![]() |
الْحُكْمُ الْإِسْلَامِيُّ لِلْأَنْدَلُسِ (٩٢هـ–٨٩٧هـ) (٧١١م–١٤٩٢م)
بسم الله الرحمن الرحيم
https://up6.cc/2026/11/179374240670481.jpeg نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس من سقوط الخلافة الأموية سنة 422هـ إلى سقوط غرناطة سنة 897هـ المقدمة بدأ الفتح الإسلامي للأندلس سنة 92هـ/711م، عندما عبر القائد طارق بن زياد مضيق جبل طارق بجيش المسلمين في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، وبإشراف موسى بن نصير والي إفريقية. وانتصر المسلمون على القوط بقيادة الملك لذريق في معركة وادي لكة، ثم واصلوا تقدمهم ففتحوا قرطبة وطليطلة وإشبيلية ومناطق واسعة من شبه الجزيرة الإيبيرية. وفي العام التالي وصل موسى بن نصير إلى الأندلس، وشارك في استكمال الفتوحات، حتى خضعت معظم البلاد للحكم الإسلامي، باستثناء بعض المناطق الجبلية الشمالية. وامتد الحكم الإسلامي في الأندلس من عام 92هـ/711م إلى عام 897هـ/1492م، أي نحو 781 عاماً ميلادياً، وهي الفترة الممتدة من عبور طارق بن زياد إلى الأندلس حتى تسليم غرناطة وسقوط آخر مملكة إسلامية مستقلة في شبه الجزيرة الإيبيرية. وامتدت الحملات الإسلامية إلى جنوب فرنسا، حيث دخل المسلمون مدناً مثل نربونة، وخاضوا معارك عدة، من أبرزها معركة تولوز سنة 721م، ثم معركة بلاط الشهداء قرب بواتييه سنة 732م، التي انتهت بهزيمة المسلمين ومقتل قائدهم عبد الرحمن الغافقي، دون أن تنهي وجودهم في جنوب فرنسا. ظلت الأندلس ولاية تابعة للخلافة الأموية في دمشق حتى سقوط الدولة الأموية سنة 132هـ/750م، وبعدها وصل عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس، وانتصر على يوسف الفهري سنة 138هـ/756م، وأسس الإمارة الأموية المستقلة في قرطبة. وفي عهد عبد الرحمن الداخل وخلفائه، عمل الأمراء على إعادة توحيد المناطق التي خرجت عن سلطة الدولة بسبب الثورات والانقسامات، كما شهدت الحدود الشمالية تغيرات مستمرة نتيجة الحروب مع الممالك المسيحية. ثم بلغت الدولة ذروة قوتها في عهد عبد الرحمن الثالث، الذي أعاد إخضاع مناطق واسعة وأعلن قيام الخلافة الأموية سنة 316هـ/929م، وتواصل الازدهار في عهد ابنه الحكم المستنصر، حتى أصبحت قرطبة مركزاً سياسياً وعلمياً وحضارياً بارزاً. لكن الصراعات على السلطة بعد وفاة الحاجب المنصور بن أبي عامر سنة 392هـ/1002م أدت إلى اضطرابات وفتن داخلية أضعفت الدولة، وانتهت بإلغاء الخلافة الأموية سنة 422هـ/1031م، فانقسمت الأندلس إلى ممالك وإمارات مستقلة عُرفت باسم ملوك الطوائف، ومن أبرزها إشبيلية وغرناطة وطليطلة وسرقسطة وبطليوس وألمرية. وبانتهاء الخلافة الأموية بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الأندلس، اتسمت بتفرق القوى الإسلامية وتنافسها، ثم تعاقبت عليها دول وحركات سياسية وعسكرية حتى انتهى الحكم الإسلامي بسقوط مملكة غرناطة سنة 897هـ/1492م. وفيما يلي نستعرض هذه المرحلة، بدءاً من ملوك الطوائف، مروراً بدولتي المرابطين والموحدين، ثم مملكة غرناطة النصرية، وصولاً إلى نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس. أولاً: