منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   مخيريق بن النضير (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=32022)

أ محمد احمد 09-18-2026 01:33 AM

مخيريق بن النضير
 
بسم الله الرحمن الرحيم






تعريفه ونسبه
مُخَيريق حَبرٌ يهودي من يهود المدينة، كان من أهل العلم بالتوراة ومن أيسر قومه مالًا، اشتهر بموقفه يوم غزوة أُحد إذ خرج لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم رغم كونه من غير المسلمين، فقُتل في المعركة، وأوصى بأمواله للنبي صلى الله عليه وسلم فصارت من صدقاته المشهورة بالمدينة، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "مخيريق خير يهود".

اختلفت المصادر في نسبه الدقيق، فأقدمها، وهي رواية ابن إسحاق التي نقلها ابن هشام، تجعله من بني ثعلبة بن الفطيون، وهو بطن من بطون يهود المدينة مرتبط ببني النضير وقريظة، بينما نقل الواقدي والبلاذري أنه من بني النضير، ونقل غيرهما أنه من بني قينقاع، وقد جمع ابن حجر العسقلاني هذه الأقوال الثلاثة دون ترجيح قاطع بينها. ولهذا فإن تسميته الشائعة بـ"مخيريق بن النضير" أو "مخيريق النضري" تسمية اشتهرت في بعض المصادر المتأخرة دون أن تكون الأدق تاريخيًا، والأسلم أن يُقال: مخيريق اليهودي، وقد اختلف في نسبه بين ثعلبة بن الفطيون والنضير وقينقاع.

موقفه يوم أُحد
تذكر رواية ابن إسحاق أن غزوة أُحد وقعت في السنة الثالثة للهجرة، وصادفت يوم سبت، وكان اليهود يمتنعون فيه عن القتال تعظيمًا لشريعتهم. فخاطب مخيريق قومه قائلًا: "يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق"، فاعتذروا بحرمة السبت، فردّ عليهم بقوله المشهور: "لا سبت لكم"، ثم أخذ سلاحه وخرج منفردًا عن قومه حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم في أُحد، وقبل خروجه عهد إلى من وراءه من قومه بقوله: "إن قُتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد يصنع فيها ما أراه الله"، ثم قاتل مع المسلمين حتى قُتل.

ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر مقتله قال فيه، فيما نقله ابن إسحاق بصيغة "فيما بلغني": "مخيريق خير يهود"، وهي الصيغة الأشهر في كتب السيرة. ووردت رواية أخرى عند عمر بن شبة في أخبار المدينة عن ابن شهاب بلفظ مغاير: "مخيريق سابق يهود، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة"، وهذا اللفظ بالذات، لمقارنته إياه بسلمان الفارسي وبلال الحبشي وهما ممن أسلم من غير العرب، يُفهم منه أنه يُعدّ في زمرة من سبق قومه إلى الإسلام، وهو ما يميل به كفة الرأي القائل بإسلامه.

مسألة إسلامه
تبقى مسألة إسلامه من أدق نقاط القصة وأكثرها احتياجًا إلى التحفظ. فرواية ابن إسحاق الأصلية لا تصرّح بإسلامه، بل تكتفي بوصف موقفه ووصيته، وصرّح الواقدي بأنه أسلم واستشهد بأُحد، وهو الرأي الذي مال إليه أكثر المتأخرين، معتمدين على قرائن موقفه نفسه من إقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وخروجه لنصرته ووصيته بماله كله له.

في المقابل نقل ابن سعد رواية مغايرة تفيد أنه خرج وهو باقٍ على يهوديته، وأنه بعد مقتله وُجد مصابًا بالجراح فدُفن ناحية من مقابر المسلمين ولم يُصلَّ عليه، ولم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على قوله: "مخيريق خير يهود". وهذا التفصيل، أي عدم الصلاة عليه، هو أقوى ما استُند إليه في القول ببقائه على دينه، إذ لو كان معدودًا في المسلمين قطعًا لصُلّي عليه كسائر شهداء أُحد. ولذلك فالأدق ألا يُجزم بإسلامه، وأن يُشار إلى الخلاف كلما رُويت قصته، وقد نبّه أهل الحديث كذلك إلى أن بعض أسانيد هذه القصة، في شطريها المتعلق بموقفه يوم أُحد والمتعلق بصدقاته، ليست على درجة واحدة من القوة.

أمواله وحوائطه السبع
أوصى مخيريق بأمواله للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت سبع حوائط، أي سبعة بساتين نخيل، اتفقت الروايات على تسميتها: الميثب، والصافية (وتُذكر أحيانًا بلفظ الصائفة)، والدلال، وحُسنى، وبرقة، والأعواف، ومَشربة أم إبراهيم. وقد كان حائط الأعواف يُسقى من مياه مهزور، وهو الوادي الذي كانت تُسقى منه أموال يهود المدينة الزراعية عمومًا، أما مشربة أم إبراهيم فلها قصة خاصة، إذ اشتهرت لاحقًا بارتباطها بمارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت تنزل فيها، وقيل إن إبراهيم وُلد فيها، فاشتُهر المكان بهذا الاسم.

مصير هذه الأموال وأثرها
جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحوائط صدقة، وبقيت معروفة الأعيان والغلة زمنًا طويلًا بعده، حتى رُوي أن عمر بن عبد العزيز دخل أحدها حين كان واليًا على المدينة، فأكل من تمره ووصفه بأنه من أطيب التمر وأعذبه. ولا ينبغي وصف هذه الأموال بأن النبي صلى الله عليه وسلم "ورثها" بالمعنى الفقهي المعتاد، بل الأدق أنه قبضها بحكم الوصية وجعلها صدقة، عملًا بما استقر لاحقًا من قاعدة أن ما تركه الأنبياء صدقة لا يُورَث.

هل كانت أول وقف في الإسلام؟
يذهب عدد من الباحثين في الفقه والتاريخ الإسلامي إلى أن وقف مخيريق يُعد من أوائل الأوقاف في الإسلام، بل نقل السهيلي أنها كانت أول حَبْس فيه على الإطلاق، سابقًا على وقف عمر بن الخطاب المشهور بخيبر. غير أن الأولى عند التحقيق العلمي الدقيق التفريق بين أصل القصة الثابت، وهو أن مخيريق أوصى بأمواله فصارت صدقة، وبين الحكم التاريخي القاطع بأنها أول وقف على الإطلاق، فهذا استنتاج بُني على مقارنة بين حوادث متفرقة لم تُحرَّر أسانيدها جميعًا بالدرجة نفسها من الدقة، فالأسلم أن يُقال إنها من أوائل الأوقاف لا الأول قطعًا، وإن كان تقدّم تاريخها الزمني يرجّح كفتها.


الساعة الآن 06:11 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.