيعيات أو الفزياء والكمياء ، الطبيعيات رهان مضمون ، أرى نفسي بيسر سأنتزع الشهادة الجامعية ، مشكل اللغة لن يكون عائقا كبيرا ، ستتآلف و المصطلحات المفرنسة ، لكن الآفاق في الجيولوجيا والبيولوجيا تبدو محدودة ، أو هكذا بدا لي يومها ، أيضا لا أحب الأشياء السّهلة ، لو كانت الرياضيات مفتوحة في وجهي لما أصابني التّشتّت ، لكن أخيرا وقع اختياري على الفزوياء والكمياء ، على الأقل هنا تبقى الرياضيات حاضرة بقوة ، و لو أنّني أعاني مع الفزياء في الثّانوي ، فكنت أخصّص قرابة أسبوعين قبل الامتحانات للفزياء وحدها ، و لا أراجع إطلاقا الرياضيات و الطبيعيات ، لكن ما العمل ، تبقى الفزياء محكّا حقيقيّا لي و مادّة تستحق جهدا لا مناص من تجشّمه .
ما أن ألتقي بواحد من أصدقائي إلا و يحدثني عن مدرسة المعلمين ،سألت أبي عن رأيه فما كان موافقا ، سألني عن مدرسة المهندسين وعن كلّية الطّب ، قلت أمّا الطّب ففي البيضاء و لن يلجها إلا من كانت نقطه أكثر بكثير من نقطي ، أمّا المهندسين فشعبتي لا تؤهّلني لها ، حتى لو قبلوا شهادتي فأيضا نقطي لا تسعفني . هناك مدارس و معاهد أخرى فتحت يومئذ أبوابها لاستقبالنا ، كالمدرسة الوطنية للمعادن ، و معاهد الزراعة والبيطرة وغيرها كثير ، فهذه الشهادة هي مفتاح المستقبل ، ومن ضيع فرصة الاختيار في الصيف فسيفوته القطار ، في الخريف ستكون التخصصات كلها قد اكتفت من الصيد و ستدخل في سباتها العميق حتّى الموسم القادم . ليست وحدي من يعيش في دار الغافلين ، فالكثير من أبناء الضواحي مثلنا ، لا يعرفون الأبواب المفتوحة في وجوههم ، و لا حتّى الوظائف التي يمكنهم الالتحاق بها ، ولا حتّى كيفية الولوج إلى العديد منها ، ثقافة المسارات هذه ، لن تجد المدرسة تعلّمها لك ، فأنت ربما ستنازعهم في أماكن يريدونها لأنفسهم ، لماذا نعلّمهم فن المسارات الوظيفية ، كنت دائما أتساءل لماذا لم ندرس القانون في التعليم الثانوي على الأقل ، لماذا يتمّ تجاهل هذه النقطة من طرف الفاعلين التربويين والحقوقيين و الهيئات السّياسية ، هناك جهل مطبق بالقانون ، يؤدي إلى الكثير من التجاوزات . مدرسة المعلمين هي المؤسسة الوحيدة التي قدّمت لها طلبي بعد الجامعة ، حتى و أنا أقدّم الطّلب لست مقتنعا أنّني سأكون معلّما ، ما جاء ببالي أن أكون معلّما يوما ، إن كنت سأمارس التدريس فربما كنت سأختار تدريس الرياضيات في الإعدادي أوالثانوي ، أما أن أمارس التعليم الابتدائي فهذا لم يدر في عقلي ولو للحظة في عمري . أيضا أنا لست متعجلا إلى العمل ، أراني لا أزال صغيرا على ذلك ، بل لا أزال مراهقا حتّى في أفكاري ، لست قادرا بعد على المسؤولية ، أليست المسؤولية هي ما يجعلنا أشقياء ، أليس الشقاء رديف هذا التكليف المملّ ، المسؤولية التزام ، هذا ما يخيفني أكثر .
