ابتهاج بنت حامد
19-02-2007, 12:11 AM
الواسطي رسم فأختصر الفنون الاسلامية
بلند الحيدري
من رواد الشعر الحديث في العراق .. مقيم بلندن
كان الرجل قد أكبر عمله وأخذته نشوته به حتى نسى ان يقدم نفسه الينا معرفا بشخصيته وبتاريخ ميلاده أو يشير بطرف من إصبعه إلى نسبه فنعرف من هو هذا الذى خلف لنا كل تلك الصور الرائعة التى يقول عنها البروفيسور "م. س. ديماند فى كتابه "الفنون الاسلامية" واصفا عظمتها,"
ولاشك ان الواسطي كان مصورا عظيما لانه استطاع ان يجمع بين التأثيرات المسيحية الشرقية والتأثيرات الايرانية ويخلق منها اسلوبا اسلاميا جديدا".
وبقدر ما أكبر هذا الرجل عمله فدقق فى كل جزء من أجزاء صوره تدقيقا ممعنا فما ترك للون ان يطغى على لون او لخط ان يشذ عن مساره, تغافل عن نفسه واكتفى بصوره أثرا يدل عليه بحيث لم يترك وراءه غير ثلاثة سطور تناقلها خلفا عن سلف حتى انتهت بعد تدقيق وتنقيب فيها الى المؤرخ الاستاذ ميخائيل عواد ليثبتها دون اضافة جديد اليها هو يؤرخ للواسطي فى دراسته "يحيى الواسطي شيخ المصورين فى العراق " مكتفيا بقوله "ويعد يحيى بن محمود بن يحيى بن الحسن الواسطي فى طليعة المصورين فى العراق فى هاتيك الايام,بل هو شيخهم وأستاذهم وإمامهم فى هذا الفن الجميل... نشا هذا الفنان الواسطي فى المائة السابعة للهجرة فى واسط من المدن الشهيرة فى العراق وموقعها بين البصرة والكوفة وفى تلك المدينة العامرة تعلم التصوير وتمهر فى فنونه.
ولعلنا لانجانب الواقع والصواب كثيرا إن ذهبنا فى زعمنا إلى القول بأن هذا الاهمال فى تثبيت تواريخ المبدعين فى الفنون التشكيلية الاسلامية ربما يعود الى النظرة المتوارثة عند المسلمين عن استهجان الرسم والنحت والقول بتحريمهما وحمل اعمال الرسامين والمزخرفين على محمل التزيين العرضى لباب دار او سقف او غرفة او واجهة عمارة مما استوجبتها حياة الترف والبذخ التى عمت ايام العباسيين, وكذلك ما استخدم من رسوم لتزيين الكتب, وان ممارسى هذه الفنون هم دون الأخرين من المبدعين من الكتاب والشعراء وان اسماءهم لاتستحق الوقوف عندها فى فهرست او كتاب يتعقب اثارهم ويدون اسلوب تطورهم ويناقش ما ابدعوا ويؤرخ لهم, وربما كان الواسطي اكبر حظا من غيره من الرسامين الذين عثرنا على اعمالهم ولم يتسن لنا حتى معرفة اسمائهم فقد اتيح له ان ينفرد بصفحة فى نهاية مخطوطة مقامات الحريري التى قام برسم تسع وتسعين صورة لها، كان له ان يدون فيها قوله "فرغ من نسخها العبد الفقير الى رحمة ربه وغفرانه وعفوه يحيى بن محمد بن ابى الحسن بن كوريها الواسطي بخطه وصوره آخر نهار يوم السبت سادس شهر رمضان سنة اربع وثلاثين وستمائة".
مقامات الحريري
يكاد يحصر عدد غير قليل من دارسي الادب العربى من عرب ومستشرقين بداية نشؤ ادب المقامات بمقامات بديع الزمان الهمذانى الذى عاش فى القرن الرابع للهجرة ويذهب بعضهم ومنهم الدكتور زكى مبارك الى مد تاريخ بدايته الى القرن الثالث للهجرة ناسبا الى "ابن دريد" اول عمل من هذا الضرب من ضروب الادب كما عثر على ذلك فى بعض كتب الادب العربى القديم اما من الكتاب المتأخرين ممن مارسوا الكتابة فى أدب المقامة فهو الشيخ ناصيف اليازجى الذى ولد عام 1800 م وتوفى فى عام 1871 م وكان فى اسلوبه ملتزما بما ورث عن الهمذانى والحريرى من نسج ادائى فى رواية الاحداث وبناء الجمل وحتى رسم شخصية البطل.
