الموضوع
:
بديع السماوات
عرض مشاركة واحدة
09-07-2026, 01:21 AM
المشاركة
85
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية
تاريخ الإنضمام :
Feb 2015
رقم العضوية :
13657
المشاركات:
2,783
رد: بديع السماوات
بسم الله الرحمن الرحيم
البقعة الحمراء العظيمة: عاصفة المشتري الهائله
تُعَدّ البقعة الحمراء العظيمة أضخم وأبرز معلم مرئي في الغلاف الجوي لكوكب المشتري، وهي في جوهرها عاصفة عملاقة مضادة للأعاصير، أي منطقة ضغط مرتفع تدور دورانها المميز منذ قرون. يبلغ اتساعها الحالي نحو 16350 كيلومتراً، وهو ما يعادل نحو 1.3 ضعف قطر الأرض، غير أن أبعادها لم تكن ثابتة عبر الزمن، إذ كانت في أواخر القرن التاسع عشر تتجاوز 40 ألف كيلومتر، ما يعني أنها فقدت أكثر من نصف اتساعها خلال ما يقارب قرناً ونصف، وتشير التقديرات إلى أنها قد تصبح شبه دائرية الشكل بحلول عام 2040 إذا استمر معدل الانكماش الحالي.
يرجع أقدم رصد محتمل لبقعة داكنة على المشتري إلى جيوفاني كاسيني عام 1665، غير أن استمرار تلك البقعة تحديداً حتى اليوم يبقى فرضية محل نقاش علمي أكثر منه حقيقة مؤكدة، إذ رجّحت دراسة صدرت عام 2024 أن تلك البقعة الأصلية ربما تلاشت فعلاً واستُبدلت بأخرى نشأت لاحقاً. أما التوثيق الدقيق فيعود إلى أول رسم لـ"التجويف" الذي تستقر فيه البقعة، وضعه الفلكي الألماني الهاوي صمويل هاينريش شفابه عام 1831، فيما لم يبدأ الرصد المستمر والموصوف للبقعة ذاتها إلا اعتباراً من عام 1878 على يد الفلكي الأمريكي كار والتر بريتشيت، وهو ما يجعل عمرها المؤكد يتجاوز القرن ونصف القرن من الزمن.
ولونها الأحمر المميز، والذي لا يُعرف سببه الدقيق على وجه اليقين حتى الآن، يُعزى إلى تفاعلات كيميائية ضوئية تحدث في الطبقات العليا من غيومها، حيث تتفاعل مركبات كالفوسفين والأمونيا مع الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس، منتجة مركبات معقدة تُعرف بـ"الكروموفورات" تمنحها هذا اللون. غير أن هذا اللون ليس ثابتاً، بل يتغير في شدته ودرجته عبر العقود، فقد كان أكثر احمراراً وكثافة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، بينما شحب في فترات أخرى إلى وردي باهت كاد يختفي بصرياً، ثم رُصد في العقد الأخير تحول ملحوظ نحو البرتقالي الغامق، وهي تقلبات يُرجَّح ارتباطها بتغير تركيز الكروموفورات استجابةً لشدة الأشعة فوق البنفسجية أو لحركة الغازات الصاعدة من الأعماق.
أما من الناحية الحركية، فتبلغ سرعات الرياح عند أطراف العاصفة أكثر من 400 كيلومتر في الساعة، وقد بيّنت دراسة حديثة اعتمدت على راصد هابل الفضائي أن متوسط سرعة هذه الرياح ازداد فعلياً بنسبة تصل إلى ثمانية بالمئة بين عامي 2009 و2020، وهو أمر وصفه الباحثون بأنه مفاجئ، إذ كان يُفترض منطقياً أن يقترن انكماش حجم العاصفة بتباطؤ حركتها لا تسارعها. أما فترة دورانها الكاملة فليست ثابتة الإيقاع، إذ سجلت بعثة فوييجر عام 1979 فترة قاربت سبعة أيام، بينما رُصدت عام 2008 فترة أقرب إلى أربعة أيام ونصف، وسُجلت في عامي 2013 و2014 فترة قصيرة استثنائية بلغت نحو 3.6 أيام فقط، ما يشير إلى أن دورانها يتسارع ويتباطأ عبر السنين تبعاً لعوامل داخلية لم تُفهم بشكل كامل بعد.
ويكمن سرّ استمرار هذه العاصفة لقرون، خلافاً للعواصف الأرضية التي لا تعيش سوى أيام أو أسابيع بسبب احتكاكها باليابسة والمحيطات، في كونها تستمد طاقتها من حرارة داخلية متبقية من تكوّن كوكب المشتري نفسه، تغذي تيارات حمل حرارية ضخمة من الأسفل دون انقطاع، إضافة إلى اندماج دورات ومضطربات أصغر معها بين الحين والآخر، وهو ما يجدد طاقتها باستمرار. ومع ذلك، فإن هذا الاستقرار الظاهري لا يعني ثباتاً مطلقاً، إذ لوحظت منذ عام 2019 ظاهرة "التمزقات" الصغيرة التي تنفصل أحياناً عن حافة البقعة على هيئة شرائط حمراء تندمج في الغيوم المحيطة، وهي عملية تُفسَّر كنوع من تصريف الطاقة الزائدة أو إعادة توازن داخلي، غذّت تكهنات بعض الفلكيين باحتمال تلاشي البقعة خلال العقود القادمة، مقابل رأي آخر يرى أن هذا التقلص قد يكون جزءاً من دورة طبيعية متكررة.
أما من حيث إمكانية رصدها من الأرض، فالبقعة الحمراء العظيمة ليست من الأجرام التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة أو بمنظار بسيط، ذلك أن قطرها الزاوي كما يُرى من الأرض صغير جداً رغم ضخامتها الفعلية، نظراً للمسافة الهائلة التي تفصلنا عن المشتري. ويحتاج راصدها الهاوي عادة إلى تلسكوب بفتحة لا تقل عن 150 إلى 200 مليمتر (أي 6 إلى 8 إنشات) في أجواء صافية ومستقرة، مع استخدام عدسة عينية توفر تكبيراً معقولاً، إذ إن التباين اللوني بين البقعة والغيوم المحيطة بها ضعيف نسبياً ويصعب تمييزه بأجهزة أصغر، خاصة في الفترات التي يشحب فيها لونها كما ذُكر سابقاً. ويُفضَّل استخدام مرشحات لونية معينة، كالمرشح الأزرق أو الأخضر المصفر، لتعزيز التباين بين البقعة الحمراء وما حولها من غيوم بيضاء أو صفراء، وهي تقنية شائعة بين هواة التصوير الفلكي.
ومن الاعتبارات المهمة عند الرصد أن البقعة لا تكون مرئية دوماً في الجهة المواجهة للأرض، بل تظهر فقط حين تكون في مواجهة الراصد أثناء دوران الكوكب حول نفسه، وتتوفر جداول ومواقع فلكية متخصصة تحسب مواعيد "عبور" البقعة أمام قرص المشتري بدقة لكل ليلة رصد، بحيث يمكن للراصد أن يخطط لوقت مشاهدتها ضمن نافذة زمنية تمتد نحو خمسين دقيقة قبل وبعد لحظة العبور المركزي. كذلك فإن أفضل أوقات الرصد تكون حين يكون المشتري في وضع "المقابلة" الفلكية، أي حين يقع على الجانب المقابل للشمس من الأرض، إذ يكون حينها في أقرب نقطة له منا وأكثر سطوعاً ووضوحاً في السماء الليلية.
رد مع الإقتباس