عرض مشاركة واحدة
احصائيات

الردود
0

المشاهدات
137
 
أ محمد احمد
من آل منابر ثقافية

اوسمتي


أ محمد احمد is on a distinguished road

    غير موجود

المشاركات
2,628

+التقييم
0.64

تاريخ التسجيل
Feb 2015

الاقامة

رقم العضوية
13657
05-31-2026, 05:39 AM
المشاركة 1
05-31-2026, 05:39 AM
المشاركة 1
افتراضي تابوت تشيرنوبيل النووي
بسم الله الرحمن الرحيم




نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة




في الساعات الأولى من صباح 26 أبريل 1986، وقعت في مدينة تشيرنوبيل الأوكرانية — التي كانت آنذاك جزءاً من الاتحاد السوفيتي — أسوأ كارثة نووية شهدها التاريخ البشري.

انفجر المفاعل رقم 4 في محطة الطاقة النووية إثر اختبار هندسي فاشل، فأطلق كميات هائلة من الإشعاع النووي في الهواء، تجاوزت بمراحل ما أُطلق من القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي مجتمعتين.

أُجليت مدينة بريبيات القريبة بالكامل، وامتدت السحابة الإشعاعية لتطال دول أوروبا بأسرها. استدعت الكارثة تضحيات بشرية جسيمة من رجال الإطفاء والمصفّين الذين واجهوا الموت عارفين بمصيرهم لإخماد الحريق وتطويق الكارثة.

وفي مواجهة هذا الخطر الوجودي، جاء قرار بناء التابوت — ذلك الغطاء الضخم من الصلب والخرسانة الذي أصبح رمزاً للكارثة ورديفاً لاسمها في ذاكرة البشرية.

التابوت
تابوت تشيرنوبيل هو هيكل ضخم من الصلب والخرسانة شُيِّد فوق الوحدة رقم 4 في المحطة النووية، وكان هدفه الحدّ من التلوث الإشعاعي وحماية البيئة عبر تغليف المنطقة الأشد خطورة في العالم وعزلها عن المناخ الخارجي.

يقع الهيكل داخل منطقة محظورة واسعة تُعرف بـ"منطقة تشيرنوبيل المحظورة"، وبداخله كميات مرعبة من المواد المشعة: 200 طن من اللافا المشعة المعروفة بالكوريوم، و30 طن من الغبار شديد التلوث، و16 طناً من اليورانيوم والبلوتونيوم، فضلاً عن 74,000 متر مكعب من الحطام والتربة الملوثة. أما مستويات الإشعاع فبلغت حتى 10,000 رونتجن في الساعة، وهو رقم يبدو أكثر هولاً حين يُقارن بالإشعاع الطبيعي في المدن الذي لا يتجاوز 20 إلى 50 ميكروغرام في الساعة، علماً بأن الجرعة المميتة للإنسان هي 500 رونتجن على مدى 5 ساعات.

البناء
بدأ العمل في مايو 1986، أي بعد 24 يوماً فقط من الانفجار، وانتهى بعد 206 أيام وسط ظروف بالغة الخطورة. قبل الشروع في البناء، كانت المهمة الأولى والأكثر إلحاحاً هي إنشاء نظام تبريد تحت المفاعل لمنع الوقود النووي الساخن من اختراق قاعدة المبنى وتسميم المياه الجوفية.

لهذا الغرض، استُدعي عمال مناجم الفحم، وفي 24 يونيو 1986 شرع 400 عامل منجم في حفر قناة بطول 168 متراً تحت المفاعل. وحين أصبح الموقع مشبعاً بالإشعاع وتعذّر العمل المباشر، لجأ المهندسون إلى الروبوتات لإتمام المهام الأكثر خطورة.

نُفِّذ المشروع عبر ثماني مراحل متتالية: تنظيف المنطقة المحيطة وتدعيمها، وبناء القاعدة الخرسانية حول المفاعل، وإقامة جدران عزل بين الوحدتين 3 و4، وتغطية فتحة التوربينات، وتشييد جدران مرتفعة مدعمة، وتركيب دعامات لحجرة المفاعل، وتركيب نظام التهوية، وأخيراً وضع أنظمة تنقية داخلية لمنع تسرب الإشعاع.

استُخدم في المشروع أكثر من 400,000 متر مربع من الخرسانة و7,300 طن من الحديد. وفي 11 أكتوبر 1986، رفعت اللجنة الحكومية السوفيتية تقريرها الرسمي بإتمام الهيكل وتقييم سلامته الإشعاعية.

احتوى التابوت على أكثر من 60 فتحة لمراقبة الموقع الداخلي، وصُمِّم بأعمدة تهوية تتيح الحمل الحراري من الداخل إلى الخارج، مع أنظمة تنقية تحول دون تسرب أي نشاط إشعاعي عبر تلك الفتحات.

