بسم الله الرحمن الرحيم

معركة موهاج أو موهاكس أو مُهاج أو موهاتش أو معركة سهل موهاكس (بالتركية العثمانية: مهاج) (المجرية: Mohácsi csata) (التركية: Mohaç Meydan Muharebesi)، وتُسمى حملة "انكروس" الثانية، (التركية: Engürüs seferi) أو حملة "أنكرس"، أي حملة "المجر" الثانية، كما تُدعى بحملة "موهاج".
جرت معركة موهاكس في 29 أغسطس 1526م بين القوات المجرية بقيادة الملك لويس الثاني وقوات الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليمان القانوني، بعد أن اجتاز العثمانيون مسافة نحو ألف كيلومتر وفتحوا عدة قلاع في طريقهم قبل الوصول إلى وادي موهاكس. بادر المجريون بهجوم مباغت معتمدين على فرسانهم المدرعين، فاستدرجهم الصدر الأعظم إبراهيم پاشا إلى عمق الصفوف العثمانية بتراجع مقصود، ثم طوّقتهم قوات الأناضول من الجانبين وسحقتهم نيران المدفعية والبنادق العثمانية المتفوقة عددًا وعتادًا. استمرت المعركة نحو ساعتين إلى خمس ساعات، وانتهت بانهيار الجيش المجري وغرق أعداد كبيرة منه في المستنقعات، ومقتل الملك لويس الثاني نفسه أثناء فراره، إضافة إلى مقتل سبعة أساقفة وجميع كبار القادة، وأسر عشرات الآلاف من الجنود، مقابل خسائر عثمانية محدودة نسبيًا بلغت بضعة آلاف من القتلى.
نتج عن هذا الانتصار العثماني الحاسم سقوط سلالة ياغيلون الحاكمة في المجر وبوهيميا لعدم وجود وريث، فآلت المطالبة بالعرشين إلى آل هابسبورغ عبر زواج أخت لويس الثاني. كما أدت المعركة إلى تقسيم المجر بين الدولة العثمانية وملكية هابسبورغ وإمارة الأردل (ترانسلڤانيا)، وهو ما شكّل نهاية العصور الوسطى في تاريخ المجر وبداية صراع طويل الأمد بين العثمانيين وآل هابسبورغ استمر أثره قرونًا. ولا تزال موهاكس حتى اليوم رمزًا للمأساة الوطنية في الذاكرة الجماعية المجرية.
السياق التاريخي والتمهيد للمعركة
في مطلع القرن السادس عشر، كانت الدولة العثمانية في أوج توسعها تحت حكم السلطان سليمان القانوني، الذي تولى العرش عام 1520م خلفًا لأبيه سليم الأول، ووجد نفسه وريثًا لإمبراطورية ممتدة من البلقان إلى بلاد الشام ومصر. كانت أوروبا الوسطى، وفي قلبها مملكة المجر، تمثل الحد الفاصل بين العالم الإسلامي العثماني والمسيحية اللاتينية، وقد باتت هذه المملكة، التي كانت يومًا قوة إقليمية مهابة أيام ملوكها الأنجوفيين وماتياش كورفينوس، في حالة من الضعف السياسي والعسكري والمالي بحلول عشرينيات القرن السادس عشر. تفكك النبلاء المجريون إلى فصائل متنازعة، وتراجعت الخزينة الملكية، وأهملت التحصينات الحدودية، بينما كان الملك الشاب لويس الثاني، الذي اعتلى العرش وهو في العاشرة من عمره ولم يتجاوز العشرين حين وقعت المعركة، عاجزًا عن فرض سلطة مركزية فعالة على أمرائه.
من جهته، كان السلطان سليمان يسعى إلى استكمال مسيرة أسلافه في التوسع باتجاه أوروبا الوسطى، وقد استهل حكمه بفتح بلغراد عام 1521م، تلك القلعة التي كانت تُعد مفتاح المجر وقد فشل السلاطين العثمانيون من قبله في اقتحامها. جعل سليمان من بلغراد قاعدة متقدمة لعملياته العسكرية، وأطلق عليها اسم "دار الجهاد"، ومنها انطلقت حملاته اللاحقة نحو عمق أوروبا الوسطى.
