عرض مشاركة واحدة
قديم 11-25-2011, 02:24 PM
المشاركة 74
ايوب صابر
مراقب عام سابقا

اوسمتي

  • غير موجود
افتراضي
رواية " الوشم" للربيعي

حين يدخل المثقفون في التجربة (...) السياسية

(1)

هل الاغتراب قدر هذه الرواية ؟
هل كتب عليها أن تطبع وتنشر "بعيدا عن السماء الأولى" مثل كاتبها؟
عن منشورات الزمن بالرباط ، صدرت سنة 2002م الطبعة المغربية – وبثمن مغري – لرواية "الوشم" للكاتب العراقي المقيم في تونس عبد الرحمن مجيد الربيعي .. رواية انكتبت منذ صرختها الأولى نصا حداثويا ، مشاكسا، متمردا على كل شيء مثل بطلها كريم الناصري .

(2)

في البدء لابد من الاعتراف أن هذه الرواية المثيرة لشهية الكتابة الأخرى دفعتني إلى كتابة قصة قصيرة موسومة بـ " الطيور تهاجر لكي لا تموت ..." دون أن أقرأها ... فقط اعتمدت على القراءة الثانية لمحمد شكري لها من خلال برنامجه الإذاعي الخاص: " شكري يتحدث" واليوم أجدني مدفوعا بقوة إلى أن أكتب عن نص شقي من نصوص (أدب السجون) بعد رحيل شكري وبعد موت : الطيور ... على يدي ذات شقاء!

(3)

يعتبر المكان في رواية "الوشم" هو الشخصية المحورية، ولو بالغياب، وهو المعتقل الموحش، الذي كان يوما إصطبلا لخيول الشرطة .. بلياليه السرمدية .. هذا الفضاء الكريه ، الذي يصادر الحرية ويغتال الأحلام ، ويختطف الدفء الإنساني .. ويدجن المغضوب عليهم .. يقهرهم سياسيا ونفسيا ... ويدفعهم إلى الغرق في الوحدة وفي الخطيئة (السقوط) ... ويغدو الزمن النفسي توأم هذا الفضاء المقيت القاتل: "ويدعوه صوت من الأعماق لأن يحمل رفاته ويقـلع لعل رأسه اللائب تحتضنه وسادة أمان" (ص31) ، ويدفـعـه في النهاية إلى الهـرب" إلى اختيار مـنـفـاه : "إنني مسافر غدا إلى الكويت لقد استـقـلت من الجريدة والشركة معا وسأبدأ حياتي هـناك من جــديـد" (ص120) .

للإشارة فقط: الاستشهاد الأول من الصفحة الأولى من الرواية، التي استهلها الربيعي بوصف مشاعر كريم الناصري فور إطلاق سراحه، والاستشهاد الثاني من آخر صفحة من "الوشم" ، وبين البداية والنهاية سلسلة من الخطايا والآلام والتداعيات ...

إذ يتحول كريم الناصري (ذلك الصبي الشجاع الذي لا يخا ف الظلام ولا المجهول) من مثـقـف مناضل حالم إلى إنسان يحمل رفاته، دمرته ليالي المعتقل من الداخل، كل أمانيه في الحياة أن يعيش ليقرأ الكتب ويعاشر البغايا – بعد انقراض الحب الأفلاطوني طبعا – ويهرب من تأنيب الضمير باللجوء إلى السكر وغيبوبة اللحظة والتفاهة ... هذا هو الوجه القبيح للسياسة بكل عهارتها ...

(4)

ما العلاقة بين الوشم والخيانة والعهارة ؟!

عودة إلى قراءة عنوان هذه الخربشات .. : "حين يدخل المثقفون في التجربة (...) السياسية" ندرك أن المعتقل – البطل الرئيس للرواية – مجرد "مبغى عام" !!! ولا مفر من هذه العهارة الموشومة في باطن الروح سوى الهروب / الرحيل إلى المنافي العربية والغربية ... هذا ما نقرأه في ضوء ما نعايشه حـاليا بعد عقد من الزمن، بعد صدور الطبعة الأولى للوشم سنة 1972م بيروت .. فإما أن تتدروش مثل الشيخ حسون وحامد الشعلان أو أن تكون كلبا يضاجع شهرزاد : "لقد تركتنا نحن الثلاثة متعبين لاهثين تتدلى ألسنتنا" (ص76) وهؤلاء الثلاثة هم : كريم الناصري وزميلاه في الجريدة محمود وجابر !!

