الموضوع
:
نساء (مجموعة قصصيّة)
عرض مشاركة واحدة
يوم أمس, 04:53 PM
المشاركة
15
أحمد فؤاد صوفي
كاتب وأديـب
تاريخ الإنضمام :
Feb 2009
رقم العضوية :
6386
المشاركات:
2,120
رد: نساء (مجموعة قصصيّة)
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة موسى المحمود
الأستاذ الفاضل أحمد صوفي،
تحية طيبة، شكرًا على مرورك الكريم المثري،
قمت بعمل بعض التعديلات .. أرجو مراجعتها.
تحياتي
----------------------------------------------
### حين توضّأ القلب بالمطر
كان المساء يقترب من الليل. السماء رمادية، والمطر ينزل بهدوء ثم يشتد حتى غطّى الطريق والأشجار والرصيف، فيما كانت الريح تمر بين الأغصان وتحركها بلا توقف.
على الطريق الطويل، كان أحمد يمشي ببطء. كان طويل القامة، أنيقًا ببساطة، وقد التصقت قطرات المطر بثيابه. في عينيه شيء من التعب، كأنهما تحملان حكايات لم تجد لها نهاية. لم يكن ذاهبًا إلى مكان محدد، لكنه كان يعرف إلى أين ينظر: إلى الشرفة.
كانت هناك فتاة اعتاد أن يراها كل مساء؛ طالبة تجلس إلى مكتبها قرب النافذة، تفتح كتبها، وتترك الشرفة مفتوحة مهما كان البرد. لم يتحدثا كثيرًا، فقد كان يكفي أن تراه، وأن يرفع يده لها من بعيد، فتبتسم وتعود إلى دفاترها. منذ أيام لم يأتِ، ولهذا خرج أحمد الليلة.
وقف قليلًا تحت المطر ونظر إلى شرفتها. كانت مضاءة. ابتسم، ثم وجد مقعدًا على الرصيف وجلس. مسح الماء عن وجهه وأشعل سيجارته. سحب منها نفسًا طويلًا، ثم أطلق الدخان ببطء.
في الشرفة كانت هي تراقبه. وضعت قلمها فوق الكتاب، ولم تعد تقرأ. رأته يدخّن فعبست؛ كانت تعرف أنه لا يدخّن إلا حين يكون حزينًا، وقد طلبت منه أكثر من مرة أن يترك هذه العادة. همست: «وعدتني ألا تدخّن». لكنه لم يسمعها.
بقيت تحدّق فيه من خلف زجاج النافذة. شعرت بالغيرة من السيجارة التي اقتربت من فمه أكثر مما اقتربت هي منه في الأيام الماضية. ثم تذكرت رسالته الأخيرة: «سأنتظرك الليلة، كالعادة». لم تجبه. كانت غاضبة منه، ولا تعرف إن كانت تريد معاقبته أم اختبار حبه.
وضعت يدها على الزجاج. كان البرد شديدًا. في الأسفل بقي أحمد جالسًا، ثم رفع رأسه مرة أخرى نحو الشرفة. لمح ظلها، فنهض. تردد لحظة، ثم ابتسم كأنه تلقى جوابًا لم يسمعه، ومشى.
راقبته حتى ابتعد. عندها فتحت الشرفة ومدّت رأسها تبحث عنه في الطريق، لكنها لم ترَ سوى المطر. جاء صوت أبيها من الداخل: «حان موعد العشاء».
التفتت إليه، ثم عادت بعينيها إلى الطريق وقالت: «وماذا عنه؟»
لم يجبها أحد.
نظرت إلى المقعد الذي كان يجلس عليه. كان فارغًا. وحين أغلقت الشرفة، وجدت على الزجاج أثر كفّه. وضعت كفّها فوقه.
كان المطر قد غسل كل شيء... إلا أثره.
-------------------------------------------
الأديب الكريم/ موسى المحمود المحترم ،،
عاودت قراءة القصة فوجدتها جميلة وسلسة، وذات جوّ عاطفي واضح، وخاتمتها موفّقة جدَّا من حيث الصورة الشعرية.
لكن لو أردنا نقدًا أدبيًا صريحًا من ناحية أدبيات فن القصة القصيرة، فسوف نجد بعض الهنات:
*شخصيات القصة: أحمد والفتاة مرسومان بصورة لطيفة، ولكن لا يظهر أمام القارئ سبب الخلاف، ولا طبيعة علاقتهما بما يكفي، حتى يصبح الفقد في النهاية موجعًا حقًا.
*الحبكة: الحدث بسيط جدًا، (وهذا ليس عيبًا)، لكن هناك سؤال مهم يبقى بلا جواب: لماذا جاء أحمد ومشى؟ وما الذي حدث في الأيام الماضية؟ إذا كان الغموض مقصودًا، فهو مقبول، لكنه هنا يبدو أقرب إلى نقص في الدافع الدرامي، مما يربك القارئ، ويجعله غير قادر على تكوين صورة متكاملة للأحداث في ذهنه.
*زيادة الشرح: أنت شرحت كل شيء، مثل " في عينيه شيء من التعب"، "شعرت بالغيرة"، "كانت غاضبة"، "ولا تعرف إن كانت تريد معاقبته أم اختبار حبه" ،لو تركت بعض هذه المشاعر للقارئ ليستنتجها من حركة وصورة المشهد، فستكون القصة أقوى.
*أما نقطة القوة الأساسية: فنجد أن الجوّ العام متناسق، المطر، المساء، الشرفة، السيجارة، والزجاج، كلها تخدم حالة الانتظار والفراق، والخاتمة: "كان المطر قد غسل كل شيء... إلا أثره" هي أجمل ما في النص، لأنها تمنح المطر وظيفة رمزية تتجاوز كونه خلفية للحدث، فهي خاتمة موفقة جدًا، وتأثيرها في القصة منطقي وكبير.
سلمت الأيادي ،،
تحياتي لك ،،
رد مع الإقتباس