الموضوع
:
*كيما يزهر الأمل* قصة قصيرة على فصلين
عرض مشاركة واحدة
07-20-2026, 09:29 PM
المشاركة
2
أحمد فؤاد صوفي
كاتب وأديـب
تاريخ الإنضمام :
Feb 2009
رقم العضوية :
6386
المشاركات:
2,132
رد: *كيما يزهر الأمل* قصة قصيرة على فصلين
*كيما يزهر الأمل*
*الفصل الثاني والأخير*
*الأمل يزهر من جديد*
جاء الشتاء إلى المخيم، لم يكن أحد قد تجهز له أو عمل له حسابًا، فعندما هطل المطر الشديد، امتلأت الدروب الطينية بالوحل، وصار السير متعثرًا، كما صار المكوث الدائم داخل الخيمة هو العمل اليومي الذي أجبر الجميع على القيام به.
كان سامي مع أصدقائه الجدد يتجهزون للخروج إلى عملهم وهم يلبسون في أرجلهم جزمًا تشبه جزم رجال الإطفاء، وذلك حتى يتمكنوا من السير في الطرق الموحلة، ولكن وفي فجاءة غير متوقعة، رنّت في أذنيه جملة قصيرة، آتية من مكان قريب، بسببها تجمد في مكانه،
*أنور، إبقَ في الداخل، لا تخرج في المطر.
الصوت يشبه صوت زوجته الراحلة، والاسم هو اسم ابنه، ما هذه المصادفة، جملة صغيرة فتحت الجرح، ودمعة لا إرادية بدأت تهطل ثم تشعبت وتمددت دون أن تتوقف، فقد عادت الذكرى الأليمة التي لم تغادر قلب سامي ولا روحه لحظة واحدة.
ضغط على معاناته، وأسرع مع أصدقائه، إلى المركز، وباشر كل منهم عمله، به يتناسون ألمهم وما مروا به من ظروف قاسية غاب عنها الأمل.
لم تغب تلك الجملة التي سمعها بالصدفة عنه أبدًا، فهي قد فعلت فعلها، وأعادت له صور بيته السعيد، وكيف تحول بلحظات إلى وهم يتخلله ألم وحسرة وقلة حيلة، وجلس ساهمًا يتذكر ابنه وذكريات ولادته الصعبة، ابنه الذي رزقه الله به بعد سنوات طويلة من الزواج، وبعد تخوّفه أن يكون عقيمًا، يتذكر فرحتهم به، وكيف احتفلوا بقدومه وكيف كان اهتمامهم مستمرًا ومبالغًا به كل يوم.
مرت الأيام كئيبة سوداء قاسية، زادها المطر والوحل شدةً وبأسًا، مطبقًا على الأنفس المحرومة من كل حلم، في مخيم مترامي الأطراف، يضيع المرء في جنباته.
تجاوز الوقت فترة العصر واقترب من المغرب، الزمن ثابت والساعات لا تمر، ذلك لأن كثافة الغيوم وتساقط المطر المستمر بلا انقطاع، جعلا السماء كسقف أسود، هيمن على نور الشمس، ولم يسمح لشعاعها أن يظهر، وسامي وأصدقاؤه يتمددون على فرشهم على الأرض، يطمحون إلى الراحة بعد يوم عمل ثقيل، وإذ بالجملة التي تأثر بها من قبل تتكرر على المسامع،
*أنور، لا تبتعد، عُدْ إلى الداخل.
قفز سامي من مكمنه، وانفجرت ذكرياته، لم يعد في استطاعته أن يتحمل، شعر في صدره بألم شديد، لاحظ أصدقاؤه ما يحدث، ولكنهم آثروا عدم التدخل، فكل منهم له مأساته الخاصة، وهم يعملون للألم حسابًا كبيرًا.
تمدد سامي في الجانب البعيد من الخيمة، متدثرًا بغطاء سميك، يحاول أن يمنع عينيه أن تهميا، وبعد مرور زمن طويل، استطاع أن ينام نومًا عميقًا وهو متعب ومهموم، واستيقظ في الصباح الباكر بسبب البرد الذي يكاد يفتك بالعظام، وأسرع ليؤمن لنفسه كوب الشاي الصباحي الساخن، وقام بكشف باب الخيمة القماشي السميك، ليطّلع على حالة الطقس، وعندما صار وجهه خارج الخيمة، وعلى مسافة لا تزيد على مترين أمامه، جابهه وجه ابنه في الخيمة المقابلة، فصدرت عنه صرخة لا إرادية، سمعها المخيم من أقصاه إلى أقصاه، وسقط لتوه على الأرض، لا يقوى على الوقوف، أما الصغير أنور، فصاح بدوره،
*ماما .. ماما .. البابا هون.
ركضت سلوى جهة ابنها، لا تقوى على التفكير، كادت أن تسقط، وشعرت فورًا بحمّى تجتاح جسدها كله، لم تهتم لحالتها، هي تريد زوجها بأي ثمن، وأخيرًا رأته أمامها، قريبًا منها، وبدون إرادة منها أو تفكير، رمت نفسها عليه وسحبت ابنها معها، وصار الجميع تحت البطانية التي جلبها أصدقاء سامي له، كان صوت البكاء هيستيريًا لا ينقطع، وتجمع عدد كبير من قاطني المخيم حول العائلة، فشا صوت البكاء وانتشر، كثيرون حول الخيمة لم يستطيعوا كبح عيونهم، فالموقف في تلك الظروف يقطع نياط القلب، أما شركاء سامي في الخيمة فانسحبوا لعملهم، ليتركوا المكان لسامي وعائلته، وأخبروه أنهم سيتنازلون عن مكانهم للعائلة، وفي الغد يتصرفون بشكل ما مع الإدارة.
اجتمعت العائلة من جديد، يقاسون الأمرين، ويحلمون بغدٍ لا يستطيعون تخيله ولا يعلمون مداه.
وبعد أن هدأت العواطف قليلاً، ضم سامي ابنه إلى صدره وجلس إلى زوجته يتبادلان الأحداث التي جرت والحوادث التي مرت على كل منهما خلال العام.
وتفرع الحديث وانفتح على المستقبل، كيف سيعيشون، لا بيت، لا موارد، وكيف سيؤمنون تعليم صغيرهم، فكل شيء كان غامضًا وغير متاح، كما لا يوجد حولهم من باستطاعتهم سؤاله أو من يمتلك صلاحية الجواب.
في فجر أخضر، تخلله الخير، هدر في المخيم صوت قوي غير معتاد، الله أكبر، الله أكبر، سقط الطاغية، اعتقلوه في المطار وقتلوه قبل أن يتمكن من الهرب.
قفز الجميع من نومهم، كانت هنالك ابتسامات وضحكات، في البداية لم يكن هنالك كلام، كان الجميع غير مصدقين، من كثرة ما عانوه خلال سنوات وسنوات.
أما سامي، وبعد أن شاهد وسمع سعادة الحشود الهادرة، فقد أخذ زوجته وابنه، وجلس على أرضية الخيمة، ودمعه لا يتوقف، ضمهما إليه وهو يردد: الحمد لله، الحمد لله، لقد عاد إلينا الوطن.
رد مع الإقتباس