منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   الحملة الفرنسية على مصر (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31916)

أ محمد احمد 06-02-2026 06:24 AM

الحملة الفرنسية على مصر
 
بسم الله الرحمن الرحيم



https://upload.hawamer.com/d.php?has...a6b5abc442df81

الحملة الفرنسية على مصر (1798–1801)




السياق التاريخي والدوافع
شكّلت نهاية القرن الثامن عشر مرحلة بالغة الحساسية في موازين القوى الأوروبية، إذ كانت فرنسا الثورية في حالة حرب شبه دائمة مع بريطانيا العظمى، التي تمثّل أقوى منافسيها بحرياً وتجارياً. في هذا السياق، رأى الجنرال نابليون بونابرت أن الطريق إلى إضعاف بريطانيا لا يمر عبر المواجهة المباشرة في بحر المانش، بل عبر ضرب مصالحها في الشرق، ولا سيما قطع طريق الهند، أثمن مستعمراتها على الإطلاق.

كانت مصر في ذلك الحين ولاية عثمانية اسمياً، بيد أن السلطة الفعلية كانت في يد المماليك، وهم طبقة حاكمة من أصول تركية وشركسية تتقاسم النفوذ فيما بينها وتستنزف موارد البلاد دون أن تُبدي أي اهتمام بتطوير الجيش أو استيعاب المستجدات العسكرية الحديثة. وقد رأى نابليون في هذا الوضع فرصة سانحة للتغلغل العسكري دون مواجهة مقاومة منظمة.

إلى جانب الدوافع الاستراتيجية، كان ثمة دافع شخصي واضح؛ فقد كان نابليون مفتوناً بالشرق منذ صباه، مطّلعاً على سير الفاتحين العظام كالإسكندر الأكبر، ساعياً إلى بناء مجد عسكري يتجاوز حدود أوروبا. وكانت مصر في نظره بوابة الشرق وملتقى الحضارات. كما أن وضعه السياسي في باريس كان يستدعي انتصاراً كبيراً يعزز مكانته في الساحة الداخلية الفرنسية المضطربة.

كذلك حملت الثورة الفرنسية معها شعارات التنوير والحرية، وقدّم نابليون نفسه على أنه جاء ليحرر المصريين من ظلم المماليك لا ليستعمر بلادهم، وهو خطاب لم يصمد طويلاً أمام وقائع الاحتلال.

الإعداد للحملة
أشرف نابليون شخصياً على التحضير في سرية تامة. جرى تجميع قوة عسكرية ضخمة في ميناء طولون الفرنسي، بلغت نحو خمسة وثلاثين ألف جندي على متن أربعمائة سفينة حربية وناقلة. اختار نابليون قادته بعناية، ومن أبرزهم الجنرال كليبر والجنرال دزيه والجنرال مورو وغيرهم من ضباط الثورة المخضرمين.

وما يميز هذه الحملة عن سائر الحملات العسكرية في التاريخ أن نابليون أرفق بجيشه بعثة علمية استثنائية ضمّت مئة وسبعة وستين عالماً ومتخصصاً في شتى الميادين، من الرياضيات والطبيعيات والكيمياء والفلك والطب والآثار والفنون والاقتصاد واللغات والجغرافيا والهندسة والموسيقى. ومن أبرز هؤلاء العلماء: غاسبار مونج عالم الرياضيات، وكلود لويس برتوليه الكيميائي، ودومينيك فيفان دونون المختص بالآثار والفنون. وقد كان هذا القرار لافتاً، إذ يدل على أن نابليون أراد للحملة أن تكون مشروع معرفة وإدارة، لا مجرد عملية عسكرية عابرة.

أبحر الأسطول في مايو 1798، وتمكّن من الإفلات من مراقبة الأسطول البريطاني بقيادة نيلسون الذي كان يجوب البحر المتوسط بحثاً عنه. وفي طريقه إلى مصر، استولى على جزيرة مالطا التي كان يحكمها فرسان القديس يوحنا، وذلك في غضون يوم واحد تقريباً، مما أظهر هشاشة الدفاعات الوسيطة في البحر المتوسط وأمّن للفرنسيين قاعدة لوجستية مهمة.

