عبود سلمان
10-02-2007, 10:22 PM
حوار مع الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج على الكاتب أن يدخل غمار تجربة شعبه ولا يبقى على الهامش
حاوره : محمود البعلاو
الأحد 11-2-2007
واسيني الأعرج ،كاتب روائي ،وناقد ،وقاص ،وأستاذ جامعي ،ولد في قرية سيدي بوجنان - تلمسان - الجزائر عام 4591 م ،دكتوراه في الأدب من جامعة دمشق ،يعمل أستاذاً جامعياً في جامعة السوربون بباريس ،والجامعة الجزائرية ،ترجمت أعماله الى عدة لغات منها الفرنسية ،والانكليزية ،والايطالية ،والاسبانية ،صدر له في الرواية :
(وقائع من أوجاع - رجل غامر جنوب البحر - وقع الأحذية الخشنة - ماتبقى من سيرة الخضر حمروش - نوار اللوز - مصرع أحلام مريم الوديعة - ضمير الغائب - الليلة السابعة بعد الألف - سيدة المقام - شرفات بحر الشمال - حارسة الظلال - ذاكرة الماء ) وصدر له في القصة (مرايا العزيز - كتاب الأمير أسماك البحر المتوحش - أحزان الكتابة عن المنفى - أحميدة المسيردي الطيب ) .
وصدر له في الدراسات : ( اتجاهات الرواية العربية في الجزائر )،وقدم برنامجاً تلفزيونياً بعنوان (أهل الكتاب) ..التقيناه مشاركاً في مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية في دار الأسد للثقافة بالرقة ،وأجرينا معه الحوار :
< وضعت كتباً سردية كثيرة (قصة - رواية - نصوص) وهناك كتاب روائي طويل ،وكتاب قصصي أو سردي يميل الى القصر - كيف تنظرالى الكتابة السردية ؟
- أنا أنظر الى الكتابة السردية بوصفها وسيلة تعبيرية عالية ،أنا اشتغلت في خياراتي الشخصية ،بدأت قاصاً ،كتبت العديد من القصص القصيرة ، ونشرت ثلاث مجموعات قصصية هي :(أحزان الكتابة عن المنفى - أحميدة المسيردي الطيب - أسماك البحر المتوحش )تناولت فيها - من خلال السرد المكثف - الأوضاع التي كانت تعيشها الجزائر من فترة الاستعمار الى الوقت الحاضر ،وتناولت بعض القضايا العربية التي كانت تشغلني ككاتب ،لكن بدءاً من الثمانينات توقفت عن كتابة القصة القصيرة ،وبدأت أكتب الرواية واعتبرت إن كتابة القصة بالنسبة لي كانت مرحلة طارئة في الحقيقة ،لأن هناك - حتى في قصصي القصيرة - بعداً سردياً ،ونفساً طويلاً ،لايمكن للقصة القصيرة أن تستوعبه ،فوجدت في الرواية وسيلتي وضالتي في الكتابة ،وبالموازاة كنت اشتغل بالنقد مادامت قد أنجزت رسالتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الجزائري والأدب العربي حول نظرية البطل ،ونقلت هذا الفعل الأكاديمي الى الجامعة ،عندما عدت الى الجزائر في عام 1958 م ،عائداً من دمشق ،وباريس طبعاً ، وبدأت أتعامل مع النقد ،وهذا يتأتى من كون أن المادة االنقدية بالنسبة لي هي مادة جمالية بالدرجة الأولى لكن مع بداية التسعينات أوقفت كل العمل القصصي القصير ،وأوقفت كل الاشتغال النقدي على الرواية وبدأت أكتب الرواية ،تفرغت للعمل الروائي لأنني أؤمن بالتخصص ،ولم أكن أريد تخصيص وقتي الإضافي الى للكتابة النقدية ،ولكن قلت سأضيفه كقيمة إضافية للكتابة الروائية مما سمح لي بإنجاز الكثير من المشاريع التي كانت تشغلني ككاتب وروائي ،وهي طبعاً مشاريع وجدت لها قراء في الجزائر ،وفي الوطن العربي ،وحتى عالمياً ،لأن الكثير من هذه النصوص ترجم الى العديد من اللغات العالمية .
< عالجت في رواياتك - على سبيل الواقعية النقدية - القضايا القومية في أبعادها التاريخية ومنظوراتها السياسية ..مارأيك في الخطاب الروائي ومدى تمثيله للخصائص الثقافية والسياسية ؟
- أنت تعرف أن الوطن العربي عاش ظروفاً صعبة ،عاش ظروف انفصاله - مثلا - في بداية القرن العشرين عن تركيا ،وهذا خلق نوع من الانكسارات الداخلية ،خصوصاً بعد اعدامات 1915 - 1916 - للمناضلين والمثقفين العرب الذين كانوا ينادون باستقلال الأرض العربية عن الدولة العثمانية ،وهؤلاء كانوا يحلمون بالدولة العربية الكبرى ،لكن اتفاقية (سايكس بيكو) قسمت كل المشروع ،ومزقت بلاد الشام شر تمزق ،ولم يكتب للمشروع النجاح وخلف الاحساس بالخيبة ،وسينعكس هذا فيما بعد على النص الأدبي ،ثم جاءت الثورات والانتفاضات التي قامت فترات لاحقة في مواجهة الاستعمار الفرنسي ،والانكليزي ،وإسرائيل ،وغيرها حتى فترة السبعينات ،ثم دخلنا في مرحلة خيبة كبيرة بدءاً من الثمانينات ،عندما انهارت كل المشاريع العربية القومية ،ولم تصل للأسف الى أهدافها التي رفعتها في البدايات ،وتقريباً تخلصت الخطابات السياسية من هذه المشاريع بما في ذلك قضية فلسطين ، والكاتب العربي الذي ينشأ ضمن هذه الظروف كان هاجسه المركزي هو أن يعبر عن هذه الظروف ،وكان التعبير السياسي هو الوسيلة المثلى لهذا التعبير ،لكن الذي حدث فيما بعد الى نهاية القرن ،ان الكاتب العربي بدأ يفكر في شكل سردي من نوع آخر يسمح له بالعمل على المجتمع الذي يكتب عنه ،لكن بوسائل جمالية جديدة ،فأدخل عنصر الطرفة ،وأدخل سؤال اللغة ، وأدخل سؤال الجماليات وأصبحت الرواية ليست خطاباً سياسياً ولكن خطاباً عليه أن يشتغل أولاً بالوسائل الأدبية التي تؤسس له ،والتي تفرض استمراريته ،وتضمن كذلك التعريفات التي تعطى له كأدب .
