بسم اللة الرحمن الرحيم

وُلد يوزف مينغيلي في مدينة غونزبورغ البافارية بألمانيا في السادس عشر من مارس ١٩١١، وكان الابن الأكبر لصناعي بافاري ثري. وصفه من عرفوه في شبابه بأنه طالب جاد يتمتع بذكاء واضح وطموح بالغ.
درس مينغيلي الفلسفة في ميونيخ في عشرينيات القرن الماضي، حيث تأثر بالأيديولوجيا العنصرية لألفريد روزنبرغ، ثم حصل على شهادة في الطب من جامعة فرانكفورت.
اختار مينغيلي تخصص الأنثروبولوجيا والطب، مهتماً بكيفية استخدام الوراثة والتلاعب الجيني لـ"تحسين العرق". حصل على درجة الدكتوراه عام ١٩٣٥، واجتاز امتحانه الطبي الحكومي في العام التالي.
انضم مينغيلي إلى فريق بحثي مرموق في معهد علم الوراثة والنظافة العرقية بجامعة فرانكفورت، حيث كان أستاذه الدكتور أوتمار فون فيرشور من أبرز علماء الجينات البشرية في أوروبا وأحد الملتزمين بمبادئ الحزب النازي. وقد صقل هذا المرشد توجهات مينغيلي نحو ما سُمّي بـ"النظافة العرقية"، ولا سيما في مجال دراسة التوائم.
انضم مينغيلي إلى الحزب النازي عام ١٩٣٧ والى SS عام ١٩٣٨، وعمل ضابطاً طبياً في بداية الحرب العالمية الثانية، ثم خدم على الجبهة الشرقية حيث نال وسام الصليب الحديدي من الدرجتين الأولى والثانية.
الوصول إلى أوشفيتز
في مايو ١٩٤٣ أصبح مينغيلي طبيب معسكر في أوشفيتز، آملاً أن يكون هذا التعيين منصة للوصول إلى مسيرة أكاديمية متميزة.
في نوفمبر ١٩٤٣، أصبح مينغيلي "كبير أطباء المعسكر" في أوشفيتز الثاني (بيركناو). وقد لقّبه سجناء المعسكر بـ"ملاك الموت".
عمليات الانتقاء على رصيف القطارات
كان يوزف مينغيلي يقف بحماس لافت على رصيف محطة أوشفيتز-بيركناو، وهو يستقبل قطارات المحكوم عليهم القادمة من أرجاء أوروبا المحتلة. فبإشارة من إصبعه في اتجاه، كان يُرسل أصحاء السجناء إلى العمل بالسخرة في المصانع، وبإشارة في الاتجاه المعاكس كان يُرسل النساء والأطفال والمسنين والضعفاء إلى الموت في غرف الغاز.
خلافاً لأغلب أطباء SS الذين اعتبروا عمليات الانتقاء من أشد واجباتهم إرهاقاً وإيلاماً، كان مينغيلي يؤدي هذه المهمة باستعراض واضح، وكثيراً ما كان يبتسم أو يصفّر أثناء أداء هذا العمل.
كان من مهام مينغيلي كذلك إجراء زيارات أسبوعية لأجنحة المرضى، وإصدار أوامر بإرسال كل من لم يتعافَ بعد أسبوعين في المستشفى إلى غرف الغاز.
التجارب الطبية الجنائية
١. التوائم — الهوس الأكبر
كانت أبحاث التوائم تمثّل اهتمامه الرئيسي؛ إذ يُمكّنه التوأم من الاحتفاظ بواحد كموضوع للتجربة والآخر للمقارنة.
ورأى مينغيلي في أوشفيتز فرصة استثنائية لإجراء هذه الأبحاث، لأن إيجاد عدد كبير من التوائم في العادة أمر عسير. وقد أجرى دراساته على ما يُقدَّر بألف زوج من التوائم، غالبيتهم أطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وست عشرة سنة.
وصفت إيفا موزيس كور تجربتها قائلةً إنهم كانوا يُساقون ثلاث مرات في الأسبوع إلى مبنى كبير من الطوب شبيه بقاعة رياضية، ويُحتجزون فيه ستاً أو ثماني ساعات.
وكانوا يُجلسون عرايا في غرفة كبيرة بينما يُراقبهم أشخاص في معاطف بيضاء يدوّنون الملاحظات، ويُصوّرونهم، ويقيسون رؤوسهم وأذرعهم وأجسامهم، ويقارنون قياسات كل توأم بالآخر. وكانوا في أغلب الأحيان يأخذون الدم من ذراع ويحقنون شيئاً في الذراع الأخرى.
٢. تجارب العيون
شملت تجارب مينغيلي على العيون محاولات تغيير لون القزحية بحقن مواد كيميائية في عيون الضحايا وهم أحياء، فضلاً عن قتل من لديهم لوني مختلفان في عينيهم، واستئصال عيونهم وإرسالها إلى برلين للدراسة.
٣. تجارب الأقزام وأصحاب التشوهات
شملت تجاربه على الأقزام وذوي التشوهات الجسدية: أخذ قياسات جسدية، وسحب الدم، وخلع الأسنان السليمة، وإعطاء عقاقير غير ضرورية والتعريض للأشعة السينية. وبعد نحو أسبوعين كان كثير من ضحاياه يُرسَلون إلى غرف الغاز وتُرسَل هياكلهم العظمية إلى برلين للتحليل.
