الموضوع: بديع السماوات
عرض مشاركة واحدة
قديم اليوم, 02:39 AM
المشاركة 95
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية
  • غير موجود
افتراضي رد: بديع السماوات
بسم الله الرحمن الرحيم








الكواكب المرئية بالعين المجردة: دليل شامل

الكواكب الخمسة التي تُرصد بوضوح بالعين المجردة هي عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. أما أورانوس فيقترب لمعانه في أفضل حالاته من حد الرؤية البشرية تحت سماء مظلمة جداً، لكنه لا يُعدّ ضمن الكواكب الخمسة المعتمدة في الرصد البصري المعتاد، وأما نبتون فلا يُرى بالعين المجردة مطلقاً ويحتاج دوماً إلى منظار أو تلسكوب.

والنقطة الجوهرية التي يجب فهمها قبل كل شيء هي أن الكوكب لا "يختفي" بمعنى الكلمة، بل إن موقعه الظاهري بالنسبة للشمس والأرض هو الذي يتغير باستمرار، فتارة يغلب ضوء الشمس ضوءه فيصعب تمييزه، وتارة يكون تحت الأفق أثناء الليل، وتارة أخرى يبتعد ظاهرياً عن الشمس بما يكفي ليصبح واضحاً في سماء المساء أو الفجر.

## نوعا الحركة في السماء

يجب التفريق بين حركتين مختلفتين تماماً. الأولى هي الحركة اليومية، وهي حركة ظاهرية تشترك فيها الكواكب مع النجوم جميعاً، فبسبب دوران الأرض حول نفسها تبدو كل الأجرام وكأنها تشرق من الشرق وتتحرك عبر السماء لتغرب في الغرب خلال الليلة الواحدة.

أما الحركة الثانية فهي الحركة الحقيقية للكوكب في مداره حول الشمس، وهي حركة أبطأ بكثير تُلاحظ عبر الأيام والأسابيع لا خلال الليلة الواحدة. فإذا سجّلت موقع كوكب معين بين النجوم اليوم ثم عدت بعد بضعة أيام، ستجده قد انتقل قليلاً بالنسبة لخلفية النجوم الثابتة. وأحياناً تحدث ظاهرة تسمى الحركة التراجعية، إذ يبدو الكوكب وكأنه يتحرك إلى الوراء بين النجوم لأسابيع أو أشهر، وهذا ناتج فقط عن اختلاف سرعتي الأرض والكوكب المرصود في مداريهما حول الشمس، وليس تغييراً حقيقياً في اتجاه دوران الكوكب، تماماً كما تبدو سيارة أبطأ منك وأنت تتجاوزها وكأنها تسير للخلف.

## عطارد

عطارد هو الكوكب الأقرب إلى الشمس والأسرع حركة بين الكواكب الخمسة، ولهذا القرب الشديد منها يُعدّ أصعب هذه الكواكب رصداً على الإطلاق، لا لضعف لمعانه فحسب بل بسبب موقعه الدائم في محيط ضوء الشفق. يدور حول الشمس في نحو ثمانية وثمانين يوماً، غير أن دورة ظهوره الظاهرية بالنسبة للأرض تستغرق نحو مئة وستة عشر يوماً، ولهذا يتكرر ظهوره كنجم صباحي أو نجم مسائي عدة مرات في السنة الواحدة.

وموقعه دوماً قريب من الشمس في السماء، فلا يمكن رؤيته أبداً في وسط السماء عند منتصف الليل كما يحدث مع المشتري مثلاً، بل يظهر منخفضاً في جهة الغرب بعد الغروب، أو منخفضاً في جهة الشرق قبل الشروق فقط. ومدة بقائه فوق الأفق في وضح قابل للرصد قصيرة عادة، فقد لا تتجاوز الساعة في أفضل الأحوال، ولهذا يحتاج راصده إلى أفق غربي أو شرقي مفتوح تماماً بلا عوائق.

وأفضل وقت لرصده هو حين يبلغ أقصى استطالة له عن الشمس، أي حين يصل إلى أبعد نقطة ظاهرية ممكنة عنها، وهذا يحدث عدة مرات في السنة بالتناوب بين ظهور مسائي وآخر صباحي. غير أن الاستطالات ليست متساوية في سهولة الرصد، فارتفاع الكوكب عن الأفق وزاوية ميل مسار الشمس في ذلك الفصل من السنة عاملان حاسمان في تحديد مدى وضوحه، ولهذا يُعدّ عطارد أكثر الكواكب حاجة إلى التخطيط المسبق.

ولتمييزه عن النجوم: هو جرم خافت نسبياً، أصفر شاحب إلى وردي باهت، ثابت الضوء لا يرمش، وعلامته الأهم هي موقعه المنخفض جداً قرب خط الأفق مباشرة بعد الغروب أو قبيل الشروق مباشرة.