< تناولت في عدد من رواياتك قضايا الإرهاب ..ماتقديرك للتأزم الوطني والقومي الناجم عن ذلك ؟
- الإرهاب هو التعبير الأجلى لانهيار الحداثة في الوطن العربي ،لأنه لونجح الفعل الحداثي في الوطن العربي ،لما وجدت هذه العودة الى الوراء ،فمادام هناك اجتياح للظاهرة الأصولية ،فهناك خيبات كبيرة ،فيما يتعلق في التحقيق الديمقراطي لم ينجز في الوطن العربي والذي كان يمكن أن يدفع بهذه التيارات للانهيار ،ورهان التعليم والتكوين لم ينجح - التكوين بالمعنى الدقيق وليس التعليم ،لأن هناك فرق بين التعليم والتكوين - نحن فتحنا مدارس عديدة وفتحنا جامعات ،ولكن ماهو المشروع السياسي والثقافي والحضاري الذي كانت تدافع عنه البلدان العربية ،للأسف هذه المشاريع وصلت الى أفق مسدود ،لأنها لم تتطور من داخلها ،فكانت تتطور تحت فعل الأزمات وتحت فعل الدفع ،ولم تأت كخيارات حقيقية ،وحتى الديمقراطية تقريبا في السنوات الأخيرة فرضت عليها فرضاً وبالتالي نرى الحركة الأصولية وانهيار لمشروع التحديث العربي ،وهو الصورة العالية التي يتجلى من خلالها هذا الانهيار البشع والكلي ،طبعاً الرواية العربية دخلت غمار هذه التجربة ،وعبرت عنها ،وكتبت عنها ،وأنا كنت من الذين كتبوا عن هذا الانهيار وهذه الخسارة والثمن يدفع ثمن هذه الكتابة بالمنفى والحذر ..الخ الى اخره ،ولكن الكاتب كذلك عليه أن يدخل غمار هذه تجربة شعبه ،ولايبقى على الهامش ،ولو انه في قتله ،لأنك تخسر تاريخ ،وعندما تخسر هذا التاريخ عليك أن تقبل بثمن ،لأنه لايوجد مثلك سياسي ،وثقافي ،وحضاري يوجد فقط بالنوايا الحسنة ،وكتابة الرواية عن الارهاب مثل :( سيدة المقام ، أو حارسة الظلال ،أو مرايا الطريق ) أوغيرها من الروايات التي كتبتها حول هذه الحقبة ،في الحقيقة هي التعبير الأدبي الذي حدث في الجزائر ويمكن أن يحدث في بلدان عربية أخرى .
< كتبت في بعض الروايات عن إشكالية المنفى والاغتراب الخارجي والداخلي على نحو غير مباشر اعتماداً على التأويل ..مامدى التواصل برأيك بين وعي الذات وحوار الحضارات ؟
- أنا أؤمن بشيء مهم بأننا لسنا في الجزيرة لوحدنا ،نحن موجودون داخل عالم ،ومايسمى بالعولمة،أو غيرها هي في الحقيقة تحمل وجهين : هناك التعبير السياسي والاقتصادي الذي يستفيد منه الغرب بالدرجة الأؤلى طبعاً ،ولكن هناك أيضاً التعبير الثقافي الذي كان يشتغل عليه الكتاب العالميون - والعرب من بينهم - وتحدثوا عن أن العالم قرية صغيرة ،وسؤالنا المركزي ضمن حوار الحضارات هو
كيف نكون فاعلين داخل هذه القرية الصغيرة ؟ و السؤال يبقى : هل نملك الوسائل و الوسائط الفعلية و الثقافية و الحضارية التي تسمح لنا بأن نحتل مكاننا لا بأس به ضمن هذا الفضاء ، و ضمن هذه النقاشات ؟ الامر ليس سهلاً ، ثم ان هذا الامر يأتي في افق مرتبك ، في افق صراعي و أنا لا أؤمن بفكرة صراع الحضارات ، الحضارات مجبرة ان تدخل في الحوار ، وليس الصراع ،لان الصراع مدمر ، ما نشهده اليوم حتى ليس صراعاً بين الحضارات كما يريد ( بوش ) و بعض اتباعه ان يروجوا لذلك ،لان ( بوش) واقع تحت ثقافة ( هنتنغتون ) ، و أنا ارى هذا البعد الثقافي الحواري يحتاج الى حوارية حقيقية يحتاج ان نسمع لحوارات لبعضنا البعض ، و ان لا نظل منغلقين ، انا كعربي ادخل حلبة الحوار ، و لكن الافق الذي انتظره ، هو ان لا تحول رغبتي في الحوار على أساس انها حالة ضعف ، يجب ان تؤخذ في سياقها و في مقامها .
