المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انفجار سوق الفن


مؤيد منيف
21-02-2007, 12:48 PM
انفجار سوق الفن

جنون في بورصة اللوحات التشكيلية


http://www.asharqalawsat.co m/2007/02/21/images/art.407302.jpg

باريس: آمال فلاح



في واحد من متاحف هولندا، حيث علقت لوحة «الجولة الليلية» لرامبرانت، أحد أهم الفنانين التشكيليين في القرن السابع عشر، يفاجأ الزائر بكلمة صغيرة تقول: «هذه اللوحة ليس لها ثمن».
كلمة صادقة في فحواها، لكنها لا تنطبق بالتأكيد على رامبرانت الذي كان أول فنان حدد سعر لوحاته، حتى قبل أن يرسمها. ففي عصره كانت مكافأة الفنان تقدم له على شكل إكرامية ترتبط بمزاج صاحب الطلب. أما على مدى القرون التي سبقت فقد ظل الزبون الأول للفنان يتلخص في الدولة والمؤسسة الدينية (الفراعنة / الكنيسة).
آنذاك لم تكن اللوحات الفنية سلعة للبيع والشراء. شكلها الضخم نفسه لم يكن ليشجع على ذلك. حدث التحول على يدي البرجوازية الصاعدة، التي لم تكن تستند إلى سلطة دينية ولا سلطة الدولة. قوة مالية جديدة اخترعت أيضا الشكل الذي يسهل نقل هذه السلعة. اخترعت لوحة الحامل، أو بالأحرى لوحة المسند، وقلصت من الحجم المعروف للوحات (لم تعد جداريات ضخمة). كما استحدثت وظائف جديدة للفن: تزيين قصورها وتخليد صور أفراد عائلاتها.
بعدها بأربعة قرون، وبعد أن شهد تاريخ الفن نقلة ثورية بتحويله إلى سلعة تباع وتشترى، تجاوزت شؤون الفن الفنان ذاته إلى وسطاء من تجار الأعمال الفنية وأصحاب الغاليريهات إلى شركات متعددة الجنسيات، رأس مالها تنظيم المزادات العلنية ـ وعلى مستويات عالمية ـ وحصد الملايين.
في نوفمبر من عام 2006، ولأول مرة في تاريخ الإنسانية، بلغت أسعار الأعمال الفنية قمة لم تعرفها من قبل. مبالغ لم تخطر على البال، طارت في سماء القاعة التي تضم المزاد الفني المقام في نيويورك، أهم مركز لسوق الفن في العصر الحديث. سابقة جعلت رئيس مؤسسة كريستيز ـ وهي ثاني أهم شركتين متخصصتين في سوق الفن ـ يتساءل إذا ما كان الذي يحدث حقيقيا. لقد حققت مؤسسته (فرع أوروبا) 866 مليون دولار من الأرباح وحطمت كل الأرقام القياسية: 27 مليون دولار ثمنا للوحة لدي كونيغ و17 مليون دولار ثمنا لبورتريه ماو تسي تونغ.
كما اعترفت شركة سوثبيز بأن رقم أعمالها وصل عام 2006 إلى أربعة أضعاف المعتاد. وفي نيويورك ارتفعت الأسعار بنسبة 27 بالمائة خلال نفس السنة.
* لماذا هذه الأرقم الخيالية؟
لماذا انفجرت الأسعار بهذا الشكل والعالم يعاني الفاقة والأمراض؟ «لقد أصبح تجار الفن ـ الذين صاروا يتمتعون بخبرة فنية فائقة ـ يراهنون على الأحصنة الرابحة» كما يؤكد على ذلك الفنان السوري المقيم بباريس، يوسف عبدلكي.
أما أندرو ستراوس، نائب رئيس شركة سوثبيز (فرع فرنسا) فيعلق مندهشا: «كنا من قبل نصفق حين يتجاوز سعر اللوحة مائة ألف دولار، لكن هذا المبلغ أصبح الآن عاديا، يتحول إلى عشرة أضعافه حالما يتبارى أكثر من عشرة أشخاص للحصول على نفس اللوحة، خاصة إذا انتسبت اللوحة إلى حقبة الفن الحديث التي أضحت نماذجه جد نادرة».