## الزهرة

الزهرة هو ثاني الكواكب من الشمس، وأسهلها وألمعها على الإطلاق للرصد بالعين المجردة، حتى إنه يُشتبه أحياناً بأضواء طائرة أو جرم غريب لفرط سطوعه. قد يصل لمعانه الظاهري إلى نحو -4.7، وهو رقم يجعله مرئياً حتى قبل أن تحل الظلمة الكاملة، بل يمكن لمن يعرف موقعه بدقة أن يرصده نهاراً مع الحذر الشديد من النظر باتجاه الشمس. يدور حول الشمس في نحو مئتين وخمسة وعشرين يوماً.

وله حالتان مشهورتان: نجمة المساء، حين يظهر بعد الغروب في جهة الغرب ويبقى مرئياً لفترة من الوقت مرتفعاً بدرجات متفاوتة، ونجمة الصباح، حين يظهر قبل الشروق في جهة الشرق كأحد ألمع الأجرام في تلك اللحظة. والمهم أن الزهرة لا يُرى أبداً في منتصف الليل، لأن مداره داخلي بالنسبة لمدار الأرض، فلا يبتعد ظاهرياً عن الشمس مسافة تكفي لبقائه فوق الأفق طوال الليل.

وحين يكون في أفضل أوضاعه، أي عند أقصى استطالة له عن الشمس، يمكن رؤيته لعدة ساعات حول الغروب أو الشروق. ولا يخطئ أحد الزهرة، فهو أسطع من كل نجم في السماء بلا استثناء، ضوؤه أبيض مائل إلى الزرقة، ثابت تماماً لا يرتجف قط مهما بدت النجوم المحيطة به ساطعة.

## المريخ

المريخ هو رابع الكواكب من الشمس، ويقع مداره خارج مدار الأرض، وهو أسهل رصداً من عطارد بكثير وإن كان أقل لمعاناً من الزهرة والمشتري، ويميزه عن كل جرم آخر في السماء لونه البرتقالي أو الأحمر الصدئي المميز. يدور حول الشمس في نحو ستمئة وسبعة وثمانين يوماً، أي ما يقارب سنة وعشرة أشهر أرضية.

ويبدأ ظهوره عادة منخفضاً في الشرق بعد منتصف الليل، ثم يصبح طلوعه أبكر فأبكر مع تقدم الأشهر، حتى إذا وصل إلى نقطة "المقابلة" يبلغ أفضل أوضاعه، حيث يشرق مع غروب الشمس تقريباً ويظل مرئياً معظم الليل. والمقابلة تعني أن الأرض تقع بين الشمس والمريخ تماماً في خط شبه مستقيم، فيظهر الكوكب في الجهة المقابلة للشمس في السماء، وهذا يجعله في أسطع حالاته وأقرب مسافة من الأرض وأطول مدة ظهور ممكنة خلال الليل. وبسبب طول مداره لا تتكرر مقابلة المريخ إلا مرة كل نحو سنتين تقريباً.

وأبرز علامة لتمييزه عن النجوم هي لونه الأحمر أو البرتقالي الثابت الذي لا يشاركه فيه أي نجم قريب بالدرجة نفسها من الثبات، إلى جانب غياب الرمشان المعهود في النجوم.

## المشتري

المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، ومن أسهل الأجرام السماوية على الإطلاق للتمييز، وهو ثاني ألمع الكواكب بعد الزهرة، حتى إن كثيرين يخلطونه أول وهلة بقمر صناعي أو ضوء طائرة قبل أن يلاحظوا ثباته التام في مكانه. يدور حول الشمس في نحو أحد عشر عاماً وعشرة أشهر تقريباً، أي ما يقارب اثني عشر عاماً أرضية، ولهذا يمكث شهوراً طويلة في الكوكبة الواحدة قبل أن ينتقل إلى التالية.

ويمر بدورة سنوية واضحة المعالم: يقترب ظاهرياً من الشمس فيختفي لفترة، ثم يعود تدريجياً إلى سماء الصباح، ثم يصبح طلوعه أبكر فأبكر، حتى يصل إلى المقابلة فيصبح ظاهراً طوال الليل تقريباً في أفضل حالاته، ثم يبدأ بالظهور في سماء المساء بدلاً من الفجر، ثم يقترب مرة أخرى من الشمس لتبدأ الدورة من جديد. وبما أن مقابلته تتكرر كل نحو سنة تقريباً، فهو من أكثر الكواكب انتظاماً من حيث دورة ظهوره.

ولتمييزه عن النجوم، ابحث عن نقطة بيضاء مصفرة شديدة السطوع لا تومض إطلاقاً كما تفعل النجوم، وحين يكون في أفضل أوضاعه يصعب جداً الخلط بينه وبين أي نجم لامع في محيطه.

## زحل

زحل هو أبعد الكواكب الخمسة المرئية بالعين المجردة عن الشمس، ومن أجمل الكواكب حين يُرصد بالتلسكوب بفضل حلقاته الشهيرة، أما بالعين المجردة وحدها فيظهر كنقطة ضوئية صفراء باهتة لا تختلف كثيراً في المظهر عن نجم متوسط اللمعان. يدور حول الشمس في نحو تسعة وعشرين عاماً ونصف العام، ولهذا فهو أبطأ الكواكب الخمسة حركة بين النجوم، وبالكاد يُلحظ انتقاله من كوكبة إلى أخرى إلا على مدى سنوات طويلة.

