مؤيد منيف
12-02-2007, 12:08 PM
تاريخ عريق من الجماعات والحركات الفنية يكاد يسقط ... موسم الفن التشكيلي في العراق ... بلا فن!
بغداد - ماجد السامرائي الحياة - 12/02/07//
للحياة الثقافية في العراق تقاليدها، ولبعض هذه التقاليد عمر زمني ليس بالقصير، وان لم تقد سنواته الى الشيخوخة بقدر ما قادت الى ارساء دعائم لوجود ثقافي اعتمده الكثيرون، وجعلوا منه اساساً لحضورهم وانطلاقتهم في مجالات الثقافة كافة. ومن تقاليد هذه الحياة ما عرف بـ «موسم الفن التشكيلي» الذي يستمر، في العادة، قرابة ستة اشهر، تبدأ مع الشهرين الاخيرين من السنة، وتنتهي بنهاية الاشهر الاربعة الاولى من السنة الجديدة. وهي تبدأ، وتنتهي، بثلاثة اصناف من المعارض.
فهناك «المعارض الشخصية» التي يقيمها الفنانون المكرسون لتضم ما انتجوه من رسوم ولوحات تشكيلية، او اعمال نحتية او خزفية، في خلال سنة، في الغالب. وهذا الصنف من المعارض فضلاً عن كونه يمثل الحضور الفني للفنان في الحياة الفنية، فانه امتحان له في ما يقدم من جديد يمثل اضافة الى منجزه، والى المنجز الفني العراقي، في الرؤية والمعالجة الفنية، بما يتخذ كل فنان لنفسه من اسلوب فني - وهو امر يحرص عليه الفنانون غاية الحرص وهم يقيمون معارضهم هذه – التي تعد فسحة اللقاء الاوسع لهم مع جمهورهم ونقادهم.
http://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070211-b1e6a530-c0a8-10ed-008d-41f2f87bbffc/fan_16.jpg_-1_-1.jpgلوحة للرسام العراقي جواد سليم
وهناك المعارض المشتركة بين فنانين او اكثر، تجمعهم «الجيلية» او الرؤية الفنية، المشتركة او المتقاربة، والذين لم تكن قاعات العرض، بما لها من تقاليد، تتيح للواحد منهم اقامة معرض شخصي بمفرده. ومثل هذه المعارض كانت «اسلوباً» تتبعه قاعات العرض في العاصمة بغداد لتقديم الاسماء الجديدة بما يفترض ان تمثل من اساليب جديدة تفتح بها فضاء اللقاء بين جمهور الفن وهؤلاء الفنانين الذين يحاولون تمييز شخصياتهم الفنية من خلال ما يقدمون من اعمال.
اما الصنف الثالث من هذه المعارض السنوية فهو «معارض الجماعات الفنية» التي عرف منها، منذ آخر اربعينات القرن الماضي وحتى اول ستيناته، ثلاث جماعات كان لها دورها الكبير والمهم في ارساء دعائم الحركة التشكيلية في العراق، وتعميق اتجاهاتها الفنية، والمضي بها في مسارات فنية متعددة المدارس، ما كان مصدر اغناء لهذه الحركة، وعامل تنوع في معطياتها. وهذه «الجماعات» هي، بحسب ظهورها الزمني في الحياة الفنية في العراق: «جماعة الانطباعيين» التي التفت حول الفنان فائق حسن، و «جماعة الرواد» الذين جمعهم الفنان حافظ الدروبي، ثم «جماعة بغداد للفن الحديث» التي غذاها الفنان جواد سليم، وقد التفّت حوله، برؤية فنية ذات عمق تاريخي عاد فيه الى حضارة وادي الرافدين، جامعاً رؤاها برؤية الفنان يحيى الواسطي، بالاتجاهات الحديثة في الفن. فكانت كل جماعة من هذه الجماعات الثلاث مدرسة فنية بذاتها، لها اسسها الفنية الواضحة، ولها مريدوها، واتباعها من الاجيال التالية. وهذا الامر الذي جعلها ترفد، وفي شكل مستمر، الحياة الفنية باسماء جديدة، فأغنت برؤيتها وعملها تراث «الجماعة». وكانت لهذه الجماعات تقاليدها، التي يمكن ان نجد فيها تقاليد مشتركة في ما بينها. ومن ابرز هذه التقاليد المعرض السنوي لها، والذي يتم، عادة، في موعد متقارب من كل سنة. وفي هذا المعرض يقدم كل عضو في الجماعة ثلاثة اعمال (او اكثر) من اعماله الجديدة التي لم يسبق عرضها، ليمثل المعرض، التطور الفني للجماعة، كاشفاً عن مدى الاضافة التي حققها كل فنان بالنسبة الى نفسه، وكذلك بالنسبة الى الفنانين الآخرين. ومن ثم يمثل المعرض بكليته ما تحقق لدى «الجماعة» صاحبة المعرض من جديد قياساً الى الحركة الفنية بعامة.