مسيرة الحملة العثمانية نحو المجر
في ربيع عام 1526م، جهّز السلطان سليمان حملة عسكرية ضخمة عُرفت باسم حملة "انكروس" الثانية، أي حملة المجر الثانية، وخرج الجيش العثماني من إستانبول قاصدًا الشمال. سار الجيش عبر البلقان، وكانت المسيرة شاقة وطويلة استغرقت نحو مئة وثمانية وعشرين يومًا، قطع خلالها الجيش مسافة تقارب الألف كيلومتر، وسط أجواء الصيف الحارة وصعوبات لوجستية جمة تتعلق بنقل المدفعية الثقيلة والإمدادات عبر الأنهار والمستنقعات.
عبر العثمانيون نهر الدانوب، ثم توجهوا نحو الأراضي المجرية، وفي طريقهم حاصروا وفتحوا عدة قلاع كانت تشكل خط الدفاع الأول عن المملكة، فبدأ حصار قلعة بتروفارادين في الرابع عشر من يوليو، ولم تسقط القلعة فعليًا إلا في الثامن والعشرين من الشهر نفسه بعد نسف أحد تحصيناتها واقتحامها من الثغرة، ثم سقطت قلعة إيلوق، وفتحوا قلعة أوسييك دون أن يواجهوا مقاومة تُذكر، وفي هذه القلعة الأخيرة أُعلن رسميًا للجند أن هدف الحملة هو الوصول إلى العاصمة المجرية بودا وفتحها. عبر الجيش نهري سافا ودرافا، متقدمًا بثبات نحو قلب المملكة بينما كان الملك لويس الثاني يقبع في عاصمته منتظرًا، عاجزًا عن حشد قوة كافية لصد هذا الزحف في وقته المناسب، إذ لم تصل أغلب الإمدادات والتعزيزات التي طلبها من أمراء أوروبا المسيحية، ولا سيما من التشيك والألمان والبولنديين، في الوقت المناسب.
وحين اقترب الجيش العثماني من وادي موهاكس، وهو سهل منبسط يقع على الضفة الغربية لنهر الدانوب جنوبي المجر، على مسافة نحو مئة وخمسة وثمانين كيلومترًا شمال غربي بلغراد ونحو مئة وسبعين كيلومترًا جنوبي بودا، قرر القادة المجريون خوض المعركة الفاصلة هناك، رغم تحذيرات بعض المستشارين من عدم انتظار وصول التعزيزات الترانسلفانية بقيادة يانوش زابوليا، وقوات الكونت الكرواتي فرانكوپان، والقوات البوهيمية، وجميعها لم تصل إلى ميدان القتال في الوقت المناسب. تولى القيادة الفعلية للجيش المجري رئيس أساقفة كالوتشا بولس توموري، بالاشتراك مع القائد جيورجي زابوليا، وقد وضع توموري خطة قتالية محكمة نظريًا تقوم على استغلال قوة الفرسان المدرعين المجريين المشهورين ببسالتهم، غير أن هذه الخطة لم تُطبق كما رُسمت لها بسبب عوامل عدة أهمها تسرع القيادة في خوض المعركة قبل اكتمال الاستعداد، وقبل وصول التعزيزات التي كان يمكنها أن تضاعف حجم الجيش المجري.
اصطفاف الجيشين
في عصر يوم الأربعاء الموافق التاسع والعشرين من أغسطس عام 1526م، الموافق للعشرين من ذي القعدة سنة 932 هجرية، اصطف الجيشان في ميدان موهاكس. لم يتجاوز مجموع الجيش المجري الحاضر فعليًا في أرض المعركة، بمشاته وفرسانه معًا، خمسة وعشرين إلى ثمانية وعشرين ألف مقاتل، نظّموا في صفين متوازيين، تألف الصف الأول من قوات الميمنة والوسط والميسرة، بينما تشكل الصف الثاني الخلفي من أربعة طوابير احتياطية كان الملك لويس الثاني نفسه من بين صفوفها. وقد منحت الظروف الميدانية المجريين أفضلية أولية، إذ كانوا قد أخذوا قسطًا وافرًا من الراحة على أرض المعركة، في حين وصل الجيش العثماني منهكًا بعد مسيرة شاقة تحت وهج الشمس، وكان سليمان القانوني وقادته يعتزمون تأجيل الاشتباك إلى اليوم التالي لإتاحة الفرصة للجند كي يستريحوا وتُنظّم الصفوف بإحكام. غير أن المجريين بادروا بهجوم مباغت استغلالًا لهذا التعب الظاهر في صفوف خصمهم.