الوصول إلى مصر والمعارك الأولى
وصل الأسطول الفرنسي إلى شواطئ الإسكندرية في الأول من يوليو 1798، وبدأت قوات الإنزال عملياتها فوراً. سقطت الإسكندرية في غضون أيام قليلة بعد مقاومة محدودة، ثم تقدّم الجيش الفرنسي نحو الداخل في ظروف مناخية صعبة للغاية، إذ عانى الجنود الأوروبيون من حرارة شديدة وشُحّ في المياه ووعورة التضاريس وعدم التأقلم مع البيئة الصحراوية. سلك الجيش طريقين متوازيين: الأول براً عبر الصحراء، والثاني بحرياً على طول النيل، مما أرهق الجنود وأضعف روحهم المعنوية في الأيام الأولى.

معركة شبرا خيت — 13 يوليو 1798
جرت أول مواجهة مفتوحة مع المماليك على ضفاف النيل بالقرب من شبرا خيت. أظهر فرسان المماليك شجاعة شخصية لا شك فيها وامتلكوا خيولاً رائعة وأسلحة فردية متميزة، غير أن أسلوبهم في القتال كان يعتمد على الكر والفر بالخيل دون تنسيق، وهو أسلوب أثبت عجزه الكامل أمام التكتيك الفرنسي المنظم القائم على التشكيلات الكثيفة المتراصة التي تطلق نيراناً متقطعة. استمرت المعركة ساعات وانتهت بانسحاب المماليك.

معركة إمبابة — 21 يوليو 1798
عُرفت تاريخياً بـ"معركة الأهرام" نظراً لقربها من أهرامات الجيزة. حشد مراد بك وإبراهيم بك قائدا المماليك نحو ستة آلاف فارس وعشرين ألف مشاة لمواجهة الفرنسيين. نظّم نابليون جنوده في تشكيلات مربعة ضخمة تُعرف بـ"الكاري"، وُضع المشاة على محيطها الخارجي والمدفعية في الزوايا والفرسان في الداخل. اندفع فرسان المماليك في هجمات بالغة الشراسة لكنها تحطّمت جميعها أمام جدار النيران الفرنسية المنتظمة. خسر المماليك آلاف القتلى ومعظم مدفعيتهم، فيما لم تتجاوز خسائر الفرنسيين بضع مئات. استسلمت القاهرة بعد يومين من هذه المعركة، ودخلها الفرنسيون دون قتال يُذكر.

كارثة أبي قير البحرية
في حين كان نابليون يحقق انتصاراته البرية، كانت الكارثة تتشكّل في البحر. رصد الأدميرال البريطاني هوراشيو نيلسون الأسطول الفرنسي راسياً في خليج أبي قير شرق الإسكندرية، ففاجأه في الأول والثاني من أغسطس 1798 في عملية بحرية بالغة الجرأة نُفّذت في ساعات المساء. استغل نيلسون ضعف التحصين الفرنسي في الجهة المطلة على الشاطئ، وأرسل بعض سفنه من ذلك الجانب في مناورة غير متوقعة، فوجد الأسطول الفرنسي نفسه في مواجهة نيران من الجهتين. غرقت أو أُسرت معظم السفن الحربية الفرنسية، وانفجرت السفينة الأميرال الفرنسية "لوريان" انفجاراً مروعاً سمع دويّه من مسافات بعيدة. لقي الأميرال الفرنسي فيلنوف أسره وسط الكارثة.

كانت تداعيات هذه المعركة بالغة الخطورة؛ إذ وجد الجيش الفرنسي نفسه محاصراً في مصر دون طريق عودة آمنة ودون إمدادات منتظمة. تحوّلت الحملة من عملية هجومية إلى وضع دفاعي حرج، وأدرك نابليون أن طموحاته الشرقية باتت مقيّدة بحدود مصر.

