منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   المنصور سيف الدين قلاوون (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31905)

أ محمد احمد 05-25-2026 05:50 AM

المنصور سيف الدين قلاوون
 
بسم الله الرحمن الرحيم




أَبُو الْمَعَالِي السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قَلَاوُونَ الألفي العلائي الصَّالِحِي (618هـ / 1222م - 27 ذي القعدة 689هـ / 10 نوفمبر 1290م ) لقب بأبو الفتح مؤسسَ السلالةِ القَلاووُنَية التي حكمت مصر والشام والحجاز واليمن والأناضول و أجزاء من الديار العراقية وإفريقية لمدة 111 سنة. السابع من سلاطين المماليك البحرية وفاتح طرابلس الشام والمرقب وقائد معركة حمص الثانية ضد دولة مغول فارس شارك في معركة المنصورة وأسس البيمارستان المنصوري في القاهرة.

كان من كبار الأمراء أصحاب النفوذ أثناء حكم الأسرة الظاهرية، وبويع له بالسلطنة في الحادي عشر من رجب سنة 678 هـ خلفاً للملك الصغير العادل بدر الدين سُلامش.

مولدة
وُلد سيف الدين قلاوون نحو عام 1222 الميلادي في سهول القبجاق الممتدة شمال بحر قزوين وغرب بحر الخزر، في تلك المنطقة الشاسعة التي كانت مهداً لقبائل تركية عديدة عاشت على الرعي والفروسية. نشأ في بيئة تُعلّم الفارس قبل أن يتعلم الطفل، وتضع السيف في يده قبل أن تضع فيها القلم.

غير أن مجرى حياته تغيّر تغيراً جذرياً حين وقع في يد تجار النخاسة الذين كانوا يجوبون السهوب بحثاً عن الشباب الأقوياء ليبيعوهم لأمراء مصر والشام. بِيع قلاوون في القاهرة بألف دينار ذهبي، وهو ثمن جاوز المعتاد بكثير، مما يدل على أن في هيئته وقوامه ما لفت إليه الأنظار منذ البداية. ومن هذه الصفقة جاء لقبه "الألفي" الذي لازمه طوال حياته.

النشأة في بلاط المماليك
انتقل قلاوون إلى خدمة الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري أولاً، ثم آل أمره إلى السلطان الصالح نجم الدين أيوب الذي ضمّه إلى فرقته الخاصة من المماليك البحرية. كانت هذه الفرقة نخبة النخبة في الجيش المصري، تتلقى تدريباً مكثفاً على فنون القتال بالسيف والرمح والقوس، وتُغذّى بثقافة الولاء المطلق والانضباط الصارم. في هذه البيئة صقل قلاوون مواهبه وبنى علاقاته، وأبدى من الذكاء العسكري والأناة السياسية ما جعله يبرز بين أقرانه. حين تولى السلطان بيبرس الحكم عام 1260 بعد انتصار عين جالوت التاريخي على المغول، رأى في قلاوون أميناً يُعتمد عليه وقائداً يُوثق بحكمه، فمنحه إمارة كبرى وولّاه مهام جسيمة، وأشركه في قراراته الكبرى. عاش قلاوون في ظل بيبرس يتعلم ويراقب ويتأهب، دون أن يُسرف في الطموح أو يكشف عن نواياه قبل أوانها.

حين توفي بيبرس عام 1277 خلّف وراءه فراغاً في السلطة سارع أبناؤه لملئه، فتولى ابنه البركة خان أولاً ثم ابنه سلامش. غير أن الحكم الفعلي كان في يد الأمير سنقر الأشقر الذي نازع في السلطة وأعلن استقلاله في دمشق. في هذه الفوضى برز قلاوون بوصفه الحَكَم والمصلح، فأسقط سلامش برفق وأجبر سنقر على التراجع، وتولى السلطة عام 1279 بقبول الأمراء وإجماعهم، لا بالغلبة والقسر.