< ابتدعت في عدد من رواياتك السرد ما بعد الحداثي استغراقاً في التخييل لابراز اشكاليات الوجود القومي تعميقاً للرؤى الفكرية المنشودة .. الى أي حد - بتقديرك - يثمر التحديث رؤى الاصالة الادبية في الوقت نفسه ؟
يمكن نحن ان نكون مرتبطين بسياقين ، الكاتب هو انسان يعيش في عصر ، و في هذا العصر هناك صراعات ، و هناك اختراقات ، الى آخره ، لكن ما هو موقعه ، هو يطلعنا الى ان سؤاله المركزي وهو : كيف يعبر عن حالة من الشجن ؟ و عن اشغال عميق في لحظة تاريخية هو موجود فيها ؟ هل يعبر عنها بالهروب مثلاً ؟ هل يعبر عنها بالدخول في غمارها و ؛كتابة نصوص تعبر عن هذا الهاجس القومي و الحضاري ، و الفكري ، و الانساني ؟ أم ماذا ؟ أنا شخصياً عندما اسأل هذا السؤال ، أقول : أنا ابن عصري ، انا حامل لكل هذه الاعتبارات و هذه المشكلات التي تتداخل ، و يجب ان اواجهها ، طبعاً لا اواجهها بالكلاشنكوف ، و لا بالمسدس ، لان هذا ليس من اختصاصي ، و لكن اواجهها بالقلم ، و بإدخال فعل التساؤل الموضوعي و الخروج بنتيجة ، هذه النتيجة قد تكون رواية ، او قد تكون قصة قصيرة ، و في وضعي الحالي نقول ان تكون رواية ، و في وضع كتاب آخرين قد تكون قصة ، و قد تكون دراسة و لكن يجب ان لا نظل صامتين منهارين نتأمل في حركية العالم و هي تختفي ، لان العالم يتحرك و نحن نتأمله ، و التأمل يعني بكل بساطة ، هو الموت الحتمي لانه انت لا يمكن ان تضيف قطرة ماء للمجهود العالمي و الانساني اذا لم تكن تملك القدرة على صياغة اسئلتك الحقيقية ، ما هو سؤالنا نحن كعرب ؟ سؤالنا كعرب او كمبدعين عرب - اذا اردت ان اخفف - هو ان نكون موجودين في زمن يريد ان ينفينا و ان يخرجنا من العصر ، و من التاريخ ، هذا المجهود يجعلنا احياناً نطير ، و أحيناً نبقى على الهامش ، أو على الحافة ، لكن نبذل المجهود كي نبقى في هذا العالم ، و اعتقد ان معاناة الانسان العربي ، أو الكاتب العربي هو أن العالم وضع في سياج ، و بعدها يمنع من الدخول ، و يقولون : لازم تدخل ، و على العربي ان يبذل مجهوداً مضاعفاً ، اكثر من غيره ، و يقطع كل الاسلاك الوهمية التي توضع بينه و بين الحضارة ، و يخترقها و يدخل ، و انا اقول ان الحالة ليست إلا لحظات تاريخية من الصعوبة بمكان و هذا الكاتب العربي يستطع اختراق تلك الاسلاك .
< تعتبر انت من أهم الروائيين العرب في الجزائر .. ما رأيك بالرواية العربية في الجزائر ؟ اهم خاصية في الجزائر وجود جنس أدبي استقر بشكل كاف ، و خلق مسارات طبيعية ، فعندك الجيل التأسيسي ، و هو الجيل الاول ، ثم الجيل الوسيط ، ثم يأتي جيل الشباب ، و ان في هذا السياق لا توجد قطيعة تكفر خطيئة الرواية ، بالعكس ان القطيعات الموجودة لم تكثر الخطر ، فهي ساهمت في تعميقها في تنفيذها ، انا اقول ان جيلي - وهو ما يطلق عليه جيل السبعينات - و هو جيل عاش كذلك التجربة القومية و الاشتراكية الى آخره ، عاشها أولاً كوجود - انه وجد نفسه فيها - و لكنه عاشها كذلك كصراع داخلي ، بأن أمر مثل هذا لايمكن ان يحقق إلا من خلال المعطى النقدي ، و عاشها كذلك خيبة لان كل الفعل الحداثي الذي حمله على عاتقه للأسف سقط في الماء ، الآن لا يمكن ان اقول ان كل ما انجز كان خائباً ، و بالعكس تماماً لانه في تاريخ الشعوب دائماً هناك قفزات ، و زيادات ، ثم صعود ، ( الطاهر و طار ) يكتب عن الخيبة ، و عن الانهيار ،و احياناً يرى ان حل الحداثة هو في العودة الى الاصول الاولى الحركة الاسلاموية وهذا ما عرضه للنقاش مع الكثيرين من الكتاب « ابن هدوقة » رحمه الله ينظر الى ضرورة احداث قطيعة مع كل الاشكال الميتة أما بعض الكتاب الجزائريين الشباب فينظرون الى ضرورة رفض كل الممارسات السابقة للجيل السبعيني والجيل التأسيسي وانشاء تقاليد ثقافية اخرى جديدة ولكن هذا كله يدخل في طبيعة الصراع من اجل ايجاد مسلك حقيقي ليس فقط في الرواية لكن للخيارات المستقبلية الثقافية والسياسية والحضارية والفكرية .