لماذا لا يتوقف هذا ، قلنا ذات يوم أن الباكلوريا تعطي انشراحا ، تعطي قوة للعقل والنفس ، تعطي شعورا بالرّضا ، هذا بهتان يا إخوتي ، وجدت أنها البداية ، أتذكرون يوم ذهب معي والدي إلى تغزوت ، أو إلى تاركا ، أو إلى بيت الحاج ، هي البداية في كلّ مرة ، بدايات لاتحس فيها نهاية لأن بداية أخرى هناك في الانتظار ، لم يتركونا نستمتع بشهادتنا التي أبلينا فيها عمرنا ، أعطوا إشارة الانطلاق ، مجرد صفارة و استأنف الجميع الركض، أنت هكذا ستبقى أيها الإنسان ، بعد كل بداية بداية ،لا تسأل عن النهايات ، لاتسأل عن النتيجة ، بل انطلق مع المنطلقين ، ضع رقبتك بين الرّقاب و اصدح تقدّم يا قاطع الرؤوس ، يقولون في بلدتي ، إذا كان النّاس يتخاطفون على الظفر بالثعابين فلا تتقاعس في اختيار أكبرهم حجما . عجيب هذا العمى ، هذا الهوس ، هذا الجنون المبجّل في العالم الجديد .
مضت العطلة في طرفة جفن ، منذ هذا الموسم ستزداد سرعة الزمن ضعفا أو ضعفين ، لست أدري أهو الكبر يجعلنا أكبر من الأيام فتبدو زهيدة صغيرة نعبرها بخطواتنا العملاقة كما نعبر الدقائق لمّا كنّا صغارا ، أم هو جنون الزمن أيضا فما عاد يلتفت إلى الوراء بل عضّ في كسوته يرادف الخطوات في سباق مع الملايين .

هكذا استوطنت أيت ملول في بداية الموسم الجديد ، منها أذهب إلى الجامعة في الحافلة ، هي الظروف غير مريحة و لا أريد الخوض في تفاصيلها أكثر ، بل سأبقى في رحاب الجامعة ، هذا الفضاء الرّحب ، كلّية العلوم و كليّة الآداب متجاورتان ، أحيانا أزور كلية الآداب التي لايزال تلامذتها في عطلة ، ألتقي هناك مع لحسن ، رغم أن هذا هو موسمه الثاني شعبة اللغة الأنجليزية لكنه لا يزال في السنة الأولى ، هو أيضا آثر التصدّق ببعض سنوات عمره ، أخوه اختار معهد التكنولوجية التطبيقية ، صديق أخيه ، واحد من رفاقنا في دار الطّالب ، في السنة الثّالثة فزياء ، قدّم لي العديد من الكتب ، نورالدين سيغير حياته ، سيراجع و سيثبت للجميع أنه قوي ، في الحقيقة لا أملك الخيار ، عند الفزياء لا أفهم شيئا ، عند الكمياء الأمر لايختلف كثيرا ، عند الرياضيات الأمر مختلف بعض الشيء على الأقل لا يبدو ما أدرسه غريبا ، صعب أن تكتشف أن معلوماتك في الفزياء نقطة في بحر ، بل لا وجود لها مقارنة و ما تتعلمه ، هذا يتعب روحي ، فأنت هنا تنطلق من معادلات في الترموديناميك لا تعرف أصلها من فصلها لتبرهن علاقات أخرى دون أن توضع في الصورة تماما ، تخبط غريب في المناهج ، يملأ الدكتورالسبورة و يمسحها ليملأها من جديد ، يتحدث و يكتب لساعة و نصف السّاعة ، ينزع الميكروفون من وزرته و ينسحب من المدرّج ، تمضي الحصة الموالية عند أستاذ آخر لا يقوم إلا بما فعله سابقه ، في الليل أحاول فك الرموز دون جدوى ، لكن لا يجب الاستسلام ، فبمجرد أن تستسلم فهذا يعني الضياع بكلّ المقاييس ، حصص التمارين نكون فيها بعدد أقلّ ، فإذا كان المدرّج يكتظ بخمسمئة طالب ، فأقسام التمارين لا يتجاوز فيها العدد ثلاثين فردا ، لكن المعضلة ليست هنا ، فبرنامج الدروس ليس هو ذاته برنامج التمارين ، أو على الأقل لا أرى رابطا بينهما ، نورالدين لا يقشع شيئا ، حتى أن تفهم خطوات حلّ المسالة بعد إنجازها فهو غير متاح . لكن لا بديل أمامك إلا إعادة المحاولة ، هذا تحدّ ليس سهلا أمام من يحب أن يفهم كلّ شيء منذ الوهلة الأولى ، يطمئننا الطلبة القدامى ، في الأشهر الثلاثة الأولى لن تفهم شيئا ، لكن بعد ذلك ستكون في الصورة ، هذا الجواب لا يقنعني ، إذا ملأت الدفاتر بأشياء لا تفهمها فكيف سيأتي الكشف ذات يوم لوحده ، الآن عرفت لماذا وجدت العاقل و أخته يشاركاني المدرّج ، فتاة كهذه لا أظنها ستهزم لولا صعوبة الاندماج في جو الجامعة ، لكن يعزّيني أن دادسي تمكّن من المرور إلى القسم الموالي ، إذن الذكاء وحده ما يفعل فعلته ، يجب يا نورالدين أن تستنفر دهاءك كلّه ، لا يجب أن تركن إلى تطمينات الغير ، لا مناص من الوجود الحقيقي ، أخ العاقل هو من يشاركني هذا القلق ، هو أيضا يريد التواجد بقوّة في الجامعة ، هو أيضا له حظه من الذّكاء . هم ثلاثة إخوة في نفس الفصل ، أعرف أن صغيرهم يملك من الدّهاء ما يجعله ينافس .