وتكاد المقامة ان تكون لونا من ألوان القصة لولا ان كاتبها لايولي اهتماما لتطوير الحدث على ما هو مألوف فى ادب القصة ولولا جنوحه الى اصطناع البراعة اللغوية وابراز تمكن الكاتب من ادائيته البيانية الى حد يضيع فيهما احيانا وضوح القصد من الحدث وكأن الغاية ليست بأكثر من التأكيد على تلك البراعة وذلك الاسلوب البيانى المملؤ بالزخرفة اللفظية.
وثمة شخصيتان فى الادب العربى احتكرتا الاهمية المتزايدة فى هذا المجال الادبى هما الهمذانى والحريري وقد ولد الاخير منهما فى البصرة عام 1054 م وتوفى فيها عام 1122 م ويعد الحريري من نحويي مدرسة البصرة ومن كتابها المقلدين واحد ادباء بدء الانحطاط الادبى فى تاريخ الادب العربي وقد شغل لفترة من الزمن منصب اصاحب الخبر" فى البصرة اى المسؤول عن بريدها وكان موضع احترام اهليها لفرط ذكائه وفطنته وفصاحة لغته, وعلى الرغم من ان "أبا القاسم بن علي الحريري " قد ترك تصانيف ادبية عديدة إلا انه لم يشتهر إلا بمقاماته التى ما تزال تتناقلها كتب الادب العربي.
وهو ينسج فى مقاماته على منوال الهمذانى معتمدا شخصية الراوى واسمه فى مقاماته "الحارث بن همام " الذى اوكل اليه القيام بسرد مغامرات بطل المقامات "ابو زيد السروجى" وهو كبطل مقامات الهمذانى ممن يحترفون الكدية فيصور لنا عبر خمسين مقامة صورا مختلفة للظروف التى مر بها بطل المقامات بأسلوب ساخر حينا وجاد حينا أخر... إلا ان طغيان التكلف على مقامات الحريري قد ذهب ببعض رونقها وكذلك ميله الشديد الى الزخرفة اللفظية والتنطع فى اقامة جملة وتاكيد الصناعة تأكيدا مبالغا فيه كان يورد ابياتا من الشعر يمكن لقارئها أن يتلوها من اولها او من آخرها كمثل قوله :
اس ارملا اذا عرا وارع اذا المرء اسا
اسل جناب غاشم مشاغب ان جلسا
مما هبط بمنزلتها عن منزلة مقامات الهمذانى فى نظر غير واحد من الذين اقاموا المقارنة بينهما.
وتؤكد بعض الروايات التى تواترت عن مقامات الحريري بان شخصية بطلها شخصية حقيقية، فان ابا زيد السروجى كان من الشحاذين المتميزين بحسن لغته وجميل تصرفه وعمق نظرته الى الاشياء بل ان الحريري نفسه يقول بذلك "جتمع مسجده مثل ما شاهدت, وانه سمع منه فى معنى أخر فصلا احسن مما سمعت وكان يغير فى كل مسجد زيه وشكله ويظهر من فنون الحيلة فضله فعتجبوا من جريانه فى ميدانه وتصرفه فى تلونه واحسانه.. فأنشأت المقامة الخرامية ثم بنيت عليها عندى عشية ذلك اليوم جماعة من فضلاء البصرة وعلمائها فحكيت لهم ما شهدت من ذلك السائل وسمعت من لطافة عبارته فى تحصيل مراده وظرافة اشارته فى تسهيل ايراده, فحكى كل واحد من جلسائه انه شاهد من هذا.السائل فى سائر المقامات وكانت أول شىء صنعته ".
وقد استطاعت هذه المقامات أن تنقل الينا عبر سرد قصص ابى زيد السروجى الكثير من ملامح المجتمع البصري فى العهد العباسى، من حكايات تتناول شخصيات اجتماعية معروفة الى رسم معالم المدن انذاك الى تفصيل فى عادات اهل ذلك الزمان مما صارت المادة الاساسية لرسوم الواسطي التى زين بها هذا الكتاب فاغلى من قيمته ومد بعمره, والكتاب محفوظ فى المكتبة الاهلية بباريس تحت رقم 5847 عربى ويقول الدكتور محمد مكية فى دراسته عن "تراث الرسم البغدادى" بان هذه المخطوطة اى مخطوطة باريس "لم تكن النسخة الباقية من هذا الاثر النفيس فقد وصلت إلينا نسخة أخرى من مقامات الحريري هى المخطوطة المحفوظة الآن فى متحف ليننجراد وتضم مجموعة من الرسوم الرائعة، ولم تلق هذه المجموعة العناية اللازمة ولعل ذلك بسبب التشويه الذى وقع. عليها جراء حز رقاب المخلوقات الحية فيهما بخطوط سود دلالة على أنها ميتة كى لايقع عليها المنع والتحريم.