< اضافة الى انك روائي ومبدع انت استاذ جامعي وناقد وتمارس النقد منهجياً ومعرفياً .. كيف توفق بين النقد الروائي والرواية ؟
توفقت عن النقد منذ سنوات وكل ما اقوم به حالياً هو مجرد اسهامات في هكذا ندوات أو مؤتمرات لا اعتبرها نقداً بقدر ماهو دخول في معارض التساؤلات العربية من الناحية النقدية لكن انا ادرس في الجامعة المناهج النقدية وهذا ما يجعلني في مجابهة يومية مع النقد وهذا يأخذ مني وقتاً كبيراً ليس فقط في التحضير ولكن حتى في الانشغال احاول ان استفيد من هذه الاسئلة وادرجها ضمن الكتابة الروائية التي تخصصت فيها في السنوات الاخيرة ولكن مع ذلك فأنا بفعل الوظيفة على ان ابقى على تماس مع هذه الاسئلة النقدية الزمن المعطى للانسان هو زمن قصير وانا اقول انه من العبث ان نضيع جزءاً من هذا الزمن في مسائل يمكن ان يكون هناك اناس يمكن ان يقوموا بها احسن منا ففي المجال النقدي انا ارى ان هناك نقاداً عرب متخصصين ومنهم جزائريون هم يقومون بهذه الوظيفة وليسوا بحاجة الي وافضل ان اظل في عالمي الخاص وعالمي الذاتي هو عالم الكتابة الروائية وهذا الخيار ذاتي وخيار استراتيجي وخيار نهائي كذلك رغم انه يحدث في نوع من البطر لان علي ان اتخلص من جزء من ثقافتي التي كونتها عبر اربعين سنة ومع ذلك لا خيار في ذلك اذا اردت ان اتفرغ لكتابة نص روائي يفترض ان اقدم شيئاً جيداً على مستوى الوضع العربي .
< شاركت في مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية الذي تقيمه مديرية ثقافة الرقة .. كيف تنظر الى تجربة الدكتور عبد السلام العجيلي رحمه الله ككاتب وروائي ؟
العجيلي تجربة استثنائية وهذه الاستثناء متأت من العديد من العناصر وهذا جميل ولكنه في الوقت نفسه يضعه امام مسؤوليات كبيرة اولاً انه شخص عمر طويلاً /1918 - 2006 / هذا ليس معطى لكل الناس فهو حظه الطبيعي ان يشغل كل هذا الزمن ومقدر للانسان العيش في كل هذا الزمن منحه ان يكون ممثلاً لتجربة جيل بكامله تبدأ مع بداية القرن وتنتهي بنهايته واذا حكمنا على العجيلي فنحن نحكم على مسار قرن بكامله ثم ان مسار هذا القرن انجز فيه الكاتب نصوصاً وهذه النصوص متعددة ومتنوعة وتحيلنا الى الاسئلة الكبرى بخيباتنا بأفراحنا الى آخره فكيف نتعامل مع هذا الرجل ؟ كيف نتعامل مع هذا القرن ؟ ان التعامل مع العجيلي هو تعامل مع قرن مضى وانتهى للأسف انتهى خائباً هذا القرن وانتهى بدون نتائج تذكر لكن انتهى بهزائم كبيرة انتهى بأسئلة تتعلق بمشكلة الحداثة لم تحل انتهى بأسئلة تتعلق بالمشكلة الديمقراطية لم تحل انتهى بوظيفة الكتابة لم تحل انتهى بالصراع الذهني القائم حول دور المثقف في الوطن الذي يعيش فيه هل هو مجرد بوق ؟ مجرد صوت ؟ ام انه فاعل وهذا الفعل ربما قد يضعه بين قوسين ثم ماهي وظيفة السياسي والاديب الذي يكون فيه هاتين الصفتين ؟ هو سياسي وهو اديب بالوقت نفسه اذا هو العجيلي يضعنا امام هذه الاسئلة انا في مداخلتي اتحدث فيها حول فكرة الهاوي هل هذا الرجل الذي قطع قرناً بكامله كتابة وابداعاً قصة ورواية ومسرحاً وشعراً ونقداً وتأملات وسفريات ومقامات الى آخره هل هو هذا الشخص الهاوي ؟ هو يقول عن نفسه انه هاوي وهذا لغة ولكنه في العمق لم يكن هاوياً مطلقاً وكان رجلاً مسؤولاً عما يقوله ولهذا هو وجد ضالته في نوع من الانفصال والانزواء ثم وجده في الرقة هذه نقطة العزلة التي تمنحه فرصة الكتابة وفرصة التأمل وفرصة القول ان هذا فعلاً يدهشني واقول : خسارة ان العجيلي رحل ولم نستفد منه كثيراً مثلاً لم ار حواراً مفصلاً وهو الذي شارك في جيش الانقاذ وانا اشتغل على هذه الحقبة وعندي رواية ستصدر قريباً واسميتها « خيبات الشرق » تتناول فعلاً هذا القرن الميت أو الذي ذهب وقرأت له كتابه الاخير « جيش الانقاذ » لكن هذه التجربة العميقة ، كان مع القاوقجي ، كيف لم نستطيع أن نتقرب منه ؟ أنا مثلاً قلبي يأكلني ، لو كان حياً لقمت بسفرة من أجله ، ولسألته هذا السؤال : لماذا .. لماذا الجيش العربي انهزم ؟ كيف كانت الثورة ؟ من كان يعطي القرارات ؟ كيف سلمت .. ؟ كيف دخل الجيش العربي إلى القدس ؟ كيف لم يستطع أن يحمي فلسطين ؟ كيف حدثت الخيانات العربية ؟ مثلاً في تلك الفترات ، كلها أسئلة أنا تشغلني ، وتشغلني كعربي أولاً ، وتشغلني كمثقف جزائري وإنساني ثانياً ، وأقول للاسف هؤلاء الكبار ذهبوا بدون أن نستطيع أن نصل إليهم ، لأن دوامة الحياة لم تمنحنا هذه الفرص ، لكن بدون كلام العجيلي هو شخص استثنائي .
