الموضوع: مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-26-2025, 10:59 AM
المشاركة 447
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
قال:

بل الدليل واضح كالشمس.
عزيزي،
الأسلوب القرآني عند حصول وحي معين يُشار إليه نصا أو إشارة،
فإن لم يحصل ذلك دلّ على عدمه، ولا يحتاج الأمر إلى إثبات.
ولو ذهبنا إلى احتمال وقوعه مع عدم ذكره،
فكأنما نقول – والعياذ بالله – إن الله نسي ذكره لنا،
وأن ألفاظ القرآن غير دقيقة.



وإليك الدليل:
قال تعالى:
"قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى، قال بل ألقوا".
فهنا لا إشارة إلى وحي مطلقا،
أي أن الاختيار كان من موسى.
ثم إن الأمر منطقيا لا يحتاج إلى وحي،
إذ ما فائدة الترتيب والنتيجة محسومة لصالح موسى؟

ثم توالت القصة:
"فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى،
فأوجس في نفسه خيفة موسى".


هنا منطقيا لا بد أن يتدخل الوحي للتثبيت،
وقد خرجنا من مسألة من يبدأ بالإلقاء،
وانتقلنا إلى مشهد خوف موسى،
فجاء الوحي بقوله تعالى:
"قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى".



فالوحي جاء للتثبيت والبشارة،
ولم يأت ليقول لموسى: دعهم يلقون أولا.
ومسألة الخوف مختلف فيها عند أهل التفسير:
هل خاف موسى في تلك اللحظة،
أم خاف على قومه أن يفتنهم السحرة ويصدقوا سحرهم؟
سيدي، أنت تخلط بين قرار الاختيار في من يلقي أولا،
وبين قرار الإلقاء الفعلي بعد نزول الوحي،


فماذا أفعل لك؟
وكما أخبرتك، عند حصول وحي في موضع ما،
يذكره الله نصا أو إشارة.



انظر:
"وأوحينا إلى أم موسى"،
"وأوحى ربك إلى النحل"،
"وإذ أوحيت إلى الحواريين"،
"وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم".



ورد ذكر الوحي في أكثر من سبعين موضعا في القرآن،
اسما أو فعلا أو إشارة.


وما عدا ذلك فهو معدوم ولم يحصل،
ولو حصل لذكره الله،
إذ لا يعجزه ذلك.


ركز معي في تفاصيل القصة كمشاهد:
– قرار الاختيار في من يبدأ بالإلقاء كان لموسى.

– وقرار الإلقاء الفعلي جاء تثبيتا من الله.
فهناك إلقاء قولي، وإلقاء فعلي،
فتنبه.



ثم كيف تقول إن قرار الإلقاء ربما كان من موسى
وهو يفتقر إلى الدليل،
والآية صريحة: "قال بل ألقوا"،
ولا توجد إشارة إلى وحي في هذا الموضع؟
وتستدل بقاعدة الأصل العدم،
وقد أخبرتك بعدم حصول الوحي في الإلقاء الأول،
فأنت تعارض، فأثبت نفي العدم،
لكن لا تستدل بآية: "قلنا لا تخف"،
فهذه في الإلقاء الثاني.


أما قولك إن الكلمات لها معان كثيرة في اللغة، فهذا صحيح،
أما في القرآن فلا.


ستسأل: كيف؟
انظر إلى لفظ الوحي:
"وأوحينا إلى أم موسى"،
"وأوحى ربك إلى النحل"،
"وإذ أوحيت إلى الحواريين"،
"وإن الشياطين ليوحون".



الوحي في أصله اللغوي يعني الإلقاء،
ولا يتغير معناه،
وإنما يتغير الفهم العام لكيفية هذا الإلقاء
بحسب السياق ومن قام به.



فالشياطين يلقون،
والحواريون جاءهم الإلقاء من الله.
مشكلة أهل اللغة أنهم يضعون القرآن في ميزان اللغة العربية،
والصحيح أن توضع اللغة العربية في ميزان القرآن.
فاللفظة القرآنية لا يتغير معناها،
وإنما يتغير الفهم العام.


وكذلك قولك في: "تجري بأعيننا"،
فالتفسير بالتنزيه لا يلغي أن العين هي العين،
كما هو الحال في لفظ الوحي.
وكلمة "قروء" في اللغة تحتمل الطهر والحيض،
وهذا من وضع البشر،
أما في القرآن فلو وردت الكلمة مرتين
فلها معنى واحد،
ويتغير السياق لا اللفظ.
وجذر "قروء" هو "قرا"،
وهو قريب من معاني الطهر والاستجماع،
كما أن تركيب ألفاظ القرآن متقارب في دلالاته.


قال تعالى:
"لا يمسه إلا المطهرون".
ولا ننكر المجاز في اللغة،
لكنه من وضع البشر،
أما ألفاظ القرآن فقد قال الله عنها:
"قرآنا عربيا غير ذي عوج".
وأما عتابي لك فليس في خوف موسى،
وإنما في قولك إن خوفه كان بسبب النتيجة النهائية،
وكيف وهو يعلم أن ربه ناصره؟
فالخوف – على القول الراجح –
كان خوفا على قومه من الفتنة،
وهذا ما قال به كثير من العلماء.



وأما قاعدة الأصل العدم،
فهي قاعدة صحيحة،
لكن لا تدخل بها في مباحث عقدية
لا محل لها هنا.




قلت:
أخي الكريم،
أحيلك إلى كتاب جواهر التفسير
لسماحة الشيخ الخليلي،
ففيه جواب شاف لمسألتك.
أنت تخطئ علماء غاصوا في لغة العرب
ومعاني القرآن بكلام غير مقنع.
فالقرآن نزل بلسان عربي مبين،
وهي لغة العرب،
فإذا كان ابن عباس مخطئا في اعتماده على أشعار العرب،
فمن المصيب بعده؟
وأما استدلالك بجذر كلمة "قرء"،
فهو ناقص،
إذ تدل الكلمة على معنيين،
وهي من باب المشترك اللفظي،
كما قرره ابن فارس في معجم مقاييس اللغة.
ثم أدخلتنا في لفظ آخر وهو "الوحي"،
وهو بحث طويل لا أريد الخوض فيه
لئلا نخرج عن موضوعنا.



والخلاصة:
لا يفهم القرآن – على وجهه –
من لم يدرس لغة العرب،
والمجاز في القرآن موجود،
تدل الألفاظ فيه تارة على الحقيقة
وتارة على المجاز.


ووجود الحقيقة والمجاز
لا يطعن في القرآن،
بل هو من خصائص اللسان العربي،
والآيات الدالة على ذلك كثيرة.
وأما لفظ "قروء"،
فقد بسط ابن القيم الكلام فيه
في كتابه زاد المعاد.



فالحقيقة هي الأصل،
والمجاز له شروطه،
ولا يختلط الأمر
على من كان بصيرا باللغة.
وأما موسى عليه السلام،
فلم أقل قط إن خوفه كان من النتيجة النهائية،
فلا تنسب إلي ما لم أقله.




قلت: خاف،
فأمره الله،
وخوفه دليل على أن قرار الإلقاء
جاء وحيا من الله.
وأما قاعدة الأصل العدم،
فقد ذكرتها سابقا،
ولا حاجة لتكرارها.



وأما قولك في العين،
فالسؤال واضح:
هل العين في الآية جارحة أم لا؟
إما أن تكون هي الجارحة،
وإما أن يكون المعنى قد صرف،
ولا يصح الجمع بين الأمرين.