إدارة مصر والمقاومة الشعبية
حاول نابليون استمالة المصريين بأساليب متعددة. أعلن احترامه للإسلام ومكانة العلماء، وأنشأ ديواناً للحكم ضمّ وجهاء مصريين من كبار العلماء والتجار، وسعى إلى تحديث الإدارة وإدخال أنظمة جديدة في الصحة والبريد والمطبعة. أصدر الفرنسيون أول صحيفة تُطبع في مصر، وهي "Le Courrier de l'Égypte"، فضلاً عن إنشاء مطبعة للغة العربية كانت الأولى من نوعها في المنطقة.

غير أن هذه المساعي لم تُفضِ إلى قبول شعبي حقيقي، وظل المصريون ينظرون إلى الفرنسيين نظرة ريبة واحتقار مزدوجة.

ثورة القاهرة الأولى — أكتوبر 1798
اندلعت انتفاضة شعبية واسعة في القاهرة، تمركزت في الأحياء القديمة وحول الجامع الأزهر الذي كان يمثّل قلب الحياة الدينية والاجتماعية في المدينة. قاد العلماء والمشايخ الحشود، وامتدت الانتفاضة لعدة أيام. قمعها الفرنسيون بقوة عسكرية مفرطة، وأقدموا على قصف الجامع الأزهر بالمدافع وأدخلوا خيولهم إلى داخله، وهو فعل خلّف أثراً سلبياً بالغ العمق في الوجدان المصري والإسلامي.

ثورة القاهرة الثانية — مارس 1800
جاءت أشد وأوسع من سابقتها، واستمرت أياماً عدة، وأسفرت عن خسائر بشرية وخسائر في الممتلكات. دلّت الثورتان معاً على أن قطاعاً واسعاً من المصريين لم يقبل الاحتلال الفرنسي رغم الخطاب التحريري الذي رفعه، ورغم بعض المشاريع الإصلاحية التي أطلقها.

الحملة على الشام
لم يكتفِ نابليون بمصر، بل طمح إلى السيطرة على الشام تمهيداً ربما للوصول إلى الهند أو على الأقل لتأمين مصر من الشمال ومنع أي هجوم عثماني براً. في يناير 1799 تحرّك بجيشه شمالاً عبر سيناء نحو فلسطين بقوة تتراوح بين ثلاثة عشر وخمسة عشر ألف جندي.

سقطت العريش ثم غزة ثم يافا خلال مارس 1799. في يافا، عقب استسلام الحامية، أصدر نابليون أمراً بإعدام نحو ألفين وأربعمائة أسير ادّعى أنهم نكثوا بعهد الاستسلام السابق، وأُعدم هؤلاء على الشاطئ في مشهد أسود يُعدّ من أكثر لحظات الحملة إثارةً للجدل الأخلاقي.

حصار عكا — مارس إلى مايو 1799
تحصّنت مدينة عكا تحت قيادة أحمد باشا الجزار، الوالي العثماني المعروف بعنفه وصلابته، بمساندة الضابط البريطاني سير سيدني سميث الذي أشرف على تنظيم الدفاع وأمدّ الحامية بالمدفعية والخبرة العسكرية الحديثة. استمر الحصار قرابة شهرين، ونفّذ الفرنسيون هجمات اقتحام متكررة فشلت جميعها في اختراق الأسوار المتينة. أضيف إلى ذلك تفشّي وباء الطاعون في صفوف الجيش الفرنسي، مما أودى بحياة كثيرين وأضعف القدرة القتالية بصورة ملحوظة. اضطر نابليون في مايو 1799 إلى رفع الحصار والانسحاب إلى مصر في مسيرة شاقة قاتل خلالها جنوده الطاعونَ والحرارة والعطش معاً. كان ذلك أول إخفاق عسكري كبير في مسيرة نابليون.

