عرض مشاركة واحدة
قديم اليوم, 02:36 PM
المشاركة 2
أحمد فؤاد صوفي
كاتب وأديـب

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: *فكرة مختصرة عن (المينيماليزم)، (بالانجليزية-Minimalism)*
*فكرة مختصرة عن (المينيماليزم)، (بالانجليزية-Minimalism)*
*الفصل الثاني*

وجدت من الصعوبة إيجاد أمثلة لهذا الموضوع (أي إيجاد قصة ثم اختصارها بفن المينيماليزم)، ولكن ها أنا أحاول:
قصة هذا أصلها:
*كان الشيخ يعيش وحيدًا في بيت قديم عند طرف القرية، وكان له ابن وحيد سافر إلى بلاد بعيدة طلبًا للرزق، ووعد أباه أن يعود سريعًا، مرت السنوات، وكبر الشيخ وضعف بصره، لكنه ظل يخرج كل مساء إلى الطريق المؤدي إلى القرية، يجلس على صخرة قريبة وينتظر، وكان أهل القرية يمرون به فيسألونه عن سبب جلوسه هناك، فيبتسم ويقول: «سيعود اليوم».
مضت عشرون سنة على تلك الحال، وفي إحدى الأمسيات جاءه رجل غريب يحمل حقيبة قديمة، فتأمله الشيخ طويلًا ثم نهض متكئًا على عصاه، اقترب الرجل ووضع الحقيبة عند قدميه وقال: «هذه أمانة من ابنك»، ثم انصرف.
فتح الشيخ الحقيبة فوجد فيها بعض الثياب مع رسالة قصيرة تخبره أن ابنه مات منذ أعوام.
-----------------------------------
*النسخة المينيمالية المختصرة للقصة:
كان ينتظر كل مساء، بعد عشرين عامًا،
وصلت حقيبة.
*النسخة المينيمالية الأشد اختصارًا للقصة:
كلَّ مساءٍ ينتظر.
وصلت الحقيبة وحدها.
------------------------------------
لنحلل لماذا تُعد النسخة الأخيرة تقليلية أو (مينيمالية)؟
لقد حُذفت من القصة (المطولة) شخصية الشيخ، والابن، والسفر، والقرية، وتفصيل مرور الزمن، والرجل الذي أحضر الحقيبة، والرسالة، وكذلك خبر الوفاة، ولم يبقَ فيها سوى إشارتان فقط:
انتظار طويل، ووصول الحقيبة دون صاحبها.
فيستنتج القارئ بنفسه أن المنتظَر لن يعود.
وهذا هو جوهر المينيماليزم: (نقل جزء كبير من السرد من الكاتب إلى ذهن القارئ).
ومن أجمل الأمثلة العربية القريبة من هذا الأسلوب قصة الومضة التالية:
طرق الباب، هرولت إلى النافذة.
كان ساعي البريد، عادت إلى انتظارها.
فالقصة لا تخبرنا مَن تنتظر، ولا منذ متى، ولا لماذا، ومع ذلك تتشكل حكاية كاملة في ذهن القارئ.
ومن زاوية أدبية، يمكن القول إن المينيماليزم ليس مجرد اختصار، بل هو حذف مدروس لا يضر بالدلالة، بل يزيدها عمقًا، فليس كل نص قصير نعتبره نصًا تقليليًا، وإنما النص التقليلي هو الذي يجعل الصمت بين الكلمات جزءًا من متابعة المعنى.
ولو تساءلنا، هل بالإمكان تطبيق الفكرة على قصة قصيرة (طويلة قليلًا، حوالي 750 كلمة)، فلأجل ذلك، ولعمل توضيح أكثر واقعية، فقد طبقت مبدأ المينيماليزم على واحدة من قصصي القصيرة **العمر يبدأ من جديد* ، وسترون النتيجة فيما يلي:
أولًا: القصة الأصلية:
دخلتُ المجمَّعُ التجاري من بوابته العريضة، لاحظتُ شخصاً يرمقني من بعيد، ويراقبُ خُطُواتي، ثم أصبحَ يتابعُني، عندما أمشي هو ببطء يمْشِي، وإذا وقفتُ، أجدْهُ بعيداً قد وقَفْ، المجمع مليءٌ بالمتسوقين، لا داعي للخوف، هكذا قلتُ لنفسي، ولكنْ لمّا طالتْ الحكاية، خشيتُ أن يلاحقني الشخصُ الغامضُ حتى البيت، ففي لحظةٍ قررتُ أن ألاحقَه بدلَ أن يلاحقَني، وأفاجئُه.