بلند الحيدري
من رواد الشعر الحديث في العراق .. مقيم بلندن
كان الرجل قد أكبر عمله وأخذته نشوته به حتى نسى ان يقدم نفسه الينا معرفا بشخصيته وبتاريخ ميلاده أو يشير بطرف من إصبعه إلى نسبه فنعرف من هو هذا الذى خلف لنا كل تلك الصور الرائعة التى يقول عنها البروفيسور "م. س. ديماند فى كتابه "الفنون الاسلامية" واصفا عظمتها,"
ولاشك ان الواسطي كان مصورا عظيما لانه استطاع ان يجمع بين التأثيرات المسيحية الشرقية والتأثيرات الايرانية ويخلق منها اسلوبا اسلاميا جديدا".
وبقدر ما أكبر هذا الرجل عمله فدقق فى كل جزء من أجزاء صوره تدقيقا ممعنا فما ترك للون ان يطغى على لون او لخط ان يشذ عن مساره, تغافل عن نفسه واكتفى بصوره أثرا يدل عليه بحيث لم يترك وراءه غير ثلاثة سطور تناقلها خلفا عن سلف حتى انتهت بعد تدقيق وتنقيب فيها الى المؤرخ الاستاذ ميخائيل عواد ليثبتها دون اضافة جديد اليها هو يؤرخ للواسطي فى دراسته "يحيى الواسطي شيخ المصورين فى العراق " مكتفيا بقوله "ويعد يحيى بن محمود بن يحيى بن الحسن الواسطي فى طليعة المصورين فى العراق فى هاتيك الايام,بل هو شيخهم وأستاذهم وإمامهم فى هذا الفن الجميل... نشا هذا الفنان الواسطي فى المائة السابعة للهجرة فى واسط من المدن الشهيرة فى العراق وموقعها بين البصرة والكوفة وفى تلك المدينة العامرة تعلم التصوير وتمهر فى فنونه.
ولعلنا لانجانب الواقع والصواب كثيرا إن ذهبنا فى زعمنا إلى القول بأن هذا الاهمال فى تثبيت تواريخ المبدعين فى الفنون التشكيلية الاسلامية ربما يعود الى النظرة المتوارثة عند المسلمين عن استهجان الرسم والنحت والقول بتحريمهما وحمل اعمال الرسامين والمزخرفين على محمل التزيين العرضى لباب دار او سقف او غرفة او واجهة عمارة مما استوجبتها حياة الترف والبذخ التى عمت ايام العباسيين, وكذلك ما استخدم من رسوم لتزيين الكتب, وان ممارسى هذه الفنون هم دون الأخرين من المبدعين من الكتاب والشعراء وان اسماءهم لاتستحق الوقوف عندها فى فهرست او كتاب يتعقب اثارهم ويدون اسلوب تطورهم ويناقش ما ابدعوا ويؤرخ لهم, وربما كان الواسطي اكبر حظا من غيره من الرسامين الذين عثرنا على اعمالهم ولم يتسن لنا حتى معرفة اسمائهم فقد اتيح له ان ينفرد بصفحة فى نهاية مخطوطة مقامات الحريري التى قام برسم تسع وتسعين صورة لها، كان له ان يدون فيها قوله "فرغ من نسخها العبد الفقير الى رحمة ربه وغفرانه وعفوه يحيى بن محمد بن ابى الحسن بن كوريها الواسطي بخطه وصوره آخر نهار يوم السبت سادس شهر رمضان سنة اربع وثلاثين وستمائة".
مقامات الحريري
يكاد يحصر عدد غير قليل من دارسي الادب العربى من عرب ومستشرقين بداية نشؤ ادب المقامات بمقامات بديع الزمان الهمذانى الذى عاش فى القرن الرابع للهجرة ويذهب بعضهم ومنهم الدكتور زكى مبارك الى مد تاريخ بدايته الى القرن الثالث للهجرة ناسبا الى "ابن دريد" اول عمل من هذا الضرب من ضروب الادب كما عثر على ذلك فى بعض كتب الادب العربى القديم اما من الكتاب المتأخرين ممن مارسوا الكتابة فى أدب المقامة فهو الشيخ ناصيف اليازجى الذى ولد عام 1800 م وتوفى فى عام 1871 م وكان فى اسلوبه ملتزما بما ورث عن الهمذانى والحريرى من نسج ادائى فى رواية الاحداث وبناء الجمل وحتى رسم شخصية البطل.
