منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   معركة طلاس (751م) (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31929)

أ محمد احمد 06-24-2026 05:56 AM

معركة طلاس (751م)
 
بسم الله الرحمن الرحيم




معركة نهر طلاس وفي بعض المصادر معركة طراز (بالصينية:怛罗斯之战) وقعت في شهر ذي الحجة من عام 133 هـ الموافق لشهر يوليو من عام 751 م. في إطار الفتوح الإسلامية بآسيا، وفيها أوقع المسلمون هزيمة ساحقة بالجيش الصيني، لكن النصر الإسلامي تم بكلفة كبيرة وضعت حدًا للفتوح الإسلامية شرقًا. كانت أكثر المعارك الإسلامية توغلا في قلب آسيا.

كان الأكثر أهمية في هذه المعركة هو أسر بعض صناع الورق الصينيين، ومنهم انتقل سر صناعة الورق إلى بغداد ودمشق ، ثم الأندلس ومنها إلى أوروبا وسائر العالم.

الخلفية التاريخية
بعد الفتح الإسلامي لفارس في القرن السابع الميلادي، واصل العرب توسعهم شرقًا نحو منطقة ما وراء النهر، وهي الأراضي الممتدة بين نهري جيحون وسيحون. في الوقت ذاته، كانت الإمبراطورية التانغ في أوج قوتها تمد نفوذها غربًا عبر آسيا الوسطى، مستخدمةً طريق الحرير ممرًا حيويًا للتجارة والسيطرة السياسية. بين هاتين القوتين كانت تقع ممالك صغيرة وإمارات محلية تتأرجح بين الولاءين، وكان التصادم بين العرب والصينيين مسألة وقت لا أكثر.

بدأ التوتر يتصاعد حين طلب ملك مدينة تاشقند من الصين العون ضد العرب، فأرسل الجنرال الكوري غاو شيانجي حملة عسكرية لدعمه. غير أن تصرفاته في المنطقة أثارت سخط السكان المحليين، إذ نهب المدينة وقتل ملكها، مما دفع أهل تاشقند إلى الاستغاثة بالعباسيين بدلًا من الصين.

التحضير للمعركة
الدولة الإسلامية، وبالتالي التفكير الجاد في تأمين حدودها واستعادة هيبتها في الأقاليم البعيدة. فأرسل الخليفة أبو جعفر المنصور إلى أبي مسلم الخراساني واليه على خراسان بالتحضير لحملة عسكرية لاستعادة هيبة المسلمين في تركستان وآسيا الوسطى. فقام أبو مسلم بتجهيز جيش زحف به إلى مدينة مرو، وهناك وصلته قوات دعم من إقليم طخارستان الواقع في أفغانستان. ثم سار بهذا الجيش إلى سمرقند، حيث انضمت قواته إلى قوات زياد بن صالح الحارثي الوالي السابق للكوفة، وتولى زياد قيادة الجيش الموحد.

القوى المتقابلة
في المقابل، حشد الصينيون جيشًا ضخمًا على رأسه قاو شيانجي، تتباين تقديراته بين المصادر تباينًا كبيرًا؛ إذ تذكر المصادر الصينية ثلاثين ألف مقاتل، بينما ترفع المصادر العربية هذا الرقم إلى مئة ألف. وكان في صفوف هذا الجيش حلفاء من ممالك آسيا الوسطى وقبائل القارلوق التركية التي انضمت إليه في بادئ الأمر.

سير المعركة
اشتبكت الجيوش الإسلامية مع الجيوش الصينية بالقرب من مدينة طلاس أو طرار، الواقعة على نهر طلاس في جمهورية قيرغيزستان، ودارت المعركة على مدى خمسة أيام متواصلة من القتال الشديد. أحكم فرسان المسلمين حصارهم على الجيش الصيني وأطبقوا عليه الخناق، مما أدى إلى سقوط آلاف القتلى من الجانب الصيني.

غير أن نقطة التحول الكبرى جاءت من داخل صفوف الجيش الصيني نفسه؛ إذ انقلب القارلوق الأتراك، الذين كانوا يقاتلون إلى جانب الصينيين، وهجموا على حليفهم من الخلف في خضم المعركة. هذا الطعن في الظهر أربك الجيش الصيني تمامًا وأدى إلى انهياره الكامل، ففر قاو شيانجي من ميدان المعركة بعد أن فقد زهرة جنده، وبقي المسلمون سادة الميدان. وفي أعقاب المعركة، أرسل زياد بن صالح نحو عشرين ألف أسير إلى بغداد، حيث بيعوا في سوق الرقيق.

ما بعد المعركة
على الرغم من الانتصار الساحق، لم يتابع العباسيون تقدمهم نحو الأراضي الصينية. وقد أسهم في ذلك أن الإمبراطورية التانغ دخلت في أزمة داخلية حادة بعد ذلك بقليل، إثر تمرد آن لوشان عام 755م، مما شغلها عن التفكير في الغرب لعقود، ولم تحاول الصين من جهتها استعادة ما فقدته في آسيا الوسطى.

الأهمية التاريخية والحضارية
تُعدّ معركة طلاس أول وآخر صدام عسكري مباشر جرى بين المسلمين والصينيين في التاريخ. وقد أسدلت الستار نهائيًا على النفوذ الصيني في آسيا الوسطى بعد أن سقطت قيرغيزستان في أيدي المسلمين، فصُبغت المنطقة بالصبغة الإسلامية إذ أسلمت أكثر قبائلها، وغدت مناطق إشعاع إسلامي وحضاري أنجبت علماء مسلمين عظامًا كالإمام البخاري والترمذي وغيرهم. كما أسهم ذلك على المدى البعيد في بروز قوى تركية إسلامية كبرى كالسلاجقة والعثمانيين لاحقًا.

الورق يغيّر العالم
النسيان كسائر المعارك، لكن ما جرى في أعقابها كان أعظم أثرًا من كل ما دار فيها من قتال. بين الأسرى الصينيين الذين وقعوا في أيدي المسلمين كان هناك صانعو ورق يعرفون أسرار صناعة طوّرتها الصين وحدها لقرون، فنُقل هؤلاء إلى بغداد ومعهم أسرارهم. أُقيم أول مصنع للورق خارج الصين في سمرقند، ثم انتشرت الصناعة إلى بغداد في عهد الرشيد، ومنها إلى سائر أرجاء العالم الإسلامي.

كان هذا النقل الحضاري أحد الوقود الأساسية التي أشعلت العصر الذهبي للإسلام؛ فالورق الرخيص الوفير أتاح تدوين العلوم ونسخ الكتب ونشر المعرفة بصورة لم تكن ممكنة بالبردي أو الرق المكلفين. وعبر الأندلس وصقلية انتقل الورق إلى أوروبا في القرون التالية، فمهّد الطريق لعصر النهضة ثم لاختراع الطباعة.

يقول بعض المؤرخين إن معركة طلاس لم تُحسم بالسيف وحده، بل حُسم أثرها الحقيقي بورقة، وأن صانعي الورق الصينيين الذين علّموا المسلمين هذه الصناعة أثّروا في مسار الحضارة الإنسانية أكثر مما فعل عشرات الآلاف من المقاتلين في تلك الأيام الخمسة على ضفاف نهر طلاس.





الساعة الآن 09:41 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security team