في حين يفسر صاحب أحد الأروقة الفنية بباريس الأمر بطريقة مختلفة: «في الثمانينيات كان هواة جمع التحف الفنية من أصحاب الثروات الكبرى يشكلون 10 بالمائة، أما في الوقت الحالي فأصبحوا يشكلون 80 بالمائة، منهم أميركيون وإنجليز. بعضهم فرنسي لكن معظمهم من الصين وروسيا والهند والمكسيك». لقد أصبح الاشتراك في سوق الفن أهم وسيلة للانتماء إلى ركب الشخصيات «المهمة جدا». قبل مزاد نيويورك بأشهر، تم بيع لوحة «بورتريه أديل بلوك باور» لغوستاف كليمت بمبلغ 135 مليون دولار واعتبر «الحدث» في حينه خارقا للعادة، بيد أن هذا المبلغ سرعان ما بدا ضئيلا أمام سعر لوحة أخرى لرائد الانطباعية التجريدية، الأميركي جاكسون بولوك.
كيف أصبح الفن مثل البورصة ؟ وكيف تم التوفيق بين شيئين متضادين: الفن، وهو مجموعة النشاطات الإنسانية التي تتيح لنا ـ عبر تجسيد الأفكار التجريدية والتأملات حول واقع الإنسان المعاش ـ أن نتسامى ونرتقي إلى عالم القيم والجمال والثقافة، وبين المال والتجارة؟. كيف تحول الفن في بعض البلدان إلى اقتصاد يدر الثروات الباهظة مثلما يحدث في نيويورك ولندن، وبدرجة أقل باريس التي تراجعت عن مرتبتها الأولى؟
يقول المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل، المتخصص في دراسة الحضارات: «يحدث ذلك في الغرب لأن الغرب تحول إلى مركز للترف والعز في العالم المعاصر مثلما كان الشرق في العصور الوسطى حيث كانت تباع فيه منتجات بذخ مثل الزرابي والعطور والحلي والتوابل».
توسع الطلب على التحف الفنية في العالم المتحضر. وشهدت أسعارها ارتفاعا مبالغا فيه على مدى السنوات الأخيرة، مما اضطر أصحاب الثروات الكبرى ـ وإن ترددوا أمام الأسعار الخيالية ـ للرضوخ في النهاية بدون أن يكون لنوعية هذه التحف ولا لندرتها أي دخل. فالعملية كلها عبارة عن مضاربات ورفع أسعار بشكل مفتعل.
وبما أن قواعد سوق الفن لا تختلف عن قواعد أية سوق أخرى مالية أو عقارية، فإن التحف كثيرا ما تشكل مجالا للمضاربة، خاصة فيما يتعلق بأسماء لامعة (محظوظة) لها قيمتها التي لا تذوي، مثل بيكاسو، فان غوغ، الانطباعيين أو التجريديين. تخضع أسعار تلك اللوحات للارتفاع والانخفاض. كما ترتفع أسعار فنانين بعينهم بشكل مفتعل نتيجة العلاقات المالية والشحن الإعلامي المبالغ فيه.
أرقام خيالية بلغتها أسعار بعض اللوحات الفنية. أرقام لا تكف عن الارتفاع أمام جدار قلة العرض وكثرة الطلب خاصة على مستوى البيع للخواص. بيد أن السيولة في مجال سوق الفن لا تأتي دائما من المبيعات وحدها. إنها يمكن أن تأتي من إعارة التحف الفنية التي تتم بطريقة عادية بين المتاحف لتزيد في إثراء اقتصاد البلد. عملية بسيطة من شأنها أن تنزلق إلى التجارة، مثلما حدث مؤخرا مع متحف اللوفر الذي اتهمه البعض بـ«التضحية بالمعايير الثقافية من أجل الربح». فقد تم التعاقد بين مدير متحف اللوفر ومسؤولين من أبو ظبي من أجل إنشاء نسخة محلية من متحف اللوفر الفرنسي سوف يطلق عليها اسم «اللوفر وسط الرمال». هذا الاتفاق جعل بعض المهتمين بالفن يوقعون عريضة نشرت في جريدة «لوموند» الشهر الماضي ضد «انحرافات اللوفر التجارية».
ثمانية ملايين سائح زار «متحف اللوفر» هذه السنة، فلعل هذا هو السبب الذي حدا ببلد في الخليج لعرض 500 مليون جنيه إسترليني لفرنسا مقابل «جوهرة تاجها الثقافي ـ اللوفر» على حد تعبير صحيفة «الغارديان» البريطانية.
