الموضوع: بديع السماوات
عرض مشاركة واحدة
قديم اليوم, 02:23 AM
المشاركة 118
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية
  • موجود
افتراضي رد: بديع السماوات
بسم الله الرحمن الرحيم






سحب دخانية، ضخمة وصغيرة، تطلق جليد الماء من مواقع عديدة على امتداد "خطوط النمر" الشهيرة بالقرب من القطب الجنوبي للقمر إنسيلادوس



النافورات الجليدية على قمر إنسيلادوس

يُعدّ إنسيلادوس، القمر الصغير التابع لكوكب زحل، من أكثر الأجرام إثارة للاهتمام في النظام الشمسي. فقطره لا يتجاوز نحو 504 كيلومترات، أي ما يقارب عرض شبه الجزيرة العربية من أقصاها إلى أدناها بالتقريب الشديد، ومع ذلك يخفي تحت سطحه الجليدي البارد أسرارًا جعلته محطّ أنظار علماء الفلك والأحياء على حدّ سواء. ومن أبرز ما يميّزه تلك النافورات الهائلة التي تنطلق من منطقته القطبية الجنوبية، فتقذف إلى الفضاء نفاثات من بخار الماء وحبيبات الجليد ومواد أخرى.

وتنبع هذه النفاثات من شقوق طويلة عميقة تُعرف باسم «خطوط النمر»، وهي أربعة شقوق رئيسية تمتد قرب القطب الجنوبي للقمر. وتتميز هذه المناطق بأنها أدفأ من معظم سطحه المتجمد، وهو ما يدل على وجود مصدر حرارة في الداخل. وتشير القياسات العلمية إلى أن تحت القشرة الجليدية محيطًا عالميًا من الماء السائل، وأن مواد من هذا المحيط تصعد عبر الشقوق ثم تندفع إلى الفضاء. ويخرج مع بخار الماء وحبيبات الجليد مواد ذائبة وغازات، ويساعد ضعف جاذبية إنسيلادوس على وصول جزء من هذه المواد إلى الفضاء بدلًا من أن تسقط كلها على السطح.

وهذه المشاهد ليست مجرد تصورات فنية، فقد رصدتها مركبة كاسيني التابعة لوكالة ناسا، التي درست زحل وأقماره بين عامي 2004 و2017، وصوّرت النافورات مباشرة، كما حلّلت عيّنات من المواد المنبعثة بأجهزتها العلمية. أما بعض الصور المتداولة لتضاريس الشقوق فهي مبنية على بيانات كاسيني مع معالجة وتوضيح للتضاريس، ولذلك لا تُعدّ لقطات فوتوغرافية عادية للسطح.

وقد جعلت هذه الاكتشافات من إنسيلادوس من أبرز المواقع التي يدرسها العلماء بحثًا عن بيئات قد تكون صالحة للحياة. فوجود الماء السائل تحت سطحه الجليدي هو الشرط الأول، ثم اكتُشفت مركبات عضوية في المواد المنبعثة، إضافة إلى أملاح ومكونات كيميائية مهمة، كما ظهرت أدلة على نشاط حراري مائي محتمل في قاع المحيط. وجاء اكتشاف الفوسفور في حبيبات جليدية قذفها القمر ليضيف دليلًا آخر، إذ إنه عنصر أساسي للحياة المعروفة على الأرض.

غير أنه لا بدّ من التفريق بين وجود ظروف ملائمة للحياة واكتشاف الحياة نفسها، فحتى اليوم لا يوجد إثبات مؤكد على وجود كائنات حية على إنسيلادوس. ومع ذلك، فإن من أكثر ما يلفت الانتباه أن القمر يقذف عيّنات من محيطه الداخلي إلى الفضاء بنفسه، وهذا يتيح للبعثات المستقبلية دراسة بعض مكوناته دون الحاجة بالضرورة إلى حفر قشرته الجليدية للوصول إلى الماء. وبذلك يظل هذا القمر الصغير بابًا مفتوحًا على أحد أعمق الأسئلة التي شغلت الإنسان: هل نحن وحدنا في هذا الكون؟