أنا في تارودانت ، لم أذهب إلى الجامعة اليوم ، لا يتعلق الأمر بشهيّة غياب ، أنا لا أتذوّق شيئا لتفتح شهيّتي له ، أنا هنا كما العديدين من أبناء تارودانت . تارودانت ، مدينة صغيرة رغم أنها ضاربة في القدم ، تالوين دائرة من دوائرها ، هي إقليم مساحته كبيرة ، قد تكون أكبر إقليم في البلاد كلها ، نحن الرّودانيون جئنا إلى مركز تكوين المعلمين ، منذ الصباح الباكر غادرت أيت ملول ، حتى قبل بزوغ النور ، السابعة والنصف كنت أمام المؤسسة الجديدة ، طفت عبر اللوائح ، عرفت القاعة التي سأختبر فيها ، في كلّ قاعة هناك لجنتان ، لجنة للمزدوجين ولجنة للمعربين ، إما أن تختار اللغة العربية فيكون تكوينك قاصرا على اللغة العربية و المواد التي تدرّس بها ، أو تكون مزدوج التوجه فتتلقّى تكوينا في االلغتين العربية والفرنسية و كلّ المواد ، سبق أن اخترت التكوين المزدوج ، ليس لانّني أحبّ الفرنسية ، بل لكون حظوظ الانتقاء فيه تفوت العربية بضعفين أو ثلاثة . المعربون لن يتجاوزوا ثلث الناجحين في أحسن الأحوال . أضف إلى ذلك أفضّل أن أمتحن في اللغة الفرنسية أكثر من العربية ، لا أحب القواعد ما ظهر منها و ما بطن ، لا أحب التفعيلات و بينها و بيني ألف حجاب . رغم ذلك لم أتعامل مع هذا الامتحان تعاملا جدّيا ، لم أراجع شيئا و حتى لا أعرف بالضبط في ماذا سنمتحن. أذني تستمع إلى الكثيرين منذ الصباح ، سنمتحن في هذا و في ذاك ، ما أكثر المثرثرين في كلّ مكان ، يضعون الاحتمالات ، إذا سألوك لماذا اخترت أن تكون معلّما ، كيف يجب أن يكون الجواب، كذا و كذا ، و إذا استفسروا عن هذه فيجب أن........ ، وإن استفهموا عن تلك فعليك أن تكون ...، طبخ هؤلاء دماغي ....أنا أنتظر دوري لا أكثر و أنتم لا تكفّون عن الثرثرة ، يا عمّي احفظ معلوماتك لنفسك و اتركنا بسلام . الامتحان لن يستغرق أكثر من نصف ساعة تكون فيها أمام اللّجنة و تنسحب مغادرا منتظرا أن تعلق لوائح الناجحين .
وصل دوري عندما فكرت الّشمس في الغروب ، كنت آخر من استقبلته اللجنة في ذلك اليوم ، واحد من أبناء تالوين ودعته اللجنة للتو ، سرقت عيناي النقط التي دونها مستجوبه ، عندما استويت قبالة اللجنة قام المكلف بالرياضيات ليدخن سيجارة ، بقيت مع أستاذ اللغة الفرنسية ، وفي الطرف الآخر لجنة المعرّبين تعصر واحدا من المترشحين ، استفرد بي أستاذ اللغة الفرنسية ، قرأت له نصّا من اختياره بصوت مرتفع ، وبدأت أسئلته عن الفهم ، وعن المصطلحات وعن التراكيب والصرف و ختاما قال لي أن أتحدث عن التكنولوجيا و المجتمع لأن النص في الأصل كان يتحدث عن الربوت ، بعد أن أنهيت مداخلتي ، ابتسمت في وجه الأستاذ و ودّعته شاكرا . ما توقّعت يوما أن يصير مستقبلي رهينا بشيء ما أحببته ، أحيانا تصرفاتنا كما مساراتنا لا تخضع للمنطق .عندما خرجت من القاعة كان الليل قد أسدل ستائره ، توجهت إلى المحطة و من هناك إلى أيت ملول ، فالجامعة تنتظرني في الصباح .