اصطف الجيش العثماني بدوره في ثلاثة صفوف متتالية، وكان الصف الأول يضم قوات الروملي (البلقان) بقيادة الصدر الأعظم إبراهيم پاشا الفرنجي، بينما تمركز في الصف الثالث السلطان سليمان نفسه، مرتديًا درعه الحربي ومعتليًا جوادًا أبيض، ومعه المدفعية الثقيلة التي تراوح عددها، بحسب المصادر، بين نحو مئة وستين ومئتين وستين مدفعًا، وفرق الانكشارية المدربة على استخدام البنادق النارية، إضافة إلى قوات الأناضول التي تمركزت على الأجنحة.
مجريات القتال
استُهل القتال بهجوم مجري كاسح استهدف قوات الروملي في الصف الأول العثماني، معتمدين على فرسانهم المدرعين الذين كانوا يمثلون العمود الفقري للقوة المجرية، وقد بنوا خطتهم على توقع أن يكرر العثمانيون أسلوب قتالهم المعهود، أي التمركز في المركز ومواجهة الهجوم مباشرة. غير أن إبراهيم پاشا، إدراكًا منه لقوة الفرسان المجريين، أمر جنوده في الصفوف الأمامية بالتراجع المتعمد، مما أوهم المجريين بأنهم بصدد تحقيق اختراق حاسم، فاندفعوا أكثر فأكثر نحو عمق الصفوف العثمانية. وما إن توغل الفرسان المجريون في هذا الفخ حتى ضغطت قوات الأناضول من الجانبين، فأحكمت الطوق حول القوة المهاجمة ودفعتها أكثر نحو الداخل حيث كانت تنتظرها المدفعية.
بلغ من حماس الفرسان المجريين واندفاعهم أن مجموعة فدائية خاصة بقيادة محارب يُدعى ماركزالي كانت قد أقسمت على أسر السلطان سليمان أو قتله، فاخترقت الصفوف حتى اقتربت من خيمة السلطان وأمطرته بوابل من السهام، أصاب بعضها درعه دون أن يصيبه أذى يُذكر أو يزحزحه عن موقعه. وحين اقترب المهاجمون المجريون بما يكفي من مواقع المدفعية العثمانية، أمر إبراهيم پاشا بإطلاق النيران عليهم دفعة واحدة، فحصدت المدافع والبنادق صفوفهم حصدًا ذريعًا، وتحول اندفاعهم المتفائل إلى مقتلة رهيبة في غضون دقائق معدودة.
استمر القتال، بحسب رواية الأسقف المجري أسطفان بروداريتش الذي كان شاهد عيان على المعركة، ساعة ونصف الساعة على الأقل، وإن رجّحت دراسات حديثة استنادًا إلى توقيت غروب الشمس في ذلك اليوم أن المعركة قد امتدت فعليًا ما بين ساعتين إلى أربع أو خمس ساعات. وبانهيار قوة الفرسان المدرعة، التي كانت تمثل العمود الفقري للدفاع المجري، تداعت بقية الجيش وتحول الأمر إلى مذبحة شاملة وفرار جماعي فوضوي نحو مستنقعات الوادي المحيطة بأرض المعركة، حيث غرق فيها آلاف الجنود المجريين تحت وطأة دروعهم الثقيلة وهم يحاولون الهرب.