عصر ملوك الطوائف (422–484هـ تقريباً / 1031–1091م) 1. قيام ممالك الطوائف بعد إلغاء الخلافة الأموية سنة 422هـ/1031م، لم تعد الأندلس خاضعة لحاكم واحد، بل انقسمت إلى دويلات وممالك مستقلة، نشأت نتيجة ضعف السلطة المركزية وتنافس قادة الجيش والولاة والأسر المحلية على الحكم. وكانت أبرز هذه الممالك: • إشبيلية: حكمها بنو عباد، وكان من أشهر ملوكها المعتضد بالله والمعتمد بن عباد. • غرناطة: حكمها بنو زيري، ومن أبرز حكامها باديس بن حبوس. • طليطلة: حكمها بنو ذي النون، ومن أشهرهم المأمون يحيى بن ذي النون. • سرقسطة: حكمها بنو هود، وكانت من أهم ممالك الشمال الشرقي. • بطليوس: حكمها بنو الأفطس. • ألمرية: حكمها بنو صمادح. • بلنسية: تعاقبت عليها قوى وأسر حاكمة مختلفة. 2. الصراعات بين ملوك الطوائف لم تكن ممالك الطوائف متحدة في مواجهة خصومها، بل دخلت في حروب متكررة فيما بينها، وسعى كل ملك إلى توسيع مملكته على حساب جيرانه. وأدى هذا التنافس إلى إضعاف القوة العسكرية والسياسية للمسلمين، كما لجأ بعض ملوك الطوائف إلى الاستعانة بالممالك المسيحية ضد خصومهم المسلمين، ودفعوا لها الأموال التي عُرفت باسم الجزية أو الإتاوات (البارية) مقابل تجنب الهجمات أو الحصول على الدعم. وفي المقابل، استغلت الممالك المسيحية هذا الانقسام لتوسيع نفوذها جنوباً، وأصبحت مملكة قشتالة من أبرز القوى التي تهدد الأراضي الإسلامية. 3. سقوط طليطلة سنة 478هـ/1085م كان سقوط طليطلة من أخطر الأحداث في عصر الطوائف؛ فقد استولى عليها الملك ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون سنة 478هـ/1085م، بعد حصار وضغوط سياسية وعسكرية. وكانت طليطلة مدينة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تقع في وسط شبه الجزيرة الإيبيرية، وكان سقوطها مؤشراً واضحاً على تراجع القوة الإسلامية. وأثار سقوطها مخاوف ملوك الطوائف، ولا سيما المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية، الذي أدرك أن قشتالة قد تتجه بعد ذلك إلى بقية الممالك الإسلامية. 4. الاستعانة بالمرابطين أمام التهديد القشتالي، قرر المعتمد بن عباد وعدد من ملوك الطوائف طلب المساعدة من دولة المرابطين في المغرب، التي كانت قد بسطت نفوذها على مناطق واسعة من شمال غرب إفريقيا. وكان يقود المرابطين الأمير يوسف بن تاشفين، فعبر إلى الأندلس بجيشه لمواجهة الخطر القشتالي. 5. معركة الزلاقة سنة 479هـ/1086م وقعت معركة الزلاقة سنة 479هـ/1086م بالقرب من بطليوس، بين جيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين وجيوش قشتالة بقيادة ألفونسو السادس، وانضم إلى المرابطين جيش المعتمد بن عباد وقوات من ملوك الطوائف. وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، وتكبد جيش قشتالة خسائر كبيرة، واضطر ألفونسو السادس إلى الانسحاب. وكان لهذا الانتصار أثر كبير في إيقاف التقدم القشتالي مؤقتاً، لكنه لم يُنهِ خطر الممالك المسيحية، كما لم يُعِد الوحدة السياسية إلى الأندلس. 