![]() |
++ حينما يتبدد الدخان ++
++ حينما يتبدد الدخان ++ * الفصل الأول * لا تذكر هذه البلدة الهانئـــة بيتـــاً يرفرف الحب في ثنايــاه. . مثل بيت العادل. . . خالد العادل. . . كان رمزاً للشهامة والبطولـــــة والحب والايثار . . أحاطت الصفات الحسنة بأصحاب البيت . . لم تمسهم سيئة تجرحهم. . لم يتعرضوا لحسد أو نميمـة. . لم يكرههم من أهل البلدة أحد . . بل أن الجميع أحبهم . . وكانوا لكل شيء جميل مثلاً أعلى . . ولكن . . ! ماهي قصتهم . . ! أيعقل أن عـــــــــاشت هذه العائلــــة دهراً بلا كراهيــــة ولا ضغينـة . . ! إنها حكاية غريبة . .لا تتكرر . . ولكنها حكاية حقيقية . . بدأت أحداثها منذ مايزيد على أربعين سنة . . . كان خالد. .الابن الأكبر لعائلة كريمـــة . . في أوائل العشرين . . يفيض حيويـــة وشباباً . . وكـــان همـه وحلم حياتـــه أن يكون رجل إطفــــاء . . يقـوم بالواجب ويقدم المساعدة . . بدون مصلحة وبلا غرض . . . أما أمـل . . فهي إبنة أبيها المدللة . . غاية في الجمال . . من عائلـة غنيـة . . تقطن في فيللا متعددة الأدوار . . تحيـط بهــا حدائـق وارفـــــة الظلال . . لايعـكر صفو حياتهـــا أي شيء . . كل ما تطلبه . . يأتيهـــا بيسر وبدون مشقة . . . ومضت سنون العمر . . تلملم الســـــاعات والأيام . . تضمهـــــا . . ثم ترميها خلف ظهرها . . وكأنهـــــا مـا كــــانت . . ولأن لاشيء على الأرض يدوم . . ولأن لكل شيء نهايـــة . . فقد توجب أن تبدأ قصتنا بدايـة مفجعـة . . محزنـة . . مدمـرة . . لينتج عنهـــا بعـد ذلك . . سعـادة قل نظيرها . . ووفاء يصعب حدوثه . . في أي زمان . . وتحت أي ظرف . . . كانت أمل الجميلة . .ذات التسعة عشر ربيعـاً . . في البيت . .مع جدتها وأخيهـا الأصغر ذي السبعـة أعـوام . . . أمل في الدور العلوي . . والجـدة تدخن النرجيلـة في غرفــــــة الجلوس وبجانبهــا عامر الأخ الأصغر . . يلعـب بالكـرة . . . خرجت الجدة إلى الصالــة الكبيرة لبعض شأنهـا . . رمى عامر الكرة صوب الحــائط . . فأصـابت اللوحـة المعلقــة وكسرتها . . وانحرفت مع ارتدادها لتوقع النرجيلة المشتعلة . . . هرب الصغير خوفــاً من التأنيب . . وبقيت الجدة في الصالــة الكبيرة . . وبقيت أمل في غرفتها . . ولم يتنبه أحـد إلى تجمع النـار في غرفـة الجلوس . . إلا بعد أن وصلت إلى الستـائر والخـزائـن . . بل وأمسكت ببـاقي الأثـاث . . لتخرج من الغـرفـة بانفجار عظيم حـطـم بــابهــــــا . . وزلزل كيــــــان الأســــــــــرة وأمنــــها . . . ومضت الجـدة بضعفهــــا وبطء حركتهـــــا . . تبحث عن عامر . . ووجدته منزوياً في المطبخ . . فأسرعت به إلى الحديقــــة . . مبتعدة عن الخطر . . أمـــا الجميلــة أمل . . فقـد هبـت مذعورة . . ولــم تتمكـن مــن اســــــتيعاب ماحصــــل . . فتحت باب غرفتها . . وفاجأتهــــا النيران الهـائجــة . . مع سحب الدخان الخانق . . ركضت تجاه السلم . . طريق النجــــاة الوحيد . . كان سلماً خشبيا أمسكت النار بتلابيبه . . سقـط السـلم . . وسقطت أمل معه . . ثم انحشرت تحتـه . . تحيط بهــا كتـل ضخمـة لاتدري كنهها . . ولكنها كتل متماسكة نوعاً ما . . أمنت للفتاة المصابة مأوى مؤقتاً. . اشتدت النــــار وزاد لهيبهـا . . والفتاة المسكينـة قابعة في ملجئهـا . . خائرة القوى . . خائفة شاردة . . وبدأ شعورها بالاختناق يتفاقم . . وبدأت الكتل المحيطة بهــا بالانحلال . . وهي قد تسقط فوقها في أية لحظة . . وكان لانحلالها صوت مرعب . . يشيع الموت بيـن ثنـايــاه . . وكـأنـه القـدر لا مفــر منــــه . . . أما في الخارج . . فقد تجمع الأهل والناس . . ثم وصلت سيارة الاطفاء . .