وفي اواسط الستينات وبدايات السبعينات من القرن الفائت، ظهرت في الحياة التشيكلية العراقية جماعات فنية ارادت ان يكون لها هي الاخرى، حضورها الفني المشترك، فكانت «جماعة المجددين» و «جماعة الرؤيا الجديدة»، و «جماعة البعد الواحد» التي نظّر لها الفنان شاكر حسن آل سعيد - احد ابرز فناني «جماعة بغداد» – كانت من ابرز الجماعات التي ظهرت في الحياة الفنية العراقية الجديدة، ممثلة باتجاهات فنية واضحة، ومتخذة المسار ذاته الذي اتخذته الجماعات السابقة عليها من حيث تقاليد العرض، فأقامت معارضها السنوية المشتركة، وقدمت رؤيتها الفنية في اعمالها ومن خلال كتابات تنظيرية اضطلع بها افراد من كل جماعة، عبروا فيها عن منظورهم الفني في عصر متغير.
وإلى هذه المعارض، على ما كان لها من زخم فني واضح، كان هناك «المعرض السنوي لجمعية التشكيلين العراقيين» الذي جرى تنظيمه منذ تأسيس الجمعية في الخمسينات، ممثلاً اوسع معارض الموسم واكثرها تنوعاً من حيث الاساليب والاتجاهات الفنية المجتمعة فيه. فهو معرض يضم اعمال معظم اعضاء «الجمعية» من فنانين ينتمون الى مدارس متباينة، ويأخذون انفسهم في اتجاهات فنية مختلفة. ولكن، بعد ان تمر اعمالهم على لجنة تحكيمية تتألف من كبار الفنانين ونقاد الفن لتقرير مستواها ومن ثم اشتراكها في المعرض، ضماناً للمستوى الفني الذي تريده الجمعية لمعرضها، الذي اقرب ما يكون الى «لكرنفال الذي يجمع الفن العراقي كما لم يتح له ان يجتمع في معرض آخر سواه. وغالباً ما يكون هو الختام الفعلي للموسم الفني.
هذه الحياة، بتقاليدها وبالمنجز الفني لها، اوجدت حياة فنية راسخة، لها معطياتها الفذة، افرزت من الاسماء الكبيرة، منجزاً فنياً، ما رفد هذه الحياة بـ «معمار» فني شامخ، حتى اصبح هذا الفن، باتجاهاته الفنية وبأسمائه الكبيرة، يحتل مكاناً بارزاً في الموسوعات الفنية في العالم.
الا ان السؤال الذي يثار من خلال هذا كله، ويواجه هذا كله، هو: ما الذي بقي منه اليوم على ارض الواقع؟
مع دخول قوات الاحتلال الاميركي بغداد جرت عملية نهب شاملة لموجودات «المعرض الدائم والشامل للفن العراقي»، والذي يضم ثمانية آلاف وخمسمئة عمل فني بين لوحات يعود اقدمها الى نحو مئة سنة، واعمال نحتية، وهي تمثل في مجموعها تاريخ الفن في هذا البلد، منذ نشأته وعبر تطوره، الى اليوم. فضلاً عن «معرضين - متحفين» خاصين بالفـــنانين جواد سليم وفائق حسن، ضما، الى جانب الاعـــمال الفنية لكل منهما، وثائق كثيرة ذات اهمية خاصة في مسيرة كل منهما وفنه، وكذلك بالنسبة الى تاريخ الحركة الفنية في العراق.
ومع دخول قوات الاحتلال الاميركي بغداد انحل عقد الفنانين العراقيين، جماعات وتجمعات، تحت الضربات الموجعة التي الحقها الاحتلال و «وكلاؤه» بالواقع العراقي. ليصبحوا في كل ارض في الارض، بعدما تلقى كثيرون منهم تهديداً مباشراً من جهات مجهولة الهوية تضعهم امام احد خيارين: إما مغادرة البلد... او التصفية الجسدية.
وأغلقت أبواب «قاعات العرض»، سواء منها الحكومية (التابعة لوزارة الثقافة)، او تلك التي يمتلكها ويديرها فنانون كانوا، يوم اسسوها، يحلمون بأن يجعلوا منها فضاءات رحبة للفن والفنانين.
