مؤيد منيف
21-02-2007, 01:00 PM
رحيل عز الدين إسماعيل المثقف الذي أرّق السلطة
أحد رواد الحداثة النقدية طرد من رحمة الهيئات الرسمية ولم يستسلم
http://www.asharqalawsat.co m/2007/02/21/images/art.407316.jpg
القاهرة: جمال القصاص
غاب الناقد الكبير عز الدين إسماعيل، يلفه الصمت، كما لا يليق برجل كرس حياته للمعرفة التنويرية المنفتحة، وكأنما الطلاب العرب الكثر الذين تتلمذوا على مؤلفاته وأبحاثه أصابهم الجمود والعقوق، فنبذوا أستاذهم، واكتفت الصحف بما يفي بواجب توديع الرجل بسرعة دون التوقف عند دوره وجهوده. فهل هو مجرد سهو وقلة حيلة، أم ان للرجل من الإباء والأنفة، ما يجعله يستحق التجاهل في مماته كما في حياته أيضاً؟
حين أصدر عز الدين إسماعيل مجلة «فصول» عام 1980 هو وصديقه الشاعر صلاح عبد الصبور، دشن عددها الأول ببيان نقدي شديد الأهمية، أعاد فيه الاعتبار لقيم العقلانية والاستنارة في التعامل مع النص الأدبي. كتب يومها: «هذه المجلة لا تعرف المسلمات في أي لون من ألوان الثقافة وتؤمن بالمنهج العلمي، لذلك لا تحصر نفسها في مذهب أو اتجاه فكري بذاته، بل تفتح الباب لكل دراسة وكل فكر يلتزم بالجدية والموضوعية. وحين نصدر هذه المجلة فإننا نصدرها مبرئين من مركبين أساسيين، ظلا يؤثران سلبا على الحركة الأدبية والثقافة بعامة في وطننا العربي، أولهما نظرة التقديس للتراث، وثانيهما شعور الاستصغار أمام الثقافة الغربية». بهذه الروح سعى اسماعيل إلى جعل المجلة ليس فقط ساحة للنقد الأدبي الرصين، بل جسرا للتواصل بين الواقع الثقافي وأجيال التنويريين في مصر، وبخاصة أعلامه من الرعيل الأول، وعلى رأسهم أستاذه طه حسين الذي أرسى دعائم المثقف الأكاديمي الشامل.
وعى عز دوره مبكرا، فأصدر في الخمسينيات وهو ما زال يحضر للماجستير كتابه المهم «الأدب وفنونه»، ولفت انظار المثقفين إلى مولد ناقد مهم، يسعى إلى تأصيل الكثير من المفردات النقدية المتداولة، في إطار نظرة منهجية تستقصي جذور هذه المفردات وروافدها سواء في التراث أو في التيارات الأدبية الغربية.
وفي كتابيه الموسوعيين المبكرين: «المكونات الأولى للثقافة العربية» و«الأسس الجمالية للنقد العربي» وهو في الأصل أطروحة نال عنها الماجستير، يبدو عز وثيق الصلة بنموذج طه حسين، وبخاصة في كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي». لقد وقف اسماعيل في كتابه الأول على مظاهر التراث الثقافي قبل الإسلام، وسبر أغوارها ودلالاتها الفكرية والاجتماعية، سواء في سجع الكهان، أو الحكم والسير، والأمثال الشعبية والخطابة، وغيرها من مفردات الحياة العامة واختتم كتابه بمبحث شديد الأهمية حول بنية الفكر الإسلامي، خلص فيه إلى أن ثمة ركيزتين تحكمان هذا الفكر هما القرآن والحديث النبوي. وفي الكتاب الثاني قدم عز الدين إسماعيل إضافة أساسية في درس الظاهرة الأدبية، والبحث عن المشترك الايجابي في الخطاب النقدي العربي، باعتباره حلقة متصلة، حيث ربط بين الجهود النقدية القديمة والمفاهيم النقدية العربية من منظورها الحديث. وهذا الكتاب إحدى الركائز الأساسية التي استندت إليها لجنة جائزة الملك فيصل العالمية في منحه جائزتها عام 2000، وأيضا حين حصل على جائزة الدولة التقديرية في مصر عام 1985.
