عرض مشاركة واحدة
قديم 03-12-2011, 09:59 PM
المشاركة 2
رقية صالح
أديبـة وكاتبـة سوريــة

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي





ويحس ايونا خلف ظهره بجسد الأحدب المتململ ورعشة صوته ويسمع السبابا الموجه إليه ويرى الناس فيبدأ الشعور بالوحدة ينزاح عن صدره شيئاً فشيئاً. ويظلّ الأحدب يسب حتى يغص بسباب منتقى فاحش وينفجر في السعال. ويشرع الطويلان في الحديث عمن تدعى ناديجدا بتروفنا.


ويتطلع ايونا نحوهم وينتهز فرصة الصمت فيتطلع نحوهم ثانية ويدمم:


- أصلاً أنا..هذا الأسبوع..ابني مات!


فيتنهد الأحدب وهو يمسح شفتيه بعد السعال:


- كلنا سنموت .. هيا عجل عجل .. يا سادة أنا لا يمكن أن أمضي بهذه الطريقة متى سيوصلنا؟


- حسنا فلتشجعه قليلاً … في قفاه!


ـ هل سمعت أيها الوباء العجوز؟ سأكسر لك عنقك! التلطف مع جماعتكم معناه السير على الأقدام .. هل تسمع أيها الثعبان الشرير؟ أم أنك تبصق على كلماتنا؟


ويسمع ايونا أكثر مما يحس بصوت الصفعة على قفاه.


فيضحك هىء .. هىء.. هىء .. سادة ظرفاء .. ربنا يعطيكم الصحة.


ويسأل أحد الطويلين: يا حوذي هل أنت متزوج؟


- أنا .. هىء... هىء .. سادة ظرفاء! لم يعد لدي الآن إلا زوجة واحدة: الأرض الرطبة؛ أي القبر! ..ها هو ابني قد مات وأنا أعيش .. شيء غريب؛ الموت أخطأ بوابته .. بدلاً من أن يأتيني ذهب إلى ابني.



ويتلفت أيونا لكي يروي كيف مات ابنه ولكن الأحدب يتنهد بارتياح ويعلن أنهم أخيراً، والحمد لله، وصلوا.. ويحصل ايونا على العشرين كوبيكا، ويظل طويلاً في إثر العابثين وهم يختفون في ظلام المدخل وها هو وحيد ثانيةً ومن جديد يشمله السكون .. والوحشة التي هدأت قليلاً تعود تطبق على صدره بأقوى مما كان وتدور عينا ايونا بقلق وعذاب على الجموع المهرولة على جانبي الشارع: ألن يجد في هذه الآلاف واحداً يصغي إليه؟



ولكن الجموع تُسرع دون أن تلاحظه أو تلاحظ وحشته؛ وحشة هائلة لا حدود لها .. لو أن صدر ايونا انفجر وسالت منه الوحشة فربما أغرقت الدنيا كلها، ومع ذلك لا أحد يراها. لقد استطاعت أن تختبئ في صَدفة ضئيلة؛ فلن تُرى حتى في وَضَح النهار.


يلمح ايونا بواباً يحمل قرطاساً فينوي أن يتحدث إليه ويسأله: كم الساعة الآن يا ولدي؟



- التاسعة.. لماذا تقف هنا .. امشِ.


يتحرك عدّة أمتار ثم ينحني متقوساً ويستسلم للوحشة .. ويرى أنه لا فائدة بعد من مخاطبة الناس ولكن ما إن تمر بضع دقائق حتى يتعدل وينفض رأسه كأنما أحس بوخزة ألم حادة ويشد اللّجام … لم يعد قادراً على التحمل. ويخاطب نفسه: إلى البيت .. إلى البيت.


وكأنما فهمت الفرس أفكاره فتبدأ في الركض بحماس، وبعد حوالي ساعة ونصف يكون ايونا جالساً بجوار فرن كبير قذر، وفوق الفرن وعلى الأرض وعلى الآرائك يتمدد أناس يشخرون، والجوّ مكتوم خانق .. يتطلع ايونا إلى النائمين، ويحك جلده ويأسف لعودته المبكرة إلى البيت ويقول لنفسه: لم أكسب حتى حق الشعير ولهذا أشعر بالوحشة، الرجل الذي يعرف عمله، الشابع هو وفرسه؛ دائما مطمئن البال.



في أحد الزوايا ينهض حوذي شاب، ويكح بصوت ناعس ويمد يديه إلى الدلو .. فيسأله ايونا:

- أتريد أن تشرب؟


- كما ترى.