٤. تجارب الدم والعرق
بحثاً عن مؤشرات جينية تدل على العرق، طلب فيرشور من مينغيلي تزويده بعينات دم من نحو مئتي سجين من أعراق مختلفة، انطلاقاً من فرضية أن لكل عرق بروتينات فريدة يمكن رصدها مختبرياً. وقد أُنشئ مختبر للتشريح ملاصق لمحرقة رقم (٢) في بيركناو باستخدام منحة من مؤسسة الأبحاث الألمانية.
٥. تجارب الولادة والحوامل
كشفت الطبيبة السجينة أولغا لينغيل أن مينغيلي كان يُشرف على عمليات الولادة باهتمام بالغ، ثم يُرسل الأم ورضيعها إلى غرف الغاز في غضون ساعة واحدة.
شهادات الناجين
وصف أحد الشهود كيف كان مينغيلي يُقبّل قطعة صابون معطّر، ويمضي يصفّر مرحاً بابتسامة ارتياح عميق وهو يغسل يديه عقب إجراء أحد إجراءاته القاتلة.
اتسمت شهادات الناجين بتناقضات صارخة: فبعضهم يرى أن مينغيلي أنقذ حياتهم، في حين ينظر إليه آخرون كشيطان متجسّد. أما مظهره فكان لافتاً: حسن الهندام دائماً، يصفّر أغاني الأوبرا، لا يعبأ بألم ضحاياه، مع تناقض مدهش تمثّل في لطف ظاهري أحياناً تجاه أطفال المعسكر.
الفرار من أوشفيتز
في ليلة السابع عشر من يناير ١٩٤٥، ومع اقتراب الجيش السوفيتي من بولندا شرقاً، غادر مينغيلي أوشفيتز حاملاً ما استطاع إنقاذه من سجلات تجاربه. فرّ غرباً حيث انضم إلى وحدة منسحبة من جنود الفيرماخت، مستبدلاً زيّه العسكري بزيّ ضابط في الجيش النظامي.
اعتقله الجنود الأمريكيون في مدينة فايدن الألمانية، واحتجزوه شهرين في معسكرَي اعتقال. غير أنهم أطلقوا سراحه لأنهم عجزوا عن التعرف عليه بوصفه نفس يوزف مينغيلي المُدرَج على قوائم "المطلوبين بتهمة الإبادة الجماعية وجرائم أخرى". ويُعزى ذلك إلى قراره الشخصي بعدم وشم فصيلة دمه على صدره أو ذراعه حين انضم إلى SS عام ١٩٣٨.
سنوات الفرار في أمريكا الجنوبية
دخل مينغيلي الأرجنتين عام ١٩٤٩ بجواز سفر إيطالي تحت اسم "هيلموت غريغور".
في عام ١٩٥٩ فرّ إلى باراغواي وحصل على جنسيتها تحت اسم "خوسيه مينغيلي". وبعد اختطاف الموساد الإسرائيلي لأدولف إيخمان في مايو ١٩٦٠، خشي مينغيلي أن يكون هو التالي فقرر الانتقال إلى البرازيل.
كان معتمداً على مخصصات مالية من عائلته، يحميه متعاطفون أو حرّاس مأجورون، يعيش مُرّ الغربة والخوف والعزلة. كان يستاء من ضياع المكانة العلمية التي اعتقد أنها حقه.
الموت والكشف عن الحقيقة
في السابع من فبراير ١٩٧٩، أُصيب مينغيلي بسكتة دماغية أثناء السباحة في منتجع ساحلي قرب مدينة برتيوغا البرازيلية، فلقي حتفه غرقاً. ودُفن في ضاحية من ضواحي ساو باولو تحت اسم مستعار هو "فولفغانغ غيرهارد".
في مايو ١٩٨٥، اتفقت حكومات ألمانيا وإسرائيل والولايات المتحدة على التعاون في تتبّع مينغيلي وتقديمه للعدالة. عثرت الشرطة الألمانية على أدلة تفيد بوفاته ودفنه قرب ساو باولو، فانتشلت الشرطة البرازيلية رفاته في يونيو ١٩٨٥.
وتحقق فريق من خبراء الطب الشرعي الأمريكيين والبرازيليين والألمان من هوية الرفاة، ثم جاء الحمض النووي عام ١٩٩٢ ليؤكد ذلك قطعياً.
الدلالة التاريخية
ظل مينغيلي طليقاً أربعة وثلاثين عاماً دون أن يلقى عقابه. وقد كشف مصيره عن إخفاق دولي ذريع في تقديم مجرمي الحرب إلى العدالة. والحقيقة الأكثر إزعاجاً أن مينغيلي لم يكن مجنوناً كما صوّرته الروايات الشعبية؛ بل كان طبيباً مدرّباً تدريباً عالياً، وباحثاً أكاديمياً، وعمل لدى إحدى المؤسسات البحثية الألمانية الكبرى. وجرائمه تمثّل خطر العلم حين يُسخَّر لخدمة أيديولوجيا تنكر حقوق البشر وكرامتهم وإنسانيتهم.
قضى مينغيلي ستةً وثلاثين عاماً هارباً، ومات في الظل بلا محاكمة ولا عقاب — وهو ما يظل وصمةً في جبين العدالة الدولية إلى اليوم.