الموضوع: دَعْ أذَاهُم
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-08-2020, 10:27 PM   #1

تركي خلف

مشرف منبر ذاكرة تاريخ الأمكنة وأعلام الرجال

 
الصورة الرمزية تركي خلف

 
تاريخ التسجيل: Jun 2019
الدولة: الخرج
المشاركات: 1,412
معدل تقييم المستوى: 3
تركي خلف will become famous soon enough

اوسمتي

افتراضي دَعْ أذَاهُم

دَعْ أذَاهُم

من النادر جدا أن أجد في دهاليز الشبكة العنكبوتية مقالآ يعبر عن كل أفكاري أو بعضا من قناعاتي كهذا المقال اللاحق الذي اخترته لكم بعناية , ومسألة البحث عن قلم مميز يحاكي أسلوبي وقناعاتي , قد تأخذ مني أحيانا وقتا أكبر من الوقت الذي أقضيه في الكتابة عادة , وكلما كنت مفلسا من الحماسة للكتابة أو أفتقر إلى الإلهام بسبب الإرهاق والتعب والحالة النفسية التي خلفتها جائحة كورونا في عقلنا الواعي والغير واعي .. ألجأ لهذه الطريقة لأبثكم قناعاتي بواسطة قلم يعبر عما يجول في رأسي .. فالمعذرة لكم آل منابر وكونوا بخير ورمضان كريم
تركي خلف

العوام يقولون كلامًا جميلًا، عندما نتأمله جيدًا فإنه أحيانًا يكون ركيزة ومتكأً نرتكز عليه لنفهم كلام الله! عنَّ لي ذلك وأنا أقرأ قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾ [الأحزاب: 69].

ورد في تفسير هذه الآية حديثٌ عجيب، سأورده في ذيل المقالة.

قدح فكري كلمة (وجيهًا) التي تَعني عظيم القدر وعظيمَ الجاه عند الله جل في علاه، وهي منزلة عظيمة لنبيِّنا موسى عليه السلام.

يقول العوام: "فلان وجهُه يخرجه"، أو "فلان وجهه يمشيه"؛ معنى كلامهم: أي: إنه لا يُرَدُّ له طلب، وحاجته مقضية، وموسى عليه السلام كذلك عند ربه عز وجل، طلب من ربه أن يجعل أخاه هارون وزيرًا له فجعله، ولم يردَّه إلا عندما قال عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: 143].

الذي يعيش مع القرآن يحصل على حلاوة العيش، ويعلم أن أي طريق لا بد أنه ملغوم بالأذى، فيُسلِّم ويرضى ويتوكل، ويتهيَّأ ويتدرب على أن يدفع الأذى، أو أن يعدل ويتنحَّى عنه؛ اقتداءً بسِيَر الأنبياء والصالحين، ومعالجتهم لإيذاءات أقوامهم.

الأذى: ما يكدر مفعولُه ويسيء مِن قولٍ أو فعل.

ونَشرب إن وردنا الماء صَفْوًا ♦♦♦ ويَشرب غيرنا كَدرًا وطينَا

قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ ((‏ليس أحدٌ - أو ليس شيءٌ - أَصْبرَ على أذًى سمِعَه من الله؛ إنَّهم لَيَدْعون له ولدًا، وإنه لَيُعافيهم ويَرزقهم‏))‏‏.‏

يَزيد الأذى ويقلُّ على قدر عطائك وتفانيك، ومكانتك وعظم منزلتك، وإيمانك، ولتتأمَّل ما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم، وما ناله من الكافرين ومن المنافقين، يطلب الله منه بعد ذلك كله ألَّا يطيعهم في استفزازه، وأن يدع أذاهم، ويتوكل عليه؛ ويقول: ((قد أوذي موسى بأكثرَ من ذلك فصبر))!

كثيرٌ هم الذين أساؤوا إليك، ونالوا منك، وشكَّكوا فيك قبل نجاحك، وطعنوا بعده، ولا يزال هذا دَيدنَهم، ولن يتوقف الأذى، فهل تتوقف أنت عن السير في الخير، وتلتفت إليهم، وتخوض معهم فيما يخوضون، ويذهب وقتك وجهدك ونجاحك، وتُكلف نفسك وتُحملها ما كُلفوا واحتَملوا؟!

إذا ما أردت أن تعيش ناعم البال، فلا تُلقِ للأمر بالًا، ودع أذاهم، وامض مستغلًّا طيران التوكل، والله يكفيك من الناس.

يقول أبو الحسن التهامي:
طُبِعَت على كدَرٍ وأنت تريدها
صفوًا من الأقذاءِ والأكدارِ
ومكلّفُ الأيَّامِ ضدَّ طباعها
متطلبٌ في الماءِ جَذوةَ نارِ
وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّما
تبني الرجاءَ على شفيرٍ هارِ

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيءٌ استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستُّر إلا من عيبٍ بجلده؛ إما بَرصٌ وإما أُدْرةٌ وإما آفةٌ! وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخَلا يومًا وحده فوضَع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرَغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عَدا بثوبه، فأخذ موسى عَصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجَرُ، ثوبي حجَر، حتى انتهى إلى ملَأٍ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسنَ ما خلق الله وأبرأَه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لنَدَبًا من أثر ضربه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾ [الأحزاب: 69])).

من مواضيعي
0 أعبُرُ الأطْلَسيّ سَيْراً - بيلي كولنز
0 يَا لِرَوْعة أعْيَاد زَمَان!
0 دَعْ أذَاهُم
0 قِصَتْي مَع كُورُونا
0 الغُولْ : مَا بَيْن الأُسْطُورَة وَالوَاقعْ

التوقيع :
الابتسامة هي قوس قزح الدموع

تركي خلف موجود حالياً   رد مع اقتباس