دخلتُ إلى محل، كان محلًا كبيرًا له بابان، افتقدني الرجل الغامض بين أرففِ الملابس، تمكنتُ من خِدَاعِهِ والتملصِ منه، وأفلتُّ إلى الخارج من البابِ الآخر، ثم توجَّهتُ إليه، كانَ يبحثُ عنِّي، ولم يخطرْ بباله أني صرتُ خلفَه.
*لماذا تلاحقُني !.
فُوجِئَ الغامضُ وارتبكَ وزُلْزِلَ كَيانُه، ولم يفعلْ شيئاً سِوى أنه خلعَ نظارتَهُ الداكنة ونظر إليّ، عندما واجهتْ عينايَ عينيه، أُسْقِطَ في يَدِي فقد عَرَفْتُه، فالعين أبداً لا تكذبْ، صادقةٌ دومًا، مهما تقدم بنا العمر، في البداية فأنا لم أتبين مشيته، فقد اكتسب قليلًا من الصحة، وكنت قبلُ أطلب منه أن يزيد وزنه قليلًا، فقد كان نحيفًا، يسهر كل يوم، يفكر ويتذكر ولا يأكل.
* نادية .. إنها ثلاثون سنة ، هل تصدقين ذلك !.
أردت أن أبكي، لا أريدُ لفتَ الأنظار، ولكنَّ دمعي بلحظة واحدة كان قد ملأَ وجهي، ولمْ أستطعْ الإتيانَ بأيِّ كلام، كدتُ أن أقع، أحاطني وأمسكني من ذراعي وضمَّني.
*لنجلس في المقهى.
مشيت معه، ملتصقة به، أشعر بحرارة جسمه، أريد لو أغيبُ عن هذا العالم ولا أتحركُ من مكاني، في المقهى، لم نجلسْ متقابلين، بل متجاورين متلاصقين، لو أمكنني لالتصقت أكثر، ما زلتُ لا أستطيعُ الكلامَ ولا النظر، كذلك لم أستطعْ ألا أبكي، يحقُّ لي ذلك بعد هذا العمر، أريد لو يتوقفُ الزمنْ، لا أُريدُ شَيئاً آخر، ينساب من تسجيل المقهى صوت فرانك سيناترا وديميس روسس، كذلك انجلبرت هامبردينغ وأغنيته التي تعودنا على سماعها:
** طاولة منفردة لشخص واحد فقط**

طاولة منفردة لشخص واحد فقط
في المقهى المزدحم بالزبائن
ينساب صوت الموسيقى
فتغمرني الذكريات في الظلام
كما اعتدنا عليها كل يوم من قبل
أعيد سماع الأغنية مراراً قبل أن أغادر
وقبل أن يتحول عالمي إلى الحزن القديم
الأصدقاء يتوقفون ويرحبون
أضحك معهم وأخفي الألم
سهل للغاية حين يذهبون
أن يتحول كل شيء إلى اكتئاب وهمّ

هي أغانينا، كنا نسمعها سوياً منذ ما يزيد على ثلاثين سنة، لقد مضى العمر، ولكن القلب لا يتغير، مازال ينبض بالرغبة، والروح لا شك لا تكتمل إلا بالحب.
المشهد الذي أنا فيه الآن لا أريده أن يتبدل، ولكن للأسف، فقد قطع النادل صوت الصمت الذي أحاط بنا، ليسأل عن طلباتنا، قهوة فرنسية وكرواسان، حبيبي لم يسألني، هي طلباتنا القديمة نفسها.
اتكأت على كتفه، كنا حتى اللحظة لم نتكلم، نحن لا نحتاج أي كلام، فقلوبنا تعرف ما نريد، وتتفاهم دوماً بلا كلام، تجتاحنا الذكريات، وتعيث بشعورنا لطفاً وجمالًا، ونعيد كل مشهد نتذكره في ذهننا، ونكرره مرات ومرات، وكأن الأمس أصبح أمامنا واقعًا، ننهل منه ما نشاء وقت ما نشاء.
مر وقت طويل، بردت قهوتنا، لم ننتبه، الدفء لذيذ معه، لا أريد أن أتحرك أو إلى أي مكان أذهب، لو أستطيع أن استمر بالعيش في لحظتي، لأصبحت حياتي جميلة، ولنسيت كل الألم.
في الساعة التالية، شعرنا ببعض الإحراج من نظرات الزبائن، وابتسامة النادل الذي أحس بنا، فما كان منه إلا أن أعاد نفس التسجيل ونفس الأغاني القديمة، التي كنا نعشقها.
* منذ اليوم، ستكونين معي الوقت كله، لا تتركيني، إني بحاجة إليك.
*أتركك ! بل قل لا تتركني، أنا التي بحاجة إليك، لحظة واحدة لن أتركك.