حلقات الجامعة هي السّلوة الجديدة في حياتي ، هذا يجتمع حوله بعض الطّلبة كما كنّا نجتمع على الحكواتي في سوق تالوين ، في ساحة الجامعة يبسط الطالب عرضه عن القضية الفلسطينية ، يعرّج على الفصائل فصيلا فصيلا يأتي على ذكر الأعلام علما علما ، يذكر بالتواريخ تاريخا تاريخا ، ترفع علامات النصر من طرف المحيطين به كلّما كانت رائحة قرابة مذهبية بين المخاطبين و الاسم ، و يرمى بالعمالة هؤلاء المخالفين ، في حلقة أخرى وجدت القوميّين يمجّدون تاريخ العروبة و رموزها يرمون الآخر بالعمالة و يرفعون شارات النصرعند ذكر رموزهم ، وجدت القاعديين من اليسار ينامون والثورة رفيقتهم ، منهم من يعلنها حربا مع السّماء ، و منهم من يكتفي بالثورة على الامبريالية و الاستبداد ، فالإنسان في نظرهم يصنع قدره فلماذا الخنوع ، لكن وجدت فصيل العدل والإحسان هو المسيطر على اتحاد طلبة المغرب ، منظمون و مهيكلون ، و كلمتهم تعلو و لا يعلا عليها ، إن نظموا حلقة جمعت الألوف ، و إن ساروا ردّدوا التكبير ، لم أسمع تهديدا بالعنف المباشر إلا على ألسنتهم ، رغم أن الفصائل اليسارية أيضا قد تمارس العنف اللّفظي والجسدي أيضا ، لكن أذني سمعت التهديد بالعنف في حلقة ضخمة للعدليين ضد طالب انبرى في تحليله لعكس لما يروّجون له ، فأسكتوه و عندما طالب بحقّه في التعبير هدّدوا بتعنيفه . أحيانا تحسم الخلافات بين الفصائل الطّلابية بالعنف ، لكنه لم يصل يوما إلى عنف منهجي ، يكون فيه العنف هو الغاية ، فجلّ ما تريده الفصائل هو الحفاظ على ذاتها و وجودها . هنا في الحلقات وجدنا القيادات يستهزأ بها ، تفضح السّياسات حتّى و لكأنك تستغرب من أين يأتي هؤلاء بمثل تلك التسريبات والأنباء . أحاول أن أوازن بين حضور الحصص و معرفة ما يروج في أوساط الفصائل ، أنا لست ذلك اللامبالي ، الذي يعتبر الجامعة مجرد مكان للتعلّم وحسب ، و لست أيضا من أولئك الذين يتمذهبون بسهولة، و يسيرون مع الموجة أو يقفون ضدّها ، يجب أن أعرف هؤلاء و أولئك و طبعا لن أذوب في هؤلاء ولن يجرفني أولئك ، قد تكون سلبية بالمعنى الاجتماعي ، لكن لا بأس من وجود شخص على شاكلتي يؤمن بذاتيته أكثر من فكرة أخرى بعيدا عن هوس الأنانية .

بينما كنت أبحث عن السّبل المثلى للاندماج في الجامعة ، كانت هناك لائحة معلّقة بتارودانت تقول لي اذهب إلى بنسليمان فمدرسة المعلمين سترحب بك هناك ، ليس سهلا أن ألبي طلب من دعاني ، فكابرت بعض الشيء ، رفاقي في الجامعة طردوني من المدرّج و حالوا بيني و بين دفاتري ، تركتهم هناك و ذهبت إلى الملت ، أخبرت أبي بما استجدّ طالبا منه رأيه ، رمى الحمل كلّه عليّ قائلا : " أنت و ما تريد " إذن آن الأوان لتتخذ قرارك بنفسك يا نورالدين ، الجامعة أريدها كما أريد لؤلؤة لكن سأفارقها كما فارقت لؤلؤة ، أتعرفون لماذا ، يوم فارقت لؤلؤة اخترت بدلا عنها ذاتي ، سأفارق الجامعة و سأكون مرّة أخرى قد اخترت ذاتي ، فأنا أحب الحرية ، تخيل شخصا يفرّط في الحبّ من أجل نفسه ، من أجل دلال الذات والحفاظ على سموّها و رونقها ، سيكون سهلا أن يترك الجامعة من أجل الحريّة .
