الموضوع: "المؤتفكة
عرض مشاركة واحدة
احصائيات

الردود
0

المشاهدات
146
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,803

+التقييم
0.66

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
09-11-2026, 06:26 AM
المشاركة 1
09-11-2026, 06:26 AM
المشاركة 1
افتراضي "المؤتفكة
بسم الله الرحمن الرحيم







دلالة الاسم لغويًا
"المؤتفكة" اسم مفعول من الفعل "أفك"، الذي يدل في أصله اللغوي على الصرف عن الشيء والانقلاب عنه، ومنه سُمي الكذب "إفكًا" لأنه صرف للحق عن وجهه.

وسُمّيت قرية لوط بـ"المؤتفكة" لأن الله جعل عاليها سافلها، أي قلبها رأسًا على عقب حين نزل بها العذاب، فجاء الاسم متناسبًا تمامًا مع طبيعة العقوبة التي أصابتها. وهذا خلافًا لاسم "سدوم" التوراتي الذي لم يرد في النص القرآني إطلاقًا، والذي يُرجّح اللغويون أنه مشتق من جذر سامي يتصل بمعنى الاحتراق، وإن ظل هذا الاشتقاق محل نقاش.

ورود المؤتفكة في القرآن
وردت "المؤتفكة" أو صيغتها الجمعية "المؤتفكات" في عدة مواضع من القرآن الكريم. ففي سورة التوبة، ضمن سياق التذكير بمصائر الأمم المهلكة:

"أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ" (التوبة: 70)،

وهنا تُذكر المؤتفكات ضمن قائمة الأمم التي كذّبت رسلها فحلّ بها الهلاك، في سياق تحذيري عام.

وفي سورة النجم، يقرن الله إهلاك المؤتفكة بإهلاك عاد وثمود وقوم نوح:

"وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ" (النجم: 53-54)،

والآية الأخيرة بليغة في إبهامها المتعمد؛ إذ لم يُفصّل "ما غشّاها" استعظامًا لهول ما أصابها وتهويلًا له بترك الأمر للتخيل.

وفي سورة الحاقة، يرد ذكرها مقترنة بفرعون وقوم لوط تحديدًا بلفظ "المؤتفكات" بصيغة الجمع، إشارة إلى تعدد القرى المهلكة لا قرية واحدة:

"وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ" (الحاقة: 9)،

وهذا يدعم الرواية القائلة بأن قوم لوط لم يكونوا في قرية واحدة، بل في عدة قرى مجاورة أصابها العذاب معًا، بما يتقاطع مع رواية "مدن السهل" الخمس في السفر التوراتي وإن لم يُحدد القرآن عددها.

أما التفصيل الأوفى لحادثة الانقلاب فيرد في سورة هود ضمن سياق قصة لوط الكاملة، حيث يصف الله لحظة نزول العذاب:

"فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ، مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ" (هود: 82-83)،

وهذه الآية هي أصل التسمية القرآنية؛ ففعل "جعلنا عاليها سافلها" هو بعينه معنى "الائتفاك" الذي اشتُق منه الاسم. ويشير القرآن أيضًا إلى أن آثار هذه القرى ظلت قائمة على طريق معروف يمر به الناس، كما في سورة الحجر:

"وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ" (الحجر: 76)،

وفي سورة الصافات، في خطاب مباشر لقريش:

"وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (الصافات: 137-138)،

مما يرجّح أن موقعها كان على طريق قوافل قريش نحو الشام.

بين الإيجاز القرآني والتفصيل التوراتي
يلحظ الدارس فارقًا منهجيًا واضحًا بين تناول القرآن لهذه الحادثة وتناول سفر التكوين لها. فالسفر التوراتي يخوض في تفاصيل جغرافية دقيقة، كتعداد المدن الخمس بأسمائها (سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم وصوغر)، وفي حوار مطول بين إبراهيم والرب يتفاوض فيه على عدد الصالحين الذي قد ينجّي المدينة من العذاب، متدرجًا من خمسين إلى عشرة.