6. تحول المرابطين من حلفاء إلى حكام للأندلس بعد انتصار الزلاقة، عاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب، لكنه عاد إلى الأندلس مرة أخرى عندما رأى استمرار الصراعات بين ملوك الطوائف، وتزايد الخطر القشتالي. ومع مرور الوقت، قرر المرابطون إنهاء حكم ملوك الطوائف وضم مناطقهم إلى دولتهم، فبدأوا بإسقاط الممالك واحدة تلو الأخرى. وكان المعتمد بن عباد آخر أبرز ملوك الطوائف الذين قاوموا هذا التوسع، لكنه هُزم وأُسر، ونُقل إلى المغرب حيث توفي في منفاه بمدينة أغمات سنة 488هـ/1095م تقريباً. وبحلول سنة 484هـ/1091م تقريباً، كان المرابطون قد ضموا إشبيلية، ثم استكملوا إخضاع معظم ممالك الطوائف، وأصبحت الأندلس جزءاً من الدولة المرابطية التي امتد حكمها على جانبي مضيق جبل طارق. النتيجة: انتهى عصر ملوك الطوائف الأول، وعادت معظم الأراضي الإسلامية في الأندلس إلى سلطة سياسية موحدة، لكنها أصبحت تابعة لدولة مركزها المغرب. ثانياً: حكم دولة المرابطين في الأندلس (نحو 484–539هـ / 1091–1145م) 1. يوسف بن تاشفين وتوحيد الأندلس يوسف بن تاشفين: مؤسس القوة المرابطية التي وحدت معظم الأندلس والمغرب. أصبح يوسف بن تاشفين الحاكم الفعلي للأندلس بعد ضم ممالك الطوائف، واتخذ المرابطون من مراكش عاصمة لدولتهم، مع إدارة الأندلس بواسطة الولاة والقادة. ومن أبرز أعمال المرابطين: • إنهاء الانقسام السياسي الذي خلفه ملوك الطوائف. • توحيد معظم المناطق الإسلامية في الأندلس تحت سلطة واحدة. • مواصلة الحرب ضد قشتالة والممالك المسيحية. • تعزيز الوجود العسكري في المدن والحصون الحدودية. • ربط الأندلس بالمغرب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. 2. معركة أقليش سنة 501هـ/1108م وقعت معركة أقليش في عهد علي بن يوسف بن تاشفين، وانتهت بانتصار المرابطين على قوات قشتالة، وقُتل فيها عدد من كبار القادة القشتاليين. وكان لهذا الانتصار أثر في الحد من التقدم القشتالي في تلك المرحلة، وأثبت استمرار القوة العسكرية المرابطية في الأندلس. 3. بداية ضعف المرابطين على الرغم من نجاح المرابطين في توحيد الأندلس، بدأت دولتهم تواجه مشكلات داخلية وخارجية، منها: • اتساع رقعة الدولة وصعوبة إدارة أقاليمها. • تراجع قوة بعض الولاة والقادة. • تصاعد الثورات والاضطرابات في الأندلس. • ظهور حركة الموحدين في المغرب، التي بدأت تنازع المرابطين على الحكم. • استعادة بعض المدن استقلالها، وعودة الانقسام السياسي في أجزاء من الأندلس. وفي هذه الأجواء ظهرت مرحلة جديدة من ملوك الطوائف، عُرفت بملوك الطوائف الثانية، إذ انفصلت بعض المدن والأقاليم عن سلطة المرابطين خلال النصف الأول من القرن السادس الهجري. 4. نهاية الحكم المرابطي وصعود الموحدين بدأ نفوذ المرابطين يتراجع في المغرب والأندلس مع صعود حركة الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي، الذي نجح في الاستيلاء على مراكش سنة 541هـ/1147م، منهياً الحكم المرابطي في عاصمته. وبعد ذلك امتد نفوذ الموحدين إلى الأندلس، وأخضعوا معظم المناطق الإسلامية فيها، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة. ثالثاً: دولة الموحدين في الأندلس (نحو 541–629هـ / 1147–1232م) 1. تأسيس دولة الموحدين ظهرت حركة الموحدين في المغرب على يد محمد بن تومرت، ثم تولى قيادتها بعد وفاته عبد المؤمن بن علي، الذي أسس دولة قوية امتد نفوذها في المغرب والأندلس. وكان الموحدون يهدفون إلى توحيد بلاد المغرب والأندلس تحت سلطة مركزية واحدة، فدخلوا الأندلس تدريجياً، واتخذوا إشبيلية مركزاً مهماً لإدارة شؤونها. 