آمن عز الدين إسماعيل بضرورة ربط الأدب بالعصر الذي كتب فيه. وقد عبر عن هذا في كتابه «روح العصر» الذي يتضافر مع كتاب تأسيسي آخر هو «التفسير النفسي للأدب»، ساعيا عبر رؤية منهجية إلى ربط النتاج الأدبي بمعطيات المنجز العلمي في حقل علم النفس، وحقول علمية أخرى. وتلا ذلك، صدور عشرات الكتب التي رسخ فيها إسماعيل، بعمق سمات منهجه النقدي، حريصا على أن يجعله مرنا، مفتوحا على شتى حدوسات المعرفة، قابلا للتعديل والحذف والإضافة. من هذه الكتب «قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر» الذي تناول فيه الدراما بوصفها فعلا إنسانيا، مدللا على هذه الرؤية بمناقشة عدد من النصوص المسرحية العالمية والمحلية محللا خلفياتها التراثية، كما تطرق إلى خلو أدبنا القديم من الحس الدرامي، مرجعا ذلك إلى افتقاد الشاعر العربي القديم «الإدراك المأساوي للحياة» برغم الفواجع التي قد تمتلئ به حياته، إلا أنه يتعامل معها بعاطفته، وبخيال يحلق في فضاء المطلق والتجريد، عكس نظيره الإغريقي الذي يتعامل مع مفردات الحياة بروح العقل، وخيال يعتمد على النسبي في بناء التفاصيل. أردف عز هذا الكتاب بعدد من الكتب المهمة منها «المصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي» و«التراث الشعبي العربي في المعاجم اللغوية» و«الشعر قيمة حضارية» و«الفن والإنسان» و«الشعر القومي في السودان» و«الشعر المعاصر في اليمن» وغيرها. يترافق هذا مع جهود عز في الترجمة، ومن أهم ترجماته: «مقدمة في نظرية الخطاب» لديان مكونيل، وكتاب «فردينان دي سوسير» لجونثان كيلر، و«نظرية التلقي» لروبرت هولب.
ومن بين مرايا عز الدين إسماعيل النقدية تظل مرآة الشعر هي الأقرب والأحب إلى نفسه. بل يمكن القول إنه شاعر ضل طريقه إلى النقد، مع ذلك ظلت روح الشعر متوقدة بداخله، وفي عدد من دواوينه، ووسمت مؤلفاته النقدية بشفافية لغوية وصفاء في الأسلوب ومخيلة أنيقة. ومن المفارقات أنه لم ير ديوانه الجديد «هوامش في القلب» حيث صدر يوم وفاته في الثاني من هذا الشهر. ويظل عز الدين إسماعيل احد النقاد المتميزين في احتضان الظاهرة الشعرية الجديدة. ويعد كتابه «الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية» الصادر عام 1967 أحد البيانات النقدية الأساسية في التعريف بهذا الشعر، والتأصيل لمقوماته الفكرية والجمالية. وقد حرص عز على أن يظل هذا الكتاب افقا مفتوحا، فكان يزود طبعاته المتتالية بدراسات ضافية لما استجد في الظاهرة الشعرية، أبدى خلالها تعاطفا مع الموجات الشعرية الجديدة، مقدرا حقها في التجريب والتمرد.
ولد عز الدين إسماعيل في 29 يناير 1929 بالقاهرة. وفي جامعة القاهرة ( فؤاد) درس اللغة العربية وآدابها. وفي الفترة من 1954 إلى 1959 أكمل دراساته بجامعة عين شمس، وحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه، وتدرج في سلك التدريس بها حتى تولى عمادة كلية الآداب، ثم نائبا لرئيس الجامعة. وعمل بالتدريس في عدد من الجامعات العربية في السودان والمغرب والسعودية وكان عضوا في هيئة التحكيم لعدد من الجوائز الأدبية العربية منها جائزتا العويس والبابطين. كما تولى عددا من المناصب الرفيعة، منها (أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ـ رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ رئيس أكاديمية الفنون). وقد لعب عز من خلال هذه المناصب دورا مهما، لكنه بشممه وكبريائه لم يكن مريحا للسلطة. فبعد عشر سنوات من رئاسته مجلة «فصول» أبعد عنها، وتولى رئاستها نائبه جابر عصفور. وخلال تولي الأخير أمانة المجلس الأعلى للثقافة لم يدع عز الدين إسماعيل للمشاركة في أي من أنشطة المجلس ومهرجاناته الأدبية، كما لم يدع للمشاركة في أي من الأنشطة الثقافية لمعرض القاهرة للكتاب التي يشارك فيها كل من هب ودب، ولم توجه له دعوة لحضور حفل افتتاحه في أية سنة من السنوات، على الرغم من أنه أول من أدخل النشاطات الثقافية للمعرض إبان توليه رئاسة الهيئة العامة للكتاب عام 1982. كما أقصي عز في عام 1989 من رئاسة أكاديمية الفنون بقرار من وزير الثقافة فاروق حسني. وأحيل للمعاش لبلوغه الستين، وفي اليوم التالي للقرار تولى فوزي فهمي رئاسة الأكاديمية. هذه الواقعة ـ بحسب المختصين ـ هي الأولى في تاريخ الجامعة المصرية، حيث جرى العرف على انه حين يبلغ رئيس الجامعة سن المعاش، فإنه يظل في موقعه لحين انتهاء العام الدراسي ونتائج الامتحانات وهذا ينطبق على الأكاديمية التابعة إداريا لوزارة الثقافة. ناهيك عن أن كل قيادات وزارة الثقافة يتم التمديد لهم حتى بعد بلوغهم سن المعاش.