أما القرآن فلا يذكر أسماء هذه المدن ولا عددها بدقة، ويكتفي بلفظ "المؤتفكة" أو "المؤتفكات"، مركزًا على البعد الأخلاقي والتربوي من الحادثة، وهو نمط عام في المنهج القرآني الذي يُعنى بالعبرة أكثر من استقصاء التفاصيل الجغرافية والتاريخية الشاملة.

وقد ترك اسم "سدوم" التوراتي، رغم غيابه عن النص القرآني، أثرًا لغويًا ممتدًا في الثقافة الغربية؛ إذ أصبح جذرًا لمصطلح "Sodomy" في اللغات الأوروبية، الذي استُخدم تاريخيًا وقانونيًا للإشارة إلى الفاحشة ذاتها التي اشتهر بها أهل هذه القرية، وهو استخدام امتد لقرون في الأدبيات الدينية والقانونية الغربية، على النقيض من الأثر القرآني الذي حفظ القصة بوصفها عبرة أخلاقية عامة دون أن يربط اسمًا بعينه بالفاحشة نفسها.

الموقع الجغرافي والجدل الأثري
انقسم الباحثون المعاصرون في تحديد الموقع الدقيق لهذه القرى، والذي يُرجَّح أنه في منطقة غور الأردن جنوب أو شرق البحر الميت، إلى فريقين: فريق يرى أنها مغمورة الآن تحت الجزء الجنوبي من البحر الميت، وفريق آخر يرجّح موقعها في السهل الشمالي الشرقي منه، استنادًا إلى تنقيبات موقع "تل الحمّام" التي كشفت عن دمار مفاجئ وحرارة شديدة أصابت المدينة في العصر البرونزي الوسيط، وإن ظل هذا التحديد مثار خلاف أثري لم يُحسم بإجماع علمي.

الخلاف التفسيري حول عدد قرى المؤتفكة
اختلف المفسرون المسلمون في تحديد عدد القرى التي شملها العذاب، اعتمادًا على صيغة الجمع "المؤتفكات" مقابل صيغة المفرد "المؤتفكة". فذهب جمهور منهم، كالطبري والقرطبي، إلى أن قرى قوم لوط كانت خمسًا، أُهلك منها أربع وبقيت الخامسة وهي "صُغَر" أو "صوغر" التي نجا إليها لوط ومن آمن معه، استنادًا إلى روايات إسرائيلية منقولة عبر كعب الأحبار ووهب بن منبه، أخذ بها بعض المفسرين مع التحفظ المعروف على مرويات أهل الكتاب، وهو عدد يتوافق تقريبًا مع رواية سفر التكوين عن المدن الخمس وإن اختلفت التفاصيل.

في المقابل، رأى فريق آخر أن صيغة الجمع لا تستلزم بالضرورة تعدد القرى بالمعنى الحرفي، بل قد تكون من قبيل التعظيم أو الإشارة إلى تكرار الائتفاك وتعدد مراحله في القرية الواحدة، أو أنها جُمعت باعتبار أحياء القرية ومناطقها المتفرقة لا باعتبار مدن مستقلة. كما ثار خلاف حول العلاقة بين "المؤتفكة" في سورتي النجم والحاقة و"قرية لوط" في سورة هود؛ فبينما رجّح أغلب المفسرين أنهما تشيران إلى الحدث ذاته، ذهب بعضهم إلى التمييز الدقيق بين "المؤتفكة" بوصفها اسمًا لعموم ما انقلب من قرى قوم لوط، وبين "قرية لوط" المفردة التي كان يسكنها لوط تحديدًا قبل خروجه منها ليلًا.

ويبقى هذا الخلاف من قبيل الاجتهاد التفسيري الذي لا يمس جوهر القصة ولا العبرة المقصودة منها، إذ اتفق المفسرون جميعًا على أصل الحادثة وسببها ونتيجتها، وإنما تفاوتوا في تفاصيل جغرافية وعددية لم يقطع فيها النص القرآني بشيء محدد، تاركًا الباب مفتوحًا للاجتهاد دون أن يكون لذلك أثر عقدي أو تشريعي.