![]() |
جبل كي 2
بسم الله الرحمن الرحيم
https://up6.cc/2026/10/179322769333311.jpg يقف جبل كي 2 شامخًا على ارتفاع 8611 مترًا فوق مستوى سطح البحر، ليحتل المرتبة الثانية بين أعلى قمم العالم بعد جبل إيفرست. ويقع في سلسلة جبال قراقرم، على الحدود بين باكستان والصين، ضمن واحدة من أكثر المناطق الجبلية وعورة في آسيا. وعلى الرغم من أن إيفرست يتفوق عليه في الارتفاع، فإن كي 2 اكتسب شهرة واسعة بسبب صعوبة تسلقه وخطورة مساراته وتقلبات الطقس الشديدة. فالاقتراب من قمته يتطلب اجتياز منحدرات صخرية وجليدية حادة، ومواجهة نقص الأكسجين والرياح القوية والانهيارات الثلجية، كما أن إنقاذ المصابين أو إجلاء المتسلقين من المناطق العليا قد يكون بالغ الصعوبة. ولهذه الأسباب، ارتبط تاريخ الجبل بإنجازات استثنائية ومحاولات فاشلة وحوادث أودت بحياة متسلقين من جنسيات مختلفة. وتكشف قصته عن حدود قدرة الإنسان على مواجهة البيئات الطبيعية القاسية، حتى مع تطور المعدات ووسائل التنبؤ بالطقس. اكتشاف الجبل وتسميته دخل جبل كي 2 السجلات الجغرافية الحديثة عام 1856، عندما كان المسّاح البريطاني توماس مونتغمري يعمل ضمن مشروع المسح المثلثاتي العظيم في الهند. رصد مونتغمري قممًا في سلسلة قراقرم من مسافة بعيدة، وسجّل إحداها بالرمز K2، مستخدمًا الحرف K للدلالة على قراقرم والرقم الثاني لتمييز القمة في أعمال المسح. لم يكن الاسم وصفًا لشكل الجبل، بل رمزًا مساحيًا استمر استخدامه حتى أصبح الاسم العالمي المعروف. وتُستخدم أيضًا تسمية «تشوغوري» في بعض المصادر، وهي مرتبطة بتسميات محلية للجبل. وفي عام 1861، اقتربت بعثة بقيادة هنري هافرشام غودوين أوستن من المنطقة، وأسهمت في استكشاف الأنهار الجليدية المحيطة بالجبل ورسم خرائطها. وبعد ذلك، تتابعت البعثات الاستكشافية التي حاولت دراسة تضاريسه وتحديد الطرق الممكنة للوصول إلى قمته. وفي عام 1909، قاد دوق أبروتسي الإيطالي بعثة مهمة درست الجبل من جهات مختلفة، وحددت الحافة الجنوبية الشرقية باعتبارها أحد المسارات الممكنة للتسلق. وأصبحت هذه الطريق تُعرف لاحقًا باسم حافة أبروتسي، وهي الطريق التقليدية الأكثر استخدامًا للوصول إلى القمة. المحاولات الأولى للوصول إلى القمة بدأت محاولات تسلق كي 2 في وقت كانت فيه معدات تسلق الجبال محدودة مقارنة بالمعدات الحديثة، كما كانت وسائل الاتصال والتنبؤ بالطقس والإمدادات الطبية أقل تطورًا. في عام 1902، قاد أوسكار إكنشتاين بعثة تسلق شارك فيها أليستر كراولي وآخرون. وتمكن أفرادها من بلوغ ارتفاع يقارب 6500 متر، لكن الظروف الجوية وصعوبات الطريق حالت دون استمرار المحاولة حتى القمة. وفي عام 1909، وصلت بعثة دوق أبروتسي إلى ارتفاع يقارب 6250 مترًا. ورغم أنها لم تحقق الصعود الكامل، فإنها قدمت معلومات مهمة عن التضاريس، وساعدت في تحديد الطريق الذي سيصبح أشهر مسارات الجبل. وخلال ثلاثينيات القرن العشرين، وصلت بعثات أمريكية إلى ارتفاعات أكبر. ففي عام 1939، اقترب المتسلق فريتز فيسنر من القمة، لكنه اضطر إلى التراجع بسبب ظروف الرحلة ومشكلات الإمداد والطقس، وانتهت البعثة بمأساة فقد خلالها عدد من المشاركين حياتهم. وفي عام 1953، وصلت بعثة أمريكية بقيادة تشارلز هيوستن إلى ارتفاعات شاهقة، لكنها اضطرت إلى إلغاء محاولة القمة بعد مرض المتسلق آرت غيلكي. وأثناء الانسحاب، تمكن بيت شونينغ من منع سقوط عدد