وهكذا بدأ الموسم الحالي للفن التشكيلي العراقي بفراغ. وسيختتم بفراغ. فلا فن يقدم ولا حضور لفنان ولا وجود لما كنا ندعوه جمهور الفن - الاّ في شكل رمزي!
http://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070211-b1e6a530-c0a8-10ed-008d-41f2f87bbffc/story.html
ولكم تحياتي
مؤيد منيف
بغداد - ماجد السامرائي الحياة - 12/02/07//
للحياة الثقافية في العراق تقاليدها، ولبعض هذه التقاليد عمر زمني ليس بالقصير، وان لم تقد سنواته الى الشيخوخة بقدر ما قادت الى ارساء دعائم لوجود ثقافي اعتمده الكثيرون، وجعلوا منه اساساً لحضورهم وانطلاقتهم في مجالات الثقافة كافة. ومن تقاليد هذه الحياة ما عرف بـ «موسم الفن التشكيلي» الذي يستمر، في العادة، قرابة ستة اشهر، تبدأ مع الشهرين الاخيرين من السنة، وتنتهي بنهاية الاشهر الاربعة الاولى من السنة الجديدة. وهي تبدأ، وتنتهي، بثلاثة اصناف من المعارض.
فهناك «المعارض الشخصية» التي يقيمها الفنانون المكرسون لتضم ما انتجوه من رسوم ولوحات تشكيلية، او اعمال نحتية او خزفية، في خلال سنة، في الغالب. وهذا الصنف من المعارض فضلاً عن كونه يمثل الحضور الفني للفنان في الحياة الفنية، فانه امتحان له في ما يقدم من جديد يمثل اضافة الى منجزه، والى المنجز الفني العراقي، في الرؤية والمعالجة الفنية، بما يتخذ كل فنان لنفسه من اسلوب فني - وهو امر يحرص عليه الفنانون غاية الحرص وهم يقيمون معارضهم هذه – التي تعد فسحة اللقاء الاوسع لهم مع جمهورهم ونقادهم.
http://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070211-b1e6a530-c0a8-10ed-008d-41f2f87bbffc/fan_16.jpg_-1_-1.jpgلوحة للرسام العراقي جواد سليم
وهناك المعارض المشتركة بين فنانين او اكثر، تجمعهم «الجيلية» او الرؤية الفنية، المشتركة او المتقاربة، والذين لم تكن قاعات العرض، بما لها من تقاليد، تتيح للواحد منهم اقامة معرض شخصي بمفرده. ومثل هذه المعارض كانت «اسلوباً» تتبعه قاعات العرض في العاصمة بغداد لتقديم الاسماء الجديدة بما يفترض ان تمثل من اساليب جديدة تفتح بها فضاء اللقاء بين جمهور الفن وهؤلاء الفنانين الذين يحاولون تمييز شخصياتهم الفنية من خلال ما يقدمون من اعمال.
اما الصنف الثالث من هذه المعارض السنوية فهو «معارض الجماعات الفنية» التي عرف منها، منذ آخر اربعينات القرن الماضي وحتى اول ستيناته، ثلاث جماعات كان لها دورها الكبير والمهم في ارساء دعائم الحركة التشكيلية في العراق، وتعميق اتجاهاتها الفنية، والمضي بها في مسارات فنية متعددة المدارس، ما كان مصدر اغناء لهذه الحركة، وعامل تنوع في معطياتها. وهذه «الجماعات» هي، بحسب ظهورها الزمني في الحياة الفنية في العراق: «جماعة الانطباعيين» التي التفت حول الفنان فائق حسن، و «جماعة الرواد» الذين جمعهم الفنان حافظ الدروبي، ثم «جماعة بغداد للفن الحديث» التي غذاها الفنان جواد سليم، وقد التفّت حوله، برؤية فنية ذات عمق تاريخي عاد فيه الى حضارة وادي الرافدين، جامعاً رؤاها برؤية الفنان يحيى الواسطي، بالاتجاهات الحديثة في الفن. فكانت كل جماعة من هذه الجماعات الثلاث مدرسة فنية بذاتها، لها اسسها الفنية الواضحة، ولها مريدوها، واتباعها من الاجيال التالية. وهذا الامر الذي جعلها ترفد، وفي شكل مستمر، الحياة الفنية باسماء جديدة، فأغنت برؤيتها وعملها تراث «الجماعة». وكانت لهذه الجماعات تقاليدها، التي يمكن ان نجد فيها تقاليد مشتركة في ما بينها. ومن ابرز هذه التقاليد المعرض السنوي لها، والذي يتم، عادة، في موعد متقارب من كل سنة. وفي هذا المعرض يقدم كل عضو في الجماعة ثلاثة اعمال (او اكثر) من اعماله الجديدة التي لم يسبق عرضها، ليمثل المعرض، التطور الفني للجماعة، كاشفاً عن مدى الاضافة التي حققها كل فنان بالنسبة الى نفسه، وكذلك بالنسبة الى الفنانين الآخرين. ومن ثم يمثل المعرض بكليته ما تحقق لدى «الجماعة» صاحبة المعرض من جديد قياساً الى الحركة الفنية بعامة.