2. توحيد الأندلس في عهد عبد المؤمن عمل عبد المؤمن بن علي على إخضاع المدن والأقاليم التي كانت قد خرجت عن سلطة المرابطين، وتمكن الموحدون من بسط نفوذهم على معظم المناطق الإسلامية في الأندلس. وشهدت هذه الفترة نشاطاً عمرانياً وعلمياً، ومن أبرز معالمها الاهتمام بالمساجد والحصون والمنشآت، ومن أشهر الآثار المرتبطة بالعصر الموحدي جامع إشبيلية ومئذنته التي أصبحت لاحقاً برج الخيرالدا. 3. معركة الأرك سنة 591هـ/1195م من أبرز انتصارات الموحدين في الأندلس. وقعت معركة الأرك في عهد الخليفة الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور، بين جيش الموحدين بقيادته وجيش قشتالة بقيادة الملك ألفونسو الثامن. وانتهت المعركة بانتصار كبير للموحدين، وتعرض الجيش القشتالي لخسائر شديدة، مما أوقف تقدمه مؤقتاً وأعاد للموحدين نفوذهم العسكري في شبه الجزيرة الإيبيرية. 4. معركة العقاب سنة 609هـ/1212م هزيمة كبرى للموحدين أمام تحالف من الممالك المسيحية. وقعت معركة العقاب، المعروفة أيضاً باسم لاس نافاس دي تولوسا، بين جيش الموحدين بقيادة الخليفة محمد الناصر، وتحالف مسيحي ضم قشتالة وأراغون ونافارا. وانتهت المعركة بهزيمة الموحدين، وكانت لها آثار عسكرية وسياسية كبيرة، إذ أضعفت هيبة الدولة وأظهرت تراجع قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في الأندلس. لكن من المهم التنبيه إلى أن الهزيمة لم تؤدِّ إلى سقوط الأندلس كلها مباشرة، ولم تنتهِ دولة الموحدين في العام نفسه؛ بل استمرت الدولة فترة أخرى، بينما أخذت المدن الإسلامية تفقد استقلالها أو تقع تحت سيطرة الممالك المسيحية تدريجياً. 5. سقوط المدن الإسلامية الكبرى بعد تراجع قوة الموحدين، تسارعت خسارة المدن الإسلامية في الأندلس، ومن أبرزها: • قرطبة سنة 633هـ/1236م: استولى عليها فرناندو الثالث ملك قشتالة، وكانت من أهم مراكز الحكم الإسلامي منذ تأسيس الإمارة الأموية. • بلنسية سنة 636هـ/1238م: سقطت في يد خايمي الأول ملك أراغون. • جيان سنة 643هـ/1246م: دخلت تحت سيطرة قشتالة. • إشبيلية سنة 646هـ/1248م: استولى عليها فرناندو الثالث بعد حصار طويل، وكانت من آخر المدن الإسلامية الكبرى في وسط وجنوب الأندلس. وأدى سقوط هذه المدن إلى انكماش الأراضي الإسلامية بصورة كبيرة، حتى لم يبقَ للمسلمين كيان سياسي مستقل رئيسي سوى مملكة غرناطة في الجنوب. 6. انهيار دولة الموحدين تزامن فقدان الموحدين للأندلس مع اضطراباتهم في المغرب، وتنازع السلطة بين خلفائهم، وصعود قوى سياسية جديدة في شمال إفريقيا. وبحلول النصف الأول من القرن السابع الهجري، تفككت سلطتهم في الأندلس، وظهرت إمارات محلية جديدة، كان من أبرزها إمارة غرناطة التي أسسها بنو نصر. رابعاً: مملكة غرناطة النصرية (635–897هـ / 1238–1492م) آخر دولة إسلامية في الأندلس. 