معركة أبي قير البرية — يوليو 1799
عاد نابليون إلى مصر ليواجه قوة عثمانية كبيرة أنزلتها بريطانيا براً في أبي قير. هاجمها نابليون بسرعة ودهاء وحقق انتصاراً برياً مهماً، أسر خلاله عدداً كبيراً من الجنود العثمانيين. غير أن هذا الانتصار لم يغيّر المشهد الاستراتيجي العام الذي ظل في غير صالح الحملة.





اكتشاف حجر رشيد
في يوليو 1799، وبينما كان الجنود الفرنسيون يحفرون خنادق وتحصينات دفاعية في منطقة رشيد شمال الدلتا، عثر ضابط يُدعى بيير فرانسوا بوشار على لوح حجري ضخم من البازلت الأسود في أثناء أعمال الهدم والحفر داخل قلعة قديمة. أُدرك فوراً أن هذا اللوح غير عادي، وأُرسل إلى القاهرة ليُعرض على علماء المعهد المصري.

وصف الحجر
يبلغ الحجر نحو مئة وأربعة عشر سنتيمتراً طولاً، واثنين وسبعين سنتيمتراً عرضاً، وسماكته نحو ثمانية وعشرين سنتيمتراً، ووزنه قرابة سبعمائة وستين كيلوغراماً. والحجر في الأصل قطعة من مرسوم ملكي أصدره الكهنة المصريون عام 196 قبل الميلاد، في عهد الملك بطليموس الخامس، وذلك في ذكرى تتويجه، وكان يُعرض في المعابد في أرجاء مصر.

اللغات الثلاث
ما جعل هذا الحجر اكتشافاً استثنائياً هو أن المرسوم ذاته نُقش بثلاثة خطوط متتالية: الهيروغليفية المصرية القديمة التي استُخدمت في المراسيم الرسمية، والديموطيقية وهي الكتابة الشعبية المصرية التي كان يستخدمها عامة الناس، واليونانية القديمة التي كانت لغة الإدارة والحكم في عهد البطالمة. وبما أن اليونانية القديمة كانت لغة مفهومة للعلماء الأوروبيين، أتاحت مقارنتها بالنصين الآخرين أملاً حقيقياً في فك رموز الكتابة المصرية القديمة التي انقطع فهمها منذ القرن الرابع الميلادي.

المسيرة نحو فك الرموز
أدرك علماء المعهد المصري فوراً أهمية هذا الاكتشاف. أُعدّت نسخ من نقوش الحجر ووُزّعت على العلماء الأوروبيين. حين استسلم الفرنسيون عام 1801، اشترط البريطانيون في وثيقة الاستسلام تسليم الحجر إليهم، وهو ما جرى فعلاً، فنُقل الحجر إلى لندن وعُرض في المتحف البريطاني عام 1802، ولا يزال هناك حتى اليوم.

تسابق علماء أوروبيون عديدون على فك رموز الهيروغليفية باستخدام الحجر مرجعاً. حقق السويدي أوكربلاد والإنجليزي توماس يونغ تقدماً نسبياً، إذ تمكّن يونغ من تحديد بعض الرموز الصوتية في خرطوش أسماء الملوك.

غير أن الإنجاز الكامل تحقق على يد الفرنسي جان فرانسوا شامبليون الذي كرّس حياته للدراسة اللغوية منذ صغره، وأتقن عدة لغات قديمة من بينها القبطية التي أدرك أنها الحلقة الحية الأقرب إلى المصرية القديمة. في سبتمبر 1822، أعلن شامبليون في رسالة موجّهة إلى الأكاديمية الفرنسية أنه تمكّن من فك رموز الهيروغليفية وفهم طبيعتها الصوتية والمعنوية معاً.

لم تكن الهيروغليفية مجرد رسوم رمزية كما ظنّ كثيرون، بل نظام كتابة معقد يجمع بين الرموز الصوتية والرموز الدلالية.