نقلا عن جريدة الفرات
يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - دير الزور الخميس 8-2-2007 - رقم العدد 747
حاوره : محمود البعلاو
الأحد 11-2-2007
واسيني الأعرج ،كاتب روائي ،وناقد ،وقاص ،وأستاذ جامعي ،ولد في قرية سيدي بوجنان - تلمسان - الجزائر عام 4591 م ،دكتوراه في الأدب من جامعة دمشق ،يعمل أستاذاً جامعياً في جامعة السوربون بباريس ،والجامعة الجزائرية ،ترجمت أعماله الى عدة لغات منها الفرنسية ،والانكليزية ،والايطالية ،والاسبانية ،صدر له في الرواية :
(وقائع من أوجاع - رجل غامر جنوب البحر - وقع الأحذية الخشنة - ماتبقى من سيرة الخضر حمروش - نوار اللوز - مصرع أحلام مريم الوديعة - ضمير الغائب - الليلة السابعة بعد الألف - سيدة المقام - شرفات بحر الشمال - حارسة الظلال - ذاكرة الماء ) وصدر له في القصة (مرايا العزيز - كتاب الأمير أسماك البحر المتوحش - أحزان الكتابة عن المنفى - أحميدة المسيردي الطيب ) .
وصدر له في الدراسات : ( اتجاهات الرواية العربية في الجزائر )،وقدم برنامجاً تلفزيونياً بعنوان (أهل الكتاب) ..التقيناه مشاركاً في مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية في دار الأسد للثقافة بالرقة ،وأجرينا معه الحوار :
< وضعت كتباً سردية كثيرة (قصة - رواية - نصوص) وهناك كتاب روائي طويل ،وكتاب قصصي أو سردي يميل الى القصر - كيف تنظرالى الكتابة السردية ؟
- أنا أنظر الى الكتابة السردية بوصفها وسيلة تعبيرية عالية ،أنا اشتغلت في خياراتي الشخصية ،بدأت قاصاً ،كتبت العديد من القصص القصيرة ، ونشرت ثلاث مجموعات قصصية هي :(أحزان الكتابة عن المنفى - أحميدة المسيردي الطيب - أسماك البحر المتوحش )تناولت فيها - من خلال السرد المكثف - الأوضاع التي كانت تعيشها الجزائر من فترة الاستعمار الى الوقت الحاضر ،وتناولت بعض القضايا العربية التي كانت تشغلني ككاتب ،لكن بدءاً من الثمانينات توقفت عن كتابة القصة القصيرة ،وبدأت أكتب الرواية واعتبرت إن كتابة القصة بالنسبة لي كانت مرحلة طارئة في الحقيقة ،لأن هناك - حتى في قصصي القصيرة - بعداً سردياً ،ونفساً طويلاً ،لايمكن للقصة القصيرة أن تستوعبه ،فوجدت في الرواية وسيلتي وضالتي في الكتابة ،وبالموازاة كنت اشتغل بالنقد مادامت قد أنجزت رسالتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الجزائري والأدب العربي حول نظرية البطل ،ونقلت هذا الفعل الأكاديمي الى الجامعة ،عندما عدت الى الجزائر في عام 1958 م ،عائداً من دمشق ،وباريس طبعاً ، وبدأت أتعامل مع النقد ،وهذا يتأتى من كون أن المادة االنقدية بالنسبة لي هي مادة جمالية بالدرجة الأولى لكن مع بداية التسعينات أوقفت كل العمل القصصي القصير ،وأوقفت كل الاشتغال النقدي على الرواية وبدأت أكتب الرواية ،تفرغت للعمل الروائي لأنني أؤمن بالتخصص ،ولم أكن أريد تخصيص وقتي الإضافي الى للكتابة النقدية ،ولكن قلت سأضيفه كقيمة إضافية للكتابة الروائية مما سمح لي بإنجاز الكثير من المشاريع التي كانت تشغلني ككاتب وروائي ،وهي طبعاً مشاريع وجدت لها قراء في الجزائر ،وفي الوطن العربي ،وحتى عالمياً ،لأن الكثير من هذه النصوص ترجم الى العديد من اللغات العالمية .
< عالجت في رواياتك - على سبيل الواقعية النقدية - القضايا القومية في أبعادها التاريخية ومنظوراتها السياسية ..مارأيك في الخطاب الروائي ومدى تمثيله للخصائص الثقافية والسياسية ؟
- أنت تعرف أن الوطن العربي عاش ظروفاً صعبة ،عاش ظروف انفصاله - مثلا - في بداية القرن العشرين عن تركيا ،وهذا خلق نوع من الانكسارات الداخلية ،خصوصاً بعد اعدامات 1915 - 1916 - للمناضلين والمثقفين العرب الذين كانوا ينادون باستقلال الأرض العربية عن الدولة العثمانية ،وهؤلاء كانوا يحلمون بالدولة العربية الكبرى ،لكن اتفاقية (سايكس بيكو) قسمت كل المشروع ،ومزقت بلاد الشام شر تمزق ،ولم يكتب للمشروع النجاح وخلف الاحساس بالخيبة ،وسينعكس هذا فيما بعد على النص الأدبي ،ثم جاءت الثورات والانتفاضات التي قامت فترات لاحقة في مواجهة الاستعمار الفرنسي ،والانكليزي ،وإسرائيل ،وغيرها حتى فترة السبعينات ،ثم دخلنا في مرحلة خيبة كبيرة بدءاً من الثمانينات ،عندما انهارت كل المشاريع العربية القومية ،ولم تصل للأسف الى أهدافها التي رفعتها في البدايات ،وتقريباً تخلصت الخطابات السياسية من هذه المشاريع بما في ذلك قضية فلسطين ، والكاتب العربي الذي ينشأ ضمن هذه الظروف كان هاجسه المركزي هو أن يعبر عن هذه الظروف ،وكان التعبير السياسي هو الوسيلة المثلى لهذا التعبير ،لكن الذي حدث فيما بعد الى نهاية القرن ،ان الكاتب العربي بدأ يفكر في شكل سردي من نوع آخر يسمح له بالعمل على المجتمع الذي يكتب عنه ،لكن بوسائل جمالية جديدة ،فأدخل عنصر الطرفة ،وأدخل سؤال اللغة ، وأدخل سؤال الجماليات وأصبحت الرواية ليست خطاباً سياسياً ولكن خطاباً عليه أن يشتغل أولاً بالوسائل الأدبية التي تؤسس له ،والتي تفرض استمراريته ،وتضمن كذلك التعريفات التي تعطى له كأدب .
