الموضوع
:
مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
12-26-2025, 05:01 PM
المشاركة
448
مُهاجر
من آل منابر ثقافية
اوسمتي
مجموع الاوسمة
: 1
تاريخ الإنضمام :
Feb 2022
رقم العضوية :
16905
المشاركات:
641
رد: مُهاجر
" الأخلاق واللِّباس: قراءة في الفكرة والأسلوب والمآل "
إنّ تكرار الحديث عن الأخلاق واللِّباس ليس عبثًا ولا لغوًا، بل هو ـ في جوهره ـ تنبيهٌ وتذكيرٌ لمن آمن بربّ العالمين، واستشعر رقابته في السرّ والعلن. ولعلّ واقع الحال قد رسم صورته في الذهن والعقل الباطن، حتى اختُزل المعنى، فكان التصريح به تأكيدًا، لا تكرارًا أجوف.
وقد يسبر بعضهم أغوار هذه المسألة، وإن بدت مشرَّحةً مكشوفة، غير أنّ الغيرة والحنق كثيرًا ما يكونان وقود التعاطي معها، إذا استُمِدّا من عاطفةٍ إيجابيةٍ صادقة، لا من هوىً أعمى أو تعصّبٍ مقيت. وعلى العموم، فإنّ ما يُلحَظ في بعض المنتديات تكرارُ المواضيع، وإن اختلفت العبارات، فالمضمون واحد، والمعنى آحاد.
وفي مقام النصيحة، لا سيّما عند توجيهها للمنصوحة، فإنّ ما نحتاجه ـ وهذا قول أوجّهه إلى نفسي قبل غيري ـ هو ذلك الأسلوب الذي يُحبِّب المنصوح في النصيحة، لا الذي ينفّره منها. ففطرة بني البشر تأبى النقد الجارح، وتأنف التوبيخ الفجّ، وتميل إلى الكلمة اللينة، والقول الحاني.
ومن هنا جاء الحثّ الإلهي، والأمر الربّاني، بأن تكون النصيحة بالتي هي أحسن؛ ليمتصّ الناصح غضب المنصوح، ويحتوي ردّة فعله، فتكون المكاشفة رفيقة، والمناصحة صادقة، ويغدو المنصوح للناصح وليًّا حميمًا، لا خصمًا عنيدًا.
أمّا مسألة حذف بعض الردود، فهي ممّا يُؤلم أحيانًا، غير أنّ المرء يعود فيُحدّث نفسه بأنّ القائمين على الإشراف لعلّهم يسعون إلى درء المشادات، وإبعاد الاحتقانات، وإطفاء جذوة الخلاف، ويبقى الأمر ـ في نهاية المطاف ـ بيد من بيده الحلّ والعقد.
ومن أعظم المصائب التي تُبتلى بها هذه المساحات الافتراضية: الفلسفةُ المبتذلة، والتفلسفُ العقيم؛ حين ينبري الجاهل في مسائل الحلال والحرام، فينصّب نفسه مفتيًا، ويخلط الحرام بالحلال، والحلال بالحرام، مع أنّ المسألة ـ في أصلها ـ لا تحتاج إلى كلّ هذا التعقيد، فضلًا عن أنّه ليس من أهل الاختصاص، ولا من أرباب العلم والبيان.
ويزداد الأمر سوءًا حين تُطلِق بعض الألسن ألفاظًا بذيئة، وتتجرّأ على القذف والتشنيع. فهل يدرك قائلها حكم الله في شرعه؟ إنّ من يقذف هذا أو ذاك يُقام عليه الحدّ، ويُجلد ثمانين جلدة لجريمة القذف. فلا يصحّ، ولا يستقيم، أن يُحكم على إنسان بتلك الفاحشة لمجرّد لباس، وإنّما ذاك حال الجاهل، وتلك أحكام العوام.
ومن هنا جاءت هذه الرسالة، وبهذا كان باعثها: أن نكون على مبدأٍ نتنفّس به هواء الحياة، ونمخر به عبابها. فالحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات. فإذا كنّا نُسَلِّم أسماعنا وأبصارنا لكلّ قائل، مع علمنا بأنّ قوله عارٍ من الصحّة، فلماذا نُمرض أنفسنا، ونُثقِل بها عقولنا؟! إنّما الواجب تفنيد القول بالقول، والحجّة بالحجّة، وبهذا يُدحض باطل المقال.
وأعترف ـ غير متستّر ـ أنّني أجد نفسي أحيانًا ناصحًا حاثًّا على ضبط النفس، ثمّ أجدني، في ذات الوقت، سريع الانفعال، فأناقض نفسي بنفسي. وما يدفعني إلى ذلك، في كثير من الأحيان، هو رؤية الخلط الفجّ، والخوض الأحمق في مسائل دقيقة، لا رصيد للخائض فيها سوى الجهل والخبال. حشوٌ أجوف، لو سكت صاحبه لكان في سكوته سترٌ لجهله المركّب، الذي يتلفّعه ولا ينفكّ عنه.
أمّا السفور ـ أختي الكريمة ـ فهو سفور، مهما اختلفت درجاته، وتباينت صوره. نعم، قد يكون التمايز في شدّته أو كثرتِه أو المبالغة فيه، غير أنّ مفهوم الحشمة، في جوهره، معلومٌ بالفطرة، معروفٌ بالعقل، بعيدٌ عن التمنطق والتفلسف، ومحاولات تبرير السلوك وإرضاء الضمير لمن اختار هذا الطريق.
والمُلاحظ أنّ كثيرًا من ردود الفعل الغاضبة على من يُخطّئ هذا السلوك، تصدر ممّن يقعون فيه، أو ممّن يبرّرونه، أو يرون في نقده ظلمًا ومخالفةً لما يسمّونه “النصيحة النافعة” و“الصوت الحاني”، مع أنّ الصوت الحاني لا يلغي الحقيقة، ولا يميّعها.
وأمّا عن مخالطة الناس، فإنّي ـ بحكم عملي ـ أخالطهم، وأسمع، وأرى، وتردني الرسائل بما هو حاصل، ولست في معزلٍ عن الواقع. وصدقيني، إنّ القلب ليتفطّر حين ترد نداءات فتياتٍ في عمر الزهور، يشكون هتك العرض، والابتزاز، والانكسار، فماذا عسانا نقول؟!
نرى فتياتٍ يتسكّعن في الشوارع بلا حياء، يعاكسن الشباب، فهل نلوم جرّة العسل إذا تحلّق حولها الذباب، إن كانت مكشوفة بلا غطاء؟! حبّ المغامرة، والتقليد الأعمى، وغياب التفكّر في العواقب، وإسقاطها من الحساب… كلّها أسباب، وللأسف لا تستفيق كثيرات إلا بعد فوات الأوان، ما لم يتداركهنّ اللطيف بعباده.
ويلومني بعضهم بأنّي أركّز على الفتاة، وأغفل الشاب، فأقول: لولا الضوء الأخضر منها، لما تسابقوا إليها. ولا أبرّئ ساحتهم، فلهم نصيب الأسد من الذنب، ولكنّ المجتمع ـ بنظرته الانتقائية الجائرة ـ يرى ذنب الرجل ذنبًا فيه نظر، بينما ذنب المرأة جريمة لا تُغتفر.
ومن هنا، فإنّ على المرأة والفتاة أن تحسب لهذا الأمر ألف حساب.
رد مع الإقتباس