بيد أنه يرفض معاشرة العاهرة ذات الفخذين الموشومين ، يشمئز منها / يحتقر نفسه .. لأنها تذكره بعهارته السياسية وخيانة الرفاق الجماعية للقضية وللنضال ، وانهزامهم أمام سطوة المعتقل / السلطة ... هذه الخيانة تفضح انتهازيتهم / عهارتهم ... فتبقى وصمة عار في دواخلهم لا تمحى ولا تنسى .. "هل سيأتي يوم أترحم فيه على أيام الاعتــقـال وأعـتبرها أكثر أيامي هدوءًا ؟" (ص70) هكذا يكتب في إحدى رسائله إلى الشيخ حسون – وعلى طريقـة كرسي الاعتراف في الكنيسة – ليفضح عجزهم الراهن ويدين ماضيهم اللامجدي ... إذا ، لماذا ناضلوا؟ لماذا اعتقلوا ؟

وعلى غرار باقي الروايات السياسية، عندما يفشل البطل المناضل / الضحية يحاول أن يعوض عنتريته المنكسرة بممارسة فروسيته على أجساد النساء أو في الحب ...

فقبل الاعتقال كان كريم الناصري مرتبطا بأسيل عمران ، ذات الأصول الفارسية ... لكن الحزب فرق بينهما ، بعدما كان القاسم المشترك بينهما ... بسبب سقوطه السياسي .

لكنه يتناقض مع نفسه – فهذا العاشق الإفلاطوني فيما بعد – يهفو إلى أن يضمهما فراش واحد ... وبعد خروجه من المعتقل يتعرف إلى مريم التي أرادها "مطهرا من رجسه وخطاياه تعرض عليه جسدها" (ص179) .. مريم الـباحثة عـن الحب انتقاما من شيخوخة زوجها / شيخوخة النظام الذي دمر الرفاق نفسيا ...!!

أية علاقة مجنونة هاته التي كـانت تربطه بمريم ، وهو الذي يقـدس عواطفه، ولا يريدها أن تدنس .. وفي الوقت نفسه ترمي بجسدها في حضن قحطان ، ويعلم ذلك ؟!؟!

لم تكن تفكر في الحب إلا بأسفلها ... بيد أنها تعرض عليه أن يتزوجها قبيل سفره ...! ويجسد الربيعي ذروة تناقض المثقف / ازدواجيته وجبنه حين يهرب كريم الناصري من يسرى واصفا إياها بـ "عذراء الروح والجسد والقلب" (ص116) . فلم يعد أمامه من سبيل للهرب من تشرده الروحي والنفسي سوى الرحيل ...!!!

(5)

استطاع الربيعي في هذا النص المتميز أن ينمق جراح كريم الناصري / الضحية السياسية بكل تلويناتها .. ونجح في بنائه الفني ببراعة بدائرية الحكي، وتفتيت السرد وتعدد الضمائر والأصوات وشعرنة بعض المقاطع السردية تخفيفا من حدة قتامة أجواء الرواية .. ولعل هذا ما جعل الرواية تستقبل بكل حفاوة نقدية منذ صدورها ... وهي تكشف الستار عن المسكوت عنه في لعبة السياسة التي ينبهر بها المثقف الطليعي ، واسمحوا لي أن أسجل في نهاية هذه الأوراق أن ما بين أيديكم مجرد قراءة عاشقة من قاص لا ناقة له ولا جمل في سوق النقد ... وما تبقى يؤسسه النقاد !!!

على سبيل الختم :

"هل الحياة في المعتقل تكون أحيانا أفـضل من الحياة خارجه ؟ إن هذه المواقتة بين الجواني والبراني يمزجها الربيعي بتكـنيك واقعي، لا حلم بلا واقع ولا واقع بلا حلم ، أما التقـنية الرائعة فهي ساعة بلا عقارب ، تذكرنا بتكنيك الروائيين الكبار من جويس إلى وليم فولنكر ، لا بد من الإحساس بالزمن ، بعمق، لإدراك هذا التوقيت الموزع"... (محمد شكري)