الموضوع
:
نساء (مجموعة قصصيّة)
عرض مشاركة واحدة
09-01-2026, 09:32 AM
المشاركة
14
موسى المحمود
كاتب فلسطيني مميز
تاريخ الإنضمام :
Aug 2021
رقم العضوية :
16809
المشاركات:
673
رد: نساء (مجموعة قصصيّة)
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد فؤاد صوفي
"حين توضّأ القلب بالمطر"
مساءً قبل دخول الليل حجرة النهار بنبضة، سماء رمادية ومطر يتمدّد على كل الأشياء، ريح تهمس كنايٍ مذبوح، طريق طويل تمتد على جانبيه أعمدة الضوء الخافت، شجر كثير كثيف يلوّح بأغصانه، رصيفٌ يحمل غبار أحذية من مرّوا، قمرٌ خافت يقترب من بعيد يكبر يكبر يكبر.. هو بقامةٍ كالنخل، جسدٍ متوسط، هندام أنيق بسيط تلتسق به قطرات المطر الكثيفة، عينان تملأهما قصص كثيرة نساء على مد البصر بجمالهن وظلمهن وقسوة أريجهن، يمشي ببطء كأنه على موعدٍ بفتاة قلبه، هو لم يكن على موعدٍ مع أحد، كان اسمه أحمد، مضى .. أشعل بخطواته حبات المطر الباردة، مضى أكثر .. أيقظ ورق الشجر الحالم على أغصانٍ لا تهدأ، وجد مقعداً، جلس، توضّأ قلبه بالمطر واقترف تنهيدةً ثمّ أخذ من سيجارته قبلةً غاضبة وصمت. لم تأتِ بعد، كانت هي في شرفتها، في ذات اللحظة، تعدّ واجبها المدرسيّ، الشرفة باردة، ما الذي يجبرها على هذا! ربما تنتظره؟ ربما تنتظر أحداً سواه، رجلاً سواه، مطراً سواه، حلماً سواه، تتابع واجبها المدرسيّ، تفقد التركيز في كلّ شيء، ضوء خافتٌ يتسلّق شرفة منزلهم، نام الناس جميعاً، وقفت هي تترقب قدومه، كان هو جالساً يدخّن، إشتعلت غيرتها، كيف يُقبِّلُ غيري؟ قررت أن تبتاع أملاً جديداً من سمائها الرمادية، جاء الحلم ميتاً، فاستفاقت على صرخات والدها:"حان موعد العشاء.." قالت:"وماذا عنه..؟" خطفت نظرة، كان قد رحل.
---------------------------------
الأديب الكريم/ موسى المحمود المحترم ،،
أهنئك على هذا الزخم ، وهذه القصص (الكثيرة)، وددت لو كانت كل قصة منها منشورة لوحدها كي تأخذ حقها في القراءة والتعليق، تجدني هنا قد قرأت قصتك الأولى، وهذا تعليقي عليها:
طالما هي قصة قصيرة، فلا بد لها من عنوان، وأنا أقترح "حين توضّأ القلب بالمطر".
بالنسبة للغة القصة فهي لغة جيدة لا غبار عليها، والنصّ مشغول على مزاجٍ تصويريّ واضح، ولكني أعتبر هذا الجمال سيف ذو حدين، فالقصة "على قصرها" باتت مترهلة بالجمال، وأرى أنه كان من الأفضل تخفيف الصور الجمالية المتلاحقة، حتى نعطي القارئ فرصة لأخذ النفس والتدبر والتفكر، فلو استخدمنا جملاً عادية، ووضعنا خلالها جملاً فائقة الحساسية والجمال، لصار النص أقرب شعوراً للمتلقي.
أرى كذلك أنه لو خلقنا علاقة ما بين الشخص الغامض والطالبة لكان ذلك أكثر منطقية للقصة (هذا رأي شخصي لي)، ففي القصة، نحن لا نحس ولا نعرف العلاقة بينهما، ولا سبب الانتظار، ولا لماذا غارت من سيجارته، الغموض جميل، لكن هنا يميل إلى نقص الإشارة التي تساعد القارئ على تفهم المقصد.
تقبل مني التحية والاحترام.
--------------------------------
الأستاذ الفاضل أحمد صوفي،
تحية طيبة، شكرًا على مرورك الكريم المثري،
قمت بعمل بعض التعديلات .. أرجو مراجعتها.
تحياتي
----------------------------------------------
### حين توضّأ القلب بالمطر
كان المساء يقترب من الليل. السماء رمادية، والمطر ينزل بهدوء ثم يشتد حتى غطّى الطريق والأشجار والرصيف، فيما كانت الريح تمر بين الأغصان وتحركها بلا توقف.
على الطريق الطويل، كان أحمد يمشي ببطء. كان طويل القامة، أنيقًا ببساطة، وقد التصقت قطرات المطر بثيابه. في عينيه شيء من التعب، كأنهما تحملان حكايات لم تجد لها نهاية. لم يكن ذاهبًا إلى مكان محدد، لكنه كان يعرف إلى أين ينظر: إلى الشرفة.
كانت هناك فتاة اعتاد أن يراها كل مساء؛ طالبة تجلس إلى مكتبها قرب النافذة، تفتح كتبها، وتترك الشرفة مفتوحة مهما كان البرد. لم يتحدثا كثيرًا، فقد كان يكفي أن تراه، وأن يرفع يده لها من بعيد، فتبتسم وتعود إلى دفاترها. منذ أيام لم يأتِ، ولهذا خرج أحمد الليلة.
وقف قليلًا تحت المطر ونظر إلى شرفتها. كانت مضاءة. ابتسم، ثم وجد مقعدًا على الرصيف وجلس. مسح الماء عن وجهه وأشعل سيجارته. سحب منها نفسًا طويلًا، ثم أطلق الدخان ببطء.
في الشرفة كانت هي تراقبه. وضعت قلمها فوق الكتاب، ولم تعد تقرأ. رأته يدخّن فعبست؛ كانت تعرف أنه لا يدخّن إلا حين يكون حزينًا، وقد طلبت منه أكثر من مرة أن يترك هذه العادة. همست: «وعدتني ألا تدخّن». لكنه لم يسمعها.
بقيت تحدّق فيه من خلف زجاج النافذة. شعرت بالغيرة من السيجارة التي اقتربت من فمه أكثر مما اقتربت هي منه في الأيام الماضية. ثم تذكرت رسالته الأخيرة: «سأنتظرك الليلة، كالعادة». لم تجبه. كانت غاضبة منه، ولا تعرف إن كانت تريد معاقبته أم اختبار حبه.
وضعت يدها على الزجاج. كان البرد شديدًا. في الأسفل بقي أحمد جالسًا، ثم رفع رأسه مرة أخرى نحو الشرفة. لمح ظلها، فنهض. تردد لحظة، ثم ابتسم كأنه تلقى جوابًا لم يسمعه، ومشى.
راقبته حتى ابتعد. عندها فتحت الشرفة ومدّت رأسها تبحث عنه في الطريق، لكنها لم ترَ سوى المطر. جاء صوت أبيها من الداخل: «حان موعد العشاء».
التفتت إليه، ثم عادت بعينيها إلى الطريق وقالت: «وماذا عنه؟»
لم يجبها أحد.
نظرت إلى المقعد الذي كان يجلس عليه. كان فارغًا. وحين أغلقت الشرفة، وجدت على الزجاج أثر كفّه. وضعت كفّها فوقه.
كان المطر قد غسل كل شيء... إلا أثره.
رد مع الإقتباس