لم تحبط هذه الرذائل همة عز الدين إسماعيل، فواصل مشواره التنويري من خلال جمعية النقد الأدبي التي أسسها عام 1987، وشكلت ندوتها الأسبوعية منارة مفتوحة على كل تيارات الإبداع. وفي مواجهة فوضى المهرجانات الأدبية الرسمية، أسس عز وبرعاية جامعة عين شمس المؤتمر الدولي للنقد الأدبي الذي تواصل على مدى أربع دورات شارك فيها نقاد عرب وغربيون على مستوى رفيع، منهم نيري ايجلتون، وبيل اشكروفت. وكان عز ينفق على هذا المؤتمر ويتكفل بطبع أبحاثه وتحمل الكثير من نفقاته من جيبه الخاص. وفي مرآة هذا المؤتمر سجل عز وهو على فراش المرض خطابه الأدبي الأخير في كلمة ألقاها نيابة عنه صلاح فضل، قال فيها «إن الفكر النقدي على الرغم من تعلقه بالأدب في تخصصه المحدود إلا أنه تظل له القيادة الفكرية في المجتمع بشكل عام، لأن الروح النقدية في السياسة والاقتصاد والتاريخ وغيرها هي التي تضمن تحريك عجلة التجدد».
الشرق الأوسط \الاربعـاء 03 صفـر 1428 هـ 21 فبراير 2007 العدد 10312
http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10312&article=407316
أحد رواد الحداثة النقدية طرد من رحمة الهيئات الرسمية ولم يستسلم
http://www.asharqalawsat.co m/2007/02/21/images/art.407316.jpg
القاهرة: جمال القصاص
غاب الناقد الكبير عز الدين إسماعيل، يلفه الصمت، كما لا يليق برجل كرس حياته للمعرفة التنويرية المنفتحة، وكأنما الطلاب العرب الكثر الذين تتلمذوا على مؤلفاته وأبحاثه أصابهم الجمود والعقوق، فنبذوا أستاذهم، واكتفت الصحف بما يفي بواجب توديع الرجل بسرعة دون التوقف عند دوره وجهوده. فهل هو مجرد سهو وقلة حيلة، أم ان للرجل من الإباء والأنفة، ما يجعله يستحق التجاهل في مماته كما في حياته أيضاً؟
حين أصدر عز الدين إسماعيل مجلة «فصول» عام 1980 هو وصديقه الشاعر صلاح عبد الصبور، دشن عددها الأول ببيان نقدي شديد الأهمية، أعاد فيه الاعتبار لقيم العقلانية والاستنارة في التعامل مع النص الأدبي. كتب يومها: «هذه المجلة لا تعرف المسلمات في أي لون من ألوان الثقافة وتؤمن بالمنهج العلمي، لذلك لا تحصر نفسها في مذهب أو اتجاه فكري بذاته، بل تفتح الباب لكل دراسة وكل فكر يلتزم بالجدية والموضوعية. وحين نصدر هذه المجلة فإننا نصدرها مبرئين من مركبين أساسيين، ظلا يؤثران سلبا على الحركة الأدبية والثقافة بعامة في وطننا العربي، أولهما نظرة التقديس للتراث، وثانيهما شعور الاستصغار أمام الثقافة الغربية». بهذه الروح سعى اسماعيل إلى جعل المجلة ليس فقط ساحة للنقد الأدبي الرصين، بل جسرا للتواصل بين الواقع الثقافي وأجيال التنويريين في مصر، وبخاصة أعلامه من الرعيل الأول، وعلى رأسهم أستاذه طه حسين الذي أرسى دعائم المثقف الأكاديمي الشامل.
