![]() |
هل يجوز التبرك بالصالحين قياسا ً عليه صلى الله عليه وسلم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد : هل فعل الصحابة ذلك التبرك مع غيره صلى الله عليه وسلم ؟ إذا كان أصل دليل التبرك بالرسول صلى الله عليه وسلم هو فعل الصحابة رضي الله عنهم معه صلى الله عليه وسلم , وإقراره إياهم على ذلك , بل أمره صلى الله عليه وسلم إياهم بذلك أحيانا ً , فهل وُجد هذا التبرك عند الصحابة رضي الله عنهم مع غيره صلى الله عليه وسلم وهل أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك وأرشدهم إليه ؟ الحق أنه لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالتبرك بغيره من الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم , سواء بذواتهم أو بآثارهم , أو أرشد إلى شيء من ذلك . وكذا فلم يُنقل حصول هذا النوع من التبرك من قبل الصحابة رضي الله عنهم بغيره صلى الله عليه وسلم لا في حياته صلى الله عليه وسلم ولا بعد مماته . لم يفعله الصاحبة مع السابقين منهم إلى الإسلام وفضلائهم مثلا ً , ومنهم الخلفاء الراشدون وهم أفضل الصحابة وبقية العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم . قال الإمام الشاطبي بعد أن أشار إلى ثبوت تبرك الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلى الله عليه وبآثاره , مناقشا ً مسألة إمكان التبرك أيضا ً بالصالحين وبآثارهم وهو من المحققين القلائل الذين تطرقوا لهذه المسألة . قال رحمه الله تعالى : ( الصحابة رضي الله عنهم بعد موته صلى الله عليه وسلم لم يقع من أحد ٍ منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه , إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه , فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك , ولا عمر رضي الله عنه وهو كان أفضل الأمة بعده , ثم كذلك عثمان , ثم علي , ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة , ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركا ً تبرك به على احد تلك الوجوه التي كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم ( كالتبرك بالثياب أو الشعر أو الريق أو ماء الوضوء أو العرق ) ونحو ذلك , بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم فهو إجماع منهم على ترك تلك الأشياء ) . الاعتصام للشاطبي . |
ما سبب ترك الصحابة رضي الله عنهم هذا التبرك مع بعضهم ؟ إذ لم يثبت حصول ذلك النوع من التبرك من جهة الصحابة رضي الله عنهم مع بعضهم - وهم أفضل القرون - كما قرره الشاطبي رحمه الله تعالى وغيره ( كابن رجب ) مع وجود مقتضيات هذا التبرك - طلب الخير والشفاء والبركة - وتوفر أسبابه , حيث الصحابة السابقين , والعشرة المبشرين رضي الله عنهم جميعا ً . كما أن الوفود التي كانت تبعث خارج المدينة لبعض المهمات - ومنهم كبار الصحابة - لم يحصل التبرك بهم من قبل من بُعثوا إليهم , مع بُعد الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم في حياته . إذا كان الأمر كذلك , ما سبب إجماعهم على ترك هذا التبرك إذن ؟ ولماذا لم يفعلوه مع بعضهم كما كانوا يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟ إن السبب الرئيس في ترك الصحابة رضي الله عنهم ذلك التبرك مع بعضهم - والله أعلم - هو اعتقاد اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم به دون سواه ما عدا سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام . فقد اختص الله تبارك وتعالى الأنبياء والمرسلين بخصائص شريفة , لا توجد في غيرهم , ومنها وجود البركة في ذواتهم وآثارهم تشريفا ً وتكريما ً . فذوات الأشخاص وصفاتهم غير متساوية , كما قال الله تعالى : ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ ) والأنبياء هم أفضل الناس عليهم الصلاة والسلام . وقد اصطفى الله تعالى أنبياءه , واجتباهم من بين سائر البشر , وميزهم عن غيرهم بخصائص كثيرة أمر مشهور لا يُنكر . فهذه ونحوه هو الذي جعلهم يختلفون عن أولياء الله تعالى الصالحين , في هذه المسألة وغيرها . ومع عظم فضل هؤلاء ورفعة قدرهم , إلا إن مرتبتهم دون مرتبة الأنبياء والمرسلين , ولا يمكن أن يبلغوا درجتهم في الفضل والثواب وغير ذلك . ولا شك أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء والمرسلين , وأعظمهم بركة . قال الشاطبي بعدما أثبت إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ترك ذلك التبرك فيما بينهم - مع فعلهم له مع النبي صلى الله عليه وسلم - قال رحمه الله تعالى مبينا ً أحد وجهي هذا التبرك : ( أن يعتقدوا فيه الاختصاص , وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله , للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير لأنه عليه الصلاة كان نورا ً كله ... فمن التمس منه نورا ً وجده على أي جهة التمسه , بخلاف غيره من الأمة - وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله - لا يبلغ مبلغه , على حال توازيه في مرتبته , ولا تقاربه , فصار هذا النوع مختصا ً به كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع وإحلال بضع الواهبة نفسها له , وعدم وجوب القسْم على الزوجات وشبه ذلك ) . ثم قال رحمه الله مبينا ً حكم ذلك التبرك بغيره صلى الله عليه وسلم بناء ً على هذا الوجه : ( فعلى هذا المأخذ : لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه التي ذكرناها ( كالتبرك بجسده أم بشعره أو ريقه أو موضع أصابعه أو عرقه أو آثاره ) ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة , كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة ) الاعتصام للشاطبي . وذكر في موضع آخر ما يرجح هذا الوجه وهو : ( اطباقهم - أي الصحابة - على الترك , إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده , أو عملوا به ولو في بعض الأحوال , إما وقوفا ً مع أصل المشروعية , وإما بناءً على اعتقاد انتفاء العلّة الموجبة للامتناع ) . وقال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض سياقه للنهي عن المبالغة في تعظيم الأولياء والصالحين , وتنزيلهم منزلة الأنبياء : ( وكذلك التبرك بالآثار , فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ... ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم , فدل أن هذا لا يُفعل إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم , مثل التبرك بوضوئه , وفضلاته , وشعره , وشرب فضل شرابه وطعامه ومواضع أصابعه ) |
حكم قياس الصالحين على النبي صلى الله عليه وسلم : - مما سبق يتبين أن ما رآه بعض العلماء من قياس الصالحين على الرسول صلى الله عليه وسلم في جواز التبرك بذواتهم وآثارهم غير صحيح . فإن إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ترك التبرك بالذوات والآثار مع غير النبي صلى الله عليه وسلم - مع وجود مقتضياته - يدل على أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم حيث إن الله تعالى اختص نبيه بجعل البركة في ذاته وآثاره , تكريما ً وتشريفا ً لصفوة خلقه عليه الصلاة والسلام . ولو كان ذلك الفعل مشروعا زص لسارعوا إلى فعله , ولم يُجمعوا على تركه , فهم أحرص الناس على فعل الخير وأكثرهم حبا ً للرسول صلى الله عليه وسلم قال الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ تعليقا ً على قول بعض شراح الحديث ( لا بأس بالتبرك بآثار الصالحين ) إذا مروا بذكر شعر النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه , قال رحمه الله : ( وهذا غلط ظاهر , لا يوافقهم عليه أهل العلم والحق وذلك أنه ما ورد إلا في حق النبي صلى الله عليه وسلم , فأبو بكر وعمر وذو النورين عثمان وعلي وبقية العشرة المبشرين بالجنة , وبقية البدريين , وأهل بيعة الرضوان , ما فعل السلف هذا مع واحد منهم , أفيكون هذا منهم نقصا ً في تعظيم الخلفاء اللائق بهم , أو أنهم لا يلتمسون ما ينفعهم , فاقتصارهم على النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ) - ومما يؤكد اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التبرك أن التابعين رحمهم الله تعالى قد ساروا على نهج الصحابة رضي الله عنهم - كما سبق - ولا فعله التابعون مع فضلائهم وقادتهم في العلم والدين , وهكذا من بعدهم من أئمة الدين . - ومما يؤكد الاختصاص أيضا ً أنه لم يرد دليل شرعي على أن غير النبي صلى الله عليه وسلم مثله في التبرك بأجزاء ذاته وآثاره فهو خاص به كغيره من خصائصه . - ولا شك أن اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التبرك يدل على عدم جواز قياس الصالحين عليه صلى الله عليه وسلم بجامع الفضل , وأن هذا الأمر قاصر عليه صلى الله عليه وسلم لا يتعداه إلى غيره . - فقد أجمع العلماء على أنه إذا ثبت الخصوصية في حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه , إذ لوكان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى . - لا يجوز قياس الصالحين وغيرهم على النبي صلى الله عليه في جواز هذا التبرك سدا ً للذريعة . ولا ريب أن سد الذرائع قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة الأسلامية , فمن وجوه موانع القياس هنا سد الذرائع , خوفا ً أن يفضي ذلك إلى الغلو فيمن يتبرك به من الصالحين . يقول الشاطبي رحمه الله في بيان هذه العلة : ( لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد , بل تتجاوز فيه الحدود , وتبالغ بجهلها في التماس البركة حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد , فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس منه .. ) الاعتصام للشاطبي وقد يؤدي هذا التبرك بسبب الغلو والتعظيم إلى حد الشرك , فيكون ذريعة إليه , وكما قال ابن رجب رحمة الله عليه حينما تكلم عن المنع من هذا التبرك ونحوه : وفي الجملة , فهذه الأشياء فتنة للمعظَّم والمعظِّم , لما يُخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة , وربما يترقى إلى نوع من الشرك ) ( الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب ) |
مسألة : لا يصح أن يحتج بإمكان حصول المفاسد من الغلو وأنواع الشرك بالتبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم , وذلك لمجيء النصوص الشرعية بجواز ذلك الأمر به , في حقه صلى الله عليه وسلم , مع العلم بوجوب عدم مصاحبة هذا التبرك مع الرسول صلى الله عليه وسلم شيء من الغلو أو الشرك . وهكذا تبين لنا عدم جواز قياس الصالحين على النبي صلى الله عليه وسلم , وعليه فلا يجوز التبرك بذوات الصالحين أو بآثارهم , فضلا ً عن غيرهم وأن تعظيم الشيء والتبرك به لا يجوز إلا بدليل شرعي , والله تعالى أعلم . المرجع : ( التبرك أنواعه وأحكامه ) للدكتور ناصر بن عبدالرحمن بن محمد بن الجديع |
اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك وصل وسلم على سيدنا محمد , سيد الأولين والآخرين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه ومن تبعهم بأحسان إلى يوم الدين . |
الساعة الآن 05:30 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.