بسم الله الرحمن الرحيم
وُلد أبو الفرج بن يعقوب بن إسحاق ابن القف الكركي عام ١٢٣٣م في مدينة الكرك، تلك الحصينة الأردنية التي عُرفت في القرون الوسطى معبراً بين الشام والحجاز. وكانت المنطقة في ذلك الحين تتنفس هواءً علمياً نادراً، إذ تعاقب عليها الأيوبيون والمماليك، وأتاح ذلك التعاقب السياسي فضاءً ثقافياً مفتوحاً تلاقت فيه المعارف والمذاهب والأجناس دون حاجز يُذكر.
نشأ ابن القف في بيئة مسيحية، وكان ذلك في حد ذاته علامة فارقة في سيرته، إذ أتقن العربية لغةً علمية راسخة، وانتمى بكل وجدانه إلى الحضارة الإسلامية التي احتضنته، فكتب بها وعلّم فيها وخدم سلاطينها وأمراءها.
وهو نموذج يكشف بجلاء أن الحضارة الإسلامية في أوج عطائها لم تكن حكراً على أصحاب عقيدة بعينها، بل كانت مشروعاً إنسانياً مفتوحاً لمن أسهم فيه بعقله وجهده.
تلقى تعليمه الطبي في دمشق وحمص، وتتلمذ على أطباء بارزين وفلاسفة اطلعوا على التراث اليوناني في ترجماته العربية، لا سيما أعمال أرسطو وجالينوس وابن سينا. غير أن ابن القف لم يكن ناقلاً سلبياً لما تلقّاه، بل كان ذا حس نقدي دقيق يُخضع الموروث لاختبار التجربة والمشاهدة.
عمل طبيباً وجراحاً في بلاط عدد من أمراء المماليك، واقترن اسمه بمدينة سرخد في جنوب سوريا حيث أمضى سنوات من ممارسته الطبية. وكانت ميادين الحرب في تلك الحقبة من أكثر البيئات إنتاجاً للخبرة الجراحية، فالجروح الحربية والكسور وبتر الأطراف كانت تستدعي قرارات سريعة ودقيقة لا تحتمل التردد، وقد أفادت هذه الممارسة الميدانية ابن القف إفادة عميقة انعكست على مؤلفاته بوضوح.
أما أثره الأكبر والأدوم فهو كتابه الموسوعي "العمدة في صناعة الجراحة"، الذي أتمّه نحو عام ١٢٧٣م. يقع الكتاب في ثلاثة وعشرين باباً تغطي مساحة واسعة من العلوم الطبية والجراحية، وهو من حيث البناء والمنهج يقف في مصاف أرقى ما أنتجه الفكر الطبي الوسيط. فقد افتتحه بفصول في التشريح وصف فيها العضلات والأوعية والأعصاب بدقة تفوق كثيراً مما كان شائعاً في عصره، ثم انتقل إلى الجراحة التطبيقية محيطاً بتقنياتها من الشق والربط والكي والخياطة وإعادة توضيع العظام.
ومن أبرز ما جاء به ابن القف وصفه المفصّل لاستخدام المواد المخدِّرة في الجراحة. فقد تحدث عن مركبات من الأفيون والبنج والشوكران توضع على موضع العملية أو تُعطى للمريض استنشاقاً، بحيث تُخدّر المنطقة المطلوبة أو تُوهن الإحساس العام دون أن تُفضي بالضرورة إلى فقدان الوعي التام. وهذا التمييز الدقيق بين درجات التخدير يدل على وعي طبي متقدم، ويجعل ابن القف رائداً في ما يُعرف اليوم بالتخدير الموضعي والإقليمي.
كذلك تضمّن "العمدة" ملاحظات مدهوشة حول الأوعية الدموية الدقيقة، وصف فيها شبكة من الأنابيب الصغيرة جداً تربط الشرايين بالأوردة. وهذا الوصف يقترب كثيراً مما أثبته وليم هارفي في القرن السابع عشر حين اكتشف الدورة الدموية الكاملة، مما يجعل ملاحظات ابن القف في هذا الباب سابقة لعصرها بنحو أربعة قرون.
لم يقتصر الكتاب على الجراحة المحضة، بل تناول طب العيون وعلاج الكسور والخلع وأمراض الجلد وجراحة الفم والأسنان، فضلاً عن فصول في الأدوية المركّبة واستخداماتها الجراحية. وقد استقى ابن القف مادته من ثلاثة روافد: التراث اليوناني الذي درسه بعمق، ومؤلفات ابن سينا والزهراوي وابن رشد، ثم خبرته الشخصية المكتسبة من سنوات الممارسة الجراحية.
من مؤلفاته
لابن القف الكركي العديد من المؤلفات والمقالات التي يحتاجها الجراجون في المداواة، وحفظت بعضها الفاتيكان والمتحف البريطاني وفي بعض المكاتب العربية مثل مكتبة دمشق والتي لا تزال بعضًا منها مفقودة أو أنها لم تتم، ومن مؤلفاته:
- الشافي في الطب (1271 م إلى 1272 م).
- جامع العرض في حفظ الصحة والمرض (1274 م).
- الكليات من كتاب القانون في الطب لابن سينا (1278 م) في ست مجلدات.
- العمدة في الجراحة (1281 م).
- كتاب الأصول في شرح الفصول (1283 م).
وفاتة
توفي ابن القف في دمشق عام ١٢٨٦م عن ثلاثة وخمسين عاماً، تاركاً مؤلفات طبية أخرى من بينها كتاب "الشافي" في الطب العام. وعلى الرغم من الأثر العلمي الواضح الذي تركه، فقد ظل اسمه في هامش التاريخ الطبي العالمي، بينما احتل غيره ممن جاؤوا بعده مراتب الصدارة. ولعل في ذلك درساً متكرراً تُعلّمنا إياه سِيَر كثير من عقول الشرق: أن التاريخ لا يُنصف دائماً من يستحق، وأن استعادة هذه الأسماء من النسيان واجب ثقافي قبل أن يكون ترفاً أكاديمياً.