مؤيد منيف
20-02-2007, 01:11 PM
«الحكواتي الأخير»
أول محاولة لإنجاز وحدة مغاربية عبر المسرح
هل ينجح الفن حيث فشلت السياسة؟
http://www.asharqalawsat.co m/2007/02/14/images/art.406263.jpg
الجزائر: الخير شوار
[/SIZE]
«الحكواتي الأخير» هو عنوان أول مسرحية مغاربية مشتركة، تطوف حاليا الجزائر شرقا وغربا، بانتظار ان تجول على باقي الدول المغاربية، بعد أن عرضت في الجزائر العاصمة. وقد جاء العمل كثمرة تعاون بين ثلاث دول مغاربية (الجزائر وتونس والمغرب) في أول تجربة من نوعها، وبغياب باقي الدول المغاربية التي تعذرت مشاركتها ويؤمل ان تكون حاضرة في تجارب مستقبلية. وأهمية هذا العمل الفني الوحدوي انه جاء في ظل الشلل السياسي الذي يعرفه الاتحاد المغاربي، ووسط إحساس بانسداد الأفق.
ولدت فكرة مسرحية «الحكواتي الأخير» قبل عدة أشهر، عندما حضر الكاتب المغربي عبد الكريم برشيد والمخرج التونسي المنجي بن إبراهيم فعاليات مهرجان المسرح المحترف الذي شهدته العاصمة الجزائرية منتصف العام الماضي. ومنذ ذلك الوقت بدأ الاشتغال على نص «الحكواتي الأخير» للكاتب الاحتفالي عبد الكريم برشيد. وجاءت فكرة المسرحية تجسيدا لحلم الوحدة المغاربية التي بدأت أدبياتها الأولى مع الحركات الوطنية السياسية التي بزغت في دول شمال أفريقيا مطالع القرن العشرين، وترسخت مع الحركات التحررية التي أثمرت الاستقلال. لكن الصراعات السياسية بين دول المغرب كانت قليلة ثم تكاثرت وتفاقمت، وأفسدت هذا الحلم الذي عاد إلى الظهور مجددا مع قمة «زرالدا» ثم قمة «مراكش» في نهاية ثمانينات القرن العشرين والتي ولد بموجبها «الاتحاد المغاربي» ثم أصابه الشلل فجأة سنة 1994 مع فرض المغرب للتأشيرة على الجزائريين ثم المعاملة بالمثل التي طبقتها السلطات الجزائرية وغلق الحدود البرية نهائيا.
النص المسرحي كتبه عبد الكريم برشيد سنة 2000 ويندرج ضمن «المسرح الاحتفالي»، وتدور لوحات العرض الإحدى عشرة حول شخصية محورية هي «الحكواتي نور الدين بن محيي الدين بن عز الدين»، الذي يروي أحداث آخر حكاية في ساحة لم تعد كما كانت بل حوصرت وأفرغ المكان من محتواه. والعرض تؤديه عدة شخصيات منها الحكواتي والكاتب العمومي والمرشد السياحي والمغني والحلاق وكثير من الناس، يعيشون حياتهم اليومية بحلوها ومرها، وقد ساهم في تجسيدها على الخشبة إضافة إلى المخرج المسرحي التونسي المعروف المنجي بن إبراهيم نخبة من الفنانين الجزائريين، منهم السينوغرافي زروقي بخاري والموسيقي نوبلي فاضل وتشكيلة من الممثلين والممثلات. وتبدأ المشاهد في ساحة محاصرة بالاسمنت لم تعد كما كانت في السابق فضاء مفتوحا للحكي والتحلق وقد أصبح الزمن صعبا. ثم عن طريق تقنية الاستعادة والتذكر يعيد الراوي على المشاهد حكاية ما حدث بكثير من الحنين إلى الماضي الذي يراه جميلا مقارنة مع واقع بائس. ومع شخوص المسرحية تعاد نسج الحكاية من جديد وفي آخر العرض يحمل «الحكواتي الأخير» نور الدين بن محيي الدين بن عز الدين لوازمه ويرحل مقتنعا بأنه آخر حكواتي في زمن اسمنتي لا مكان فيه للحكي.
النص المسرحي الذي وصف بالمتشائم وقيل بشأنه أنه لا يمت للاحتفالية بصلة، وهو الاتجاه الذي سلكه الكاتب عبد الكريم برشيد في مختلف نصوصه السابقة وكتبه التنظيرية، قدم له مخرجه المنجي بن إبراهيم بقوله: «صياغة نص «الحكواتي الأخير» تبرز انقسامات داخل ذات الكاتب فكريا ووجدانيا تمكنت من تصوير رائع لواقع غير رائع، ربما لعالم معاصر مهدد بفقدان التواصل الإنساني واضمحلال النبل الأخلاقي، تحت غطاء التآكل الاقتصادي في العالم الحديث، وتحت وطأة العولمة والحداثة وما بعد الحداثة وما شابه ذلك...».