وأفضل وقت لرصده هو حول موعد المقابلة، التي تتكرر مرة كل نحو سنة تقريباً، وحينها يشرق في المساء ويبقى مرئياً طوال الليل تقريباً حتى الفجر. ولونه أصفر هادئ يميل إلى البياض الشاحب، ولمعانه أقل بكثير من المشتري، لكنه يظل أسطع من أغلب النجوم المحيطة به. ولأن حركته بين النجوم بطيئة جداً، فإن أفضل وسيلة لتمييزه هي ملاحظته على مدى ليال متتالية: فإن وجدت جرماً أصفر باهتاً ثابت الضياء لا يتغير موضعه تقريباً من ليلة لأخرى بينما تدور النجوم حوله، فذلك زحل غالباً.

## أورانوس ونبتون

أورانوس ليس من الكواكب الخمسة المعتمدة في الرصد البصري المعتاد، لكن لمعانه في أفضل ظروفه يقترب فعلاً من حد قدرة العين البشرية على الرؤية. فتحت سماء شديدة الظلام، مع معرفة دقيقة بموقعه بين النجوم، وغياب ضوء قمر قوي، ونظر جيد، يمكن لبعض الراصدين المتمرسين رؤيته كنقطة ضوئية خافتة جداً حول موعد مقابلته السنوية، وإن كان الأفضل عملياً استخدام منظار.

أما نبتون فأبعد وأخفت بكثير، ولا تستطيع العين البشرية رؤيته إطلاقاً حتى في وضع المقابلة، ويحتاج دوماً إلى منظار أو تلسكوب مهما بلغت ظروف الرصد مثالية.

## لماذا تختفي الكواكب وتعود؟

هذه أهم نقطة لفهم منطق السماء ككل. فالأرض تدور حول الشمس، وبقية الكواكب تدور حولها أيضاً، لكن كل كوكب بسرعة مختلفة عن غيره، ولهذا يتغير موقع كل كوكب بالنسبة للشمس باستمرار كما تراه من الأرض. فإذا كان الكوكب قريباً جداً من الشمس في السماء، غلب ضوء الشمس ضوءه فاختفى عن الرؤية. ثم يبدأ بالابتعاد الظاهري عنها تدريجياً، فيصبح مرئياً بعد الغروب أو قبل الشروق لفترة قصيرة، ثم يزداد ذلك الابتعاد فيطول وقت ظهوره، حتى يصل الكوكب الخارجي إلى المقابلة فيصبح ظاهراً معظم الليل، ثم يبدأ بالاقتراب من الشمس من جديد لتتكرر الدورة كاملة. وهذا ينطبق بصورة مختلفة قليلاً على عطارد والزهرة، الأقرب إلى الشمس من الأرض، إذ يتأرجحان دوماً بين كونهما نجمة مساء أو نجمة صباح دون أن يبتعدا عنها بما يكفي للظهور في منتصف الليل.

## ترتيب الكواكب من حيث سهولة الرصد

الزهرة في المرتبة الأولى، فهو ساطع جداً ويصعب أن يخطئه ناظر حين يكون مرتفعاً بما يكفي فوق الأفق. يليه المشتري، الساطع جداً والسهل التعرف عليه بفضل ثبات ضوئه. ثم المريخ، الذي يسهل رصده حين يكون في وضع جيد، خصوصاً بفضل لونه البرتقالي المميز. ثم زحل، وهو أسهل مما يظن كثيرون رغم أنه أقل لمعاناً من المشتري. وأخيراً عطارد، وهو الأصعب على الإطلاق بسبب قربه الشديد من الشمس وانخفاضه الدائم قرب خط الأفق.

## القاعدة السريعة للتذكر

الزهرة يظهر بعد الغروب أو قبل الشروق فقط، ولا يُرى أبداً في منتصف الليل. عطارد قريب جداً من الشمس دوماً، ويظهر لفترة قصيرة فقط قرب الأفق. المريخ نقطة برتقالية أو حمراء، وأفضل حالاته تكون حول موعد المقابلة. المشتري نقطة شديدة السطوع لا ترمش، ويصبح رائعاً طوال الليل حول المقابلة. زحل أهدأ ضوءاً وأميل إلى الصفرة، ويصبح ممتازاً للرصد حول موعد مقابلته كذلك.

والفيصل الحاسم دوماً بين الكوكب والنجم هو أن ضوء الكوكب ثابت لا يرمش، بينما يرتجف ضوء النجم بسبب اضطراب طبقات الغلاف الجوي، إلى جانب أن الكواكب تسير دوماً ضمن مسار البروج الضيق الذي يسلكه القمر والشمس أيضاً. والأجمل من كل هذا أن حركة الكواكب الحقيقية يمكن ملاحظتها بالعين المجردة دون أي أداة، فإذا سجّلت موقع كوكب بين النجوم كل عدة ليالٍ متتالية، ستلاحظ بنفسك أنه يتحرك تدريجياً بالنسبة لخلفية النجوم، بل قد تصادف فترة يبدو فيها وكأنه يتحرك إلى الوراء، وهي ظاهرة الحركة التراجعية التي سبق تفسيرها.