< تناولت في عدد من رواياتك قضايا الإرهاب ..ماتقديرك للتأزم الوطني والقومي الناجم عن ذلك ؟
- الإرهاب هو التعبير الأجلى لانهيار الحداثة في الوطن العربي ،لأنه لونجح الفعل الحداثي في الوطن العربي ،لما وجدت هذه العودة الى الوراء ،فمادام هناك اجتياح للظاهرة الأصولية ،فهناك خيبات كبيرة ،فيما يتعلق في التحقيق الديمقراطي لم ينجز في الوطن العربي والذي كان يمكن أن يدفع بهذه التيارات للانهيار ،ورهان التعليم والتكوين لم ينجح - التكوين بالمعنى الدقيق وليس التعليم ،لأن هناك فرق بين التعليم والتكوين - نحن فتحنا مدارس عديدة وفتحنا جامعات ،ولكن ماهو المشروع السياسي والثقافي والحضاري الذي كانت تدافع عنه البلدان العربية ،للأسف هذه المشاريع وصلت الى أفق مسدود ،لأنها لم تتطور من داخلها ،فكانت تتطور تحت فعل الأزمات وتحت فعل الدفع ،ولم تأت كخيارات حقيقية ،وحتى الديمقراطية تقريبا في السنوات الأخيرة فرضت عليها فرضاً وبالتالي نرى الحركة الأصولية وانهيار لمشروع التحديث العربي ،وهو الصورة العالية التي يتجلى من خلالها هذا الانهيار البشع والكلي ،طبعاً الرواية العربية دخلت غمار هذه التجربة ،وعبرت عنها ،وكتبت عنها ،وأنا كنت من الذين كتبوا عن هذا الانهيار وهذه الخسارة والثمن يدفع ثمن هذه الكتابة بالمنفى والحذر ..الخ الى اخره ،ولكن الكاتب كذلك عليه أن يدخل غمار هذه تجربة شعبه ،ولايبقى على الهامش ،ولو انه في قتله ،لأنك تخسر تاريخ ،وعندما تخسر هذا التاريخ عليك أن تقبل بثمن ،لأنه لايوجد مثلك سياسي ،وثقافي ،وحضاري يوجد فقط بالنوايا الحسنة ،وكتابة الرواية عن الارهاب مثل :( سيدة المقام ، أو حارسة الظلال ،أو مرايا الطريق ) أوغيرها من الروايات التي كتبتها حول هذه الحقبة ،في الحقيقة هي التعبير الأدبي الذي حدث في الجزائر ويمكن أن يحدث في بلدان عربية أخرى .
< كتبت في بعض الروايات عن إشكالية المنفى والاغتراب الخارجي والداخلي على نحو غير مباشر اعتماداً على التأويل ..مامدى التواصل برأيك بين وعي الذات وحوار الحضارات ؟
- أنا أؤمن بشيء مهم بأننا لسنا في الجزيرة لوحدنا ،نحن موجودون داخل عالم ،ومايسمى بالعولمة،أو غيرها هي في الحقيقة تحمل وجهين : هناك التعبير السياسي والاقتصادي الذي يستفيد منه الغرب بالدرجة الأؤلى طبعاً ،ولكن هناك أيضاً التعبير الثقافي الذي كان يشتغل عليه الكتاب العالميون - والعرب من بينهم - وتحدثوا عن أن العالم قرية صغيرة ،وسؤالنا المركزي ضمن حوار الحضارات هو
كيف نكون فاعلين داخل هذه القرية الصغيرة ؟ و السؤال يبقى : هل نملك الوسائل و الوسائط الفعلية و الثقافية و الحضارية التي تسمح لنا بأن نحتل مكاننا لا بأس به ضمن هذا الفضاء ، و ضمن هذه النقاشات ؟ الامر ليس سهلاً ، ثم ان هذا الامر يأتي في افق مرتبك ، في افق صراعي و أنا لا أؤمن بفكرة صراع الحضارات ، الحضارات مجبرة ان تدخل في الحوار ، وليس الصراع ،لان الصراع مدمر ، ما نشهده اليوم حتى ليس صراعاً بين الحضارات كما يريد ( بوش ) و بعض اتباعه ان يروجوا لذلك ،لان ( بوش) واقع تحت ثقافة ( هنتنغتون ) ، و أنا ارى هذا البعد الثقافي الحواري يحتاج الى حوارية حقيقية يحتاج ان نسمع لحوارات لبعضنا البعض ، و ان لا نظل منغلقين ، انا كعربي ادخل حلبة الحوار ، و لكن الافق الذي انتظره ، هو ان لا تحول رغبتي في الحوار على أساس انها حالة ضعف ، يجب ان تؤخذ في سياقها و في مقامها .