ودّعت عمّي و شكرت ربّي أن باعد بيننا بدون حرج ، خالتي أعطتني بطّانية ، تستغرب أن أذهب إلى مكان أجهله و لا أحمل معي غير حقيبة ملابسي ، في الحافلة التقيت مع واحد من أبناء الملت ، كان يشتغل في أكادير و لم ينجح مشروعه ، كنت أزوره في أسايس ، لم أكن أعلم أنه سيغادر ، كانت صدفة جميلة ، تسامرنا الليل كلّه و في الصباح وجدنا أنفسنا في بنجدية ، بينما كنّا في الطريق إلى سوق الجملة لمحت الطريق المؤدّي إلى بيت خالتي ، في سوق الجملة و جدنا على الأقلّ خمسة من أبناء الملت يعملون في مطاعم الحوت ، هناك تركت رفيقي وعدت أدراجي إلى حيث تسكن خالتي ، وجدت عندها أمّي، إنها تحتفل بمولودها الجديد ، خالي لم يعد يشتغل عند نسيبه ، بل اكترى محلاّ ليمارس فيه الخياطة . في اليوم التّالي توجهت إلى بنسيلمان ، مجرد زيارة خاطفة ، لا تبعد عن البيضاء بأكثر من خمسة و أربعين كيلومترا جهة الرباط ، قد تبعد بنفس المسافة عن الرباط . توجد بين المدينتين و إن كانت تبتعد عن الساحل بعشر كيلومترات ، مدينة صغيرة خضراء ، تحسب على الشّاوية و هي محاذية للمعمورة ، غابتها أنبتت البلّوط ، ترابها يسودّ لونه خصوبة عكس التّراب السّوسي الكاكي .
عدت إلى بنسليمان يوم التّسجيل كنّا أكثر من مئة طالب في السّنة الأولى ، كلّهم من سوس عدا ثلّثة قليلة من أبناء مرّاكش التحقوا بنا لاحقا ملءا للمقاعد الشّاغرة ، أبناء أكادير وتزنيت و بويكرا و تارودانت ، أبناء الجنوب يتكوّنون في غرب المغرب . في السنة الثانية يوجد فوج آخر من أبناء الراشدية شرق المملكة ، سمة أبناء سوس هي الهدوء والكياسة و البرغماتية ، سمة أبناء الراشدية هي البطولة والمشوخ ، طباع الأمكنة غريبة جدّا . نحن هنا تسعة ممّن تتلمذوا في تالوين ، واحد منّا اختار التصرف لوحده بينما الثمانية تكتلوا لمواجهة المصير ، أعرفهم جيدا ، معي الآن ثلاثة من أبناء دوزرو الذين سرقوا مصباحي ، اثنان من أولاد برحيل ، واحد من تابيا و آخر كنت ألتقيه كثيرا في منزل ابراهيم . لاستكمال التسجيل وجب تعبئة بعض الأوراق في البلدية ، واحد من أبناء دوزرو كان متوترا ، لم تستحسنه نفسي منذ الأزل ، يبدو من الّذين يحبّون التحكم في الأمور، اسمه حسن ، يرتدي ملابسه بكثير من التّناسق ، ابن عمه من الذين يكثرون في الكلام ، و الآخر انخرطت معه في الحديث يدعى حجّوب ، كان كلامنا مجرّد كلام ، ندخّن سيجارة و نتبعها أخرى ، نقهقه بدون سبب ، كلّما علت ضحكاتنا أثارت استفزاز الآخرين ، تدخّل الأنيق بكثير من العصبية : " هل أنتما من بني آدم ، هذا اللّيل بسط أستاره ، و نحن لم نجد بعد مسكنا نأوي إليه ، و لم نتسلّم بعد وثائقنا و أنتما تكركران عبثا ." كلّهم سيتوجهون إلى البيضاء لإحضار أمتعتهم و منها غدا سيلتحقون بالرباط لاستكمال وثائق التسجيل ، ابنا أولاد برحيل أحضروا كلّ لوازمهم ، أنا أحضرت معي بطّانية خالتي من أكادير ، و مخدّة عند خالتي الأخرى من البيضاء ، افتعلت الجدّية و قصدنا بيتا لاكترائه ، توافقنا عليه ، كلّ أعطى نصيبه ، غادرنا من سيبيت في البيضاء ، بقيت في المنزل مع البرحليّين . صبحا توجهنا إلى الرباط لنعود أدراجنا ونقدّم الوثاق للإدارة ، الأنيق أحضر أمتعته ، وقفت سيارة أبيه بباب المنزل ، فاجأني حسن عندما سوّى أفرشته ، هنا بجانبي ستنام ، سنشترك أفرشتي حتّى تجد حلاّ ، ما أغباك يا نور الدين ، لا تحكم على النّاس أحكاما مسبقة ، اعتذر نيابة عن رفاقه في نفس اليوم عن سرقة مصباحي قبل ثمان سنوات ، ضحكنا و هكذا بدأت دورة الأيام في موطننا الجديد ، بعد مدّة قصيرة جاء خالي و قدّم لي ما أحتاجه لشراء أفرشتي بعد أن حدّثه أبي في الأمر ، جاءتني نجدة أخرى من عمّي في المهجر ، أصبحت مسيطرا على وضعي.