مقتل الملك لويس الثاني وحصيلة الخسائر
من بين ضحايا هذه المستنقعات كان الملك لويس الثاني نفسه، الذي غادر أرض المعركة عند الغسق هاربًا في الظلام، فسقط عن جواده أثناء عبوره أحد المجاري المائية وغرق تحت ثقل درعه دون أن يتمكن أحد من إنقاذه. ولم يكن الملك وحده من لقي حتفه، بل قضى إلى جانبه سبعة من كبار الأساقفة وجميع القادة العسكريين البارزين تقريبًا، بينهم القائد بولس توموري وجيورجي زابوليا أنفسهما. أما القتلى المجريون إجمالًا فتقدرهم المصادر الحديثة بما بين أربعة عشر ألفًا وأربعة وعشرين ألف قتيل، ووقع عدد إضافي يتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألفًا في الأسر، ومن هؤلاء أمر السلطان سليمان بإعدام نحو ألفي أسير بعد انتهاء المعركة. في المقابل، كانت خسائر الجيش العثماني محدودة بالمقارنة، إذ تراوحت بين ألف وخمسمئة وألفي قتيل.
النتائج السياسية والسلالية
كانت النتائج المترتبة على هذه المعركة بعيدة الأثر وعميقة الجذور في تاريخ أوروبا الوسطى. فمن الناحية السلالية، أدت وفاة لويس الثاني دون وريث إلى انقراض سلالة ياغيلون الحاكمة في كل من المجر وبوهيميا في آن واحد، وانتقلت شرعية المطالبة بعرشي المملكتين إلى بيت هابسبورغ النمساوي عبر زواج آنا ياغيلون، أخت الملك الراحل، من الأرشيدوق فرديناند الأول، الذي أصبح لاحقًا إمبراطورًا رومانيًا مقدسًا. وهكذا فتحت معركة موهاكس الباب أمام دخول أسرة هابسبورغ إلى قلب أوروبا الوسطى بوصفها القوة الوريثة للمجر، في تحول سياسي سيشكل ملامح القارة لقرون تالية.
أما من الناحية الجغرافية والسياسية المباشرة، فقد أفضى الانتصار العثماني، بعد حرب أهلية مجرية ممتدة بين عامي 1526 و1538م، إلى تقسيم المملكة المجرية الموحدة سابقًا إلى ثلاثة كيانات متمايزة: الجزء الأوسط والجنوبي الذي وقع تحت الحكم العثماني المباشر بحلول عام 1541م وتحول إلى إيالة عثمانية أُدير منها لأكثر من قرن ونصف، والجزء الشمالي والغربي الذي آل إلى ملكية هابسبورغ وعُرف بمملكة المجر الملكية، وإمارة الأردل (ترانسلفانيا) التي احتفظت باستقلال شبه ذاتي تحت التبعية العثمانية الاسمية. وقد استمر هذا التقسيم الثلاثي، بتفاوتات وتحولات عبر الزمن، حتى نهاية القرن السابع عشر حين استعادت قوات هابسبورغ والتحالف الأوروبي المسيحي السيطرة التدريجية على كامل الأراضي المجرية عقب فشل الحصار العثماني الثاني لفيينا عام 1683م.
الأثر التاريخي والذاكرة الجماعية
تُعد معركة موهاكس، من منظور تاريخي أوسع، نقطة انطلاق لصراع طويل الأمد امتد لقرون بين الدولة العثمانية وبيت هابسبورغ، تمحور حول السيطرة على أوروبا الوسطى والبلقان، وشكّل أحد المحاور الرئيسية في تاريخ العلاقات الإسلامية الأوروبية في العصر الحديث. كما تركت المعركة أثرًا نفسيًا وثقافيًا عميقًا في الذاكرة الجماعية المجرية حتى يومنا هذا، إذ باتت رمزًا للمأساة الوطنية والانكسار التاريخي، ويُختصر هذا الشعور في المثل الشعبي المجري الشهير الذي يُضرب عند الحديث عن أي خسارة فادحة: "لقد فقدنا أكثر في موهاكس"، في إشارة إلى أن أي مصيبة لاحقة تبدو هينة أمام الكارثة التي حلّت بالأمة المجرية في ذلك اليوم من أواخر أغسطس عام 1526م.