مدير اللوفر رفض التهمة موضحا أن الموقعين على العريضة التجأوا بدورهم إلى عملية الإعارة قصد زيادة المداخيل. فجون كليير مدير متحف بيكاسو ـ وأحد الموقعين على العريضة ـ قام، حسب تعبير مدير اللوفر، بإعارة 180 قطعة فنية لغاليري «نين» ببرلين وتقاضى مقابل ذلك سبعمائة ألف يورو. كما أنه خلال عشر سنوات جمع أكثر من أربعة ملايين يورو بفضل هذا النوع من التبادل، ما مكنه من تمويل حوالي 27 بالمائة من مقتنيات معرض بيكاسو. أما فرانسواز شان، المديرة السابقة لمتحف أورسي، فقد سبق أن استعارت عام 1993 لوحات من أميركا وطلبت سلفة من البنك قدرها مليونا فرنك فرنسي.
* سوق الفن والموضة
هل جنون أسعار السوق الفنية أو ضمورها متعلقان بأذواق تتغير وموضات تجيء وتروح لا بالقيمة الفنية للقطعة؟
ـ «نعم».. يرد صاحب أحد الغاليريهات الباريسية، ويضيف: «في الثمانينيات كانت الموضة تتجسد في رونوار وفي مونيه، أما الآن فالمتاحف تحتفي بالانطباعية الألمانية التي تعود إلى بدايات القرن، كما تحتفي بالسريالية، بدليل العروض الفنية المقامة في أهم متاحف باريس، القصر الكبير ومركز جورج بومبيدو هذه السنة.
أما يوسف عبدلكي فيرى أن «السوق الفنية فيها ظلم، على المدى القريب وعدالة على المدى البعيد، لكن تجار الفن اكتسبوا على مر السنين خبرات متراكمة تؤهلهم للحكم الصائب على الأعمال الفنية».
يحدث أن تشهد سوق الفن بروز قيم جديدة لفروع فنية أخرى مثل التصوير والفن الإغريقي، أو تتغير رأسا على عقب بتغير أذواق الهواة من أصحاب الثروات الذين أصبحوا أكثر شبابا وأكثر انجذابا للألوان الحية. كل هذه العوامل من شأنها التأثير على مسار السوق في رواج التحف الفنية أو كسادها، مثلما حدث مع لوحات مونيه مثلا. لوحة «مطحنة الخبز» التي بلغ سعرها، في عام 1990، 78 مليون دولار ربما لن تجد من يشتريها الآن. الأذواق تتغير بالفعل، بيد أن هناك قيمة مستقرة مثل الذهب لا تصدأ أبدا اسمها بابلو بيكاسو. لوحات بيكاسو كثيرا ما حطمت كل الأرقام القياسية وفاقت أسعار لوحات رامبرانت. في عام 2004 بيعت لوحة لبيكاسو تنتمي إلى المرحلة الوردية اسمها «الصبي والغليون» في مزاد بنيويورك بـ104 ملايين دولار، مثلما بيعت قبلها لوحة لفان غوغ «بورتريه الدكتور غاشيه» بنفس المزاد بقيمة 166 مليون دولار. مع العلم بأن فان غوغ مات فقيرا على الرغم من تسيير أخيه تيو لرواق فني خاص به.هواة جمع هذه التحف، من البرجوازيين خاصة الذين كثيرا ما أفزعهم التجديد في الفن (كانت فرنسا مسرحا له ما بين الحربين العالميتين) من الانفتاح على الانطباعية أو التكعيبية أو التجريدية، أفسحوا المجال لهواة جمع التحف الحقيقيين، من روس وأميركيين، لامتلاك هذه اللوحات والجلوس على ثروات طائلة أصبح بالإمكان استثمارها سنوات فيما بعد. عموما، هناك قوانين تخضع لها سوق الفن سواء في لندن أو باريس أو نيويورك. قوانين تحدد الأسعار وتقننها. فالجديد في الفن قيمته أقل من القديم ووفاة فنان مشهور لا تؤثر أبدا على سعر لوحاته حتى وإن جاءت أعماله الأخيرة أقل قيمة. الجدير بالذكر أن باريس، وإن ظلت المدينة الوحيدة في العالم التي ما زالت تحتضن تجار التحف العتيقة أو«تجار العاديات» الحقيقيين، إلا أنها فقدت مكانتها أمام لندن نيويورك. نيويورك حيث استقرت أكبر قاعات البيع على المستوى العالمي. وفيها أيضا يتم القسم الأكبر من عمليات البيع بالمزاد العلني، وكذا في لندن التي تحولت إلى مركز عالمي لسوق الفن بفضل قاعات بيعها وأروقتها المختصة بالفنون. فهل نصدق رامبرانت أم نردد بتسليم: لكل شيء ثمن؟