وتكاد المقامة ان تكون لونا من ألوان القصة لولا ان كاتبها لايولي اهتماما لتطوير الحدث على ما هو مألوف فى ادب القصة ولولا جنوحه الى اصطناع البراعة اللغوية وابراز تمكن الكاتب من ادائيته البيانية الى حد يضيع فيهما احيانا وضوح القصد من الحدث وكأن الغاية ليست بأكثر من التأكيد على تلك البراعة وذلك الاسلوب البيانى المملؤ بالزخرفة اللفظية.
وثمة شخصيتان فى الادب العربى احتكرتا الاهمية المتزايدة فى هذا المجال الادبى هما الهمذانى والحريري وقد ولد الاخير منهما فى البصرة عام 1054 م وتوفى فيها عام 1122 م ويعد الحريري من نحويي مدرسة البصرة ومن كتابها المقلدين واحد ادباء بدء الانحطاط الادبى فى تاريخ الادب العربي وقد شغل لفترة من الزمن منصب اصاحب الخبر" فى البصرة اى المسؤول عن بريدها وكان موضع احترام اهليها لفرط ذكائه وفطنته وفصاحة لغته, وعلى الرغم من ان "أبا القاسم بن علي الحريري " قد ترك تصانيف ادبية عديدة إلا انه لم يشتهر إلا بمقاماته التى ما تزال تتناقلها كتب الادب العربي.
وهو ينسج فى مقاماته على منوال الهمذانى معتمدا شخصية الراوى واسمه فى مقاماته "الحارث بن همام " الذى اوكل اليه القيام بسرد مغامرات بطل المقامات "ابو زيد السروجى" وهو كبطل مقامات الهمذانى ممن يحترفون الكدية فيصور لنا عبر خمسين مقامة صورا مختلفة للظروف التى مر بها بطل المقامات بأسلوب ساخر حينا وجاد حينا أخر... إلا ان طغيان التكلف على مقامات الحريري قد ذهب ببعض رونقها وكذلك ميله الشديد الى الزخرفة اللفظية والتنطع فى اقامة جملة وتاكيد الصناعة تأكيدا مبالغا فيه كان يورد ابياتا من الشعر يمكن لقارئها أن يتلوها من اولها او من آخرها كمثل قوله :
اس ارملا اذا عرا وارع اذا المرء اسا
اسل جناب غاشم مشاغب ان جلسا
مما هبط بمنزلتها عن منزلة مقامات الهمذانى فى نظر غير واحد من الذين اقاموا المقارنة بينهما.
وتؤكد بعض الروايات التى تواترت عن مقامات الحريري بان شخصية بطلها شخصية حقيقية، فان ابا زيد السروجى كان من الشحاذين المتميزين بحسن لغته وجميل تصرفه وعمق نظرته الى الاشياء بل ان الحريري نفسه يقول بذلك "جتمع مسجده مثل ما شاهدت, وانه سمع منه فى معنى أخر فصلا احسن مما سمعت وكان يغير فى كل مسجد زيه وشكله ويظهر من فنون الحيلة فضله فعتجبوا من جريانه فى ميدانه وتصرفه فى تلونه واحسانه.. فأنشأت المقامة الخرامية ثم بنيت عليها عندى عشية ذلك اليوم جماعة من فضلاء البصرة وعلمائها فحكيت لهم ما شهدت من ذلك السائل وسمعت من لطافة عبارته فى تحصيل مراده وظرافة اشارته فى تسهيل ايراده, فحكى كل واحد من جلسائه انه شاهد من هذا.السائل فى سائر المقامات وكانت أول شىء صنعته ".
وقد استطاعت هذه المقامات أن تنقل الينا عبر سرد قصص ابى زيد السروجى الكثير من ملامح المجتمع البصري فى العهد العباسى، من حكايات تتناول شخصيات اجتماعية معروفة الى رسم معالم المدن انذاك الى تفصيل فى عادات اهل ذلك الزمان مما صارت المادة الاساسية لرسوم الواسطي التى زين بها هذا الكتاب فاغلى من قيمته ومد بعمره, والكتاب محفوظ فى المكتبة الاهلية بباريس تحت رقم 5847 عربى ويقول الدكتور محمد مكية فى دراسته عن "تراث الرسم البغدادى" بان هذه المخطوطة اى مخطوطة باريس "لم تكن النسخة الباقية من هذا الاثر النفيس فقد وصلت إلينا نسخة أخرى من مقامات الحريري هى المخطوطة المحفوظة الآن فى متحف ليننجراد وتضم مجموعة من الرسوم الرائعة، ولم تلق هذه المجموعة العناية اللازمة ولعل ذلك بسبب التشويه الذى وقع. عليها جراء حز رقاب المخلوقات الحية فيهما بخطوط سود دلالة على أنها ميتة كى لايقع عليها المنع والتحريم.