1. تأسيس مملكة غرناطة بعد انهيار سلطة الموحدين، ظهر محمد بن يوسف بن نصر، المعروف باسم ابن الأحمر، الذي أسس الدولة النصرية واتخذ غرناطة عاصمة له سنة 635هـ/1238م تقريباً. وأصبحت غرناطة آخر مملكة إسلامية مستقلة في شبه الجزيرة الإيبيرية، وامتد نفوذها في بدايتها إلى غرناطة ومالقة وألمرية وأجزاء من المناطق المجاورة. وكانت المملكة أصغر بكثير من الدول الإسلامية السابقة، إذ لم تعد تسيطر على قرطبة أو إشبيلية أو طليطلة أو بلنسية، التي أصبحت تحت حكم الممالك المسيحية. 2. محمد الأول ابن الأحمر وتثبيت الحكم عمل محمد الأول على تثبيت أركان مملكته، وتنظيم إدارتها وجيشها، وتحصين مدنها وقلاعها، كما اتبع سياسة تقوم على الموازنة بين القوى المحيطة به. واضطر إلى عقد اتفاقات مع قشتالة، ومن بينها الاعتراف بالتبعية السياسية ودفع الجزية في بعض الفترات، مقابل المحافظة على استقلال مملكته الداخلي. كما استعان بعض ملوك غرناطة بالقوى الإسلامية في المغرب، ولا سيما دولة بني مرين، لمواجهة الضغط العسكري القشتالي. 3. ازدهار غرناطة وبناء قصر الحمراء على الرغم من صغر مساحة المملكة والضغوط العسكرية التي تعرضت لها، شهدت غرناطة ازدهاراً عمرانياً وثقافياً. ومن أبرز مظاهر ذلك بناء وتوسعة قصر الحمراء، الذي أصبح مقراً للحكم ومدينة ملكية محصنة، وضم القصور والساحات والحدائق والنافورات، وزُين بالنقوش العربية والزخارف الهندسية. ومن أشهر سلاطين بني نصر الذين ارتبطت أسماؤهم بعمران الحمراء: • إسماعيل الأول. • يوسف الأول. • محمد الخامس. كما برز في غرناطة علماء وأدباء ومؤرخون، من أشهرهم لسان الدين بن الخطيب وابن خلدون الذي أقام فيها فترة من حياته. 4. معركة وادي سالادو سنة 741هـ/1340م وقعت معركة وادي سالادو سنة 741هـ/1340م بين تحالف من القوات القشتالية والبرتغالية من جهة، والقوات المرينية والغرناطية من جهة أخرى. وانتهت بانتصار التحالف القشتالي البرتغالي، وكانت من المعارك المهمة التي أضعفت قدرة القوى الإسلامية على التدخل العسكري الواسع في شبه الجزيرة الإيبيرية. ومع ذلك، لم تسقط غرناطة بعد المعركة، بل استمرت الدولة النصرية أكثر من قرن ونصف، معتمدة على التحصينات والدبلوماسية والموازنة بين القوى المحيطة بها. 5. استمرار مملكة غرناطة رغم تراجع الأراضي الإسلامية خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين، حافظت غرناطة على وجودها السياسي، رغم تقلص مساحتها وتعرضها للحروب والحصار والضغوط الاقتصادية. وكانت المملكة تستفيد أحياناً من الخلافات الداخلية بين الممالك المسيحية، كما استفادت من العلاقات التجارية والدبلوماسية مع دول البحر المتوسط وشمال إفريقيا. لكن الصراعات على العرش داخل الأسرة النصرية أضعفت استقرار الدولة، وأصبحت الخلافات بين الأمراء عاملاً مهماً في تراجع قدرتها على مواجهة قشتالة. خامساً: سقوط مملكة غرناطة ونهاية الحكم الإسلامي سنة 897هـ/1492م 1. اتحاد قشتالة وأراغون في سنة 1469م تزوج فرناندو الثاني، ولي عهد أراغون، من إيزابيلا الأولى، وريثة قشتالة، وأسهم هذا الزواج في توحيد القوتين الملكيتين سياسياً وعسكرياً، رغم احتفاظ كل مملكة بمؤسساتها الخاصة. وأدى هذا الاتحاد إلى توفير قوة عسكرية وموارد أكبر لمواجهة مملكة غرناطة، التي كانت تعاني في الوقت نفسه من الانقسامات الداخلية. 