فتح هذا الاكتشاف باب قراءة آلاف النصوص المصرية القديمة التي كانت صامتة لأكثر من أربعة عشر قرناً، من نصوص المقابر إلى وثائق الحكم إلى الأدب والطب والفلك الفرعوني، وأسّس لعلم المصريات بوصفه تخصصاً أكاديمياً مستقلاً.

البُعد العلمي الشامل للحملة

المعهد المصري
أسسه نابليون في أغسطس 1798 بالقاهرة، في مبنى أحد قصور المماليك، على غرار المعهد الوطني الفرنسي. ضمّ العلماء المرافقين للحملة وانعقدت فيه جلسات علمية منتظمة ناقشت مسائل عملية من قبيل تحسين خبز الجنود وتنقية مياه النيل وصناعة البارود محلياً، إلى جانب الدراسات الجغرافية والآثارية.

ما أنجزه العلماء
رسم العلماء أول خرائط دقيقة ومفصّلة لكامل أراضي مصر، شملت مجرى النيل وفروعه ومدنه وقراه وطرقه. درسوا ووثّقوا معابد الأقصر وأبو سمبل والكرنك وغيرها من المواقع الأثرية، ورسموا مساقطها الأفقية وواجهاتها ونقوشها بدقة مهندسية. فحصوا ظاهرة الحصبة وأوبئة مصر وسجّلوا الفصائل النباتية والحيوانية غير المعروفة في أوروبا. درسوا مسار القناة القديمة التي كانت تربط البحر الأحمر بالنيل، وقدّموا توصيات أولية حول جدوى إنشاء قناة تربط البحرين، وهو ما تحقق لاحقاً في قناة السويس عام 1869.

الوصف الكبير لمصر
نُشرت نتائج البعثة العلمية في موسوعة ضخمة عُرفت بـ"Description de l'Égypte"، صدرت في مجلدات بين عامَي 1809 و1828، اشتملت على ثلاثة وعشرين مجلداً توزّعت بين النصوص العلمية والخرائط والألواح التصويرية الضخمة. غطّت الموسوعة الآثار القديمة والطبيعة ومجتمع مصر الحديث في مطلع القرن التاسع عشر. وتُعدّ حتى اليوم من أبرز الوثائق العلمية والتوثيقية في تاريخ الاستشراق والعلوم الإنسانية.

مغادرة نابليون
في أغسطس 1799، وبعد علمه بتردي الأوضاع السياسية في باريس وتراجع نفوذ حكومة الإدارة، قرّر نابليون مغادرة مصر سراً على متن فرقاطتين صغيرتين، تاركاً القيادة للجنرال كليبر دون أن يُخبره مسبقاً. أبحر في التاسع والعشرين من أغسطس 1799، وتحاشى الرقابة البريطانية بفضل مساعدة الريح والحظ، ووصل إلى فرنسا في أكتوبر 1799. بعد أسابيع قليلة نفّذ انقلابه الشهير في الثامن عشر من برومير ليصبح القنصل الأول للجمهورية، مبتدئاً بذلك مرحلة جديدة من تاريخ فرنسا.

تداعيات رحيل نابليون وانهيار الحملة

اغتيال كليبر — يونيو 1800
تسلّم الجنرال كليبر القيادة وأبدى كفاءة في إدارة الأوضاع الصعبة، وكان قد شرع في مفاوضات مع العثمانيين للانسحاب باتفاق، غير أن الظروف أفشلتها. في يونيو 1800، اغتيل طعناً في حديقة منزله على يد سليمان الحلبي، وهو طالب من حلب كان قد قدم إلى مصر بنية محددة لتنفيذ هذا الفعل احتجاجاً على الاحتلال. أُلقي القبض على سليمان الحلبي وأُعدم بطريقة قاسية، وبقي في الذاكرة العربية رمزاً للمقاومة والرفض.