زاد شعورنا بالإحراج، حاول أن يساعدني كي أقوم من مكاني لنذهب في طريقنا، تمسكت به وبدفئه، وقمنا كشخص واحد، وتحركنا كشخص واحد، مشينا قليلًا في الشارع، الصباح بارد جميل، مطر خفيف ترسله السماء، ليفرّج الهمَّ عن قلوب العباد، دلفنا إلى مقهى آخر، واخترنا طاولة منفردة في الزاوية المعتمة، جلسنا كشخص واحد، التغلغل في معطفه يعطيني دفئاً لا أريد عمري أن أغادره، مرت ساعتان، قارب الوقت الظهيرة .
*هل تأخرنا ! هو يسألني .
*تقصد الثلاثين عامًا التي مضت !. لا يهمني شيء .. فأنا معك.
*هل نتزوج قبل أن نخبر أحدًا، مازال لدينا ساعتين لمكتب الزواج، يمكننا أن ننهي الإجراءات قبل نهاية الدوام، والخواتم نشتريها في طريقنا.
*علينا أن نسرع، سوف تتفاجأ أمي كثيرًا، ولكنها لن تغضب مني، سأعوضهم بحفلة صغيرة بعد شهر العسل، هل لديك بيت !.
*اطمئني، البيت جاهز لا ينقصه إلا أن تكوني فيه.
*علينا أن نسرع، أخشى أن نضطر إلى الانتظار حتى الغد، لن أتحمل ذلك، قم بنا، أرجوك أن تسرع.
----------------------------------------------------------
النسخة المكثفة (المينيمالية):
*العمر يبدأ من جديد*
دخلتُ المجمع، كان هناك رجل يراقبني.
توقفتُ… فتوقف.
مشيتُ… فتبعني.
امتلأ المكان بالناس، لكن القلق لم يفارقني.
فجأة قررتُ أن أستدير، اختفيتُ بين الأرفف، خرجتُ من بابٍ آخر، ثم وقفتُ خلفه.
* لماذا تلاحقني؟ ارتبك. خلع نظارته.
نظر إليّ، عرفتُه، العين لا تخطئ.
* نادية… ثلاثون سنة.
انهمرت دموعي، ولم أستطع الكلام، أمسكني.
* لنجلس.
جلسنا متجاورين، صامتين، كانت الموسيقى القديمة تنساب كما كانت.
قهوة وكرواسان، كما كنا.
اتكأتُ على كتفه، لا حاجة إلى أي كلام.
ثلاثون سنة مرّت، ولكن الحب لم يمرّ.
*منذ اليوم، لا تتركيني.
* بل لا تتركني أنت.
خرجنا معًا، نمشي كأننا شخصٌ واحد.
مطرٌ خفيف، صباحٌ بارد، دافئ بنا.
*هل تأخرنا؟
* ثلاثون عامًا؟ لا يهم.
سكت قليلًا، ثم قال: نتزوج الآن؟
نظرتُ إليه.
* لن أسرع في حياتي كما سأفعل الآن.
أمسك يدي ومضينا، كأن العمر قد بدأ بيننا من جديد.
--------------------------------------------------
لنلاحظ، ماذا فعلنا هنا؟
لقد حذفنا التكرار.
تم اختصار الجمل الطويلة إلى ومضات
تركنا "فراغًا" ليملأه القارئ (وهذا هو تمامًا جوهر المينيماليزم).
ما أبقيناه هو اللحظات المفصلية فقط.
ولكن ماذا نلاحظ أيضًا !،
صارت القصة نصًا ومضيًا، كأنه برقية ذكرى بين حبيبين،
فنجد أن النص الذي ظهر معنا في النتيجة، قد انزاح من السرد إلى الومضة، فهذه (المينيماليزم) تسلب النص دفءَ التراكم والتمهيد، وهذا التحويل ما بين السرد إلى القصة الومضة، قد يكون جميلًا من الناحية الأدبية المجردة، ولكن القصة مع ما تحتويه من "التطويل" و "الترهل" فهي تحوي العاطفة، بينما التعديل إلى (المينيماليزم) فقد أفقدها هذه العاطفة، وصار شيئاً أدبياً جميلاً خاليًا من العاطفة الإنسانية المطلوبة في مثل هذه القصة القصيرة.
فالمينيماليزم، بشكل عام، حين يُساء استخدامه، فهو لا يُكثّف العاطفة، بل يُصفّيها حتى تختفي.
ولنعلم أن طرائق الأدب كثيرة، ولكل منها ظروفه وميزاته وأوقات لاستخدامه والركون إليه.
أرجو أن تكون هذه الجولة قد نالت استحسانكم ، تحياتي للجميع واحترامي.