منتديات منابر ثقافية

منتديات منابر ثقافية (http://www.mnaabr.com/vb/index.php)
-   منبر البوح الهادئ (http://www.mnaabr.com/vb/forumdisplay.php?f=30)
-   -   هذيان الأنا والقلم جَنى ! (http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=31277)

لبنى علي 04-21-2024 05:51 PM

هذيان الأنا والقلم جَنى !
 
هذيان الأنا والقلم جَنى !


ويأتي المساء ، وتفترش النجوم بساط السماء ، ويُطِلُّ
القمرُ من عليائه ، يعلو ويخبو نورُهُ ، ويشتدُّ كُحْلُ السّماءْ .
وأنا أجلسُ على شرفتي ، على يميني كتُبي والأقلام ، وعلى
يساري أوراقي وعلبة الألوان ، وأمامي حديقةٌ غنّاءُ تزهو
بالألوان ، إلّا أنّ الّليلَ صبَغَها بِلَون أهدابهِ ، حتى فراشاتها
والأطيارُ والحَمام .

وأُمِسكُ بقلمي ، فَيفِرُّ من بين أصابعي ، وريشتهُ صمّاءُ
ولسانُ حاله يقولُ دَعكِ عنّي ، دعيني في حيرتي أتَبَعثَرُ
وأُبحِرُ في المَجهول ، فلَكَم دَقَّتْ فَوقَ رأسي طبول ، وما
زِلتُ أجهَلُ عن حيرتي وإسرافي في أمري مَن المسؤول .

وأحارُ في أمره ، وقد سكَنَ مِنّي قَلبَ أفكاري
وجَبهَتي ، وكُلُّ ما أقولُ كانَ في قاموسه مَسموع .
فلطالَما أبكَيتُهُ وغاضَ بين الدموع ، وتراقَصَ مِدادُهُ
على لَحنِ آهاتي ، وعزَفَتْ قِيانُ الضّلوع .

واليومَ ما بالُهُ إذا ما أسمَعتُهُ لَحنَ أفكاري ، يَشيحُ
بِوَجهِه عَنّي ، ويفِرُّ من بين أصابعي ، ويسكُنُ صَدْرَ
أوراقي ؟ فماذا عساه يترجِم القلم وقد أثقلَته الهمومُ
وتياراتُ الأفكار ، وما نضَب منه المداد ، إنّما ألَحّت
عليه أوجاعُه ، ونزَفَ مِدادُه ، وحينها غصّ به القلمُ
وتبعثرت حروفه .

وأنظر إلى القمر وقد تحلّقت حوله النجوم ، يُسامرها
وتُسامرُه ، ويشاكسها وتشاكسه ، فيضيع الهم والضجر
والمشاعر الأُخَر ، ورقّ لهم المدار ، فلا عواصف ولا أنواء .
وأنظر وقلمي ينظر معي ، ولا يقوى على الحراك ولا حتى
بإيماءة من رأسه القاسي كالفولاذ ، وعيناه جاحظتان كما لو
أنْ مسّه دُوار ، أو لعَلّ به جِنَّةٌ ، أو أصابه شعورٌ باغتراب .

وأتساءلُ : القمر ما كُنهُه ، ما لونُه ، ما شكلهُ ؟
هل فيه أنهارٌ من عسل ، أو ماءٌ أو لبن ؟
وهل يعيش فيه الطيرُ و يتنفس الشّجرُ ، والفراشاتُ
والنحلُ والحورُ والمَها والغادات الأُخَر ؟
وأتساءلُ و يُصغي لصَوت التساؤلات ، لكن
كما العودُ حين يَرِقّ فيه الوتَر .

واعتكف القلمُ بعد أن أغطَشَ اللسان ، فلم يعُد لديه مَيلٌ للجِدال
ونظرتُ إلى الأفق البعيد ، وتساءلتُ هل يعرف أهل القمر العيد ؟
وهل ساكنيه سعيدةٌ وسعيد ؟ أم حالُهم كحالنا ننسى الشقاء
بشَقاءٍ جديد ، ونُداوي كُل جَرح بِجَرحٍ جَديد ؟!

وأرنو إلى القمر وقد أضاء شرفات السهر ، وروحي تُسِرُّ له النّجوى وتتساءلُ :
يا ساكن السماء ، في بيتك في العلياء يصلك الخبر ، ففي جعبتك أخبار وصور ..
وحكايا عن البشر .. وهمس النسيم للنخيل .. وأعراس العنادل فوق الشجر ..
ما كُنهك ؟ ما لونك ؟ ووجهك ما شكله؟ أضاحِكٌ أم عابِسٌ ؟ أم بدرٌ مُصوّر ؟ سُبحان مَن صَوَّر !