وصول قلاوون إلى السلطة
كان طريق قلاوون إلى عرش مصر والشام طريقاً متعرجاً أفضى إليه في نهاية المطاف لا بالانقضاض على السلطة بل بأن كان الرجل الذي لا يُستغنى عنه حين احتاج إليه الجميع.
حين توفي السلطان بيبرس عام 1277 كان قلاوون قد بلغ من العمر نحو خمسة وخمسين عاماً، وكان في مقدمة أمراء الدولة مكانةً وخبرةً ونفوذاً.

غير أنه لم يُبادر إلى المطالبة بالسلطة حين رحل بيبرس، وكان ذلك خياراً محسوباً لا عجزاً. فقد كان بيبرس قد رتّب أن يخلفه ابنه البركة خان، وكان تجاوز هذا الترتيب يعني مواجهة مفتوحة مع من كانوا لا يزالون يحملون ولاءهم لذكرى بيبرس. آثر قلاوون الصبر وانتظر أن تفعل الأحداث ما لا تستطيع السيوف فعله.

تولى البركة خان السلطة وعمره لا يتجاوز السابعة عشرة، وكان شاباً طائشاً سريع الغضب قليل التجربة، اتكأ في حكمه على أمير كبير من أمراء بيبرس هو سنقر الأشقر الذي كان يرى في نفسه أحق الناس بالسلطة الفعلية إن لم يكن بالاسم. لم تطل الأيام حتى نشب الخلاف بين البركة خان وسنقر الأشقر وبلغ حدّ القطيعة، فانفصل سنقر بجيشه إلى الشام وأعلن نفسه سلطاناً على دمشق عام 1279، مُشقّاً وحدة الدولة ومُهدداً تماسكها في لحظة كانت فيها عرضةً للخطر المغولي من الشرق.

في هذا الوضع المضطرب رأى أمراء المماليك في القاهرة أن البركة خان لا يصلح لمواجهة ما هو قادم، فخلعوه في العام نفسه 1279 ونصّبوا مكانه أخاه الأصغر سلامش الذي لم يكن قد بلغ العاشرة من عمره بعد. وكان ذلك في حقيقته تكريساً لسلطة من يقف خلف العرش لا لسلطة من يجلس عليه، وكان قلاوون هو الذي وقف خلف العرش تلك المرة، إذ عُيّن نائباً للسلطنة ووصياً على الصبي الصغير وسلطاناً فعلياً من غير لقب.

لم يُطل قلاوون أمد الوصاية طويلاً، فبعد أشهر قليلة أزاح سلامش برفق وتولى السلطة باسمه هو في نوفمبر عام 1279، مُنهياً بذلك مرحلة أبناء بيبرس التي لم تدم أكثر من سنتين. وكان استلامه للسلطة بقبول الأمراء وإجماعهم، إذ رأوا فيه وحده من يستطيع إعادة توحيد الدولة ومواجهة الأزمتين المتراكمتين: انشقاق سنقر الأشقر في الشام، واحتمال الهجوم المغولي من الشرق.

كانت أولى مهمات قلاوون بعد توليه السلطة أن يُعالج مسألة سنقر الأشقر الذي لا يزال يتحصن في دمشق ويرفض الاعتراف بسلطته. أدار قلاوون هذه الأزمة بحنكة تُحسب له، فلم يسارع إلى الحرب مع أمير مملوكي مخضرم قد تجرّ الحرب معه إلى انقسامات أعمق في الجسم المملوكي، بل فتح معه مفاوضات طويلة ومضنية، عارضاً عليه التسوية والأمان والإبقاء على مكانته مقابل الاعتراف بسلطته. رفض سنقر في البداية وتحصّن وراستعان بمن استطاع، فزحف قلاوون بجيشه نحو الشام وأجبره على التراجع إلى حصن صهيون على الساحل. ثم استأنف المفاوضات من موقع القوة هذه المرة، حتى رضي سنقر في نهاية المطاف بالتسوية وأذعن لسلطة قلاوون مقابل ضمانات وفى بها قلاوون.

كان في هذا الحل مزدوج الأهمية؛ فهو من ناحية أنهى الانشقاق وأعاد لحمة الدولة دون حرب أهلية مدمرة، ومن ناحية أخرى أفرغ قلاوون طاقته كاملةً لمواجهة المغول الذين كانوا يترقبون الأوضاع ويتحينون الفرصة. وحين جاءت معركة حمص الثانية عام 1281 كانت الدولة المملوكية قد استعادت وحدتها وتماسكها، وكان قلاوون قد أمضى سنتين في ترتيب البيت الداخلي قبل أن يواجه العدو الخارجي. وتلك كانت أولى علامات حكمته التي ميّزت سلطنته من أولها إلى آخرها.