< ابتدعت في عدد من رواياتك السرد ما بعد الحداثي استغراقاً في التخييل لابراز اشكاليات الوجود القومي تعميقاً للرؤى الفكرية المنشودة .. الى أي حد - بتقديرك - يثمر التحديث رؤى الاصالة الادبية في الوقت نفسه ؟
يمكن نحن ان نكون مرتبطين بسياقين ، الكاتب هو انسان يعيش في عصر ، و في هذا العصر هناك صراعات ، و هناك اختراقات ، الى آخره ، لكن ما هو موقعه ، هو يطلعنا الى ان سؤاله المركزي وهو : كيف يعبر عن حالة من الشجن ؟ و عن اشغال عميق في لحظة تاريخية هو موجود فيها ؟ هل يعبر عنها بالهروب مثلاً ؟ هل يعبر عنها بالدخول في غمارها و ؛كتابة نصوص تعبر عن هذا الهاجس القومي و الحضاري ، و الفكري ، و الانساني ؟ أم ماذا ؟ أنا شخصياً عندما اسأل هذا السؤال ، أقول : أنا ابن عصري ، انا حامل لكل هذه الاعتبارات و هذه المشكلات التي تتداخل ، و يجب ان اواجهها ، طبعاً لا اواجهها بالكلاشنكوف ، و لا بالمسدس ، لان هذا ليس من اختصاصي ، و لكن اواجهها بالقلم ، و بإدخال فعل التساؤل الموضوعي و الخروج بنتيجة ، هذه النتيجة قد تكون رواية ، او قد تكون قصة قصيرة ، و في وضعي الحالي نقول ان تكون رواية ، و في وضع كتاب آخرين قد تكون قصة ، و قد تكون دراسة و لكن يجب ان لا نظل صامتين منهارين نتأمل في حركية العالم و هي تختفي ، لان العالم يتحرك و نحن نتأمله ، و التأمل يعني بكل بساطة ، هو الموت الحتمي لانه انت لا يمكن ان تضيف قطرة ماء للمجهود العالمي و الانساني اذا لم تكن تملك القدرة على صياغة اسئلتك الحقيقية ، ما هو سؤالنا نحن كعرب ؟ سؤالنا كعرب او كمبدعين عرب - اذا اردت ان اخفف - هو ان نكون موجودين في زمن يريد ان ينفينا و ان يخرجنا من العصر ، و من التاريخ ، هذا المجهود يجعلنا احياناً نطير ، و أحيناً نبقى على الهامش ، أو على الحافة ، لكن نبذل المجهود كي نبقى في هذا العالم ، و اعتقد ان معاناة الانسان العربي ، أو الكاتب العربي هو أن العالم وضع في سياج ، و بعدها يمنع من الدخول ، و يقولون : لازم تدخل ، و على العربي ان يبذل مجهوداً مضاعفاً ، اكثر من غيره ، و يقطع كل الاسلاك الوهمية التي توضع بينه و بين الحضارة ، و يخترقها و يدخل ، و انا اقول ان الحالة ليست إلا لحظات تاريخية من الصعوبة بمكان و هذا الكاتب العربي يستطع اختراق تلك الاسلاك .
< تعتبر انت من أهم الروائيين العرب في الجزائر .. ما رأيك بالرواية العربية في الجزائر ؟ اهم خاصية في الجزائر وجود جنس أدبي استقر بشكل كاف ، و خلق مسارات طبيعية ، فعندك الجيل التأسيسي ، و هو الجيل الاول ، ثم الجيل الوسيط ، ثم يأتي جيل الشباب ، و ان في هذا السياق لا توجد قطيعة تكفر خطيئة الرواية ، بالعكس ان القطيعات الموجودة لم تكثر الخطر ، فهي ساهمت في تعميقها في تنفيذها ، انا اقول ان جيلي - وهو ما يطلق عليه جيل السبعينات - و هو جيل عاش كذلك التجربة القومية و الاشتراكية الى آخره ، عاشها أولاً كوجود - انه وجد نفسه فيها - و لكنه عاشها كذلك كصراع داخلي ، بأن أمر مثل هذا لايمكن ان يحقق إلا من خلال المعطى النقدي ، و عاشها كذلك خيبة لان كل الفعل الحداثي الذي حمله على عاتقه للأسف سقط في الماء ، الآن لا يمكن ان اقول ان كل ما انجز كان خائباً ، و بالعكس تماماً لانه في تاريخ الشعوب دائماً هناك قفزات ، و زيادات ، ثم صعود ، ( الطاهر و طار ) يكتب عن الخيبة ، و عن الانهيار ،و احياناً يرى ان حل الحداثة هو في العودة الى الاصول الاولى الحركة الاسلاموية وهذا ما عرضه للنقاش مع الكثيرين من الكتاب « ابن هدوقة » رحمه الله ينظر الى ضرورة احداث قطيعة مع كل الاشكال الميتة أما بعض الكتاب الجزائريين الشباب فينظرون الى ضرورة رفض كل الممارسات السابقة للجيل السبعيني والجيل التأسيسي وانشاء تقاليد ثقافية اخرى جديدة ولكن هذا كله يدخل في طبيعة الصراع من اجل ايجاد مسلك حقيقي ليس فقط في الرواية لكن للخيارات المستقبلية الثقافية والسياسية والحضارية والفكرية .