وقد عاب الكثير ممن شاهدوا العرض على النص تلك الجرعة الزائدة من التشاؤم واعتراف «الحكواتي الأخير» بالهزيمة في هذا الواقع الصعب، إضافة إلى ملاحظات أخرى منها أن النص كان مكتوبا باللغة العربية الفصحى ولم يكن أداء الممثلين بنفس المستوى العالي المكتوب به النص الأصلي، لكن الأمر قد يتطور نحو الأحسن في العروض التالية وما زال العرض متواصلا ومتنقلا من مدينة مغاربية إلى أخرى.
وبخصوص مسحة التشاؤم الكبيرة التي طبعت النص ربما تكون التطورات السياسية الأخيرة قد أجابت ميدانيا على ذلك، فزيادة على الانسداد المتواصل الذي يعرفه تنظيم اتحاد المغرب العربي نتيجة لتواصل الخلاف بشأن قضية الصحراء الغربية بين أكبر دولتين في المغرب العربي وهما الجزائر والمغرب، حدث انه مع البدايات الأولى للعروض أعلنت السلطات الليبية عن فرض التأشيرة على سكان شمال أفريقيا الراغبين في زيارتها، وهو الإجراء الذي سيقابل بالمثل ويتواصل الانسداد في طريق «بناء المغرب العربي» الذي تغنى به السياسيون كثيرا دون أن ينجحوا في ذلك.
المهم أن الفنانين المسرحيين استطاعوا تجسيد «وحدة» مسرحية مغاربيا، في تجربة فريدة من نوعها يأمل الجمهور أن تستمر بتجارب مماثلة أعمق فنيا. وقد ناب المسرح عن السياسة في تجسيد «الوحدة» الموجودة في النصوص التأسيسية لأعرق الأحزاب السياسية في المنطقة والتي تتغنى بها الكثير من الاناشيد الوطنية ويحفظها الناس عن ظهر قلب. لكن، هل سيصلح المسرح، حقا، ما أفسدته السياسة؟
الشرق الأوسط \ الاربعـاء 26 محـرم 1428 هـ 14 فبراير 2007 العدد 10305
http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10305&article=406263 (http://www.mnaabr.com/vb/redirector.php?url=h ttp://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10305&article=406263)
أول محاولة لإنجاز وحدة مغاربية عبر المسرح
هل ينجح الفن حيث فشلت السياسة؟
http://www.asharqalawsat.co m/2007/02/14/images/art.406263.jpg
الجزائر: الخير شوار
[/SIZE]
«الحكواتي الأخير» هو عنوان أول مسرحية مغاربية مشتركة، تطوف حاليا الجزائر شرقا وغربا، بانتظار ان تجول على باقي الدول المغاربية، بعد أن عرضت في الجزائر العاصمة. وقد جاء العمل كثمرة تعاون بين ثلاث دول مغاربية (الجزائر وتونس والمغرب) في أول تجربة من نوعها، وبغياب باقي الدول المغاربية التي تعذرت مشاركتها ويؤمل ان تكون حاضرة في تجارب مستقبلية. وأهمية هذا العمل الفني الوحدوي انه جاء في ظل الشلل السياسي الذي يعرفه الاتحاد المغاربي، ووسط إحساس بانسداد الأفق.
ولدت فكرة مسرحية «الحكواتي الأخير» قبل عدة أشهر، عندما حضر الكاتب المغربي عبد الكريم برشيد والمخرج التونسي المنجي بن إبراهيم فعاليات مهرجان المسرح المحترف الذي شهدته العاصمة الجزائرية منتصف العام الماضي. ومنذ ذلك الوقت بدأ الاشتغال على نص «الحكواتي الأخير» للكاتب الاحتفالي عبد الكريم برشيد. وجاءت فكرة المسرحية تجسيدا لحلم الوحدة المغاربية التي بدأت أدبياتها الأولى مع الحركات الوطنية السياسية التي بزغت في دول شمال أفريقيا مطالع القرن العشرين، وترسخت مع الحركات التحررية التي أثمرت الاستقلال. لكن الصراعات السياسية بين دول المغرب كانت قليلة ثم تكاثرت وتفاقمت، وأفسدت هذا الحلم الذي عاد إلى الظهور مجددا مع قمة «زرالدا» ثم قمة «مراكش» في نهاية ثمانينات القرن العشرين والتي ولد بموجبها «الاتحاد المغاربي» ثم أصابه الشلل فجأة سنة 1994 مع فرض المغرب للتأشيرة على الجزائريين ثم المعاملة بالمثل التي طبقتها السلطات الجزائرية وغلق الحدود البرية نهائيا.