مواجهة المغول
كان الخطر المغولي في أيام قلاوون خطراً حقيقياً ماثلاً لا وهماً. فقد كانت دولة الإيلخانيين في فارس تتطلع باستمرار نحو مصر والشام، وكانت الذاكرة الجماعية لا تزال تحمل صدمة سقوط بغداد عام 1258 وما رافقها من مجازر. لم يكن التهديد المغولي نظرياً بل كان جيوشاً تتحرك وحدوداً تُنتهك.

في عام 1281 قاد أباقا خان الإيلخاني حملة ضخمة نحو الشام، وكان معه حلفاؤه من الأرمن والجيوش الجورجية، وعدد جيشه يفوق ما استطاع قلاوون تجميعه. التقى الجيشان في معركة حمص الثانية على ضفاف نهر العاصي. لم تكن المعركة سهلة؛ فقد اندفع المغول في البداية باندفاع أكسبهم الجناح الأيسر المملوكي، وبدا للناظر لوهلة أن الكفة تميل لصالحهم. غير أن قلاوون أحكم إدارة الجناح الأيمن والقلب، وصمد في مركز المعركة حتى أتاح لجناحه تطويق العدو.

انتهت المعركة بانسحاب المغول وتراجعهم خلف الفرات، وبات واضحاً أن مصر لن تسقط في يدهم. كانت هذه المعركة بمثابة رسالة واضحة أن الدولة المملوكية قادرة على الصمود والمبادرة في آنٍ معاً.

في السنوات التالية واصل قلاوون سياسة الضغط على الإيلخانيين من أكثر من اتجاه. فتح قنوات تواصل مع خانات القبجاق في الشمال الذين كانوا أعداء تاريخيين للإيلخانيين، واستطاع أن يُحكم على الدولة الإيلخانية طوقاً دبلوماسياً أضعف قدرتها على التركيز نحو مصر. لم يكن هذا عبقرية عسكرية فحسب بل كان فهماً عميقاً لجغرافية السياسة في عصره.

تحرير الساحل الشامي
أدار قلاوون حرب تحرير الساحل بأسلوب يختلف عن أسلوب سلفه بيبرس. كان بيبرس يميل إلى الغارات السريعة والضربات المباغتة، أما قلاوون فقد آثر الحصار المنظم والتخطيط المحكم، مستعيناً بالمهندسين والمتخصصين في فنون الحصار. وكانت نتائجه في هذا الباب مذهلة بكل معيار.

بدأ بحصن المرقب عام 1285 وهو من أمنع الحصون في العالم آنذاك، يقع على ربوة شاهقة في الساحل الشامي، وكان يسكنه فرسان الإسبتارية المعروفون بشدة بأسهم وإحكام دفاعاتهم. ضرب قلاوون عليه الحصار وأمر مهندسيه بحفر أنفاق تحت أبراجه الحجرية، وحين اكتملت الأنفاق وأُشعلت فيها النيران تصدّع برج رئيسي وسقط، ففتح ذلك ثغرة أجبرت الحامية على التسليم. كانت مدة الحصار لا تتجاوز شهراً واحداً، وهو رقم يدل على كفاءة الجهاز العسكري المملوكي في ذلك العصر.

ثم جاء دور اللاذقية عام 1287 فأخذها دون كبير عناء، إذ كانت دفاعاتها دون المرقب. وفي عام 1289 شرع في حصار طرابلس التي كانت من أكبر المدن الصليبية وأكثرها ثروة، تحميها أسوار متينة وتسندها بحرية قبرصية كانت تُمد الحامية بالمؤن. استغرق الحصار أشهراً انتهت بسقوط المدينة وتحوّلها إلى مدينة إسلامية من جديد. وحين أخذها أمر بهدم الجزء الساحلي منها لقطع أي إمكانية لعودة الصليبيين وتحصينهم من البحر، وهو قرار يدل على تفكير استراتيجي بعيد المدى.