الجميع بحالة هستيريـة . . والمنزل الجميـل أصبح جزءاً مـن المــــاضي . . وقد أتت النيران على كل مافيه فعلاً . . وصــــار الـدخـول إليـه مســـتحيلاً . . . تصرخ الأم تنادي ابنتهــا . . وأزيز النـار يتزايد . . وكتـل تتســـاقط . . وشذرات تتطاير . . والكـل مشـــــدوه . . ومســـؤول المطافىء يمنع أي انســـان مـن محاولـة الدخــول . . فالبيـت أصبـح جحيمـــــاً قاتــــلاً لانجاة منــــه . . * يتبع * |
* الفصل الثاني *
وفجأة . . وكأنـه مشهـد من أســـاطير قديمة . . أو أنه فصل بعيد عن الحقيقة . . يظهر خالـد . . الإطفائي المغوار . . يأخـذ عدتــــه . . وبدون مقدمــات . . يعدو تجاه البيت . . وخلال ثـوان قليلة . . يختفي خلف سحب الدخان . . . كانت أمل في صراع حقيقي مع الموت . . لم تتنبه إلى شــعرها وقد احترق . . ولكنهــا انتبهت إلى ثيابها التي احترقت . . ولم يبق منها إلا أسمال منكمشة . . وانطبق صدرها . . وهمـد تنفسهـا . . وأصابتهـا النـار إصـابات مباشــرة في أنحـاء متعددة من جسدهـا . . وكان شعـورها بأنهــا عارية . . لايقل فظاعة عن شعورها بأنها محشورة ومحترقة. . وأيقـنـت أن لا ســــبيـل إلى النجـــاة . . . دخل خالـد البيت . . وقدر بخبرته أن يتجه إلى الدرج الرئيســــي لأنه أنســـــب مكــــان للاحتماء . . ولم يخب حدســـه . . فما أن انقشعت سحب الدخان لبرهة قصيرة . . حتى وجد أمل أمامـــه . . كتلة سوداء . . وعينـان تبرقـان . . وجسد عار . . . وبمثل البرق . . خلع سترته الواقية . . ولف بها الجسد الواهن . . حمله إلى صدره . . وخرج بـه بيـن ألسـنة النيـران إلى الهـواء الطلــق . . وتعــــالى الهتــاف والتهليل . . ثم أسـرع بايصـال الفتاة الواهنـة إلى سـيارة الإسـعاف . . وركب معهــا . . ووضع لهـا كمامة الأكسجين . . تتقوى بها . . ورفض أن يتركها . . شيء مـــا شده ليبقى معها . . وهي المسكينة ملفوفة بالسترة الواقية . . عاجزة عن الحركة . . عاجزة عن التفكير . مكثت أمل في المستشفى فترة طويلة . . خضعت لعمليات كثيرة وأصيبت بتشوهات عديدة . . أما حالتهـــا النفسية . . فكان لا يرتجى شفاؤها . . وخلال لحظــــات صفائها . . كـــــانت لا تذكر سوى الســاعدين القويين اللذين حملاهــا وأنقذاهـــا من موت محقـق . . ومعهمـا تلك النظـرة الجميلــة . . الواثقـة . . المؤمنـة . . لذلك الإطفائي الشـهم . . كيف حملهــــا . . كيف شــدها إلى صدره العاري . . وكيف اندفع بها وسـط ألســنة اللهب . . وهو بدون حمايــة . . ماهذه الجرأة . . ! هـل هنـالك بشـر تلك صفــــاتهم . . ! وفي خزانــة المستشفى . . احتفظت أمل بالسترة الواقية . . تحضنها . . كلما أرادت أن تشعر بهدوء نفسها . . . مشــاعر وأحوال غريبة . . قلبت كيان الفتاة الجميلة . . بين ليـلـــــة وضحـاهــــا . . . أما خالد الشهم . . فلقد تعافى سريعاً من حروقه السطحية . . ولكن الغريب في أمره . . أنه لم يستطع نسيان بريق هاتين العينين . . عاش معه هـذا البريق لحظـــة بلحظـــــــة . . صـــارا توأميــن . . لاينفكان يتناغمان . . ســـوية يلتقيـان . . ولا يفترقـــــــان . . وحاول في البداية الانفكاك عن ذلك الشعور . . فلم يستطع إلى ذلك سبيلاً . . فتحول عن ذلك . . يجمع كل المعلومات المتاحة عن الفتاة التي أنقذها . . وزارها في المستشفى مرات عديدة سرا ودون أن تراه . . وصارت هاجســــه . . يحلم بهـــا كل يوم . . وعرف أنهــا قدره . . انقضى عام كامل بعد الحادثــة . . وتوجه خالد إلى أهل محبوبتــه في بيتهم الجديد . . رحب بـه الوالدان . . واستبشرت الأم خيـــراً . . . وبعد المجـــامـلات و الترحيبــات الواجبـة . . . توجـه إلى مضيفـه . . . عمي الكريـم . . جئتـك طالباً يد العزيزة أمل . . . وآمـل ألا تـردنـي خائبــــــــــــــــاً . . . كانت أمل في وسط الدرج الذي يفصل الدور الأرضي عن الدور العلوي . . عندمــا رنت كلمات خالد في أذنيهـا . . .امتقع لونها . . .وهطل الدمع من عينيها مدراراً . . ونكصت عائدة إلى غرفتهـا . . أغلقت على نفسهـا . . . وتحولت كتلة من الدمع والآهات . . . كـان ألمهـا عظيمـاً . . . لا تتحملـه الجبـال . . . ورفضت الخطوبـــة رفضـاً قاطعـاً . . . وكيـف لهــا أن تقبل بمثل تـلك التضـحيـــة . . . وهي التي أصابهـــــاالتشــــــــوه . . . لقد أحبت عادل حباً جارفاً . . .وعاشت له وبه . . . ولكن أن يتحول شــعوره إلى عطف عليهـا وأن يلزم نفســـه بها طيلـة حيـــــاتـه . . . فهذا ليـس من شـيمهـا . . . ولن تقبل بتضحيته هذه المرة . . . لقد ضحى بنفسه يوماً لإنقاذها . . . وعليهـــا أن تنسحب الآن وتتركـــه لحيـــاتـــه . . . رفضت وأصرت . . . وخرج عادل منكسراً . . . وقد أدرك ماحدث . . . كان حزنه عميقاً . . . لم يدر مايفعل . . . حتى أنـه اعتكف في اليوم التـالي في منزله . . يلوم نفسه على الموقف الذي وضع محبوبته فيه . . . فقد ظن أنها سـتكون سعيدة بطلبه . . . ولم يقدر رهافـة روحهـا وكرامــة نفســـــها . . . وبأنهــــا من الطبيعي ألا تقبـــل بطلبــــــه . . . لم يدر ذلك في حسبانه . . . لم يقدر الموقف ولم يخطط له كما يجب . . . لام نفســــه وقاسى الأمرين معها وحملها كل الخطأ . . . ودأب يفكر أن كيف يمكنه أن يصلح هذا الموقف . . . * يتبع * |
* الفصل الثالث * والأخير
تحلقت الأسرة حول عادل . . . واستفسروا عن حاله . . لقد قمت بعمل ظــالم . . .وآذيت أعز الناس . . ولا أدري كيف أتصرف . . . وتطوعت أخته بارسال صديقة عزيزة من صديقات أمل . . . تهدئ من روعهـــــا . . وتقنعها بطلب عادل . . . حاولت الصديقة بكل الســـبل الممكنة . . . أقســمت لها بأن عادل يحبهــا . . . وهو لم يطلبها للزواج عطفاً عليها أو شـــفقة بها . . . وإنمـــا لأنه قد أحبهـــــــا فعلاً . . . كان الرفض القاطع هو الجــواب النهائي . . فهي لن تظلم عادل معها . . وعرف عـادل بإصرار أمل على موقفهـــــا فازداد حزنه . . . وزاد مع حزنـه إصراره . .فأمـامـه حب ساحر يربطه بتلك الفتاة. . . لايمكن تجاهله . . . وهو لا يرغب عنه انفكاكاً . . . وتمر الأيام وتتوالى الأشهر . . .عادت أمل إلى شرنقتها . . .وصارت تبعد طيف عادل عن قلبها كلما أطل عليها . . . ولم تعد تتجرأ أن تضم السترة الواقية إلى صدرها . . . فقد شـــعرت بأن ذلك لم يعـد من حقهــــــا . . . ممــــا زاد في همهـــــا وانعزالها . . . أما عــادل . . فلم يتوقف يومــــاً عن محاولاته . . فكان يضع الخطة تلو الخطة . . . يعاونه في ذلك والد محبوبته . . . عسى أن يتمكنا من اقناعها . . ولكن دونما فائدة . . . فهي مؤمنة أن طلب عادل ما كان ليحصل لولا شـفقته بهـــــا . . . وهي لا يمكن لها أن تقبل