الموضوع: مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-26-2025, 06:00 PM
المشاركة 449
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
ليست المجاملة فعلا عابرا في حياة الإنسان، بل هي انعكاس دقيق لعلاقته بالقوة والمعنى والآخر. فمنذ أن وعى الإنسان ذاته، وهو يوازن بين الخوف والرغبة، بين درء الأذى وجلب المنفعة، فتغدو المجاملة أحيانا لغة توازن، وأحيانا أخرى قناعا للضعف أو الطمع. إنها تشبه العلامات الصغيرة في اللغة، لا تظهر قيمتها إلا لمن أحسن القراءة، ولا ينكشف أثرها إلا عند تبدل المواقع.
غير أن الخلل لا ينشأ من الفعل ذاته، بل من القصد الذي يحركه. فحين تنفصل المجاملة عن معناها الأخلاقي، تتحول إلى ضجيج فارغ، وتصبح الثناءات مرايا مخادعة يرى فيها الإنسان صورة لا تشبه حقيقته. هناك، يبدأ الانزلاق: تتبدل المعايير، ويختلط الإعجاب بالحاجة، ويغدو التصفيق بديلا عن القيمة، حتى تذبل المعاني، وتبقى القشور.


وفي هذا المناخ، يتكاثر الوهم. يصدق الناس ما يقال عنهم، لا ما هم عليه، وتضيع المسافة بين الذات وصورتها. وحين تنكشف الحقيقة متأخرة، لا يبقى سوى شعور مزدوج بالخذلان: خذلان من وثق، وخذلان من جامل. كلاهما أسير وهم صنعه بيديه.


أما في فضاء الأخوة والعلاقات الإنسانية، فالمسألة أدق وأخطر. فالكلمة هنا ليست صوتا عابرا، بل أثر ممتد. وحسن الظن ليس سذاجة، بل اختيار أخلاقي يحفظ إمكان اللقاء. غير أن الحساسية المفرطة، حين لا تضبطها الحكمة، تجعل العلاقات هشة، قابلة للانكسار عند أول سوء فهم، وكأنها بنيت على أرض رخوة لا تحتمل الاختلاف.


من هنا تظهر المجاملة الرشيدة بوصفها فعلا وقائيا، لا تزويرا للواقع ولا إنكارا للحقيقة. هي محاولة لاحتواء التوتر، وتأجيل الصدام، ومنح العقل فرصة لقيادة الموقف. لكنها تفقد معناها متى صارت تبريرا للخطأ، أو تغطية للظلم، أو تواطؤا مع الزيف. عند تلك النقطة، تعبر المجاملة إلى نقيضها، وتستحيل نفاقا.


والفارق بينهما ليس في الشكل، بل في العمق. فالمجاملة الأخلاقية تنبع من نية الإصلاح، وتتحمل كلفة الصدق المؤجل، بينما النفاق يقوم على إخفاء القصد، واستثمار الخير للوصول إلى الشر. الأول يحفظ إنسانية العلاقة، والثاني يهدمها من الداخل.



وفي النهاية، لا يملك الإنسان إلا أن يكون مسؤولا عن موقعه من هذا الخط الرفيع. أن يختار متى يلين، ومتى يقول لا، ومتى يصمت حفاظا، ومتى يتكلم إصلاحا. فالناس، على اختلاف طبائعهم، مرايا متقابلة؛ وما نزرعه في مساحات العلاقة يعود إلينا، إما معنى يثبت، أو وهما ينهار.


وتبقى المجاملة، في صورتها الأصفى، لحظة وعي لا مهارة خطاب؛ اختبارا للنزاهة أكثر منها تمرينا على البلاغة. ومن أحسن عبور هذا الاختبار، نجا من فوضى العلاقات، وحفظ لنفسه اتساقها، وللآخرين كرامتهم.