وفي أواخر عام 1290 استعد لأعظم مهماته وهي حصار عكا، آخر المدن الكبرى الصليبية ومركز قوتهم البحرية والتجارية. جمع لها جيشاً ضخماً وأعدّ لها العدة بعناية، غير أن الأجل لم يمهله فتوفي في نوفمبر 1290 وهو في طريقه إلى الشام. فأكمل ابنه الأشرف خليل المسيرة وحاصر عكا عام 1291 حتى سقطت، وبسقوطها انتهى الوجود الصليبي المنظم في الشرق إلى غير رجعة.

في السياسة الخارجية
كان قلاوون يدرك أن الدولة تحتاج إلى أصدقاء لا تقل أهميتهم عن الجيوش، فبنى شبكة علاقات خارجية لم يسبقه إليها كثير من سلاطين عصره. أبرم معاهدة تجارية مع جمهورية البندقية عام 1283 تقضي بتبادل المنافع التجارية وحماية التجار وتحديد الرسوم الجمركية، وكانت هذه المعاهدة مثالاً للبراغماتية السياسية إذ تعامل مع خصوم أمس شركاءَ اليوم حين اقتضت المصلحة. وعلى نفس المنوال فتح علاقات مع جنوة وأراغون، مستغلاً التنافس الأوروبي الداخلي لصالح دولته.

على الجبهة الشرقية واصل المراسلات مع خان القبجاق في الشمال لإبقاء الضغط على الإيلخانيين، كما أرسل سفارات إلى الهند وإثيوبيا وبلاد النوبة لتوطيد العلاقات التجارية وضمان طرق القوافل. وقد أسهمت هذه السياسة في جعل القاهرة مركزاً للتجارة الدولية يجمع خيوط الشرق والغرب.

قلاوون الحاكم
حين يُقرأ ديوان الإنشاء المملوكي من عهد قلاوون تبرز صورة حاكم يُعنى بالتفاصيل ويُتابع شؤون الرعية مباشرة. أصدر مراسيم تنظم أسعار الأسواق وتحمي التجار من الاحتكار، وأعاد تنظيم الجهاز البيروقراطي الذي كان بيبرس قد أرسى معالمه.

اهتم بإعادة بناء المدن الشامية التي تضررت من الحروب المتتالية، وأشرف على ترميم المدارس والمساجد في دمشق وحلب وحمص. وكان يُعرف بالانفتاح على العلماء والفقهاء، يستشيرهم ويسمع آراءهم في الشؤون الكبرى وإن لم يكن مُقيّداً بها دائماً.

كان عادلاً في توزيع الإقطاعات على أمرائه دون محاباة، وهو ما أبقى الولاء متماسكاً في صفوف المماليك طوال حكمه. ولم تشهد سلطنته تمردات داخلية تُذكر، وهو أمر نادر في تاريخ الدولة المملوكية التي عُرفت بتقلب ولاءاتها.

الرحيل
في نوفمبر عام 1290 كان قلاوون قد تجاوز الثامنة والستين من عمره وبدأت أمارات المرض تنهش في جسده، غير أنه أبى إلا أن يقود بنفسه الحملة التي خطط لها نحو عكا.

توفي قبل أن يصل إلى الشام، بعد سلطنة امتدت أحد عشر عاماً بنى فيها مؤسسات راسخة وأحكم حدود دولته من الشرق والغرب. أوصى بالحكم من بعده لابنه الأشرف خليل الذي أوفى بالوعد وأكمل ما بدأه والده. دُفن في قبته التي شيّدها لنفسه في القاهرة، وهي قبة لا تزال قائمة حتى اليوم تستقبل الزوار وتحمل اسمه.

بدأ قلاوون حياته رقماً في سجل تاجر نخاسة، وأنهاها مؤسساً لأسرة حكمت مصر، وبانياً لمستشفى خدم المرضى ستة قرون، ومحرراً لساحل أرهقته الحروب عقوداً. وفي ذلك ما يكفي شاهداً على حياة لم تكن عابرة.


الساعة الآن 08:01 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security team