![]() |
عبد المؤمن بن علي الكومي
بسم الله الرحمن الرحيم
عبد المؤمن بن علي الكومي (487 - 558 هـ / 1094 - 1163 م) مؤسس دولة الموحدين وموحِّد المغرب الإسلامي النشأة والأصل ولد عبد المؤمن بن علي الكومي عام 487 هـ / 1094 م، في قرية تاجرا بالقرب من ندرومة على ساحل تلمسان، وينتمي إلى قبيلة كومية البربرية من مجموعة زناتة القبلية. نشأ في أسرة بسيطة، إذ كان والده يعمل صانعَ خزف، غير أن البيئة التي نشأ فيها كانت تحث على طلب العلم والدين. تلقّى الفتى النابه دروس العربية والعقيدة في مسقط رأسه، وفي كتاتيبها حفظ القرآن الكريم. ثم حدته الرغبة في طلب العلم خارج القُطر التابع لنفوذ دولة المرابطين، فعزم على التوجه إلى المشرق. اللقاء المصيري بابن تومرت في طريق عودته من المشرق، التقى بالعلامة محمد بن تومرت الذي كان يسعى إلى بناء دولة موحدة للمغرب. كان هذا اللقاء نقطة تحول في مسيرة الرجلين كليهما؛ إذ رأى ابن تومرت في هذا الشاب الذكي طاقةً قيادية نادرة. كان ابن تومرت ينظر إلى عبد المؤمن بأمل كبير وتوقعات عالية لمستقبله القيادي، فقام بتعليمه وتجهيزه بشكل مكثف لمهمة القيادة والزعامة، وأطلق عليه لقب “غلاب الدول”، وأمر أتباعه بالطاعة له والبيعة من بعده. تولّي قيادة الموحدين تولى عبد المؤمن أمور الدعوة عقب وفاة المهدي بن تومرت في 13 رمضان 524 هـ / أغسطس 1130 م، بعد الهزيمة التي لحقت بالموحدين في معركة البحيرة، واستطاع أن يجند أنصاراً جدداً، وظل يناوش المرابطين دون الدخول في معارك حاسمة، واستمر هذا الوضع حتى سنة 534 هـ / 1140 م. لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ خلال فترة غيابه في الحملات، نشأت حملات تمرد ضده داخل الدولة الموحدية، كان من أبرز قادتها عبد الله بن ملوية، أحد أصدقاء ابن تومرت القدامى، الذي طمع في الرئاسة وطلب الدعم من أمير المرابطين علي بن يوسف. الحملات العسكرية الكبرى وسقوط المرابطين جهّز عبد المؤمن جيشاً عظيماً وخرج به من قاعدته “تينمل” سنة 534 هـ / 1140 م، واتجه إلى شرق المغرب الأقصى وجنوبه الشرقي لإخضاع القبائل لدعوته، بعيداً عن مراكش مركز جيش المرابطين القوي، وأنفق في غزوته الكبرى أكثر من سبع سنوات متصلة، أبدى فيها ضروبا من الحيل الحربية والمهارة العسكرية، وهو ما جعل الجيش المرابطي يحلّ به الوهنُ دون أن يلتقي معه في لقاءات حاسمة. أبرز المحطات العسكرية: تلمسان ووهران (1144-1145م): في أثناء الغزوة توفي علي بن يوسف سلطان المرابطين سنة 537 هـ وخلفه ابنه تاشفين، لكنه لم يتمكن من مقاومة جيش عبد المؤمن، الذي دخل تلمسان سنة 539 هـ، فتراجع تاشفين إلى وهران، فلحقه الموحدون وحاصروا المدينة وأشعلوا النيران على باب حصنها، ولما حاول تاشفين الهروب سقط عن فرسه ميتاً في 27 رمضان 539 هـ / 23 مارس 1145 م. فاس (1145م): تطلّع عبد المؤمن إلى فتح فاس، فاتجه إليها وضرب حولها حصاراً شديداً ظل سبعة أشهر، حتى اضطر واليها إلى التسليم فدخلها الموحدون في 14 ذي القعدة 540 هـ / 5 مايو 1145 م. مراكش (1147م): ضرب الموحدون حصاراً حول مراكش