النص المسرحي كتبه عبد الكريم برشيد سنة 2000 ويندرج ضمن «المسرح الاحتفالي»، وتدور لوحات العرض الإحدى عشرة حول شخصية محورية هي «الحكواتي نور الدين بن محيي الدين بن عز الدين»، الذي يروي أحداث آخر حكاية في ساحة لم تعد كما كانت بل حوصرت وأفرغ المكان من محتواه. والعرض تؤديه عدة شخصيات منها الحكواتي والكاتب العمومي والمرشد السياحي والمغني والحلاق وكثير من الناس، يعيشون حياتهم اليومية بحلوها ومرها، وقد ساهم في تجسيدها على الخشبة إضافة إلى المخرج المسرحي التونسي المعروف المنجي بن إبراهيم نخبة من الفنانين الجزائريين، منهم السينوغرافي زروقي بخاري والموسيقي نوبلي فاضل وتشكيلة من الممثلين والممثلات. وتبدأ المشاهد في ساحة محاصرة بالاسمنت لم تعد كما كانت في السابق فضاء مفتوحا للحكي والتحلق وقد أصبح الزمن صعبا. ثم عن طريق تقنية الاستعادة والتذكر يعيد الراوي على المشاهد حكاية ما حدث بكثير من الحنين إلى الماضي الذي يراه جميلا مقارنة مع واقع بائس. ومع شخوص المسرحية تعاد نسج الحكاية من جديد وفي آخر العرض يحمل «الحكواتي الأخير» نور الدين بن محيي الدين بن عز الدين لوازمه ويرحل مقتنعا بأنه آخر حكواتي في زمن اسمنتي لا مكان فيه للحكي.
النص المسرحي الذي وصف بالمتشائم وقيل بشأنه أنه لا يمت للاحتفالية بصلة، وهو الاتجاه الذي سلكه الكاتب عبد الكريم برشيد في مختلف نصوصه السابقة وكتبه التنظيرية، قدم له مخرجه المنجي بن إبراهيم بقوله: «صياغة نص «الحكواتي الأخير» تبرز انقسامات داخل ذات الكاتب فكريا ووجدانيا تمكنت من تصوير رائع لواقع غير رائع، ربما لعالم معاصر مهدد بفقدان التواصل الإنساني واضمحلال النبل الأخلاقي، تحت غطاء التآكل الاقتصادي في العالم الحديث، وتحت وطأة العولمة والحداثة وما بعد الحداثة وما شابه ذلك...».
وقد عاب الكثير ممن شاهدوا العرض على النص تلك الجرعة الزائدة من التشاؤم واعتراف «الحكواتي الأخير» بالهزيمة في هذا الواقع الصعب، إضافة إلى ملاحظات أخرى منها أن النص كان مكتوبا باللغة العربية الفصحى ولم يكن أداء الممثلين بنفس المستوى العالي المكتوب به النص الأصلي، لكن الأمر قد يتطور نحو الأحسن في العروض التالية وما زال العرض متواصلا ومتنقلا من مدينة مغاربية إلى أخرى.
وبخصوص مسحة التشاؤم الكبيرة التي طبعت النص ربما تكون التطورات السياسية الأخيرة قد أجابت ميدانيا على ذلك، فزيادة على الانسداد المتواصل الذي يعرفه تنظيم اتحاد المغرب العربي نتيجة لتواصل الخلاف بشأن قضية الصحراء الغربية بين أكبر دولتين في المغرب العربي وهما الجزائر والمغرب، حدث انه مع البدايات الأولى للعروض أعلنت السلطات الليبية عن فرض التأشيرة على سكان شمال أفريقيا الراغبين في زيارتها، وهو الإجراء الذي سيقابل بالمثل ويتواصل الانسداد في طريق «بناء المغرب العربي» الذي تغنى به السياسيون كثيرا دون أن ينجحوا في ذلك.
المهم أن الفنانين المسرحيين استطاعوا تجسيد «وحدة» مسرحية مغاربيا، في تجربة فريدة من نوعها يأمل الجمهور أن تستمر بتجارب مماثلة أعمق فنيا. وقد ناب المسرح عن السياسة في تجسيد «الوحدة» الموجودة في النصوص التأسيسية لأعرق الأحزاب السياسية في المنطقة والتي تتغنى بها الكثير من الاناشيد الوطنية ويحفظها الناس عن ظهر قلب. لكن، هل سيصلح المسرح، حقا، ما أفسدته السياسة؟
الشرق الأوسط \ الاربعـاء 26 محـرم 1428 هـ 14 فبراير 2007 العدد 10305
http://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10305&article=406263 (http://www.mnaabr.com/vb/redirector.php?url=h ttp://www.asharqalawsat.co m/details.asp?section= 19&issue=10305&article=406263)