قرب الباب في حي فيه مسكنان مأهولان ، جلست مع حجّوب و نسمات البرد تصفع وجوهنا ، السّيجارة لا تفارق شفتيّ ، سكن حديثنا، بعد برهة همست :" أحسّ بالضيق يا حجّوب " ردّ عليّ : "كلّنا كذلك ، إنها الغربة " صارحته : "قد يكون الأمر يتعلق بالغربية ، لكن أنا مغترب عن بيتي لعمر طويل ، لا أظن الأمر متعلّق بها ، أنا يا حجّوب شخص أحب الوضوح في بعض الأشياء ، و أوّلها أن أعرف موضعي في هذا البيت ، نعم قد أكون أعرف هؤلاء جميعهم لالتقائي بهم في ظروف معينة ، لكن لا أخفيك أنّني لست مرتاحا جدّا إليهم ، قد لا يظهر ذلك من تصرفاتي التي أضبط إيقاعاتها رغما عنها ." نفث حجوب الدّخان و قال : " لكي تعرفني أكثر ، أنا أحبّ ، هي في موطني ، لا تزال بالثانوي ، أشتاق إليها كثيرا يا نورالدّين ." بعد بوحه الشفيف قلت :" أنا أيضا أحبّ يا حجّوب ، هي أيضا هناك في تالوين ، لا تزال تدرس في الثّانوي . تنتظر رسائلي متى تنهمر عليها ، ربما تشتاق إلي كثيرا ." منذ تلك اللحظة انضمّ حجوب إلى لائحة أصدقائي ، فتى قصير القامة ، واسع المعرفة ، أدبيّ التوجّه ، مدرك للحياة بألوان معانيها ، فيلسوف محبّ للحياة ، غالبا ما تجد الشّخص المتفلسف يتوسّل النقد السّلبي منهجا ، هنا حجوب فيلسوف ناقد تملأه الإيجابية ، رفيق هائل للعديدين ، أحسّ في أحيان كثيرة أنّه يفوتني بمراحل في قدراته المعرفية و التواصلية و قدرته على الاستمتاع بالحياة ، صديق أنت يا حجّوب . حسن منظم للغاية ، جدّي الطّباع ، لكنه إنسان حقيقي ، يضاهي حجّوب في انسانيته ، أخطأت كثيرا حين كنت أظنك متكبّرا في تالوين يا حسن ، أنا لا أستطيع أن أعتبرك صديقا ، و أنت تعرف ذلك ، و أظنك لن تعتبرني صديقا ، أنا أراك يا حسن ، قدوة ، مثال ، رمز ، قيمة ، أنت ياحسن أكبر منّي ، وأنا أعترف و شديد الاعتراف . أمضيت مع رفاقي هناك أيّاما جميلة ، كلّهم رائعون ، هي الروعة في الحياة ذلك الاختلاف الذي يجعلها ملوّنة ، و كل لون يعطيك ذوقا ، يشعرك بإحساس مختلف .