2. بداية حرب غرناطة سنة 887هـ/1482م بدأت الحرب النهائية على مملكة غرناطة سنة 1482م، في عهد السلطان أبي الحسن علي، الذي واجه هجمات قشتالة وأراغون. وفي الفترة نفسها اندلع صراع داخل الأسرة النصرية، إذ ثار ابنه محمد الثاني عشر، المعروف باسم أبي عبد الله الصغير، على والده، وأدى ذلك إلى انقسام المملكة بين أنصار الأب والابن، ثم دخل عمهما محمد الزغل في الصراع على الحكم. وأصبحت غرناطة تواجه حرباً خارجية من الممالك المسيحية وصراعاً داخلياً على السلطة في الوقت نفسه. 3. سقوط المدن والحصون الغرناطية استغلت قشتالة الانقسام الداخلي وبدأت الاستيلاء على المدن والحصون التابعة لمملكة غرناطة، وكان سقوط المدن متتابعاً: • رندة سنة 892هـ/1487م تقريباً: سقطت بعد حملة عسكرية وحصار قشتالي. • مالقة سنة 892هـ/1487م: سقطت بعد حصار شديد استمر أشهراً، وكانت من أهم موانئ المملكة. • بسطة سنة 894هـ/1489م: سقطت بعد حصار طويل. • ألمرية سنة 894هـ/1489م: دخلت تحت سيطرة القوات القشتالية. • وادي آش سنة 894هـ/1489م: سقطت ضمن المراحل الأخيرة من توسع قشتالة في أراضي غرناطة. وبذلك لم يبقَ من المملكة سوى غرناطة ومحيطها، وأصبحت المدينة محاصرة سياسياً وعسكرياً. 4. حصار غرناطة سنة 896هـ/1491م بعد سقوط معظم المدن التابعة للمملكة، اتجه فرناندو وإيزابيلا إلى حصار غرناطة نفسها. واستمر الحصار أشهراً، وأقام القشتاليون معسكراً دائماً قرب المدينة، عُرف باسم سانتا فيه، ليكون قاعدة لإدارة العمليات العسكرية ومراقبة طرق الإمداد. ومع استمرار الحصار ونقص الإمدادات وتراجع القدرة العسكرية، دخل أبو عبد الله الصغير في مفاوضات لتسليم المدينة، وانتهت المفاوضات بتوقيع اتفاقية تسليم غرناطة في 25 نوفمبر 1491م. 5. تسليم غرناطة في 2 يناير 1492م في 2 يناير 1492م دخل فرناندو وإيزابيلا مدينة غرناطة، وتسلمت القوات القشتالية مفاتيح المدينة من أبي عبد الله الصغير، آخر حكام بني نصر. وبهذا انتهى الحكم الإسلامي السياسي في الأندلس بعد نحو ثمانية قرون من الوجود الإسلامي، بدأت بعبور طارق بن زياد سنة 711م وانتهت بسقوط غرناطة سنة 1492م. وغادر أبو عبد الله الصغير غرناطة لاحقاً متوجهاً إلى المغرب، لتنتهي بذلك سلالة بني نصر التي حكمت آخر مملكة إسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية. سادساً: ماذا حدث للمسلمين بعد سقوط غرناطة؟ لم يؤدِّ سقوط غرناطة إلى اختفاء المسلمين من إسبانيا فوراً، بل بقي عدد كبير منهم في البلاد بموجب شروط التسليم التي تضمنت ضمانات تتعلق بالدين والعبادة والممتلكات والقضاء. لكن هذه الضمانات لم تستمر على حالها؛ فقد تصاعدت سياسات التنصير والضغط الديني، ووقعت اضطرابات وثورات، ثم فُرض التنصير على المسلمين في قشتالة وأراغون خلال أوائل القرن السادس عشر. وشهدت هذه المرحلة انتهاكات جسيمة ارتبطت بمحاكم التفتيش الإسبانية، التي أُنشئت سنة 1478م، أي قبل سقوط غرناطة. وبعد سقوطها، اتسعت ملاحقة المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية قسراً، وخصوصاً الموريسكيين؛ فتعرض كثير منهم للاستجواب والتعذيب والسجن ومصادرة الممتلكات، كما حوكموا بتهم تتعلق بممارسة الشعائر الإسلامية سراً أو المحافظة على عاداتهم ولغتهم. وفي بعض الحالات صدرت أحكام بالإعدام، وكان المحكومون يُسلّمون إلى السلطات المدنية لتنفيذها، بما في ذلك الإعدام حرقاً. وأسهمت هذه السياسات في بث الخوف وتفكيك المجتمعات المسلمة، ومهدت لقرارات طرد الموريسكيين من إسبانيا بين عامي 1609م و1614م تقريباً. وعُرف المسلمون الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية باسم الموريسكيين، واستمر وجودهم في إسبانيا حتى صدرت قرارات طردهم في الفترة ما بين 1609 و1614م تقريباً. وهكذا انتهى الحكم الإسلامي السياسي سنة 1492م، لكن الوجود السكاني والثقافي الإسلامي لم ينتهِ في ذلك التاريخ مباشرة. الخلاصة التاريخية يمكن تقسيم المرحلة الممتدة من سقوط الخلافة الأموية إلى سقوط غرناطة إلى أربع مراحل رئيسية: • ملوك الطوائف (422–484هـ تقريباً): انقسام الأندلس إلى ممالك مستقلة، ثم سقوطها تباعاً أمام المرابطين. • دولة المرابطين (نحو 484–541هـ): توحيد معظم الأندلس تحت حكم قادم من المغرب، ثم تراجع الدولة وصعود الموحدين. • دولة الموحدين (نحو 541–629هـ): إعادة توحيد مناطق واسعة من الأندلس، ثم الهزيمة في معركة العقاب وتراجع النفوذ الإسلامي وسقوط المدن الكبرى. • مملكة غرناطة النصرية (635–897هـ): آخر كيان إسلامي مستقل في الأندلس، استمر أكثر من 250 عاماً، وانتهى بسقوط غرناطة سنة 1492م. المصادر والمراجع للتوسع والتحقق من الأحداث والتواريخ، يمكن الرجوع إلى المصادر التاريخية والدراسات الحديثة التالية: المصادر التاريخية: • ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. • ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة. • ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر. • المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. الدراسات والمراجع الحديثة: • محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس. • حسين مؤنس، فجر الأندلس وتاريخ المسلمين في الأندلس. • Adela Fábregas García, Nasrids of Granada, Oxford Bibliographies. • The Metropolitan Museum of Art, The Art of the Nasrid Period (1232–1492). • المعهد الجغرافي الوطني الإسباني، Historical Overview: The Muslim Presence in Spain (711–1492). تنبيه تاريخي: بعض التواريخ الهجرية تختلف بيوم أو أكثر عند تحويلها إلى الميلادية، كما أن انتقال السلطة بين المرابطين والموحدين، وبين الموحدين وممالك الطوائف، لم يكن حدثاً واحداً في جميع مدن الأندلس؛ بل جرى تدريجياً على مراحل. |
| الساعة الآن 05:54 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.