خلف كليبرَ الجنرالُ مينو، الذي كان قد أسلم واتخذ اسم عبد الله وتزوج من امرأة مصرية، محاولاً تقديم نفسه بصورة مختلفة. غير أنه أثبت عجزه العسكري والسياسي في مرحلة بالغة الصعوبة.

التدخل البريطاني والعثماني
في مارس 1801، نزل جيش بريطاني ضخم بقيادة الجنرال رالف أبيركرومبي في أبي قير، وتزامن معه تقدم قوات عثمانية من الشرق والشمال. وجد الجيش الفرنسي نفسه في مواجهة ضغط متزامن من جهات متعددة، في حين كانت معنوياته تتآكل جراء المرض والعزل وطول الإقامة والعلم بما يجري في أوروبا.

الاستسلام والانسحاب — سبتمبر 1801
وقّع الفرنسيون وثيقة الاستسلام في سبتمبر 1801، وأجلى البريطانيون الجيشَ الفرنسي عبر البحر إلى بلاده وفق شروط وثيقة الاستسلام التي اشترطت أيضاً تسليم المقتنيات والآثار التي جمعها الفرنسيون، ومن بينها حجر رشيد. انتهت الحملة بإخفاق عسكري كامل بعد ثلاثة أعوام وشهرين من بدئها.

التداعيات التاريخية الشاملة

على مصر
كشفت الحملة للمصريين حجم الفجوة التي تفصلهم عن أوروبا في الميادين العسكرية والعلمية والإدارية. كما أفضى ضعف المماليك الجلي إلى اضطراب موازين القوى الداخلية، مما مهّد الطريق لصعود محمد علي باشا عام 1805، الذي أطاح بالمماليك عام 1811 وأرسى دعائم الدولة المصرية الحديثة. ويرى كثير من المؤرخين أن الحملة الفرنسية شكّلت نقطة التحوّل التي أيقظت مصر على ضرورة الإصلاح والنهضة.

على الحضارة الإنسانية

أسهم اكتشاف حجر رشيد وما تلاه من فك رموز الهيروغليفية في إحياء علم المصريات إحياءً شاملاً، وفتح باب الدراسة المنهجية لأعظم حضارات العالم القديم. بات بمقدور العلماء قراءة نصوص ظلت طلسماً لأربعة عشر قرناً، فانكشفت للبشرية صفحات كاملة من تاريخها المنسي.

على فرنسا
رغم الفشل العسكري، أرست الحملة تقليداً فرنسياً في ربط الاستعمار بالمشاريع العلمية والثقافية، وهو ما استمر في السياسة الخارجية الفرنسية لعقود لاحقة. كما استثمر نابليون عودته لينفّذ انقلابه ويبني إمبراطوريته الأوروبية.

على بريطانيا
خرجت بريطانيا المنتصرة الأكبر من هذه الحملة؛ دمّر نيلسون الأسطول الفرنسي وكرّست لندن سيطرتها على البحر المتوسط وأحكمت قبضتها على طريق الهند. فضلاً عن ذلك، انتقل حجر رشيد إلى المتحف البريطاني ليغدو أحد أثمن محتوياته.

خاتمة
تمثّل الحملة الفرنسية على مصر نموذجاً تاريخياً بالغ التعقيد، يصعب اختزاله في حكم واحد. فهي من جهة عملية عسكرية فاشلة انتهت بانسحاب مذل وخسائر فادحة. ومن جهة أخرى، كانت أحد أهم الأحداث في تاريخ التواصل بين الشرق والغرب، إذ أنتجت إرثاً علمياً وأثرياً ظل فاعلاً ومؤثراً حتى يومنا هذا. وتبقى هذه الحملة شاهداً على أن التاريخ نادراً ما يسير في اتجاه واحد، وأن الهزيمة العسكرية والاكتشاف العلمي يمكن أن يسكنا حدثاً واحداً في الزمان والمكان.


الساعة الآن 06:40 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security team