دام أكثر من تسعة أشهر، أبدى المدافعون ضروباً من الشجاعة والبسالة، لكنها لم تُغنِ عنهم شيئاً، واستولى الموحدون على المدينة في 18 شوال 541 هـ / 24 مارس 1147 م، وقتلوا إسحاق بن علي آخر أمراء المرابطين بعد أن وقع أسيراً، وبذلك سقطت دولة المرابطين وقامت دولة الموحدين. بناء الدولة وتنظيمها نظّم عبد المؤمن أمور دولته وجعل لها مؤسسات راسخة: فللعدل والنظر في الشكايات وزير، ولأعمال الحرب والجهاد وزير يُسمى “صاحب السيف”، وللثغور وزير، وللشرطة رئيس يُسمى “الحاكم”، وللكتابة والمراسلات وزير من أهل الرأي والبلاغة. وكان له مجلس خاص للنظر والمشاورة يحضره الفقهاء ونواب القبائل وكبار رجال الدولة. أولى عبد المؤمن اهتماماً كبيراً بالتنظيم الإداري والكتابة، كما اهتم بالجيش وسعى إلى تزويده بالعتاد حتى أصبح يمثل قوة عظيمة يهابها الحكام والدول الأخرى. واهتم بالتنظيم المالي إذ قام بتقسيم الأراضي تقسيماً فلاحياً مضبوطاً ليكون خراجها منظماً. اتساع الدولة وحّد عبد المؤمن المجال الممتد من مراكش إلى طرابلس الغرب، ومن أقاصي الصحراء جنوباً إلى تطيلة (Tudela) في الشمال الأندلسي. وأقرّ ابنه عثمان نائباً عنه في غرناطة، وابنه يوسف والياً على إشبيلية، وابنه عبد الله على بجاية، والوزير عمر إنتي والياً على قرطبة. الجانب العلمي والحضاري خصّص عبد المؤمن جهوداً طيبة لدعم التعليم ونشر القراءة وتطوير النهضة العلمية بالأندلس، واعتنى بالحفّاظ، وشجّع على التأليف، وفتح باب الحركية العلمية بين الأقطار والمغرب الأقصى. شخصيته وصفاته اجتمعت في شخصية عبد المؤمن صفات تؤهله للخلافة، من فضله وعلمه ودينه وعزمه وشجاعته وحسن سياسته ورجاحة عقله. وعُني بالجيش حتى صار من أعظم الجيوش في وقته، وكان هو نفسه قائداً عظيماً وجندياً ممتازاً يشاطر جنوده مشقة الطريق وتقشف الحياة العسكرية. ومن أبلغ ما يكشف خُلُقَه وتواضعه ما رواه الذهبي: أنه لما نزل مدينة سلا وعبر النهر، وجعلت العساكر تعبر أمامه قبيلة بعد قبيلة، خرّ ساجداً، ثم رفع رأسه وقد بلّ الدمع لحيته، وقال: أعرف ثلاثة أشخاص وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد، فأتوا صاحب القارب وبذلوا له الرغيف ليعبروا ثلاثتهم، فأبى — يستحضر بذلك ذكرى البدايات وأيام الفاقة. الوفاة والإرث وافت المنية الخليفةَ عبد المؤمن بن علي الكومي بعدوة سلا يوم 16 مايو 1163 م، ودُفن بتينمل بجوار مرقد زعيمه الروحي ابن تومرت. امتدّ حكمه أربعة وثلاثين سنة، تمكن فيها من تحويل الحركة الدينية السياسية الناشئة التي ورثها عن ابن تومرت إلى دولة قوية مترامية الأطراف شملت المغرب الأقصى كله وشمال الجزائر وتونس وغرب ليبيا وقرابة نصف بلاد الأندلس، واعتُبرت فترة حكمه من أزهى الفترات السياسية التي عاشتها المنطقة. يُحسَب له أنه حوّل حركةَ دعوة وثورة إلى دولة قوية شاسعة المجال مهابة السلطان، وأخرج الموحدين من قوقعة الانشغال بالعقيدة التومرتية ووجّه طاقاتهم وعصبيتهم نحو تأسيس الدولة وتوطيدها |
| الساعة الآن 12:37 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.