الموضوع: مُهاجر
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-26-2025, 10:54 AM
المشاركة 445
مُهاجر
من آل منابر ثقافية

اوسمتي

  • موجود
افتراضي رد: مُهاجر
قال:
أخي مهاجر،
أعلم أن السياق القرآني أصل من أصول علم التفسير،
لكن هذا العلم يبدأ أولا بتفسير القرآن بالقرآن،
وهذا ما ذهبتُ إليه في تفسير معنى القرار.


إذ وقفت على معنى القرار لغويا من خلال تفسير العلماء
لكل آية ورد فيها لفظ القرار، وقارنتها بآيات أخرى،
وتوصلت إلى أن القرار مجرد اسم لشيء أو مكان،
وهذا يدل على أنني اتبعت منهج التفسير بالسياق،
ولا داعي لتذكيري به.


نعم، لغة العرب معين لفهم آيات الله، ولا أحد ينكر ذلك،
أما قولك بوجوب معرفة أشعار العرب وما فيها من محسنات بديعية،
فأقول: إن القرآن ليس شعرا حتى نفهم الشعر بالشعر.
قال الله تعالى:
"إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون،
ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون".


ولا حاجة – بل لا ينبغي – تعلم الشعر لفهم القرآن،
قال الله تعالى:
"وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين".
أما منهج ابن عباس، فهو مرويات جمعها الصالحون،
ولو أن أهم مروية له فقدت وضاعت من المكتبات العربية لأسباب.
أما الدليل فقد أخبرتك به، وسأعيده:
وإن كان لك نفي لما أثبته، فتفضل،
أحتاج إلى قرآن أو سنة تنفي ما أثبته لك.

أولا:
القرار في الاستعمال الدارج اليوم هو الخيار أو الحكم الصادر،
وبعض القواميس ذكرت هذا المعنى،
لكنها نصت على أن القرار في الغالب والأعم
اسم لشيء أو اسم لمستقر ومكان بالأصل.
وحجتي في ذلك آيات الله عز وجل، وكتب التفسير تقف معي لا ضدي،
ومن الأدلة:

– قوله تعالى:
"وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى"،
أي اقررن وامكثن واسكن،
فالقرار هنا اسم لمكان، وهو البيوت،
ولا اختيار هنا، فالاختيار سبق القرار.

– قوله تعالى:
"ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار"،
أي اقتلعت من مكان، فلم يعد لها مستقر،
فالقرار هنا أيضا اسم مكان.

– قوله تعالى:
"ثم جعلناه نطفة في قرار مكين"،
أي في مكان مكين، وهو رحم المرأة،
ولا اختيار هنا.

– قوله تعالى:
"قالوا لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار"،
أي المكان الذي استقر فيه الكفرة، وهو جهنم،
فهو اسم مكان كذلك.
وهذه أمثلة تبين أن لفظ القرار في القرآن
يدل على الشيء أو المكان،
ولا يدل على الخيار.

والألفاظ – من حيث معناها – لا تتغير،
وإنما الذي يتغير هو الفهم العام للتفسير.

قال الله تعالى:
"أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".


وهنا موطن الخلاف:
أثبت لي أن لفظ القرار يدل على الاختيار،
حتى أعتذر من الجميع.
أما قولك إن من قال إن القرآن نزل بلسان عربي يناقض نفسه،
فهذا غير صحيح،

قال الله تعالى:
"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين
بلسان عربي مبين"
.
أما المحسنات البديعية من طباق وجناس وسجع وغيرها،
فأنا على علم بها.
وقوله تعالى:
"يد الله فوق أيديهم"،
فقد فسر بالمجاز عند من قال بذلك،
أي أن يد الله بالوفاء فوق أيديهم.
لكن الخلاف:
لماذا يُنفى المجاز عن أسماء وصفات الله في مواضع،
ويُثبت في مواضع أخرى؟
وما الضابط في ذلك؟
وأنا لا أتحدث عن الصفات،
بل عن اللفظة القرآنية،
فمعناها لا يتبدل،
وإنما يتغير الفهم العام للآية.
وكذلك قوله تعالى:
"تجري بأعيننا"،
فالتفسير: بمرأى منا وبأمرنا،
لكن الألفاظ نفسها لا تتغير.
وأنا لم أقل إنني أفهم القرآن دون فهم اللغة العربية،
ولا تضع على لساني ما لم أقله،
لكنني لا أرى ضرورة دراسة الشعر
لتفسير كلام الله،
فالقرآن قرآن لا شعر ولا نثر.
وأما قوله تعالى:
"كأنما يصعد في السماء"،
و"ناصية كاذبة خاطئة"،
فالحقيقة العلمية أثبتت المعنى،
ولا حاجة لادعاء المجاز عند الجهل بالمعنى.
أما آيتا الإملاق:
"من إملاق" و"خشية إملاق"،
فالمعنى اللغوي للإملاق واحد، وهو الفقر،
وإنما اختلف السياق، لا اللفظ.
وكذلك قوله:
"اسلك يدك" و"أدخل يدك"،
فاليد هي اليد،
وإنما جاء اللفظ وفق جو السورة.




قلت:
سيدي الكريم،
كلامي جاء ردا على قولك:
"لا أريد دليلا بالمثال"،
فارجع إلى ما كتبته لك.
أما القرار، فحديثنا عن القرار
الذي يتخذه الإنسان،
أي ما استقر في ذهنه بعد الاختيار.
وما ذكرته من آيات
كان بجعل من الله،
وليس قرارا يملكه الإنسان.
فاستقرار الحمل، مثلا،
ليس بقرار بشري،
وإنما هو بقدرة الله وحده.


وأما الإلقاء، فقد جاء بأمر صريح:
"أن ألق عصاك"،
و"وألق ما في يمينك".
وقد جاء الأمر بعد خوف موسى عليه السلام،
قال تعالى:
"قلنا لا تخف وألق ما في يمينك".
فلو كان القرار واضحا عنده،
لما احتاج إلى وحي.



وخلاصة الأمر:
القرار هو ما يستقر عليه الإنسان
بعد مسألة اختيار،
ولا تعارض بين القرار والاختيار.
فالقرار لا بد أن يمر بالاختيار
في الأمور الاجتهادية والظنية،
ولهذا شُرعت الاستخارة.


وختاما:
أعتذر منك إن قلت إن في كلامك
حاجة إلى تصحيح وإيضاح،
ولا أقول ذلك غرورا،
بل من باب بيان الواقع.
وأعتذر من الجميع
لإدخالهم في نقاش طويل
بعيد عن بساطة الموضوع،
الذي لا يستدعي كل هذا التشريح والتفصيل.