وفي اواسط الستينات وبدايات السبعينات من القرن الفائت، ظهرت في الحياة التشيكلية العراقية جماعات فنية ارادت ان يكون لها هي الاخرى، حضورها الفني المشترك، فكانت «جماعة المجددين» و «جماعة الرؤيا الجديدة»، و «جماعة البعد الواحد» التي نظّر لها الفنان شاكر حسن آل سعيد - احد ابرز فناني «جماعة بغداد» – كانت من ابرز الجماعات التي ظهرت في الحياة الفنية العراقية الجديدة، ممثلة باتجاهات فنية واضحة، ومتخذة المسار ذاته الذي اتخذته الجماعات السابقة عليها من حيث تقاليد العرض، فأقامت معارضها السنوية المشتركة، وقدمت رؤيتها الفنية في اعمالها ومن خلال كتابات تنظيرية اضطلع بها افراد من كل جماعة، عبروا فيها عن منظورهم الفني في عصر متغير.
وإلى هذه المعارض، على ما كان لها من زخم فني واضح، كان هناك «المعرض السنوي لجمعية التشكيلين العراقيين» الذي جرى تنظيمه منذ تأسيس الجمعية في الخمسينات، ممثلاً اوسع معارض الموسم واكثرها تنوعاً من حيث الاساليب والاتجاهات الفنية المجتمعة فيه. فهو معرض يضم اعمال معظم اعضاء «الجمعية» من فنانين ينتمون الى مدارس متباينة، ويأخذون انفسهم في اتجاهات فنية مختلفة. ولكن، بعد ان تمر اعمالهم على لجنة تحكيمية تتألف من كبار الفنانين ونقاد الفن لتقرير مستواها ومن ثم اشتراكها في المعرض، ضماناً للمستوى الفني الذي تريده الجمعية لمعرضها، الذي اقرب ما يكون الى «لكرنفال الذي يجمع الفن العراقي كما لم يتح له ان يجتمع في معرض آخر سواه. وغالباً ما يكون هو الختام الفعلي للموسم الفني.
هذه الحياة، بتقاليدها وبالمنجز الفني لها، اوجدت حياة فنية راسخة، لها معطياتها الفذة، افرزت من الاسماء الكبيرة، منجزاً فنياً، ما رفد هذه الحياة بـ «معمار» فني شامخ، حتى اصبح هذا الفن، باتجاهاته الفنية وبأسمائه الكبيرة، يحتل مكاناً بارزاً في الموسوعات الفنية في العالم.
الا ان السؤال الذي يثار من خلال هذا كله، ويواجه هذا كله، هو: ما الذي بقي منه اليوم على ارض الواقع؟
مع دخول قوات الاحتلال الاميركي بغداد جرت عملية نهب شاملة لموجودات «المعرض الدائم والشامل للفن العراقي»، والذي يضم ثمانية آلاف وخمسمئة عمل فني بين لوحات يعود اقدمها الى نحو مئة سنة، واعمال نحتية، وهي تمثل في مجموعها تاريخ الفن في هذا البلد، منذ نشأته وعبر تطوره، الى اليوم. فضلاً عن «معرضين - متحفين» خاصين بالفـــنانين جواد سليم وفائق حسن، ضما، الى جانب الاعـــمال الفنية لكل منهما، وثائق كثيرة ذات اهمية خاصة في مسيرة كل منهما وفنه، وكذلك بالنسبة الى تاريخ الحركة الفنية في العراق.
ومع دخول قوات الاحتلال الاميركي بغداد انحل عقد الفنانين العراقيين، جماعات وتجمعات، تحت الضربات الموجعة التي الحقها الاحتلال و «وكلاؤه» بالواقع العراقي. ليصبحوا في كل ارض في الارض، بعدما تلقى كثيرون منهم تهديداً مباشراً من جهات مجهولة الهوية تضعهم امام احد خيارين: إما مغادرة البلد... او التصفية الجسدية.
وأغلقت أبواب «قاعات العرض»، سواء منها الحكومية (التابعة لوزارة الثقافة)، او تلك التي يمتلكها ويديرها فنانون كانوا، يوم اسسوها، يحلمون بأن يجعلوا منها فضاءات رحبة للفن والفنانين.
وهكذا بدأ الموسم الحالي للفن التشكيلي العراقي بفراغ. وسيختتم بفراغ. فلا فن يقدم ولا حضور لفنان ولا وجود لما كنا ندعوه جمهور الفن - الاّ في شكل رمزي!
http://www.alhayat.com/culture/fine_arts/02-2007/Item-20070211-b1e6a530-c0a8-10ed-008d-41f2f87bbffc/story.html
ولكم تحياتي
مؤيد منيف