منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر ذاكرة الأمكنة والحضارات والأساطير (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   الجبل الجليدي A23a (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31849)

أ محمد احمد 04-22-2026 04:11 AM

الجبل الجليدي A23a
 
بسم الله الرحمن الرحيم






https://upload.hawamer.com/d.php?has...755cfd26bf2134



في أعماق القارة القطبية الجنوبية، حيث لا يبلغ الإنسان إلا بصعوبة، وحيث الصمت لا يُقطعه إلا عواء الريح وتشقق الجليد، وُلد شيء استثنائي. كتلة جليدية لا يكاد العقل يستوعب أبعادها — أكبر من كثير من المدن، وأثقل من كل البشر مجتمعين، وأقدم من أجيال بأكملها. لم تكن مجرد جبل جليدي، بل كانت ظاهرة طبيعية بامتياز، صنعت منها الطبيعة أسطورة صامتة تجمّدت في قاع البحر أربعة عقود، ثم استفاقت ذات يوم وقررت أن تُتمّ رحلتها.

هذه قصة A23a — الجبل الجليدي الذي ظل يتصدّر قوائم الأكبر في العالم لعقود، وخاض رحلة لا تُصدَّق عبر مياه القطب الجنوبي، وأربك العلماء والأساطيل والمستوطنات البشرية على حدٍّ سواء، قبل أن يُسلّم الروح أخيراً — كما يليق بالعمالقة — في صمت المحيط وزُرقة مياهه الأبدية.

الميلاد — سبتمبر 1986
انفصل A23a عن جرف فيلشنر-رون الجليدي في القارة القطبية الجنوبية عام 1986. في ذلك الوقت كانت درجات الحرارة مختلفة، والأرض تنبض بنشاط جليدي طبيعي. لكن هذا الانفصال تميّز بتفصيل دقيق جداً: كانت هناك قاعدة بحث روسية — تُسمى Druzhnaya I — مُقامة فعلياً فوق الجرف الجليدي حين انفصل. وفجأة وجد العلماء الروس أنفسهم فوق جبل جليدي عائم في المحيط.

سارعت موسكو إلى تنظيم بعثة إنقاذ طارئة عام 1987، وأُخلي الطاقم بأمان، وأُعيد تسمية القاعدة إلى Druzhnaya III في موقع آمن.

حجمه عند الانفصال كان هائلاً: مساحة بلغت 4,170 كيلومتراً مربعاً، وسمك يصل إلى 400 متر، ووزن إجمالي نحو تريليون طن. ليس بالأرقام وحدها يتجسّد الحجم — هذه الكتلة الجليدية كانت تضم من الماء العذب ما يكفي لتزويد كل سكان الأرض لسنوات.

المحطة السوفيتية Druzhnaya I — الركّاب غير المتوقعين
ما لا يعرفه كثيرون أن A23a لم يكن خالياً حين انفصل. كان يحمل فوق ظهره بنية بشرية كاملة: القاعدة العلمية السوفيتية Druzhnaya I — أي "الصداقة" بالروسية — التي أقامها الاتحاد السوفيتي عام 1975 فوق جرف فيلشنر الجليدي مباشرةً، لتكون مركزاً لوجستياً للبعثات الجيولوجية والجيوفيزيائية في القارة القطبية الجنوبية.

لأكثر من عشر سنوات، أمضى علماء سوفييت كل صيف قطبي في هذه القاعدة النائية، يجرون قياساتهم ويجمعون بياناتهم في أحد أقسى بيئات الأرض. ثم جاء عام 1986 ليقلب كل شيء رأساً على عقب: انفصل الجرف الجليدي الذي أُقيمت عليه القاعدة دون إنذار يكفي، وإذا بـDruzhnaya I تجد نفسها فجأة لا فوق أرض صلبة، بل فوق جبل جليدي عائم في المحيط.

أدركت موسكو الخطر فوراً. لم يكن هناك وقت للتردد — المعدات العلمية والأجهزة الحساسة والسجلات البحثية المتراكمة على مدار سنوات كلها في خطر. في فبراير 1987، أُرسلت بعثة إنقاذ سوفيتية بالسفن والمروحيات للوصول إلى الجبل الجليدي المنجرف وانتشال ما يمكن إنقاذه من المعدات قبل أن تبتلعها الأمواج أو تكسرها الصقيع. نجحت البعثة في استرداد المعظم، وأُعيد تأسيس القاعدة في موقع آمن جديد تحت اسم Druzhnaya III قرب كيب نورفيجيا على الساحل الشمالي الشرقي للقارة.