< اضافة الى انك روائي ومبدع انت استاذ جامعي وناقد وتمارس النقد منهجياً ومعرفياً .. كيف توفق بين النقد الروائي والرواية ؟
توفقت عن النقد منذ سنوات وكل ما اقوم به حالياً هو مجرد اسهامات في هكذا ندوات أو مؤتمرات لا اعتبرها نقداً بقدر ماهو دخول في معارض التساؤلات العربية من الناحية النقدية لكن انا ادرس في الجامعة المناهج النقدية وهذا ما يجعلني في مجابهة يومية مع النقد وهذا يأخذ مني وقتاً كبيراً ليس فقط في التحضير ولكن حتى في الانشغال احاول ان استفيد من هذه الاسئلة وادرجها ضمن الكتابة الروائية التي تخصصت فيها في السنوات الاخيرة ولكن مع ذلك فأنا بفعل الوظيفة على ان ابقى على تماس مع هذه الاسئلة النقدية الزمن المعطى للانسان هو زمن قصير وانا اقول انه من العبث ان نضيع جزءاً من هذا الزمن في مسائل يمكن ان يكون هناك اناس يمكن ان يقوموا بها احسن منا ففي المجال النقدي انا ارى ان هناك نقاداً عرب متخصصين ومنهم جزائريون هم يقومون بهذه الوظيفة وليسوا بحاجة الي وافضل ان اظل في عالمي الخاص وعالمي الذاتي هو عالم الكتابة الروائية وهذا الخيار ذاتي وخيار استراتيجي وخيار نهائي كذلك رغم انه يحدث في نوع من البطر لان علي ان اتخلص من جزء من ثقافتي التي كونتها عبر اربعين سنة ومع ذلك لا خيار في ذلك اذا اردت ان اتفرغ لكتابة نص روائي يفترض ان اقدم شيئاً جيداً على مستوى الوضع العربي .
< شاركت في مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية الذي تقيمه مديرية ثقافة الرقة .. كيف تنظر الى تجربة الدكتور عبد السلام العجيلي رحمه الله ككاتب وروائي ؟
العجيلي تجربة استثنائية وهذه الاستثناء متأت من العديد من العناصر وهذا جميل ولكنه في الوقت نفسه يضعه امام مسؤوليات كبيرة اولاً انه شخص عمر طويلاً /1918 - 2006 / هذا ليس معطى لكل الناس فهو حظه الطبيعي ان يشغل كل هذا الزمن ومقدر للانسان العيش في كل هذا الزمن منحه ان يكون ممثلاً لتجربة جيل بكامله تبدأ مع بداية القرن وتنتهي بنهايته واذا حكمنا على العجيلي فنحن نحكم على مسار قرن بكامله ثم ان مسار هذا القرن انجز فيه الكاتب نصوصاً وهذه النصوص متعددة ومتنوعة وتحيلنا الى الاسئلة الكبرى بخيباتنا بأفراحنا الى آخره فكيف نتعامل مع هذا الرجل ؟ كيف نتعامل مع هذا القرن ؟ ان التعامل مع العجيلي هو تعامل مع قرن مضى وانتهى للأسف انتهى خائباً هذا القرن وانتهى بدون نتائج تذكر لكن انتهى بهزائم كبيرة انتهى بأسئلة تتعلق بمشكلة الحداثة لم تحل انتهى بأسئلة تتعلق بالمشكلة الديمقراطية لم تحل انتهى بوظيفة الكتابة لم تحل انتهى بالصراع الذهني القائم حول دور المثقف في الوطن الذي يعيش فيه هل هو مجرد بوق ؟ مجرد صوت ؟ ام انه فاعل وهذا الفعل ربما قد يضعه بين قوسين ثم ماهي وظيفة السياسي والاديب الذي يكون فيه هاتين الصفتين ؟ هو سياسي وهو اديب بالوقت نفسه اذا هو العجيلي يضعنا امام هذه الاسئلة انا في مداخلتي اتحدث فيها حول فكرة الهاوي هل هذا الرجل الذي قطع قرناً بكامله كتابة وابداعاً قصة ورواية ومسرحاً وشعراً ونقداً وتأملات وسفريات ومقامات الى آخره هل هو هذا الشخص الهاوي ؟ هو يقول عن نفسه انه هاوي وهذا لغة ولكنه في العمق لم يكن هاوياً مطلقاً وكان رجلاً مسؤولاً عما يقوله ولهذا هو وجد ضالته في نوع من الانفصال والانزواء ثم وجده في الرقة هذه نقطة العزلة التي تمنحه فرصة الكتابة وفرصة التأمل وفرصة القول ان هذا فعلاً يدهشني واقول : خسارة ان العجيلي رحل ولم نستفد منه كثيراً مثلاً لم ار حواراً مفصلاً وهو الذي شارك في جيش الانقاذ وانا اشتغل على هذه الحقبة وعندي رواية ستصدر قريباً واسميتها « خيبات الشرق » تتناول فعلاً هذا القرن الميت أو الذي ذهب وقرأت له كتابه الاخير « جيش الانقاذ » لكن هذه التجربة العميقة ، كان مع القاوقجي ، كيف لم نستطيع أن نتقرب منه ؟ أنا مثلاً قلبي يأكلني ، لو كان حياً لقمت بسفرة من أجله ، ولسألته هذا السؤال : لماذا .. لماذا الجيش العربي انهزم ؟ كيف كانت الثورة ؟ من كان يعطي القرارات ؟ كيف سلمت .. ؟ كيف دخل الجيش العربي إلى القدس ؟ كيف لم يستطع أن يحمي فلسطين ؟ كيف حدثت الخيانات العربية ؟ مثلاً في تلك الفترات ، كلها أسئلة أنا تشغلني ، وتشغلني كعربي أولاً ، وتشغلني كمثقف جزائري وإنساني ثانياً ، وأقول للاسف هؤلاء الكبار ذهبوا بدون أن نستطيع أن نصل إليهم ، لأن دوامة الحياة لم تمنحنا هذه الفرص ، لكن بدون كلام العجيلي هو شخص استثنائي .
نقلا عن جريدة الفرات
يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - دير الزور الخميس 8-2-2007 - رقم العدد 747