* الهنود والباكستانيون يتقدمونهم والعرب في آخر اللائحة
> «نحن خارج السوق العالمية للفنون» يجيب كثير من الفنانين التشكيليين العرب المقيمين في باريس:«السوق أوروبية، أميركية، يابانية، أما بقية العالم فخارج اللعبة» يرد يوسف عبدلكي، مضيفا: «للفنانين العرب أسعار في بلدانهم الأصلية. كل واحد معروف في بلده. لا ينبغي أن تكون لنا أوهام. فالأسواق المحلية صغيرة ومحدودة وأسعارها بسيطة». صحيح أن هناك فنانين عربا يبيعون بأسعار جيدة في فرنسا مثل شفيق عبود وفي ألمانيا مثل مروان قصاب باشي، أما باقي الفنانين التشكيليين العرب فيظلون مفصولين عن السوق الفرنسية على الرغم من وجود أسماء عربية ضمن أصحاب الغاليريهات، مثل سامي الكنج. أسماء لا تتعامل إطلاقا مع الفنانين العرب.
بيد أن السنوات الأخيرة شهدت بداية تغيير مرده ـ حسب الملاحظين ـ إلى تحسس تجار الفن ودور المزادات لأهمية العرب في هذا المجال، كمستهلكين ـ أثرياء ـ للفن ومنتجين له. إذ تم تنظيم معرض فني منذ سنتين لفنانين عرب في لندن عرف نجاحا متوسطا. تلاه منذ أشهر أول مزاد عالمي عربي أقامته مؤسسة كريستيز في دبي (مايو 2006). مزاد ضم الكثير من الهنود والباكستانيين (سعر أعمال الهنود في هذا المجال مرتفع في السوق) وكان تنظيم معرض خاص بالفنانين العرب وحدهم يمكن أن يكون مآله الفشل: «إنهم يعرفون كل شيء ماعدا حقيقة الفن العربي، لذلك أضافوا إليه فنا عالميا لإنقاذ المزاد». يعلق الفنان يوسف عبدلكي. إلا أن المعرض نجح على الرغم من أن أرقام أكبر المبيعات عادت إلى الهنود. فقد باع الهندي رامشوار بروتا لوحة بمبلغ 912 الف دولار تلتها أسعار تفرد بها الباكستانيون والإيرانيون ليأتي الفنانون العرب في مرحلة بعيدة عن الأسعار التي باع بها هؤلاء. كان على رأسهم المصري أحمد مصطفى الذي باع لوحتين، أولاهما بـ284 الف دولار والثانية بـ240 الف دولار. تلاه النحات والفنان آدم حنين الذي باع منحوتة بـ38 الف دولار، والمغربي فؤاد بلامين بـ33 الف دولار والجزائري رشيد قريشي بلوحتين أولاهما بـ14400 دولار والثانية بـ12 الفا. أما الوزير المصري فاروق حسني الذي شاركت أعماله في المزاد، فلم يبع شيئا.
نجاح المعرض التي نظمته كريستيز شجع ثاني أكبر شركة للمزادات الفنية في العالم (سوثبيز) على برمجة مزاد آخر خاص بالفنانين العرب في أكتوبر المقبل في لندن، نقلة كبيرة جعلت سوق الفن العربية تضع أقدامها في السوق العالمية لتكف عن أن تظل على الهامش ولتصبح منتجا ماليا في هذا المجال.


الشرق الأوسط \ الاربعـاء 03 صفـر 1428 هـ 21 فبراير 2007 العدد 10312
http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10312&article=407302 (http://www.mnaabr.com/vb/redirector.php?url=h ttp://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10312&article=407302)

عبود سلمان
23-04-2008, 01:55 PM
http://img111.imageshack.us/img111/6351/920be1.gif