أما بقايا Druzhnaya I، فقد ظلت مدفونة في جليد A23a لأربعة عقود كاملة، تجول معه في بحر ويديل ثم في المحيط الجنوبي. وحين بدأ العلماء يرصدون الجبل الجليدي بالأقمار الصناعية عالية الدقة في السنوات الأخيرة، أبدى بعض المؤرخين والباحثين القطبيين اهتماماً باحتمال استرداد ما تبقى من آثار القاعدة — أجهزة قياس، وسجلات علمية، وربما بقايا بنية تحتية — باعتبارها توثيقاً نادراً للحقبة السوفيتية في القطب الجنوبي. غير أنه لم تُعلَن حتى الآن أي خطط رسمية روسية أو دولية لمثل هذه المهمة.

قصة Druzhnaya I تُذكّرنا بأن A23a لم يكن مجرد كتلة جليدية — كان شاهداً على التاريخ، حمل معه فصلاً حياً من الحرب الباردة وطواه في أعماق المحيط.

العقود المجمّدة — 1986 حتى 2020
بمجرد انفصاله، غرست A23a قاعدته الضخمة في قاع بحر ويديل الضحل، وعلق هناك كالأهرامات الغارقة. ثلاثة عقود ونيف وهو جاثم في مكانه، يشهد الفصول تتعاقب، والجليد يتآكل ببطء من أسفله، والعلماء يراقبونه عن بُعد، حتى نسيه كثيرون.

ما الذي أبقاه راسياً طوال هذا الوقت؟ ببساطة وزنه الهائل. قاع بحر ويديل الضحل كان يحمله من الأسفل كما يستقر كوب زجاجي في وعاء من الرمل. وظلت مياه المحيط تنحت قاعدته بصبر حتى جاء اليوم الذي أصبح خفيفاً بما يكفي للتحرر.

الصحوة — 2020
في عام 2020، بعد أكثر من 34 سنة من الجمود، انتزع A23a نفسه من قاع البحر وانطلق في رحلته. لم يكن ذلك حدثاً درامياً مفاجئاً، بل عملية بطيئة تدريجية: المياه الدافئة القادمة من الشمال نحتت قاعده، وتيارات المحيط تراكمت في ضغطها، حتى هزّت آخر ما كان يربطه بالقاع.
رحلة الانجراف — 2022 إلى 2023.

انطلق الجبل الجليدي شمالاً غرباً عبر بحر ويديل، يجرفه التيار الجليدي القطبي الجنوبي. وتتبّعته أقمار صناعية يابانية تابعة لوكالة JAXA باستخدام رادار دقيق، كل نصف شهر، لرصد موضعه وشكله.

في نوفمبر 2023، رُصد وهو يتجاوز الطرف الشمالي لشبه الجزيرة القطبية الجنوبية متجهاً نحو المحيط الجنوبي المفتوح. وفي الأول من ديسمبر 2023، التقت به سفينة الأبحاث البريطانية RRS Sir David Attenborough قبالة طرف شبه الجزيرة. كانت السفينة تسير بعشر عُقد بحرية، ومع ذلك استغرق الأمر ساعات للإبحار على طول ضلعين فقط من جوانبه. أخذ العلماء خلال هذه المهمة عينات من مياه المحيط المحيطة للدراسة.

الأقواس العملاقة — يناير 2024
في 14 يناير 2024، وثّقت طائرة مسيّرة منظراً استثنائياً: أقواساً جليدية ضخمة نحتتها الأمواج في جوانب الجبل قرب سطح الماء، مثل كاتدرائية بنتها الطبيعة من الجليد الشفاف الأزرق. نشرت BBC وCNN هذه الصور على نطاق واسع وأثارت إعجاباً عالمياً.

الدوّامة التايلورية — أبريل إلى ديسمبر 2024
في أوائل أبريل 2024، دخل الجبل الجليدي التيار الدائري القطبي الجنوبي، لكنه لم يتقدّم. ظل يدور في مكانه كجسم ضخم في غسالة عملاقة. وفي أغسطس 2024 أكد العلماء السبب: كان A23a محاصراً فوق قمة جبل تحت الماء تُسمى Pirie Bank قرب جزر أوركني الجنوبية.
ما الذي حدث تحديداً؟ تدفق المياه فوق قاع البحر المرتفع يخلق ما يُسمى عمود تايلور — اسطوانة دوّامية من الماء محاصرة فوق القمة الجبلية. لقد علق الجبل الجليدي في هذه الدوامة، يدور عكس عقارب الساعة بمقدار 15 درجة كل يوم. ثمانية أشهر متواصلة والجبل يتقلّب في مكانه كرقصة بطيئة موحشة.

في ديسمبر 2024، أعلنت هيئة المسح البريطانية للقطب الجنوبي أن A23a تحرر أخيراً وبدأ ينجرف شمالاً من جديد.