من أحد شفقة . . . حتى لو كان عادل . . . فالشفقة حين تنقضي . . تخلف وراءها الندم . . وبعد الندم تتسرب السعادة . . وهي لن تقتل حلمها الجميل بيدها أبداً . . . مرت بعد الحادث سنوات ثلاث . . وأعيت الحيل عادل وأهله . . وكحماســه تحول حماســــهم . . كلهم يريدون أمل . . ولم يطلبوا منه يومـــاً أن يتخلى عن عزمه أو أن يبحثوا له عن عروس أخرى . . . أمـــا والدة عادل . . التي كــــانت مســـاهمتها لحل القضيـة غير مجديـة . . مثل بـاقي المساهمات . . فقد انبرت في المســــــاء يوماً . . تخاطب ابنهـــا . . لقد طال الزمن . . ومــازالت أمل مصرة على موقفهــــــا . . لماذا لاتدعني أبحث لك عن عروس غيرها ! اســـتغرب الحاضرون هذا الطرح . . ولكنهم لم يســـــتغربوا جواب عادل . . أماه . . لقد ربطت روحي بهذا الأمل . . ولن أرضى أن أنعتق منه أبداً . . فأردفـت أمه . . إذن فسـوف أضمـن لك في الغـد الموافقــــة على الخطوبـة بإذن الله . . وتحلق الجميع حول الوالدة . . ولكن كيف . ! ماذا ســتفعلين ! . . لاعليكم . . دعوني حتى الغد . . في ضحى اليوم التــــالي . . جهزت الوالدة حقيبة ســـفر . . وضعت فيها احتياجاتها . . وكأنهـــا مسافرة فعلاً . . ويممت وجهها صوب منزل أمل . . فتح الباب . . وشاهد الخادم سيدة يعرفها . . تحمل حقيبة سفر . . دعاها للدخول . . أخبر سيدته . . جاءت على عجل . . ورحبت بالضيفة العزيزة . . ونظرات الاستغراب بادية على وجهها . . طلبت الوالدة أن تصعد لغرفة أمل في الدور العلوي . . ولم تفسر سبب وجود الحقيبة معها . . أعلمت المضيفة ابنتها بوجود الضيفة العزيزة وبأنها ستصعد إليها في غرفتها . . لم تتوقع أمل أن يكون هنالك موضوع جديد إلا ما اعتادت كل حين أن تسمعه . . وما اعتادت دوماً أن ترفضه . . . ولكنها ما إن فتحت الباب وفوجئت بوجود حقيبة السفر حتى أسقط في يدها . . وتخلت عنها جرأتها . . وهرب منها اصرارها على الرفض . . حقيبة السفر هذه أثرت بها . . وبلحظة واحدة غيرتها . . غاليتي أمل . . إن عادل يحبك حقاً . . ولن يرتبط أبداً إلا بك . .وأنت مازلت ترفضين . . ولست على استعداد لاترك ابني في حياته وحيداً . . وقد قررت أن أسكن عندك . . ولن أغادر أبداً حتى توافقين . . . قفزت أمل . . زال عنها خوفها . . تبدد ترددها . . وضعفت أمام هذه السيدة العظيمة . . ونسيت كل كوابيسها وآلامها . . ولم يبق في ذهنها إلا أنها توافق على عادل . . وتتمنى اللحظة التي تجمعها معه زوجاً وزوجة . . إني ياأماه بين يديك ورهن إشارتك . . أوافق على كل ما تريدين . . إذن لقد وافقت العروس أخيراً . . وانتهت الأحزان . . وبدأ زمن الفرح . . وانطلقت الزغاريد . . تكسر الجليد . . وتذيب ما ران على القلوب من تعاسة وألم . . لقد بدأ عهد جديد . . تزوج الحبيبان . . ولم يخب أجيج حبهما يوماً . . علما الناس الحب والإيثار . . وكانا مثالاً لكل ماهو جميل . . على المحبة عشنا . . وعلى المحبة نلتقي . . أتمنى لغيري أكثر مما أتمناه لنفسي . . أؤمن بالله الواحد الرزاق . . لا إله إلا هو . . هي رحلة قصيرة على الأرض نحياها . . لنستمتع بعدها بخلود الجنان . . تلك هي قصة هذه العائلة . .عائلة العادل . . وكيف أن الألم قد تحول إلى سعادة . . وأن الخوف قد تحول إلى قوة وفخر . . وكيف أنه من تحت الرماد . . ينبت الأمل . . . انتهت . . ** أحمد فؤاد صوفي ** |
الساعة الآن 09:55 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.