وعى عز دوره مبكرا، فأصدر في الخمسينيات وهو ما زال يحضر للماجستير كتابه المهم «الأدب وفنونه»، ولفت انظار المثقفين إلى مولد ناقد مهم، يسعى إلى تأصيل الكثير من المفردات النقدية المتداولة، في إطار نظرة منهجية تستقصي جذور هذه المفردات وروافدها سواء في التراث أو في التيارات الأدبية الغربية.
وفي كتابيه الموسوعيين المبكرين: «المكونات الأولى للثقافة العربية» و«الأسس الجمالية للنقد العربي» وهو في الأصل أطروحة نال عنها الماجستير، يبدو عز وثيق الصلة بنموذج طه حسين، وبخاصة في كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي». لقد وقف اسماعيل في كتابه الأول على مظاهر التراث الثقافي قبل الإسلام، وسبر أغوارها ودلالاتها الفكرية والاجتماعية، سواء في سجع الكهان، أو الحكم والسير، والأمثال الشعبية والخطابة، وغيرها من مفردات الحياة العامة واختتم كتابه بمبحث شديد الأهمية حول بنية الفكر الإسلامي، خلص فيه إلى أن ثمة ركيزتين تحكمان هذا الفكر هما القرآن والحديث النبوي. وفي الكتاب الثاني قدم عز الدين إسماعيل إضافة أساسية في درس الظاهرة الأدبية، والبحث عن المشترك الايجابي في الخطاب النقدي العربي، باعتباره حلقة متصلة، حيث ربط بين الجهود النقدية القديمة والمفاهيم النقدية العربية من منظورها الحديث. وهذا الكتاب إحدى الركائز الأساسية التي استندت إليها لجنة جائزة الملك فيصل العالمية في منحه جائزتها عام 2000، وأيضا حين حصل على جائزة الدولة التقديرية في مصر عام 1985.
آمن عز الدين إسماعيل بضرورة ربط الأدب بالعصر الذي كتب فيه. وقد عبر عن هذا في كتابه «روح العصر» الذي يتضافر مع كتاب تأسيسي آخر هو «التفسير النفسي للأدب»، ساعيا عبر رؤية منهجية إلى ربط النتاج الأدبي بمعطيات المنجز العلمي في حقل علم النفس، وحقول علمية أخرى. وتلا ذلك، صدور عشرات الكتب التي رسخ فيها إسماعيل، بعمق سمات منهجه النقدي، حريصا على أن يجعله مرنا، مفتوحا على شتى حدوسات المعرفة، قابلا للتعديل والحذف والإضافة. من هذه الكتب «قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر» الذي تناول فيه الدراما بوصفها فعلا إنسانيا، مدللا على هذه الرؤية بمناقشة عدد من النصوص المسرحية العالمية والمحلية محللا خلفياتها التراثية، كما تطرق إلى خلو أدبنا القديم من الحس الدرامي، مرجعا ذلك إلى افتقاد الشاعر العربي القديم «الإدراك المأساوي للحياة» برغم الفواجع التي قد تمتلئ به حياته، إلا أنه يتعامل معها بعاطفته، وبخيال يحلق في فضاء المطلق والتجريد، عكس نظيره الإغريقي الذي يتعامل مع مفردات الحياة بروح العقل، وخيال يعتمد على النسبي في بناء التفاصيل. أردف عز هذا الكتاب بعدد من الكتب المهمة منها «المصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي» و«التراث الشعبي العربي في المعاجم اللغوية» و«الشعر قيمة حضارية» و«الفن والإنسان» و«الشعر القومي في السودان» و«الشعر المعاصر في اليمن» وغيرها. يترافق هذا مع جهود عز في الترجمة، ومن أهم ترجماته: «مقدمة في نظرية الخطاب» لديان مكونيل، وكتاب «فردينان دي سوسير» لجونثان كيلر، و«نظرية التلقي» لروبرت هولب.
