الموضوع: الشنّ
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-27-2020, 06:43 PM
المشاركة 3
سالم الجابري
من آل منابر ثقافية
  • متواجد  الان
افتراضي رد: الشنّ

تلك الفعلة لم تكن لتمرّ مرور الكرام مع أبي، إذ رفض عودتي للبيت. حاولت مغافلته والتسلل ليلاً لكنّي وجدته قد جنّد إخوتي الثلاثة لحراسة كل الثغور المحتملة للدخول. بعد أن يأست من المبيت في البيت وضاقت بي الحيلة وقد انتصف الليل تذكّرت عشّة في سفح الجبل كنّا نأوي إليها حين نسرح بالغنم في الوادي القريب، تجاوزت عقبة الجبل مشياً وهبطت الوادي متجهاً للعشّة، جمعت في طريقي بعض عيدان الحطب وأشعلت النار على باب العشّة لأبعد الهوام ثمّ ألقيت بجسدي على التراب وتوسدت نعلي.

صحوت مع طلوع الشمس، وما زال أحد العيدان يرتفع منه خيط رفيع من الدخان، جمعت عليه ما تبقّى من العيدان الأخرى وأشعلت النار مجدّداً لأتدفأ. جلست متفكّرا أعاتب نفسي على مشهد تراقص ألسنة اللهب وأصوات الفرقعة من النار حتّى أحسست بالدفء. لمّا قمت واقفاً أتنسّم بعض الهواء وتجاوز بصري أكمة أشجار السمر المقابلة للعشّة رأيت شيئاً غريباً. رأيت عدّة سيارات ملقاة في الوادي وبعضها عليه آثار حريق، تذكّرت كلام أحدهم عن أسعار خردة المعادن المرتفع، وما هي إلا ثوان معدودة وكانت الخطّة جاهزة.

اتصلت بإخوتي وأغريتهم بالغنيمة التي ليس فيها أي مخالفة قانونية، بل إن أقل ما يقال عن تقطيع السيارات وحملها من هذا المكان أنّه محافظة على البيئة. جاء إخوتي بشاحنة أبي الصغيرة، وأنا استطعت استعارة معدّة قطع المعادن، وخلال ساعتين كنّا قط قطّعنا هيكل السيارة الأولى وبدأنا بالثانية.
لكن فجأة، وكأنها هبطت من السماء، امتلأ المكان بدوريات الشرطة من شطري الوادي. أصبنا بالذهول، ولابدّ أن صوت آلة القطع قد صمّ آذاننا عن صوت اقتراب الدوريات.
استجمعت شجاعتي وخلعت قناع الوجه واتجهت للضابط الذي نزل من سيارته باتجاهنا، لم ينتظر حتى أقترب منه، صرخ قائلاً

-ماذا تفعلون؟ هل أنتم مجانين؟!

توقفت حتى اقترب منّي فلم يمهلني وأردف قائلاً

-هذه سيارات مخصصة لأغراض تدريب الدفاع المدني، هذا اعتداء وتخريب وسرقة لأموال الدولة.

بعدما سمعت كلماته النارية إلتفتّ ورائي لأنظر لإخوتي فوجدتهم كخراف أحاطت بها النار، قد طارت عقولهم واتسعت عيونهم وفغرت أفواههم.


يتبع