في مدرسة تكوين المعلّمين وبرنامجها المكثف ، وساعاته الممتدّة ، تحسّ خلالها الكثير من الملل ، خاصّة أن البرنامج مكرّر للغاية ، لا تحس فيه جديدا ، مجرد مراجعة لكل المعلومات السّابقة ، مادّة واحدة تحسّ فيها نسمة هي علوم التربية ، هناك تتعرف المدارس التربوية الغربية ، هناك تتعرف على الإنسان في مراحله الأولى ، كان الأستاذ فيلسوفا ، يفلسف الدروس أكثر ، يدخل أعماق الشخصية الإنسانية ، يربط الجانب الوجداني بالمعرفي والحس ـ حركي ، أنا أيضا هذا العام سأبدأ مع رفاقي في ممارسة الرياضة ، ليلا نتوجه إلى ملتقى طرق بالحي الذي نسكنه ، يكون فارغا تماما من السيارات ، فالحي لا يسكنه غيرنا ، قبالتنا يوجد منزل الجيلالي ، فتى من أبناء بنسليمان يدرس في الباكالوريا ، فتى لا يحمل طباع المدينة ، يمارس معنا كرة القدم ، هنا اكتشفت أنّني أستطيع أن أكون لاعبا لكرة القدم أيضا ، اكتشفت أن جسمي تعتريه صلابة و خفّة ومهارة ، اكتشفت أنّني لا أصاب بالعياء بسهولة ، اكتشفت أن تسديداتي باليمنى كما اليسرى قويّة وصلبة و دقيقة ، لم أكن أمارس الرياضة في تالوين إلا في السّاعات المحددة في المدرسة ، هنا عرفت أن الإنسان متى أراد شيئا يمكنه مزاولته ، قد لا يكون عبقريا لكنه سيكتسب أغلب المهارات. موشو درست معه في الباكلوريا ، قصير صلب ، مدافع في فريق الداخلية في تالوين ، يحبّ الجيمباز ، مرتّل ماهر للقرآن الكريم ، أصبعه يحمل خاتم خطوبته ، سيتزوج في بحر هذا العام ، تسجل في نادي التيكواندو ، يحصّل أحزمته بيسر . التحق به حمّاني الذي كنت ألتقيه في منزل إبراهيم ، طويل و جسمه رياضي ، ثقافته جيدة ، طباعه متفتحة بلا قيود ، يحمل الكثير من صفات أبناء العالم الجديد ، قريب منّي و أنا قريب منه ، مع ابن تابيا المولع بالدراما المصرية ، نشاهد على التلفاز رأفت الهجّان مع المبدع محمود عبد العزيز ، و أفلام شادية و عادل إمام و فاتن حمامة و أحمد بدير و يحيى الفخراني و غيرهم كثير ، مصر أرض الفنون ، و أرض الأدب ، و أرض النيل ، أرض الأهرامات ، أرض الحضارة ، لكن لن يطول الأمر كثيرا ففي هذه الفترة ستظهر الملسلسلات المكسيكية المدبلجة ، ستأسر الجميع و تسحب البساط من تحت أقدام أرض الكنانة ، إنه العالم الجديد ، سيطبع التلفزيون بصمته القويّة انطلاقا من هذا العام و سينحصر دور السّينما ، سترى تصفيفات الشّعر و آخر صيحات الملابس من هناك تبدأ ، سترى الحياة أمامك ترتدي حليّ الثّقافة الجديدة . ثقافة العالم الموحّد تحت لواء أمريكا و الشركات الكبرى .
نحن من سيربي الأجيال ، ماذا نحمل من العزيمة و ماذا نحمل من القوّة للعبور بالأجيال هذه الأودية الهادرة ، ليس الأمر أكثر ممّا نحن عليه في مجمعنا ، أنا و حجوب نغني شعار الرفض ، موشو و رفيقه و حسن اختاروا التيار المحافظ ، حمّاني يقود التيّار المنفتح . في هذا البيت ستسمع الآذان في فناء المنزل كل فجر ، تسمع أشرطة لدروس دينية في غرفة موشو ، تتسلّل البهجة والتفاؤل من غرفة حمّاني ، و هنا في غرفتي يسود هدوء ممزوج بكثير من التأمّل ، ثلاث غرف في هذا البيت تمثل العالم الخارجي . تمثل غياب الرؤية تمثل جوّا مضطربا ، تمثل ولاءات غير متجانسة ، تمثل حالنا ، قد يسود التوتر بعض الأيام ، قد يبتغي كلّ تيّار الاستفراد بالرأي ، تحدث بعض المشاحنات أحيانا، تحدث نقاشات قد تكون حادّة ، لكن نحن أبناء وطن واحد وجب التّساكن و التّعايش ، أذكر يوما غضب فيه موشو ، تحدّاني بمبارزة خارج البيت ، قد يكون أقوى منّي ، لم أستجب لاستفزازه ، ليس لأنّني أخافه ، ليس لانّني جبان ، لكن وجدت نفسي مستصغرا لهكذا تصرّفات ، ظهر لي يومها ضئيلا جدّا ، لماذا نتعارك يا موشو ؟ و جدت الأمر لا يستحقّ ، حسن هنّأني على موقفي ، في اليوم الموالي اعتذر موشو عن سلوكه .