من زملائه بحركة إنقاذ شهيرة عُرفت باسم «التثبيت البطولي». ومع ذلك، فُقد غيلكي لاحقًا في انهيار جليدي. أظهرت تلك المحاولات أن الوصول إلى القمة ليس التحدي الوحيد؛ فالعودة الآمنة قد تكون أصعب من الصعود نفسه. أول صعود ناجح إلى كي 2 في 31 يوليو 1954، نجحت بعثة إيطالية بقيادة الجيولوجي أرديتو ديسيو في الوصول إلى القمة للمرة الأولى. وكان المتسلقان أخيلي كومبانيوني ولينو لاتزديلي أول من بلغا قمة كي 2، مستخدمين طريق حافة أبروتسي. جاء الإنجاز بعد أسابيع من إنشاء المعسكرات المرتفعة ونقل المعدات والأكسجين إلى مواقع يصعب الوصول إليها. ولم يكن النجاح نتيجة جهد المتسلقين اللذين وصلا إلى القمة وحدهما، بل اعتمد أيضًا على جهود بقية أفراد البعثة ومن ساعدوا في نقل الإمدادات إلى المرتفعات. لكن الرحلة لم تخلُ من الجدل. فقد نشأ خلاف طويل بشأن دور والتر بوناتي وحامل الإمدادات الباكستاني أمير مهدي، اللذين نقلا أسطوانات الأكسجين إلى ارتفاع شاهق واضطرا إلى قضاء ليلة في العراء. وارتبط الخلاف بمكان المعسكر المتقدم وظروف تسليم الأكسجين، واستمر الجدل سنوات طويلة قبل أن تتغير الرواية الرسمية في ضوء مراجعات لاحقة. ومع ذلك، ظل يوم 31 يوليو 1954 التاريخ الذي تحقق فيه أول صعود ناجح إلى ثاني أعلى قمة في العالم. من تسلق كي 2 بعد ذلك؟ لم تحدث المحاولة الناجحة الثانية إلا في عام 1977، عندما وصلت بعثة يابانية إلى القمة، وكان أشرف أمان أول باكستاني ينجح في بلوغها. وفي عام 1978، نجحت بعثة أمريكية في الوصول إلى القمة عبر طريق جديد، وأسهمت هذه الرحلات في توسيع المعرفة بطرق التسلق الممكنة. وفي العقود التالية، وصل متسلقون من دول عديدة إلى القمة، لكن ذلك لم يجعل الجبل آمنًا؛ إذ بقيت الظروف الجوية والتضاريس من أهم مصادر الخطر. وفي عام 1986، أصبحت واندا روتكيفيتش أول امرأة تصل إلى قمة كي 2، محققة إنجازًا بارزًا في تاريخ تسلق الجبال. غير أن ذلك الموسم نفسه شهد سلسلة من الحوادث المميتة، وأصبح أحد أكثر المواسم مأساوية في تاريخ الجبل. وفي عام 2004، وصلت المتسلقة النمساوية غيرلينده كالتنبرونر إلى قمة كي 2، قبل أن تكمل لاحقًا تسلق القمم الأربع عشرة التي يتجاوز ارتفاعها ثمانية آلاف متر من دون استخدام الأكسجين الإضافي. أما في 16 يناير 2021، فقد حقق فريق من عشرة متسلقين نيباليين أول صعود شتوي ناجح إلى القمة. وكان كي 2 آخر القمم الأربع عشرة التي يتجاوز ارتفاعها ثمانية آلاف متر التي بقيت دون صعود شتوي ناجح، ما جعل الإنجاز علامة فارقة في تاريخ تسلق الجبال. أشهر الحوادث والكوارث كارثة عام 1939 اقتربت بعثة فريتز فيسنر من القمة، لكنها واجهت مشكلات خطيرة أثناء الانسحاب. وتوفي دودلي وولف، كما فُقد ثلاثة من حاملي الإمدادات الذين صعدوا لمحاولة مساعدته. وأظهرت الحادثة أن غياب الاتصال والإمدادات الكافية قد يحول محاولة الصعود إلى أزمة يصعب السيطرة عليها. مأساة عام 1953 خلال البعثة الأمريكية بقيادة تشارلز هيوستن، أصيب آرت غيلكي بمرض خطير في المرتفعات، فقرر الفريق التخلي عن محاولة القمة والتركيز على إنقاذه. وأثناء النزول، وقع حادث كاد يؤدي إلى سقوط عدد من أفراد الفريق، لكن بيت شونينغ تمكن من تثبيت الحبل ومنع سقوطهم. ورغم جهود الإنقاذ، فُقد غيلكي لاحقًا في انهيار جليدي. صيف 1986: موسم الموت شهد صيف 1986 سلسلة من الحوادث التي أودت بحياة 13 متسلقًا، وفق