اقتراب جورجيا الجنوبية — يناير 2025

في 23 يناير 2025، كان A23a يبعد 278 كيلومتراً فقط عن جزيرة جورجيا الجنوبية، وهي إقليم بريطاني نائٍ في جنوب المحيط الأطلسي. تصاعدت المخاوف: هل سيصطدم الجبل بالجزيرة؟ هل سيقطع خطوط تغذية الفقمات والبطاريق؟ طيور البطريق الملكية تقطع مئات الكيلومترات للصيد — أي حاجز جليدي ضخم يمكن أن يكون قاتلاً لصغارها التي تنتظر في البر.
الجنوح قرب جورجيا الجنوبية — مارس 2025.

في 4 مارس 2025، لامس A23a قاع الرصيف القاري على بُعد 73 كيلومتراً من الجزيرة وتوقف. ظل راسياً في مكانه قرابة ثلاثة أشهر، يتآكل ببطء من أسفله وجوانبه.

الشظايا تتساقط — طوال 2025
المركز الأمريكي الوطني للجليد رصد مراحل الانفصال بدقة وسمّى كل شظية باسمها:
في 1 يناير 2025 انفصلت A23b، تلتها A23c، ثم في 15 يوليو انفصلت A23d وA23e، وفي أغسطس سقطت A23f وA23g وA23h، وبحلول 11 سبتمبر انضمت A23i وA23j. عشر كتل كبيرة في غضون أشهر.

التحرر الثاني والرحلة حول الجزيرة — يونيو 2025
في مطلع يونيو 2025 تحرر A23a من قاع البحر مجدداً وبدأ يتحرك شرقاً، متبعاً التيار المحيطي القوي حول جزيرة جورجيا الجنوبية. هذا التيار كان يُسرّع تفككه، إذ أن قوى الشد والضغط على جسم الجبل المتآكل أصبحت أشد من قدرته على التماسك.

التحوّل للأزرق وبداية النهاية — ديسمبر 2025 ويناير 2026
في 26 ديسمبر 2025 رصد قمر صناعي تابع لناسا شيئاً مقلقاً: سطح A23a يتحوّل إلى اللون الأزرق الكثيف. وفي 27 ديسمبر التقط رائد فضاء من محطة الفضاء الدولية صورة مقرّبة تظهر بُحيرات الذوبان تغطي السطح.

ما الذي يعنيه اللون الأزرق؟ الثلج الأبيض يعكس ضوء الشمس بنسبة عالية، لكن الجليد الذائب والمياه تمتص الطيف الأحمر وتعكس الأزرق. اللون الأزرق يعني أن الجليد بدأ يذوب من الداخل، وأن البنية الداخلية للجبل أضعف مما تبدو عليه. الأخطر من ذلك أن ثقل المياه المتراكمة فوقه اخترق الجليد من خلال ظاهرة الكسر المائي (Hydrofracturing)، وهي نفس الآلية التي تُفكك الأجرف الجليدية الكبرى في القطب الجنوبي.

في 14 يناير 2026، أظهرت صور القمر الصيني Fengyun-3D أن مساحة A23a انكمشت إلى 506 كيلومترات مربعة — أقل من ثُمن حجمه الأصلي.

الفصل الأخير — فبراير ومارس وأبريل 2026
شهدت المرحلة الأخيرة ثلاثة انهيارات متتالية سريعة: في نهاية فبراير تقلصت مساحته إلى 310 كيلومترات مربعة. بعد أيام، جاء الانهيار الثاني في 3 مارس ليُخفّضها إلى 180 كيلومتراً مربعاً. ثم في أواخر مارس وأوائل أبريل 2026 جاء الانهيار الثالث والأخير: تهاوت المساحة من 169 كيلومتراً مربعاً إلى 35.2 كيلومتراً مربعاً — أقل من الحد الأدنى لتصنيف الكتلة كجبل جليدي مستقل. وبذلك أُعلن رسمياً عن إنهاء تتبع A23a، وانتهت قصته الممتدة لأربعين عاماً عند الإحداثيات 48.5°S, 30.5°W في هدوء المحيط.

الإرث العلمي

خلال رحلته، جمع العلماء بيانات لم يكن بالإمكان الحصول عليها قبلاً. عينات المياه التي أخذتها السفينة البريطانية رصدت كيف يؤثر ذوبانه على الكربون في المحيط، وكيف تنتعش الحياة البحرية في أعقابه.

فالجبال الجليدية الضخمة تحمل معها كميات هائلة من المعادن والغبار المتراكم في الجليد على مدى آلاف السنين — وحين تذوب، تُغذّي المحيط بالحديد والمواد المغذية التي تُنشّط العوالق النباتية، فتُطلق سلسلة غذائية كاملة. وقد رُصد بالفعل ازدهار ملحوظ في نمو العوالق في المنطقة التي أذاب فيها A23a كتلته. أما الأرقام والبيانات التي جمعتها الأقمار الصناعية اليابانية والصينية والأمريكية والأوروبية على مدار السنوات، فستظل مرجعاً علمياً لعقود قادمة لفهم كيف تتصرف الجبال الجليدية العملاقة — وكيف يتغير مناخ الأرض.





الساعة الآن 08:00 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security team