ومن بين مرايا عز الدين إسماعيل النقدية تظل مرآة الشعر هي الأقرب والأحب إلى نفسه. بل يمكن القول إنه شاعر ضل طريقه إلى النقد، مع ذلك ظلت روح الشعر متوقدة بداخله، وفي عدد من دواوينه، ووسمت مؤلفاته النقدية بشفافية لغوية وصفاء في الأسلوب ومخيلة أنيقة. ومن المفارقات أنه لم ير ديوانه الجديد «هوامش في القلب» حيث صدر يوم وفاته في الثاني من هذا الشهر. ويظل عز الدين إسماعيل احد النقاد المتميزين في احتضان الظاهرة الشعرية الجديدة. ويعد كتابه «الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية» الصادر عام 1967 أحد البيانات النقدية الأساسية في التعريف بهذا الشعر، والتأصيل لمقوماته الفكرية والجمالية. وقد حرص عز على أن يظل هذا الكتاب افقا مفتوحا، فكان يزود طبعاته المتتالية بدراسات ضافية لما استجد في الظاهرة الشعرية، أبدى خلالها تعاطفا مع الموجات الشعرية الجديدة، مقدرا حقها في التجريب والتمرد.
ولد عز الدين إسماعيل في 29 يناير 1929 بالقاهرة. وفي جامعة القاهرة ( فؤاد) درس اللغة العربية وآدابها. وفي الفترة من 1954 إلى 1959 أكمل دراساته بجامعة عين شمس، وحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه، وتدرج في سلك التدريس بها حتى تولى عمادة كلية الآداب، ثم نائبا لرئيس الجامعة. وعمل بالتدريس في عدد من الجامعات العربية في السودان والمغرب والسعودية وكان عضوا في هيئة التحكيم لعدد من الجوائز الأدبية العربية منها جائزتا العويس والبابطين. كما تولى عددا من المناصب الرفيعة، منها (أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ـ رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ رئيس أكاديمية الفنون). وقد لعب عز من خلال هذه المناصب دورا مهما، لكنه بشممه وكبريائه لم يكن مريحا للسلطة. فبعد عشر سنوات من رئاسته مجلة «فصول» أبعد عنها، وتولى رئاستها نائبه جابر عصفور. وخلال تولي الأخير أمانة المجلس الأعلى للثقافة لم يدع عز الدين إسماعيل للمشاركة في أي من أنشطة المجلس ومهرجاناته الأدبية، كما لم يدع للمشاركة في أي من الأنشطة الثقافية لمعرض القاهرة للكتاب التي يشارك فيها كل من هب ودب، ولم توجه له دعوة لحضور حفل افتتاحه في أية سنة من السنوات، على الرغم من أنه أول من أدخل النشاطات الثقافية للمعرض إبان توليه رئاسة الهيئة العامة للكتاب عام 1982. كما أقصي عز في عام 1989 من رئاسة أكاديمية الفنون بقرار من وزير الثقافة فاروق حسني. وأحيل للمعاش لبلوغه الستين، وفي اليوم التالي للقرار تولى فوزي فهمي رئاسة الأكاديمية. هذه الواقعة ـ بحسب المختصين ـ هي الأولى في تاريخ الجامعة المصرية، حيث جرى العرف على انه حين يبلغ رئيس الجامعة سن المعاش، فإنه يظل في موقعه لحين انتهاء العام الدراسي ونتائج الامتحانات وهذا ينطبق على الأكاديمية التابعة إداريا لوزارة الثقافة. ناهيك عن أن كل قيادات وزارة الثقافة يتم التمديد لهم حتى بعد بلوغهم سن المعاش.
لم تحبط هذه الرذائل همة عز الدين إسماعيل، فواصل مشواره التنويري من خلال جمعية النقد الأدبي التي أسسها عام 1987، وشكلت ندوتها الأسبوعية منارة مفتوحة على كل تيارات الإبداع. وفي مواجهة فوضى المهرجانات الأدبية الرسمية، أسس عز وبرعاية جامعة عين شمس المؤتمر الدولي للنقد الأدبي الذي تواصل على مدى أربع دورات شارك فيها نقاد عرب وغربيون على مستوى رفيع، منهم نيري ايجلتون، وبيل اشكروفت. وكان عز ينفق على هذا المؤتمر ويتكفل بطبع أبحاثه وتحمل الكثير من نفقاته من جيبه الخاص. وفي مرآة هذا المؤتمر سجل عز وهو على فراش المرض خطابه الأدبي الأخير في كلمة ألقاها نيابة عنه صلاح فضل، قال فيها «إن الفكر النقدي على الرغم من تعلقه بالأدب في تخصصه المحدود إلا أنه تظل له القيادة الفكرية في المجتمع بشكل عام، لأن الروح النقدية في السياسة والاقتصاد والتاريخ وغيرها هي التي تضمن تحريك عجلة التجدد».
الشرق الأوسط \الاربعـاء 03 صفـر 1428 هـ 21 فبراير 2007 العدد 10312
http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10312&article=407316