وبدأت الرسم بريشة الخيال وإبداع الفنان ، ليكون بالإمكان أفضل
مما كان ، فالقمر معشوقٌ والعاشق فنان .. وشراعي الوحي والإلهام
والجمال هو القبطان .
وأخذت أرسم القمر وفي خيالي له صور ، بيت
وحِجارةٌ حمراء ، وأبوابه مشرّعَةٌ للشمس والهواء ..
وزقزقة عصافير .. وخرير ماء .. وموقد .. ونار
ودلّة قهوة ترحب بالزوار .

ويُحَدِّقُ في الرّسم القلم ، ويقول يا للعجب !
أرض جرداء .. حجارة صمّاء .. زَرعُ مَوتٍ ..
وحصادُ صَمتٍ .. وخيبةُ آمال .. وفي عيونكِ
حدائق غنّاء ! فعالمك يعُجُّ بالألوان .
ولا أرى الألوان إلّا دواءً و صَبرًا على مُر الزمان .
ولكن لم يكُن بالحسبان ، وأنت أميرتي وملهمتي ، تتساوى
في قاموسكِ أُطُر الحقيقة والخيال ، بل وينصهران في
لوحة تَجريدية مُكتملة الأركان .

فأمسكت بالقلم ، وهَدهَدتُهُ وقلتُ : يا صديقي القلمُ ، حتى الشهد
في أوانيه يُخالِط حُلوَه المَرارُ .. فكل نفسٍ تأبى الإنكسار ، وتبني
حولها شرنقةً من وَحي الخيال ، وهواجس الأماني وحجم الأحلام حتى
لا يضيع العقل ، ويقذف بنا إلى غياهبِ الذهولِ الزمانُ .. فصعبٌ لِمنْ
وقع في الجُبِّ أن يُغادِره دون أن يمُر عليه الرّكبان وتأخذه معها حيث الأمان .
فما الخيال إلا صمام الأمان حين تحاصرنا الأهواء والأفكار ، ويستعصي
علينا القرار ، حتى الكلام .
وما بين الحقيقة والخيال ، يمضي بنا الترحال ، وتُزهر فينا آمال ، وتموت آمال ..
وهكذا دواليك إلى أن تلفظ أنفاسها شعلة الحياة .

وقاطعني القلم وقال : إذا ما انقشع عن سمائي الضباب والعُقاب ، وما عادت الشمس
يحجبها سحُبٌ ولا أمطار ، فلا تحلَمي أن أكُفَّ عن الجلجَلَة والهذيان .
فكيف يُمسي الحاضر والماضي سيان ، وبَقايا سطور في كتاب الزمان لِمَن يُعمِل ذِهنَه
ويُميّز الألوان ؟! .

فقلت وفي عيوني تتراقص عرائس الليل والأقمار ..
و ما أجمل الليل إذا كان القلم والريشة والأفكار
والأوراقُ والألوان والأوتارُ له عيونٌ وسُمّار .

ويأتي المساء .. وكما بدأْنا نعودُ .. ولمْ تَزَلْ
النجومُ تفترش بساطَ السّماء .. وعيوني تُناظرُها .. وتُناظرُني السّماء ..
والقلمُ ما بيننا في حالةِ ترقُّبٍ وهَذَيان
.

مازن الفيصل 04-24-2024 09:29 AM

رد: هذيان الأنا والقلم جَنى !
 
لوحةٌ شعريةٌ شاعريةٌ

رُسِمَت بريشة الوجدان

تنسابُ الى الصدرِ

كالنسماتِ العِذاب

شكرًا.. لبنى

لهذا الألق

شكرًا للذوقِ والابداع

وأناقة الحروف

وجمال السطور

تحياتي


ترفعُ للتثبيت

لبنى علي 05-02-2024 12:16 AM

رد: هذيان الأنا والقلم جَنى !
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مازن الفيصل (المشاركة 358195)
لوحةٌ شعريةٌ شاعريةٌ

رُسِمَت بريشة الوجدان

تنسابُ الى الصدرِ

كالنسماتِ العِذاب

شكرًا.. لبنى

لهذا الألق

شكرًا للذوقِ والابداع

وأناقة الحروف

وجمال السطور

تحياتي


ترفعُ للتثبيت


طبتَ أيها النبيل مازن وطاب بكَ رُقيّ البيان وطيبِهِ والذّوق الرّفيع


الساعة الآن 07:07 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security team