جاءت عطلة دجنبر ، توجهت إلى أكادير هناك التقيت بعمّي و ركبنا الحافلة باتّجاه الملت كانت الحافلة تسير ببطء في زحمة ، أنف الحافلة يشتم دخان الشاحنة أمامها ، ذات توقف مفاجئ صدمتها حافلتا ، جبهتي تلقت صدمة أخرى من المقعد الأمامي ، عمّ الضّجيج الحافلة ، أخليناها في ثوان ، ينتظر السائقان وصول رجال الأمن لتدوين المحضر ، عمّي ينخرط في تنظيم المرور إثر الفوضى التي صاحبت الحادث ، اقتربت من فتاة أعرفها ، طالبة في كلية أكادير ، رفيقة لؤلؤة ، أحدّثها و الخجل يربكها ، أتحدث إلى رفيقتها لتسترجع توازنها، أسألهما عن الكليّة والدّراسة ، ثم سألتها عن لؤلؤة فتبسمت ، حملت لي جديدها الذي أعرفه ، عمّي أوقف سيّارة أجرة و ناداني لأساعده على حمل حقائبنا ، لن ننتظر استكمال الإجراءات ، ودّعت الفتاتين و رحنا إلى بيتنا .
ليلة رأس السنة ، كان عمّي يهاتف زوجته كل نصف ساعة ، يريد أن يهنّئها بميلاد العام الجديد ، لم تقبل التهنئة إلا عندما دقّت رنّات منتصف الليل حسب توقيت جينيف ، عندها تحرّرنا و بإمكاننا أن نطوف مراقص أكادير ، نزور العالم الجديد ، حين تتغير ألوان ملابسك بمجرد الدخول إلى العلبة ، حين ينطلق الضّباب الكثيف من سقف المرقص مغطّيا الأجساد الممسوسة ، حين ندور في حلقات حلزونية على إيقاعات الروك حين ترى الجسد منخرطا في طقوس حضرة بطعم مختلف ، حين تنسى من أنت و إلى أين تسير ، حين يختصر الكون في علبة .

شددت الرحال إلى بنسيمان بعد الليلة الصاخبة ، و بقيت هناك خمسة أشهر ، حتى عطلة الربيع قضيتها هناك عكس رفاقي ، حين غادر الجميع البيت أحسست بنشوة عارمة ، لأول مرة في حياتي سأعيش لأيام مع نفسي ، ساتحدث إلى كياني والصمت يلفي ، أسمع صدى الغرف ، أحس طقطقة الباب ، أسمع همس النوافذ ، سأسامر نفسي حتّى أشبع منها ، أدخل للغابة و أعود ورجلاي مسودّتان بتراب التّرس ، أتناجى و أشجار البلوّط ، أبحث عن الوادي الذي ارتبطت به روحي ، لا أثر له هنا ، حتّى إن وجدت شعبة كانت جافة ، هي السّهول على حدّ البصر ، لا أثر للجبل ، لكن الأشجار و الأعشاب تعطي رونقا للمكان ، لا أثر لدوار كما سوس ، بين دوار و دوار دوار ، هنا يظهر لك مسكن في خلاء ، و تسير حتّى تظن الكون خال تماما ليظهر لك بيت آخر ، هنا تفقد نظرية ابن خلدون رونقها ، هنا العزلة تخيم على النّاس ، يعيشون مع ذواتهم ، يذوبون في رحاب الانبساط الممتد ، الآن عرفت لماذا النّاس هنا تغلب المتعة على طباعهم ، فكلّما دخلوا المدينة أحسّوا نشوة الجماعة واحتفلوا بشبق . في عيد الأضحى جئت موطني ، زرت عمر صديقي في بيته ، كنت أراسله بانتظام و هو في عامه الأخير بتالوين ، غادر الدّراسة و لم يكمل سنته ، كان مريضا لفترة ، فاعتزل المدرسة ، جميع رفاقي هناك يكاتبونني ، حاولت أن أحول بين عمر و فعلته لكنّني فشلت ، كما حاول جميع رفاقه أيضا . هذه رسالة عمر يوم انقطع عن الدراسة .