عرض مشاركة واحدة
احصائيات

الردود
2

المشاهدات
921
 
عبد الكريم الزين
من آل منابر ثقافية

اوسمتي
الوسام الذهبي الألفية الرابعة الألفية الثالثة وسام الإبداع الألفية الثانية التواصل الحضور المميز الألفية الأولى 
مجموع الاوسمة: 8


عبد الكريم الزين is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
14,144

+التقييم
11.33

تاريخ التسجيل
Dec 2020

الاقامة
المغرب

رقم العضوية
16516
09-13-2022, 09:44 PM
المشاركة 1
09-13-2022, 09:44 PM
المشاركة 1
افتراضي قصة: حيرة بجماليون
حين أبصر أسخيلوس بجماليون، انسل من بين حلقة معجبيه، وأدركه قبل أن يغادر ساحة أثينا. ربت على كتفه من الوراء، وحين استدار خاطبه مبتسما:
- بجماليون صديقي العزيز، كيف يمضي العمل على تمثالك الأخير؟
أجاب بجماليون باعتزاز واضح:
- لم يكتمل بعد، لكنه سيكون رائعا، وسيذكره التاريخ.
هز أسخيلوس رأسه قائلا:
- ليس بروعة الفاتنة أسبازيا!
استغرب بجماليون وقال:
- لن يكون لتمثالي مثيل في بلاد هيلاس!
أشار أسخيلوس برأسه إلى الطرف المقابل من الساحة، حيث وقفت شابة أمام دكان مفتوح تختار أثوابا من الحرير، وبرفقتها رجل صارم الملامح بلحية مشذبة.
فغر بجماليون فاه، وتركزت عيناه عليها:
- حقا فائقة الجمال!
عقب أسخيلوس مزهوا:
- بل هي الجمال بعينه!
ثم أضاف:
- ستسر بالتعرف إليك، لقد سمعت كثيرا عن فنك.
عقب بجماليون وبصره لا يفارق الشابة الحسناء:
- لكنها برفقة بريكليس أقوى رجال أثينا.
ضحك أسخيلوس:
- المرأة الفنانة والأديبة لا تعشق إلا الفنانين والأدباء، قد ترتبط بالسياسي المرموق أو القائد الناجح، لكن حنين قلبها يظل دائما مشدودا لمن يشاركها هيامها بعالم الفن والأدب.
قال بجماليون بصوت خفيض كأنه يخاطب نفسه:
- أخشى أن أقع في الحب. لا أريد أن ألقى مصير العازف أورفيوس حين فقد محبوبته يوريديس، وهام على وجهه في البراري كالمجنون.
ابتسم أسخيلوس وقال:
- يقول المعلم سقراط: الحب مرض جميل، ومن الحماقة أن نرفض الإصابة به، و..
قاطعه بجماليون ساخرا:
- الحب مرض لا علاج له، والمرأة قد يتغير حبها ويبقى الداء ينخر القلب.
بعد لحظة صمت، تكلم أسخيلوس بنبرة واثقة:
- ألا تظن مثلي أن الحب طبيعة بشرية كباقي الصفات: صعود وهبوط، ولذات أقواها المعاناة؟
رد بجماليون قائلا بحدة:
- أكره أن يدنس الحب بنوازع البشر المتقلبة.
اتسعت عينا أسخيلوس فصاح:
- أنت تبحث عن عشق سماوي، عن شعلة لا تنطفئ!
قال بجماليون بصوت حالم:
- هذا ما يلهمني نحت معشوقتي الرخامية الصامتة.
حدق فيه أسخيلوس مليا، والتمعت عيناه:
- قد أنظم مسرحية جديدة عن حيرتك الأسطورية.

ظل بجماليون مشدوها إلى الجسد المتفجر فتنة وغواية، فلم ينتبه إلى أسخيلوس حين حياه بيده وغادر. كانت أسبازيا كفراشة ندية تتنقل بين دكاكين الأثواب الفاخرة. كفها أشد نعومة من أثواب الحرير التي تقلبها، وبشرتها أرق من نسيم الصباح. وخلفها كان يسير بريكليس، مداعبا ذقنه بين الفينة والأخرى.

قدم أحد الجنود مهرولا، وأدى له تحية عسكرية، ثم همس في أذنه. تقدم بريكليس نحو أسبازيا وخاطبها. ظهر الغضب واضحا على وجهها، فزادها إثارة وجمالا. بدا أنها تعاتب رفيقها، لانت ملامح الرجل الصارمة، فتلفظ بكلمات اعتذار ثم انصرف مرتبكا، وعادت هي إلى تقليب الأثواب.

حين مرت بجانب بجماليون اختلست نظرة خاطفة إليه، ثم تثاقلت في مشيتها، كان شعرها الأسود الطويل يتموج منسابا على ثوبها الناصع البياض، باسطا أشرعة إغرائه.
خطا بجماليون خطوتين وراءها ثم توقف، تتبعها بعينيه ملتهما كل تفاصيل جسدها المبتعد كسراب طائر، وأسرع متجها إلى معمله.