- بالهناء والشفاء .. أما أنا يا أخي فقد مات ابني هل سمعت؟ هذا الأسبوع في المستشفى … حكاية!


ويتطلع ايونا ليرى أي تأثير تركته كلماته ولكنه لا يرى شيئاً؛ فقط تَغطًى الحَوذي الشاب حتى رأسه وغطّ في النوم، ويتنهد العجوز ويحك جلده .. فمثلما رغب الحوذي الشاب في الشرب يرغب هو في الحديث .. عما قريب يمرّ أسبوع منذ أن مات ابنه، بينما لم يتمكن حتى الآن من الحديث عن ذلك مع أحد كما يجب.


ضروري أن يتحدث بوضوح على مهل .. ينبغي أن يروى كيف مرض ابنه وكيف تعذب وماذا قال قبل وفاته وكيف مات، ينبغي أن يصف جنازته وذهابه إلى المستشفى ليتسلم ثياب الفقيد، وفي القرية بقيت ابنته أنيسيا .. ينبغي أن يتحدث عنها أيضاً .. وعوماً فما أكثر ما يستطيع أن يروي الآن؛ ولا بد أن يتأوه السامع ويتنهد ويرثي … والأفضل أن يتحدث مع النساء، فهؤلاء وإن كن حمقاوات يوَلونْ من كلمتين.



ويقول ايونا لنفسه: فلأذهب لأتفقد الفرس .. وفيما بعد سأشبع نوماً .. يرتدي الملابس ويذهب إلى الإصطبل حيث تقف الفرس ويفكر في الشعير والدريس والجو فعندما يكون وحده لا يستطيع أن يفكر في ابنه .. يستطيع أن يتحدث عنه مع أحد، وأما أن يفكر فيه ويرسم لنفسه صورته فشيء رهيب لا يطاق .. ويسأل أيونا فرسه عندما يرى عينيها البراقتين
- تمضغين؟ حسناً امضغي امضغي .. ما دمنا لم نكسب حق الشعير فسنأكل الدريس .. نعم أنا كبرت على القيادة، كان المفروض أن يسوق ابني لا أنا، كان حوذياً أصيلاً لو أنه فقط عاش .. ويصمت ايونا بعض الوقت ثم يواصل:


- هكذا يا أخي الفرس، لم يعد كوزما أيونيتش موجوداً .. رحل عنا .. فجأة .. خسارة .. فلنفرض مثلاً أن عندك مهراً وأنت أم لهذا المهر .. ولنفرض أن هذا المهر رحل فجأة، أليس مؤسفاً؟


وتمضغ الفرس وتنصت وتزفر على يدي صاحبها، ويندمج ايونا فيحكي لها كل شيء.


تمت


- - - - - - - - -


* أنطون بافلوفيتش تشيخوف (29 يناير 1860 – 15 يوليو 1904) من كبار الأدباء الروس كما أنه من أفضل كتّاب القصة القصيرة على مستوى العالم.

كتب عدة مئات من القصص القصيرة وتعتبر الكثير منها إبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها أعظم الأثر على دراما القرن العشرين.


بدأ تيشيخوف الكتابة عندما كان طالباً في كلية الطب في جامعة موسكو ولم يترك الكتابة حتى أصبح من أعظم الأدباء وأيضاً استمرّ في مهنة الطب وكان يقول: “إن الطب هو زوجتي والأدب عشيقتي


المصدر:








هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ
إنّي أحبُّ... وبعـضُ الحبِّ ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ لو شرحتمُ جسدي .. لسالَ منهُ عناقيـدٌ وتفـّاحُ
ولو فتحتُم شراييني بمديتكم .. سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا
زراعةُ القلبِ تشفي بعضَ من عشقوا .. وما لقلبي إذا أحببتُ جرّاحُ
مآذنُ الشّـامِ تبكي إذ تعانقني .. وللمآذنِ كالأشجارِ أرواحُ
للياسمينِ حقـوقٌ في منازلنا.. وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتاحُ
طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنا .. فكيفَ أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فوّاحُ
هذا مكانُ "أبي المعتزِّ".. منتظرٌ ووجهُ "فائزةٍ" حلوٌ ولمّاحُ
هنا جذوري هنا قلبي .. هنا لغـتي فكيفَ أوضحُ؟
هل في العشقِ إيضاحُ؟

- - - - - - - - - - - - - -
(أعشق وطني والمطر)