الحصيلة التاريخية الشائعة لذلك الموسم. واجهت البعثات عواصف شديدة وصعوبات في النزول، وأصبح بعض المتسلقين محاصرين في المرتفعات، حيث يؤدي التعرض المطول للبرد ونقص الأكسجين والإرهاق إلى تدهور سريع في حالتهم. وكانت هذه الكارثة تذكيرًا بأن النجاح في بلوغ القمة لا يضمن العودة، وأن تأخر الطقس الملائم أو فقدان القدرة على النزول قد تكون له عواقب قاتلة. كارثة عام 1995 في عام 1995، ضربت عاصفة شديدة المتسلقين على الجبل، وتوفي سبعة أشخاص، من بينهم المتسلقة البريطانية أليسون هارغريفز. وأظهرت الحادثة مدى صعوبة النجاة عندما تتغير الظروف الجوية فجأة في المناطق المرتفعة، حيث تصبح الرؤية ضعيفة والرياح شديدة ويصعب التحرك أو الاحتماء. كارثة الأول من أغسطس 2008 تُعد كارثة عام 2008 من أشهر مآسي كي 2 وأكثرها توثيقًا. فقد أدت سلسلة من الحوادث قرب منطقة «عنق الزجاجة» إلى وفاة 11 متسلقًا خلال فترة قصيرة. تقع هذه المنطقة على ارتفاع يقارب 8200 متر، ويمر المسار أسفل كتلة جليدية معلقة قد تنهار دون إنذار واضح. وخلال الحادثة، أدى انهيار جليدي إلى قطع حبال ثابتة في جزء حاسم من الطريق، ما صعّب على المتسلقين النزول. وتداخلت عوامل عدة، منها التأخير في النزول، والطقس، وصعوبة الحركة في الظلام، وانقطاع الحبال. لم تكن الكارثة نتيجة سبب واحد بسيط، بل سلسلة من الظروف الطبيعية والقرارات والظروف الميدانية التي اجتمعت في بيئة لا تمنح المتسلقين هامشًا كبيرًا للخطأ. لماذا تتكرر الحوادث على كي 2؟ تتداخل عدة عوامل في جعل الجبل خطيرًا. فالارتفاع الشاهق يقلل كمية الأكسجين المتاحة للجسم، وقد يؤدي إلى مرض المرتفعات واضطرابات خطيرة في وظائف الجسم. كما أن البرد الشديد والرياح القوية يزيدان خطر انخفاض حرارة الجسم وقضمة الصقيع. وتُعد الانهيارات الثلجية وسقوط الكتل الجليدية من الأخطار الطبيعية التي لا يمكن التحكم فيها بالكامل. وتوجد كذلك مقاطع شديدة الانحدار تتطلب استخدام الحبال والمعدات الفنية، وقد يصبح النزول منها صعبًا إذا تعطلت الحبال أو تغير الطقس. ومن العوامل الأخرى ضيق الوقت المتاح للصعود، والإرهاق، وصعوبة التواصل، وبعد فرق الإنقاذ عن المناطق العليا. كما أن وجود متسلقين كثيرين على الطريق في الوقت نفسه قد يؤدي إلى التأخير والازدحام في المقاطع الخطرة. ولهذا لا يكفي أن يكون المتسلق قويًا أو ذا خبرة؛ بل يحتاج إلى التخطيط الدقيق، والقدرة على اتخاذ قرار التراجع، والاستعداد لاحتمال تغير الظروف بسرعة. الخلاصة يمثل جبل كي 2 فصلًا مهمًا في تاريخ الاستكشاف وتسلق الجبال. فمن رصده خلال أعمال المسح الجغرافي في القرن التاسع عشر، إلى المحاولات الأولى في القرن العشرين، ثم الصعود الأول عام 1954، وصولًا إلى أول صعود شتوي عام 2021، ظل الجبل تحديًا كبيرًا أمام المتسلقين. وقد كشفت الحوادث التي شهدها، ولا سيما في أعوام 1986 و1995 و2008، أن المخاطر لا تقتصر على الوصول إلى القمة، بل تمتد إلى رحلة العودة في ظروف قد تتجاوز قدرة الإنسان على السيطرة. إن قصة كي 2 ليست مجرد سجل للأرقام والارتفاعات، بل تاريخ من الاستكشاف والتعاون والقرارات الصعبة والخسائر البشرية. وعلى الرغم من تطور المعدات ووسائل التنبؤ بالطقس، يظل الجبل بيئة شديدة الخطورة تتطلب احترامًا عميقًا للطبيعة وحدود الإنسان. |
| الساعة الآن 03:12 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.