عيوب الهيكل وبوادر التدهور
شُيِّد التابوت على أنقاض مبنى متضرر أصلاً، وهنا تكمن مشكلته البنيوية الجوهرية. فـ"أعمدة الماموت" التي تدعم السقف تتكئ جزئياً على الجدار الغربي للمفاعل الذي تصدّع في الانفجار ولم يُعزَّز هيكلياً قط. والطرف الغربي من السقف مدعوم بجدار خرساني عند ما يُعرف بـ"النقطة 50"، وهو جدار يحمل تشققاً من ذلك الانفجار الأصلي. بحلول عام 1996، تدهور الهيكل إلى درجة استحال معها إصلاحه، فيما اكتُشف أن مياه الأمطار تتسرب عبر فتحات السطح وتتلوث بالإشعاع قبل أن تمتصها التربة عبر أرضية المفاعل.

الهيكل الفولاذي المثبِّت (DSSS)
في مواجهة هذا الخطر البنيوي، أُنشئ الهيكل الفولاذي المثبِّت، وهو جسم فولاذي أصفر بطول 63 متراً يقع خلف المفاعل، يمتد عبر سلسلة كوابيل مثبَّتة في جدار الدعامة الغربي.

الهدف منه منع انهيار التابوت الذي كان سيُطلق كميات هائلة من الغبار والمواد المشعة في الجو، محدثاً كارثة إشعاعية جديدة. وفي ديسمبر 2006، جرى توسيع صلاحياته لينقل 50% من سطح الحمل أي نحو 400 طن من النقطة 50 إليه، مما خفّف الضغط عن الجدران المتهالكة.

الدرع البيولوجي العلوي — التهديد الصامت
ثمة تهديد آخر يكمن داخل الهيكل وهو الدرع البيولوجي العلوي، بلاطة خرسانية دائرية بقطر 15 متراً وزنها 1,000 طن تتكوّن من 2,000 مكعب خرساني، كان كل منها يقع فوق قناة وقود نووي. في الانفجار، انتُزعت هذه البلاطة للأعلى وبقيت مائلة بزاوية 15 درجة عن الأفق، وهو وضع ينذر بانهيار متأخر يمكن أن يُطلق الغبار المشع المتراكم في أي لحظة. كانت تُعرف قبل الكارثة بـ"أنف الخنزير"، فأُعيدت تسميتها بـ"إيلينا"، وأُطلق على حزم الوقود المحيطة بها اسم "شعر إيلينا".

الحاجز الآمن الجديد والاستبدال
في 22 ديسمبر 1988، حذّر علماء سوفييت من أن عمر التابوت لن يتجاوز 20 إلى 30 سنة. وفي 1998، أُطلق بدعم من البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية برنامج لحماية السقف من التدهور. غير أن التأجيلات ونقص التمويل بما يقارب 100 مليون يورو أخّرا المشروع المرتقب في 2015، حتى جاء نوفمبر 2016 ليشهد نقل الحاجز الآمن الجديد إلى موقع التركيب فوق التابوت القديم، وهو هيكل قوسي ضخم تكلّف 2.1 مليار دولار وشارك في بنائه 45 دولة، وكان مخططاً أن يجعل الموقع آمناً بيئياً لـ100 سنة قادمة.

الضربة بالمسيرة — الجرح المفتوح
في الساعة 1:50 فجر 14 فبراير 2025، سمع فريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية المرابط في الموقع انفجاراً آتياً من الحاجز الآمن الجديد، وأُبلغوا بأن طائرة مسيّرة اصطدمت بسقف الهيكل وأشعلت فيه حريقاً.

تقول أوكرانيا إن المسيّرة الروسية أصابت الغلاف الخارجي للحاجز الآمن الجديد، ذلك القوس العملاق الذي أُنجز عام 2019 فوق بقايا المفاعل رقم 4.

أوكرانيا حمّلت روسيا المسؤولية، بينما نفت موسكو ذلك وألقت التهمة على كييف، في حين امتنعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن تحديد المسؤول.

خلص فريق تقييم الوكالة في اليوم التالي إلى أن الضربة أحدثت ثقباً قطره نحو 6 أمتار في الغلافين الخارجي والداخلي، كما طال التلف مساحة 200 متر مربع مع أضرار في عدد من المفاصل والمسامير الهيكلية.

قدّر وزير الخارجية الفرنسي تكلفة الإصلاح بنحو 500 مليون يورو، وهو ما أكده البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية لاحقاً.

تحقيقات ما بعد الضربة تُفيد بأن قدرة الحاجز على احتواء الإشعاع قد تضرّرت، ولم تُستعَد بالكامل رغم جهود الإصلاح الجارية.

حذّر المتخصص النووي في غرينبيس شون بيرني من أنه "في حال الانهيار، ستكون الكارثة محققة، إذ يوجد داخل التابوت 4 أطنان من الغبار شديد الإشعاع وكميات هائلة من الوقود النووي".

وصف رئيس البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية هذه الضربة بأنها "حطّمت الثقة في مسيرة التعاون الدولي الذي امتد لعقدين لإدارة إرث الكارثة".

في الذكرى الأربعين للكارثة، أبريل 2026، أعلن وزير الطاقة الأوكراني أن التزامات الشركاء الدوليين لتمويل الإصلاحات بلغت 100 مليون يورو إضافية فوق 30 مليون يورو كانت متفقاً عليها مسبقاً، بينما حذّر الرئيس زيلينسكي من أن الضربات الروسية تخاطر بتكرار التاريخ.